سورة النساء | حـ 825 | 164 - 165| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •القرآن ليس كتاب تاريخ بل كتاب هداية يأخذ من القصص عبرة ويُقدم الهدى.
- •ذكر الله في القرآن بعض الرسل وترك آخرين، فالأنبياء يصلون إلى 124 ألفاً، والرسل 313 رسولاً.
- •تناول القرآن القضايا المهمة في قصص الأنبياء دون التفاصيل غير الضرورية، كما في قصة آدم وقصة موسى.
- •ينبغي العمل بالدين أكثر من كثرة الأسئلة، كما تشير قصة البقرة التي تقضي على فوضى الخطاب الديني.
- •كلَّم الله موسى تكليماً، واستخدام المفعول المطلق يؤكد حقيقة الكلام وينفي المجاز، ولذلك سُمي موسى بكليم الله.
- •الرسل هم مبشرون ومنذرون، يوضحون طريق الحق ويحذرون من الباطل.
- •الإيمان بيوم القيامة ركن من أركان الإيمان الستة، ومنكره ليس بمؤمن.
- •أرسل الله الرسل وأيدهم بالمعجزات ليقطع الحجة على الناس يوم القيامة.
مقدمة في سورة النساء وآية الرسل الذين قصهم الله وأعدادهم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164]
لأن الرسل كثيرون، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أنهم تجاوزوا الثلاثمائة؛ ثلاثمائة وثلاثة عشر، وأنهم من أنبياء وصلوا في العدد إلى مائة وأربعة وعشرين ألف نبي. فيبقى إذن الأنبياء كثيرون.
القرآن كتاب هداية وعبرة وليس كتاب تاريخ وتفاصيل
والقرآن ليس كتاب تاريخ، بل هو كتاب هداية؛ يأخذ من التاريخ عبرة ويعطينا هدايته.
ولذلك اليهود قالوا: ما هذا وما لزوم هذا؟ القرآن إنّ القرآن يذكر لنا العبر والهداية فقط ولا يذكر التفاصيل. كنا نريد أن يذكروا التفاصيل: كم كان طول آدم؟ إنهم يقولون ستين ذراعًا، ستين ذراعًا يعني أربعة وعشرين مترًا، يعني ثمانية أدوار من العمارة هكذا طولها ثمانية أدوار.
الله لم يخبرنا في القرآن بهذه الحكاية، الله تحدث عن قضية التكليف وقضية التشريف وقضية المعصية وقضية التوبة وقضية العصمة وقضية النعمة. سيدنا آدم: قضية المساواة، قضية كذلك.
الفرق بين منهج القرآن ومنهج أهل الكتاب في سرد قصة آدم
هناك يقول لك: انظر، ربنا يقول ماذا:
﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ [البقرة: 36]
أزلّهما هما الاثنان [آدم وحواء معًا]. هناك [في كتب أهل الكتاب] يقول لك: لا، هذه حواء هي التي خدعت آدم، وعن طريق الشيطان الذي كان حية، والحية هذه لما دخلت جعلته يأكل من شجرة لا أعرف الحنطة... تفاصيل.
وهنا [في القرآن] لا يوجد هذه التفاصيل تمامًا؛ هنا فيها الهداية.
لماذا لم يسرد القرآن قصص جميع الأنبياء المائة وأربعة وعشرين ألفًا
ولذلك لا يسرد [القرآن] المائة وأربعة وعشرين ألف نبي؛ لأنه ليس كتاب تاريخ ولا كتاب بهذا الشكل يسرد هكذا. سيتعبك لو سرد لك المائة وعشرين ألف نبي وقال لك يجب أن تدرس وتؤمن وتحفظ مائة أربعة وعشرين ألف نبي.
لا، بل قال لك: يوجد نبوة ووحي، وربنا لم يترك الخلق هملًا ولا عبثًا. قال لك: اتق الله، كن على سنن ومنهج وطريق الأنبياء، آمن بهم والتمس هدايتهم.
العبرة من قصص الأنبياء في القرآن واستخراج أسس القضاء والاقتصاد
ولذلك قصّ علينا [الله] القصص وجعل لنا في قصصهم عبرة لأولي الألباب. ولذلك نتأمل سورة يوسف فنستخرج منها أسس القضاء العادل، ونستخرج منها بعض قواعد الاقتصاد.
نقرأ سورة الأنبياء نستفيد منها، من قصة سيدنا موسى كيف واجه وكيف تعامل حتى مع الدين. قصة البقرة هذه قصة عجيبة تقضي على فوضى الخطاب الديني الذي نشكو منه الآن.
لماذا؟ لأنه قال لهم: لا تسألوا كثيرًا، اجعلوا العمل أكثر من الأسئلة. واليوم كثرت الأسئلة وقلّ العمل، في حين أنه عندما يكثر العمل وتقل الأسئلة ولا يسأل الإنسان إلا مرة أو اثنتين أو ثلاثًا، ثم بعد ذلك يطبق ما فهمه وعرفه؛ قوم يخرج إلى نطاق النور.
تكليم الله لموسى تكليمًا حقيقيًا ودلالة المفعول المطلق على نفي المجاز
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]
كلّم الله موسى كلامًا حقيقيًا. فواحد يقول لي: أين الكلام حقيقية؟ لم يقل حقيقية! قال: وكلّم الله موسى تكليمًا.
قلنا من قبل ونقول: إن ربنا لا يستعمل المفعول المطلق إلا إذا كان ذلك على سبيل الحقيقة نافيًا للمجاز. يعني أنت تريد أن تقول إن الولد ضرب أخاه، ضرب أخاه في ماذا؟ في البورصة؟ ضرب أخاه يعني ضرب أخاه مقلبًا؟ ضرب، هل تكون مجازًا أم ضربة يعني إيذاؤه بجسمه هكذا؟ يعني الضرب المعروف.
شرح قاعدة المفعول المطلق في تأكيد الحقيقة ونفي المجاز بالأمثلة
أنت تريد أن تقول هكذا فتقول ماذا؟ ضرب الولدُ أخاه ضربًا. لغة العرب هكذا؛ حالما تقول "ضربًا" يكون ضربًا حقيقيًا.
لماذا؟ قالوا لما فيها من تأكيد. ماذا؟ ضرب ضربًا، أين التأكيد؟ قال: إن "ضربًا" هذه يوجد فيها، و"ضربًا" جوّها الضرب، يعني كرّر الضرب مرتين، يعني ضربه ضربًا يعني وصل إليه الضرب. معناها هكذا.
كلمة "تكليمًا" يعني كلامًا، فما فائدتها؟ تقول: كلامًا حقيقيًا يعني.
دلالة آية تكليم الله لموسى على أنه كلام حقيقي لا مجازي
يُستفاد من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله كلّم سيدنا موسى كلامًا حقيقيًا وليس كلامًا مجازيًا؛ أنه أوحى إليه. وليس "كلّم الله موسى تكليمًا" معناها أنه أرسل إليه ملكًا فكلّمه. وليس "كلّم الله موسى" معناها أنه ألقى في قلبه يقينًا بشيء.
لا، لو كان يريد ربنا ذلك لقال: "وكلّم الله موسى" [فقط بدون تكليمًا]. يقوم واحد منا يقول كلامًا حقيقيًا والآخر يقول كلامًا مجازيًا، يمكن أن تحتمل وقد لا. متى؟ لمّا قال:
﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]
فسيكلّمه تكليمًا، منعت احتمال المجاز وأكّدت الحقيقة.
لماذا سُمّي موسى كليم الله وتفرده بهذه الصفة عن سائر الأنبياء
ولذلك سُمّي موسى بكليم الله. لو كان سيدنا موسى ربنا كلّمه كلامًا مجازيًا بوحي أو إلهام أو إلقاء أو ملك -طرق كثيرة قوية- لكان سيدنا موسى يكون شأنه شأن الأنبياء [جميعًا]، وليس شأنه يعني متفردًا فيما كان يُسمّى كليم الله.
ولكن لمّا كان الكلام كلامًا حقيقيًا سُمّي بكليم الله، وأصبحت هذه الصفة ميزة لسيدنا موسى.
﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]
هذه المزية رفعت سيدنا موسى إلى مصافّ أولي العزم من الرسل: سيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد ﷺ وسيدنا نوح وسيدنا إبراهيم. هؤلاء يُسمّون أولي العزم من الرسل.
تفاضل الرسل في الدرجات وسيادة النبي محمد ﷺ على ولد آدم
﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]
حتى الرسل فيهم درجات، أعلاهم في اعتقادنا سيدنا محمد ﷺ:
قال النبي ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»
أنا لا أفتخر، هذا الذي حدث هكذا، هذه نعمة من عند ربنا جعله سيدًا للخلق. فالحمد لله الذي جعلنا أتباعًا لسيد الخلق.
﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]
مهمة الرسل في التبشير والإنذار وبيان طريق الحق والباطل
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء: 165]
هؤلاء الرسل جاؤوا من أجل الترغيب والترهيب، من أجل بيان طريق الحق وطريق الباطل؛ يدفعون الناس ويأمرونهم بطريق الحق ويمنعونهم من طريق الباطل، يبشّرونهم بالثواب وينذرونهم العقاب.
ولذلك فإن الإيمان بيوم القيامة ركن من أركان الإيمان. أركان الإيمان كم؟ ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إنه ركن من أركان الإيمان، والقضاء والقدر خيرهما وشرهما. ستة أركان الإيمان، وأركان الإسلام خمسة تعرفونها.
إنكار يوم القيامة يُخرج من الإيمان وبيان خطورة القول بتناسخ الأرواح
فهؤلاء الرسل يبشّرون وينذرون بحسب يوم القيامة. ولذلك من أنكر يوم القيامة فليس بمؤمن؛ يوم القيامة هذا ركن من أركان الإيمان.
فعندما تأتي جماعة ينكرون وجود يوم القيامة بالقول بتناسخ الأرواح، أو القول بأنه العالم سوف يظل هكذا أبدًا، أم كذلك؛ يبقون خارجين عن مقتضى الإيمان.
إرسال الرسل قطع لحجة الناس على الله يوم القيامة
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165]
يعني ولله الحجة البالغة؛ أرسل الرسل وأيّدهم بالمعجزات وأنزل عليهم الوحي، حتى لا نأتي يوم القيامة ونقول لله: لم ترسل لنا من يوضّح، ونحن لا ندرك بمحض عقولنا ولا باجتهادنا.
فقد قطع الله على الناس الحجة، ولله الحجة البالغة.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
