سورة النساء | حـ 827 | 167 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 827 | 167 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • حذرنا الله في سورة النساء من الصد عن سبيل الله وجعله من صفات الكافرين الذين ضلوا ضلالاً بعيداً.
  • الضلال البعيد يعني صعوبة العودة للهداية، بخلاف الضلال القريب الذي يسهل الرجوع منه.
  • الصد عن سبيل الله يتمثل في منع كلمة الحق وتكذيب النبيين والإفساد في الأرض.
  • الإسلام دعوة عالمية للناس كافة، أرسل للعالمين وليس لفئة محددة، فهو نسق مفتوح.
  • يجب على المسلم ألا يكون مثالاً سيئاً للإسلام فيصد الناس عن الدين بسلوكه.
  • كثير من المسلمين يصدون عن سبيل الله دون وعي بخطابهم الإسلامي غير المناسب وبجهلهم بواقع العالم.
  • الصحابة دعوا إلى الله بأحوالهم قبل أقوالهم، وبالشهادة وليس بالكلام فقط.
  • على المسلم أن يتبع أسوة النبي ويتمثل بالقدوة الحسنة ليكون شاهداً على الناس بسلوكه.
  • تجنب الصد عن سبيل الله واجب لأنه من صفات الكافرين وعاقبته الضلال البعيد.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية التحذير من الصد عن سبيل الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَـٰلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 167]

حذّرنا ربنا من الصدّ عن سبيل الله، وجعل ذلك من صفات الكافرين، ووصف من يقوم بالصدّ عن سبيل الله وقد جعله من صفات الكافرين، فحذّرنا منه وأبعدنا عنه، ووصفه بأنه قد ضلّ ضلالًا بعيدًا.

دلالة المفعول المطلق على حقيقة الضلال في الآية الكريمة

«ضلّ ضلالًا» فعل ومفعول مطلق؛ ذكرنا أن استعمال المفعول المطلق يدلّ على الحقيقة. «ضلّ ضلالًا» معناها ضلالًا حقيقيًا، ضلّ فعلًا ضلالًا حقيقيًا.

أهذا هو الضلال أم لا؟ ضلّ ضلالًا؛ لأنه لو كان ضلالٌ بمعناه أنه حائر، بمعناه أنه تائه، ولكن لا، هذا هو الضلال الذي يوصف صاحبه بأنه من الضالين.

دعاء المسلم في الفاتحة بالنجاة من الضلال البعيد

و«الضالين» هذه ما هي؟ [هي التي في سورة] الفاتحة:

﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]

يعني ندعو الله سبع عشرة مرة في اليوم خلال الفروض والركعات أن لا يجعلنا من هؤلاء [الضالين]. يا ربّ، شيء سيئ جدًا هؤلاء الضالون، هذا هو الضلال الحقيقي.

«ضلّ ضلالًا»، ثم يصف هذا الضلال بـالبعيد. وما معنى الضلال البعيد؟ الضلال القريب ترجع [منه]، الضلال البعيد وأنت ترجع تتوه؛ ما هي [المسافة] طويلة، الطريق طويلة، ولذلك تتوه.

الدعاء بعدم الوكول إلى النفس وخطورة الضلال البعيد

يا الله!! اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك؛ لأنه لو أنه تُرك هذا الضلال لنفسه لن يعود أبدًا.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

دلالة استعمال الفعل بدل الاسم في وصف الكفر والتحذير منه

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 167]

aستعمل الفعل [«كفروا»] وفيها لطيفة؛ [فإن لفظ] «الكافر» باستعمال الاسم يدلّ على الثبات وعلى أنها صفة ذاتية فيه هكذا، [أما] «الذين كفروا» [بالفعل] لا يدلّ على التغيّر [بل على الحدوث].

ولذلك فأول شيء نفهمه: لا انتقاد الآخرين ووصفهم بالكفر، بل ننظر إلى أنفسنا نحن ونقول: يا ربّ سلّم، لا تجعلنا بصفة كهذه الصفة التي جعلتها من صفات الذين كفروا، وجعلت ما يترتب عليها من الضلال البعيد.

صور الصد عن سبيل الله عند الكافرين وتحذير المسلم من التشبه بهم

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 167]

طيب، صدّوا عن سبيل الله بتعذيب المؤمنين، صدّوا عن سبيل الله بمنع كلمة الحق أن تصل إلى الناس، صدّوا عن سبيل الله بتكذيب النبيين، صدّوا عن سبيل الله بالإفساد في الأرض وهكذا.

فكيف نصدّ نحن عن سبيل الله؟ هم صدّوا عن سبيل الله معروف كيف يصدّون، المشكلة ليست في ذلك، المشكلة أنا؛ ما هو الكتاب هداية لي أنا، ما شأني بالذين كفروا؟ ربنا يحذّرني أنا، يقول لي: إياك أن تعمل مثل الذين كفروا، الذين كفروا أمرهم إلى الله وحسابهم عند الله، وأنا لا أعرفهم، أنا أعرف نفسي.

الإسلام دعوة عالمية وأمة محمد تشمل جميع البشر

انتبه، الإسلام دعوة عالمية:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

وقال [النبي ﷺ]:

«كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وأُرسلت إلى الناس عامة»

إذا كانت الحقيقة الأولى أن هذا الإسلام دعوة للعالمين، فتبقى أمة محمد كم واحد اليوم؟ أمة محمد ستة مليارات وهو للعالمين؛ منهم أمة الإجابة مليار ونصف، ومنهم أمة الدعوة الباقي أربعة ونصف. كل أربعة منهم واحد مسلم ومنهم ثلاثة ليسوا مسلمين، لكن الأربعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

الإسلام نسق مفتوح لجميع الأجناس والأعمار والأنساب

وهذا يؤدي إلى الحقيقة الثانية وهي أن الإسلام نسق مفتوح؛ فالإسلام لم يأتِ للعرب فقط، ولم يكن شرط الإسلام أن تتكلم العربية، ولم يأتِ الإسلام لنسلٍ معين، ولم يأتِ الإسلام للرجال دون النساء أو للكبار دون الصغار.

لا أبدًا، بل جاء لستة مليارات من البشر. إذن الحقيقة الثانية أن الإسلام نسق مفتوح.

تحذير المسلم من أن يكون مثالًا سيئًا يصد عن سبيل الله

الحقيقة الثالثة: إياك أيها المسلم أن تكون مثالًا سيئًا للإسلام فتصدّ بذلك عن سبيل الله بغير علم. الناس ينظرون هكذا، فإذا بك عنيف، لا تحب جارك، تُفسد في الأرض، تسرق من المجتمع الذي أنت فيه، تقتل.

عندما يقوم الحريق تسأل: هل هذا بيت مسلم لكي أُطفئه أم بيتًا لغير مسلم حتى أُشعل فيه النار؟ احذر، فأنت بهذا تصدّ عن سبيل الله وتعطي أسوأ صورة للإسلام والمسلمين.

التشبه بالكافرين في الصد عن سبيل الله يوقع في الضلال البعيد

فأنت بذلك تتشبه بالذين كفروا؛ فعندما يصدّ الذين كفروا عن سبيل الله سيظلون في ضلال بعيد، وأنت عندما تصدّ عن سبيل الله فهل سيجازيك الله خيرًا؟ لن يحدث ذلك.

لا، هذا ليس صحيحًا، هذا الكلام أنك ستبقى في ضلال بعيد يا صاحبي، ستبقى في ضلال بعيد وأنت تظن أنك ما زلت مسلمًا، وتظن أن هذا هو الإسلام فستتمادى [في الضلال].

صفات المنافق الذي يصد عن سبيل الله ويفسد في الأرض

نعم:

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ﴾ [البقرة: 204]

يا له من جريء جدًا!

﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]

ما شأنه؟

﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 205-206]

ما معنى هذا الكلام إذن؟ يعني أنه يجب علينا ألا نصدّ عن سبيل الله.

خطورة الخطاب الإسلامي الجاهل بالواقع في الصد عن سبيل الله

كثير من إخواننا لا ينتبهون في خطابهم الإسلامي أنهم من غير أن يشعروا يصدّون عن سبيل الله؛ لا في الأحكام الجزئية التي يسمّونها الفتاوى، ولا في خطاب الناس، وإذ بهذا الإنسان [يُنفّر الناس من الدين].

ولأنه يجهل الواقع، يجهل العالم، يجهل كيف يخاطبه، فإنه يبلّغه بدينٍ آخر غير دين محمد صلى الله عليه وسلم، فيصدّ بذلك عن سبيل الله.

الصحابة دعوا إلى الله بأحوالهم وشهادتهم قبل أقوالهم

لو عرف هؤلاء أن الصحابة الكرام دعوا إلى الله بأحوالهم قبل أقوالهم، لو علموا أنهم دعوا إلى الله بالشهادة وليس بالكلام:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]

خلاصة الدرس وجوب عدم الصد عن سبيل الله لأنه من صفات الكافرين

يبقى إذن يجب علينا ألا نصدّ عن سبيل الله؛ لأن هذا من صفات الكافرين، ولأن صاحبه يضلّ ضلالًا بعيدًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.