سورة النساء | حـ 829 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •توجيه الله تعالى لأهل الكتاب بعدم الغلو في الدين يشمل المسلمين أيضاً لأنهم من أهل الكتاب (القرآن).
- •عندما يمدح الله أهل الكتاب فذلك لنتخلق بتلك الصفات، وعندما يلومهم فذلك لتحذيرنا من الوقوع في نفس الأخطاء.
- •النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بأهل الكتاب في انحرافاتهم، لكنه أحب موافقتهم في الهدي الرباني الصحيح.
- •الإيمان بالأنبياء جميعاً جزء لا يتجزأ من الإسلام، فلا يستطيع المسلم إنكار أي نبي.
- •من صور الغلو الانشغال بالجزئيات على حساب الكليات، كالتركيز على هيئات الصلاة دون الخشوع فيها.
- •التشدد في أمور الهيئات التي لا يترتب على تركها شيء من الغلو المنهي عنه.
- •الصحابة كانوا يتعاملون مع الدين ببساطة ولم يتوقفوا كثيراً عند الجزئيات.
- •المطلوب هو الاعتدال في الدين دون إفراط أو تفريط.
مقدمة الحلقة والاستهداء بكتاب الله سبحانه وتعالى في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نلتمس فيه الهداية والبرهان ومعالم الطريق إليه سبحانه.
يقول [الله تعالى] في سورة النساء:
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171]
وهذه العبارة مبدؤنا ونحن نستهدي القرآن ونقف عند كل كلمة فيه.
مفهوم أهل الكتاب يشمل المسلمين أيضًا لا اليهود والنصارى فقط
إنّ كلمة «أهل الكتاب» وإن كان في أذهاننا أنها تنصرف إلى أهل الكتاب من أتباع موسى وأهل الكتاب من أتباع عيسى -اليهود والنصارى- إلا أننا ونحن نخاطب أنفسنا أولًا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحاول أن نجعل الكتاب هاديًا لنا في طريقنا، فإننا أيضًا من أهل الكتاب؛ لأننا معنا القرآن، والقرآن كتاب.
وربنا سبحانه وتعالى عندما يمدح أهل الكتاب على صفة معينة فإنما يأمرنا أن نتخلق بها، وعندما يلوم أهل الكتاب على تصرف معين فإنما كأنه يحذرنا من أن نقع فيه، وعندما يذم أهل الكتاب على انحراف قد وقعوا فيه فإنما يحذرنا أن نقع في مثله.
النبي ﷺ بين موافقة أهل الكتاب في الهدي الرباني ومخالفتهم في الانحراف
ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ينهانا عن التشبه بأهل الكتاب؛ أي في أي شيء نُسب إليهم من لوم أو من انحراف. لكنه صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب كما ورد في الحديث الشريف.
فكيف يحب أن يوافقهم وكيف يأمرنا أن نخالفهم؟ ذلك أنه يأمرنا أن نوافقهم في هذا الهدي الرباني الذي علّمه الله للأنبياء موسى وعيسى، والإيمان بهما وبالأنبياء جميعًا ركن وجزء لا يتجزأ من دين المسلمين.
فلا يستطيع مسلم أبدًا حال إسلامه أن ينكر موسى أو أن ينكر عيسى أو أن ينكر أي نبي من الأنبياء، بل إننا نؤمن بهم جميعًا على حدٍّ سواء، ونقبل الهداية التي أتت منهم من قِبَل الله سبحانه وتعالى.
خطاب يا أهل الكتاب يشملنا ويدعونا لإصلاح أنفسنا أولًا
قل «يا أهل الكتاب»، لا يتبادر إلى أذهاننا أول ما يتبادر اليهود والنصارى [فحسب]، بل إنه يتبادر أيضًا معهما ومع أصحاب كل كتاب يتبادر حالنا [نحن المسلمين].
أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك؟ هذا ليس عدلًا! ولذلك قال [النبي ﷺ]: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» حتى تكون مثالًا صالحًا.
تحذير النبي ﷺ من اتباع سنن الأمم السابقة في انحرافاتهم
والنبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «لَتَتَّخِذُنَّ سُنَنَ الذين خَلَوْا من قبلكم حَذْوَ النعل بالنعل، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتم مثلهم»
قالوا: من يا رسول الله؟ اليهود والنصارى؟ أتعني اليهود والنصارى؟ أتقصد اليهود والنصارى؟ قال: «ومَن الأمم غيرهم؟» غيرهم يعني من السابقين الباقين الذين قد نشأنا في أوساطهم منذ عهد الرسالة وإلى يومنا هذا.
فمما يحذرنا؟ يحذرنا من أن ننحرف تلك الانحرافات التي نبّه الله أنهم قد انحرفوا فيها.
أنواع انحرافات أهل الكتاب التي حذرنا الله منها وتعليمنا العدل
فهم بعضهم يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، وربنا حذرنا من هذا. وبعضهم ينحرف فيُخفي كلام الله، وبعضهم يلوي ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، وبعضهم يفتري على الله الكذب وهو يعلم، وبعضهم وهكذا.
لكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا العدل ويقول:
﴿لَيْسُوا سَوَآءً﴾ [آل عمران: 113]
ليس كلهم كذلك. نعم، هذا يعلمني العدل؛ ليسوا سواءً، ستجد هكذا وستجد هكذا وستجد هكذا. ولذلك فهذا الكلام ليس موجهًا لطائفة دون طائفة، وإنما يهدي الله به العالمين.
فهم خطاب يا أهل الكتاب بأنه يشملنا وأن الغلو في الدين مذموم
فيبقى إذن نفهم من «يا أهل الكتاب» نفهم منها أمرين:
- أنها تشملنا [نحن المسلمين]، هذه واحدة.
- وأن ذلك إنما هو خطاب رب العالمين لعباده أجمعين.
فعندما يلوم مَن آمن به واتبع أنبياءه وصار خلف كتبه سبحانه وتعالى وينهاهم ألّا يغلوا في دينهم، يكون الغلو في الدين مذمومًا، ويكون كل بشر معه الحجة في أن يواجه المؤمنين جميعًا بأنه: لا تغلوا في دينكم، هكذا أمركم ربكم، ولله الحجة البالغة.
ابدؤوا بأنفسكم إذن، فلا بد عليّ أن أراجع نفسي وألّا أغالي في ديني.
حديث النبي ﷺ إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ومعناه
وهنا يعلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق المصطفى الكريم فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه»
فأين الفاعل؟ «أحد» هو الفاعل، والمفعول به «الدين». فيكون مَن الذي سيُشادّ؟ أحدٌ، واحد من الناس. يعني هذا الواحد سيُشادّ الدين، يريد أن يأخذه بعنف، يريد أن يأخذه بشدة، يريد أن يأخذه بقوة.
ولكن هذه القوة فيها عجلة وفيها التفات إلى الجزئيات، وينشغل بهذه الجزئيات عن الكليات.
الانشغال بالجزئيات الصحيحة عن الكليات هو الخطأ في التدين
والجزئيات هذه موجودة أم غير موجودة؟ موجودة. صحيحة أم خاطئة؟ صحيحة. ما هي صحيحة، ولكن الانشغال بها هو الخطأ.
[مثال ذلك:] واقف يصلي، قام يضع يده على يده. أين وضع اليد على اليد؟ هذا من هيئات الصلاة. ضعها ما بين صدره أم تحت قليلًا أم على السرة أم تحت السرة؟ يضع يده أم يده على ساعده؟ ويبقى شاغلًا نفسه أين يضعها.
ما رأيك؟ يظل يلتفت لذلك حتى يضيع منه خشوع الصلاة.
الخشوع أهم شيء في الصلاة وثمرتها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر
فنحن الصلاة أهم شيء فيها ما هو؟ الخشوع. ولماذا؟ حتى تأتي ثمارها. وما ثمرة الصلاة؟ أن تكون عبدًا ربانيًّا في مجتمعك وناسك.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]
فنقول: الحُسنى الأول قبل إقامة الصلاة لكي يتقبلها الله.
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإذا انشغلنا عن الخشوع بالظاهر [من هيئات الصلاة]...
وضع اليدين في الصلاة هيئة سنة لا ركن والتشدد فيها من الغلو
وهو واردٌ أن سيدنا رسول الله ﷺ كان يضع يده اليمنى صحيح على يده اليسرى، ولما رأى أحدهم وضع اليسرى على اليمنى فعدّل يده، وضع اليمنى على اليسرى. إنما هذا ليس ركنًا أبدًا، [بل هو] سنة.
طيب، هيئة السنة هذه يعني تكون كذلك، أقل من الهيئة. لماذا؟ قال لك: السنة لو تركتها فعليك سجود سهو، التي هي القنوت عند الشافعية في الفجر والتحيات الوسطى. لو تركت السنة فعليك سجود سهو، لا ترجع إليها لكن يجب عليك سجود السهو.
أما إذا تركت الهيئة فقال: ما عليك شيء مطلقًا أبدًا.
الصحابة الكرام كانوا يتعاملون مع الجزئيات ببساطة دون غلو
ولذلك من الغلو في الدين التشدد في الجزئيات. الصحابة الكرام كانوا يعاملون الأمر ببساطة، وكانوا لا يقفون كثيرًا عند هذا. حتى لو ترك الناس هيئة من الهيئات الموروثة عن سيد الخلق وصحابته الكرام، كانوا يعترضون إنما الاعتراض بماذا؟ بحسبه، يعني على قدره.
ولكن عندما تجعل من الأمر مُفرِطًا فهذا ليس تامًّا، وعندما تستهين بالحب [بالأمر] تمامًا أيضًا فهذا ليس تامًّا؛ فهو غلو في الناحية الأخرى. فيكون لا إفراط ولا تفريط.
مثال تراص الصفوف في الصلاة بين فعل الصحابة والغلو المعاصر
كان الصحابة الكرام يضعون أرجلهم في اتجاه القبلة هكذا، فعندما يضعون أرجلهم في اتجاه القبلة تُفتح ما بين رجليها [رجليه] قدر كتفها [كتفه]، قوم يستقيم الصف والرجل تبقى بجانب الرجل بشكل صحيح.
فالتابعون تركوا هذه المسألة، فالصحابي نظر هكذا وحزن، قال: يا أخي إننا كنا أيام النبي ﷺ الرجل إلى جانب الرجل تمامًا. وانتهى الأمر؛ لأنه فهم أننا لا نغلو في ديننا.
فتجد أخانا الآن لا يفعلها [بهذا الشكل، بل يجعلها] لي قضية، ويقوم واضعًا رجله على رجلي، ورجلي تؤلمني! فأحركها قليلًا هكذا فيضعها مرة أخرى حتى تنفتح رجله هكذا هو، ويذهب عنه خشوع الصلاة.
خاتمة الحلقة والتذكير بعدم الغلو في الدين
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171]
وإلى لقاء في حلقة أخرى، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
