سورة النساء | حـ 830 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 830 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • نهى الله تعالى في سورة النساء عن الغلو في الدين وعدم القول على الله إلا الحق.
  • للغلو عناصر متعددة أولها التشدد، ومنها الزيادة على ما جاء به النبي ﷺ، والقول على الله ما لم يقل.
  • جاء الصحابة يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فأخبرهم عنها، فرأوها قليلة وتشددوا في عباداتهم.
  • أوضح النبي ﷺ منهجه المعتدل بقوله: "إني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء".
  • أكد النبي ﷺ أن من رغب عن سنته فليس منه، فكلما ازداد المرء عن سنته كلما نزل وابتعد.
  • الزيادة في العبادة على ما شرعه النبي ﷺ غلو مذموم ونقص وليست كمالاً.
  • حث النبي ﷺ على الرفق بقوله: "إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه".
  • كان النبي ﷺ مثالاً للسماحة والرفق، فعفا عن المسيء التائب رغم أمره بقتله قبل توبته.
  • قال النبي ﷺ: "ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين"، مبيناً سماحته وسماحة الإسلام.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة في النهي عن الغلو في الدين من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ [النساء: 171]

والغلو في الدين مذموم عند جميع الأديان وعلى لسان جميع الرسل.

عناصر الغلو في الدين من التشدد والزيادة والقول على الله بغير حق

والغلو في الدين له عناصر ينبغي علينا أن نحذرها، من هذه العناصر وأولها التشدد.

والعنصر الثاني في الغلو الزيادة على ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم. والعنصر الثالث هو أن نقول على الله ما لم يقل. والعنصر الرابع وهكذا له عناصر.

وحتى لا ينفرط منا الكلام، نسير مع كل عنصر خطوة خطوة.

قصة الصحابة الذين تشددوا في العبادة وتجاوزوا هدي النبي

التشدد غلو في الدين؛ النبي صلى الله عليه وسلم جاءت الصحابة الكرام يسألون عن عبادته، فأُخبروا عن عبادته فكأنهم تقالّوها.

فقالوا: هذا قليل جدًّا، واتفقوا على أن أحدهم يصوم ولا يفطر، وأن الثاني يقوم الليل فلا ينام، وأن الثالث يمنع نفسه عن النساء عن زوجته.

تحويل النوافل إلى فرائض يومية مظهر من مظاهر التشدد والغلو

هذه الأمور هي في الشريعة؛ أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بفرض وهو خمس صلوات في اليوم، وسُنّ لنا أن نقوم الليل. وهذا [الصحابي المتشدد] حوّل النافلة التي هي قيام الليل إلى فرض، وفرضٍ يفعله على نفسه يوميًّا.

وليس أن يقوم جزءًا من الليل، بل أن يقوم الليل كله، بشدة في كل المراحل؛ النافلة تحولت إلى فرض، ثلاث ركعات خمس ركعات تحولت إلى كل الليل. ربما يعني في يوم تكون متعبًا أو شيء من هذا القبيل، أبدًا! أنا سأفعل ذلك دائمًا.

سنن الصيام المشروعة من صيام الاثنين والخميس والأيام البيض وشوال

حسنًا، الصيام أيضًا كذلك؛ فرض علينا ربنا رمضان، وسنّ لنا نبينا صلى الله عليه وسلم صيام الاثنين والخميس، سنّ لنا أن نصوم السبت والأحد، سنّ لنا الأيام التي يكون فيها القمر بدرًا ويسمونها الليالي البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر من كل شهر عربي، حتى إذا نظرت إلى السماء تجد فيها بدرًا؛ لذلك يسمونها البيض.

سنّ لنا ستة من شوال بعد رمضان لكي نكون كأننا صمنا الدهر. سنّ لنا أمرًا كهذا، وكان [النبي ﷺ] يصوم في شعبان ويصوم في شهر محرم كثيرًا.

حكم الصيام بعد منتصف شعبان عند الإمام الشافعي وضوابطه

ولكنه [النبي ﷺ] جاء وقال إنه إذا انتصف شهر شعبان فلا صيام حتى يأتي رمضان إلا لمن كانت له قبل ذلك عادة. ولذلك تجد الإمام الشافعي يحرّم الصيام إذا لم تكن لك عادة، إذا كانت [العادة] موجودة فإنه لا يحرم، من الخامس عشر من شعبان حتى رمضان تُفطر.

فلماذا قال سيدنا الإمام [الشافعي] بخصوص هذا الحديث؟ فلنفترض أنني أصوم الاثنين والخميس دائمًا، قال: لا، هذا صيامك وهذه عادتك أنت. حسنًا، يعني المهم أن نجد لنا فردًا وسنة [أي فرضًا ونافلة].

حكم صيام الدهر وحديث ما صام من صام الدهر واستثناءاته

أما صاحبنا [الصحابي المتشدد] فيصوم الدهر كله، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما صام من صام الدهر»

أي أن الذي يصوم الدهر على الدوام هكذا من غير انقطاع ومن غير سبب فإنه لا يجوز.

هل يوجد أحد يصوم الدهر لسبب؟ قال: نعم، هذا يمكن أن يكون يتعالج؛ إذ أن الصيام هذا يمكن أن يعالج بعض الأمراض، فيمكن أن يكون يتعالج فيصوم سنة ولا شيء عليه، هذا جائز. أو صائم لغرض آخر وهو كسر الشهوة في فتوة الشباب، هذا أمر آخر، هذا غير صيام الدهر.

صيام الإمام النووي الدائم وحكم صيام الدهر بلا سبب شرعي

كان الإمام النووي يصوم هكذا؛ الإمام النووي لم يكن متزوجًا وكان يصوم دائمًا، لا يوجد مانع. وهكذا، لكن من غير سبب هكذا وتطوعًا لا ينفع.

«ما صام من صام الدهر كله»

حسنًا، فلما سمع بهم [بالصحابة المتشددين] رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بهم، قال لهم:

«إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء»

من رغب عن سنة النبي فليس منه والزيادة في العبادة نقصان

انظروا إذن، الآية الأخيرة التي هي:

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171]

والغلو قلنا منه العنصر الأول الشدة.

«ومن رغب عن سنتي فليس مني»

يا نحن نفعل هكذا نظن أننا نطيع ربنا! قال له: ما أخطأت؟ النبي في الأعلى هنا في القمة، أنت ازددت فنزلت إذن. كلما ازددت كلما نزلت، كلما ازددت وابتعدت عن النبي كلما نزلت، وليس كلما اقتربت من الله.

لا، هذا هو المثال الأتم والإنسان الكامل وهو سيدنا رسول الله؛ حتى هكذا تكون قد جئت بالآخر ولا يصح أن تزيد عليه، فإن زدت عليه فإنك تنقص ولا تزيد؛ لأن هذه الزيادة عبارة عن غلو.

الغلو فيه تشدد وعنف والرفق ما دخل في شيء إلا زانه

«ومن رغب عن سنتي فليس مني»

فليبحث له عن طريق آخر يسلكه. الغلو إذن فيه زيادة، فيه تشدد، وفيه عنف. وقد نهانا صلى الله عليه وسلم عن العنف وقال لعائشة:

«يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

فتبقى حاجة مشوهة. المسألة هكذا؛ شانه أي الشَّين ضد الزَّين، الزين هذا شيء جميل، الشين هذا شيء قبيح.

الأمر بالرفق واللين والتبسم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم

فلا تكن إلا رفيقًا، وأُمرنا بالليونة في الكلام وفي المقام. قيل: لينوا في أيدي إخوانكم، والكلام كلام طيب جميل.

وقال [النبي ﷺ]:

«التبسم في وجه أخيك صدقة»

فلا توجد شدة ولا قسوة. وكان سيدنا رسول الله صبورًا على الخلق؛ فالصبر هذا خاصتك عبارة عن رفق.

هيبة النبي صلى الله عليه وسلم وقوته دون غلو أو عنف

سيدنا رسول الله هذا كان يُقدّر؛ بنظرة منه هكذا فقط، لن يتكلم ولا شيء، سيحرك عينه من مكان لآخر وهو جالس هكذا يفعل ذلك، ولكنه لن يحرك رأسه، يحرك عينيه فقط يُقتل واحدًا [أي يُرهبه بنظرته].

هذا قائد الأمة، هذا الناس يحبونه حبًّا شديدًا، كانوا يحبونه هكذا هو. ولكنه لا يفعلها [أي لا يستخدم العنف]، من حلاوته؛ لأنه ليس عنده غلو.

قصة الرجل الذي كان يسب المسلمين وشفاعة سيدنا عثمان له عند النبي

فلما جاء الرجل الذي كان يشتم المسلمين ويشتم نساء المسلمين ويشتم، أحضروا سيدنا عثمان لكي يتوب [الرجل] إلى النبي. النبي قال:

«اقتلوه ولو رأيتموه معلقًا بأستار الكعبة»

هذا مجرم كبير. ماذا فعل هذا؟ كان يسب ويهجو نساء المسلمين ويسب النبي ويسب الدين.

فسيدنا عثمان، سيدنا عثمان كانت له حكاية مع النبي؛ مرة غطّى النبي فخذه هكذا وقال:

«ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»

سيدنا عثمان زوّجه النبي ابنتيه رقية وأم كلثوم، إحداهما توفيت وتزوج الأخرى، فسُمّي بذي النورين؛ نور ونور، رقية نور وأم كلثوم نور، وهو صاحب النورين، لم يفعل أحد ذلك.

عفو النبي عن الرجل المسيء وبيان أنه ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين

فسيدنا عثمان أحضر الرجل ودخل، اعفُ عنه يا رسول الله، جاء تائبًا معتذرًا. والنبي صلى الله عليه وسلم صمت قليلًا هكذا، سامحه يا رسول الله جاء تائبًا معتذرًا. وصاحبنا [الرجل التائب] يقول لنا: جئتُ تائبًا معتذرًا، أشهد أن لا إله إلا الله ومحمدًا رسول الله.

قال له: حسنًا، انتهى الأمر، قبلنا تسامحك هذا وسامحناك.

فلما خرج [الرجل] قال [النبي ﷺ] لهم: إذن ألا يوجد أحد منكم كان سيقوم؟ أليس أنا قلت لكم إنكم لو رأيتموه على ستار الكعبة اقتلوه؟ الولد الذي آذانا وآذى البنات وآذى النساء وآذى كذا وكذا، هذا هو.

قالوا: طيب يا رسول الله، ولكن بعينك هكذا يا رسول الله، كنا نقتله لك ولكن بعينك شيئًا هكذا يعني فقط [أي أشِر لنا بعينك]. فقال:

«ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين»

يعني يحاسب عينه صلى الله عليه وسلم، ويبين لهم سماحته وسماحة الإسلام.

خاتمة الدرس والتذكير بالنهي عن الغلو في الدين

﴿لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ [النساء: 171]

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.