سورة النساء | حـ 831 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 831 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الغلو في الدين نهى عنه الله تعالى في قوله: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق".
  • يتكون الغلو من عناصر منها التشدد والعنف والزيادة على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • أصل كلمة الغلو مشتق من غلا الماء الذي يتصف بالشدة والفوران والعنف والإيذاء.
  • الغلو يؤدي إلى إيذاء النفس وإيذاء الآخرين وتشويه صورة الإسلام الذي هو دين السماحة واليسر.
  • حرم الإسلام الضرر والضرار فقال الرسول: "لا ضرر ولا ضرار"، فالضرر إيذاء للنفس والضرار إيذاء للغير.
  • تتميز الحضارة الإسلامية بتحويل الحقوق إلى واجبات، فحق الحياة ارتقى إلى واجب بتحريم الانتحار.
  • حق الإنسان في العدالة والأمن والحرية صار واجباً عليه، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • حقوق الفقراء من الزكاة صارت واجباً على الأغنياء، وهذا منهج الإسلام في ارتقاء الحقوق لتصبح واجبات.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية النهي عن الغلو في الدين من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ [النساء: 171]

والغلو كما ذكرنا يتكون من عناصر، ذكرنا منها التشدد، وذكرنا منها العنف، وذكرنا منها الزيادة على مثال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك كله من الغلو.

أصل مادة الغلو في اللغة العربية والعلاقة بين الغلو والغليان

وأصل هذه المادة من غلى، استُعملت أيضًا في الماء إذا ارتفعت حرارته واشتد، فقيل غلى الماء، ولكن مصدرها الغليان.

أما هذا [المعنى المتعلق] في الشدة والعنف والزيادة والخروج عن النطاق المستقيم فمصدرها الغلو، وكلاهما بفعل واحد هو: غلا غلوًّا، وغلى غليانًا.

والعرب لها توافق في مفاهيم الألفاظ إذا كانت من جذر واحد، حتى لو اختلفت المصادر لاختلاف المعاني الدقيقة المخصوصة كهذه اللفظة.

العلاقة بين الغلو والماء المغلي من حيث الشدة والعنف والإيذاء

فالغلو فيه شيء من الشدة والفوران، فيه شيء من الزيادة؛ فإنه عندما يغلو الماء يرتفع، وفيه شيء من العنف؛ فالماء المغلي يسبب الجروح.

إذا أحضرت ماءً مغليًّا وسكبته على الجلد يحدث حرق فورًا من الماء المغلي. إذن فالغلو مع الشدة والعنف والزيادة فيه شيء من الإيذاء.

الغلو فيه إيذاء: بالنفس التي غلت، وإيذاء بالآخرين من حولك.

أضرار الغلو على النفس والآخرين وعلى صورة الرسالة الإسلامية

فعندما تدخل في دائرة الغلو فإنك تؤذي نفسك، ثم تؤذي غيرك، ثم تؤذي الرسالة التي أرسلها الله، السهلة الحنيفية السمحة الجميلة للناس، فتعطي صورة سيئة لما تحمله.

وسبب هذا أنك قد تمسكت تمسكًا شديدًا بكل التفاصيل، فأنت أقرب الناس بذلك إلى أن تكون المثال لما أنت متمسك به في كل شيء. فعندما تكون مسلمًا غاليًا في دينك تشوّه الإسلام، والناس ينظرون إليك: هذا أنت تصلي وتصوم وتحج وتذكر وتتصدق وتعمل كل شيء وتتمسك بكل جزئية كثيرًا، إذن فأنت الإسلام.

الغلو يضر بالنفس والآخرين والقضية ونهي الله ورسوله عنه

فإذا بغلوك هذا غير موفق في حياتك، هذا إيذاء للنفس، وإذا بك تغلو هذا تؤذي الآخرين، والإسلام لم يقل أن تؤذي الآخرين. فالغلو يضر هذه الجهات: النفس، وغيرك، وقضيتك.

ومن هنا نهى الله ورسوله عنه. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا ضرر ولا ضرار»

وفسرها العلماء أن الضرر هو إيقاع الضرر بالنفس، والضرار هو إيقاع الضرر بالغير. والنبي [صلى الله عليه وسلم] نهى ونفى أن يُعتمد شرعًا أن تؤذي نفسك وأن تؤذي غيرك.

الفرق بين الحضارة الإسلامية والغربية في مفهوم إيذاء النفس والحرية

إيذاؤك للغير حفاظًا على حقوق الغير فتحافظ على حقه، وإيذاؤك في النفس يا أخي، طيب أنا سأؤذي نفسي أنت ما شأنك؟

وهنا مشكلة كبيرة بين الحضارة والمفهوم الإسلامي؛ الحضارة الإسلامية ومفهومها، وبين الحضارة الغربية ومفهومها، من ناحية مساحة الحرية.

قال لك: ماذا يعني ألا تؤذي نفسك؟ أنت حر، كل واحد يحقق مصلحته. [لكن في الإسلام] عندنا صارت الحقوق واجبات.

الرد على شبهة أن الإسلام واجبات فقط وبيان أن الحقوق ارتقت إلى واجبات

فأحيانًا هم يقولون لنا، يقولون: أيها الجماعة أنتم لديكم واجبات، الصلاة واجبة والصيام واجب والذكر واجب، كل شيء واجب هكذا، لا يوجد حق؟ ألستم منتبهين إلى الحقوق؟

قلنا لهم: دعونا نفكر. نعم صحيح، أين حقوقنا؟ حق الحياة، حق الحياة من حقي أن أحيا، حق الحياة. لكن هذا حق الحياة هذا لدينا واجب أيضًا.

أليس نحن نتحدث عن الحقوق أم ماذا؟ إذا تأملنا نجد أن حق الحياة ليس مجرد حق له، بل ارتقى الله به إلى مرتبة الواجب وحرّم علينا الانتحار.

حق الحياة والأمن والعدالة كلها حقوق ارتقت إلى مرتبة الواجبات

إذن حق الحياة هذا معناه يجب أن أكون في أمان عليّ. فما هو حق الأمن؟ هذا الذي سيؤدي بك إلى أن تحافظ على [نفسك] وما لك، هذا واجب.

ولذلك حرّم السرقة واغتصاب الأراضي وشهادة الزور، وأمرنا بالعدل وأمرنا بالإنصاف. ما هذا؟ هذه حقوق كلها.

هذه إن أنا آخذ حقي في العدالة، آخذ حقي كبني آدم، قال: لا، هذا واجب عليك تأخذه، ليس فقط حقًّا. هذا حق فاستمر يزيد في التأكيد حتى أصبح واجبًا عليك.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق ارتقى إلى واجب شرعي

فهناك أصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا. أتعلم ماذا تفعل؟ هذه النصيحة في الدين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا أصبحت النصيحة واجبك.

هذه النصيحة هي حقك؛ لأنك ترى حالًا مائلًا فتقوّمه. أصبح هذا واجبًا عليك أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، وأن تأخذ حقك في الحياة وفي الحرية وفي الأمن وفي الغذاء وما إلى ذلك.

قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن من بات شبعانًا وجاره جائع»

الله، لا يؤمن! هكذا هو يوصلها إلى الإيمان. هكذا يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إنصاف النبي لأهل الفقر وحق الزكاة الذي ارتقى إلى واجب

نعم، ما هو إلا حق الفقير. أنصفتَ أهل الفقر من أهل [الغنى]، يقول شوقي هكذا في أن سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أنصف أهل الفقر من أهل الغنى.

الفقير وهو ذاهب ليأخذ الزكاة أخذ حقه. فماذا يعني هذا بالنسبة إليه؟ واجب يعني. فلنفترض أنك أخفيت عنه الزكاة فهذا حرام، تركت ركنًا من أركان الدين.

ولذلك سيدنا أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] لما منعوه الزكاة حشد الجيوش. وقال: حضّر الجيوش. لماذا؟ قال: لأن هذا واجب. هل هو حق أم واجب؟ حق ارتقى إلى مرتبة الواجب.

خلاصة أن الحقوق في الشريعة الإسلامية كلها ارتقت إلى واجبات

فيصبح إذن هذا هو الكلام الصحيح في الحقوق والواجبات. وتمسّك بأي شيء في الشريعة من أولها إلى آخرها تجد الحقوق فيها صارت واجبات.

فحرّم علينا الانتحار، وحرّم علينا أن نؤذي أنفسنا، وحرّم علينا [أن نؤذي] غيرنا، وحرّم علينا أن نؤذي القضية [الإسلامية]، وحرّم علينا كل [ما يضر بذلك]. هذا كلام طويل عريض تقعد تشرح فيه الشريعة كلها، فإذ بها كلها حقوق ارتقت إلى حد الواجبات؛ حتى يكون الإنسان إنسانًا.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.