سورة النساء | حـ 833 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •حذر الله في سورة النساء من الغلو في الدين وعدم القول على الله إلا الحق.
- •أكرم الله الأمة المحمدية بحفظها من أنواع من الغلو كتحريف الكتاب وعبادة النبي.
- •من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بقاء القرآن وأهل بيته ومعرفة قبره على وجه اليقين.
- •استجاب الله دعاء النبي بعدم تسليط عدو من غير المسلمين يستأصل شأفتهم.
- •لم يستجب الله دعاء النبي بألا يجعل بأس المسلمين بينهم شديداً، فتفرقوا ولم يعتصموا بحبل الله.
- •الواجب على المسلمين الاتحاد والتآلف والاعتصام بحبل الله تنفيذاً لأمره تعالى.
- •يُعد عدم تعلم المسلمين وانتشار الأمية بينهم بنسبة 50-60% غلواً في الدين وقولاً على الله غير الحق.
- •من مظاهر الغلو العنف الذي اكتسح كثيراً من المسلمين برؤية عيوب الآخرين وتجاهل عيوبهم.
- •الاتحاد مسؤولية وتكليف ديني، وترك التغيير من حال التفرق إلى الاتحاد يعد غلواً في الدين.
افتتاح الدرس والتذكير بمعنى الغلو في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ [النساء: 171]
ولقد تحدثنا من قبل عن معنى الغلو وعن بعض عناصره، وعناصره كثيرة. وعن أن الله سبحانه وتعالى أكرم الأمة المحمدية فحفظها من أنواع من الغلو، حتى لو أنها قد وقعت في أنواع أخرى من الغلو؛ حفظها من أنواع ووقعت في أنواع.
حفظ الله للأمة المحمدية من تحريف الكتاب وعبادة النبي
فمما حفظها الله منه أن تُحرَّف كتابها [القرآن الكريم]، ومما حفظها الله منه أن تعبد نبيها [صلى الله عليه وسلم]. وهما معجزة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وذلك أنه بشَّر الناس من بعده ببقاء الكتاب [القرآن الكريم]، وبشَّر الناس من بعده ببقاء أهل بيته الكرام، وبشَّر الناس من بعده بأنه لا يُعبَد.
ولذلك قال [صلى الله عليه وسلم]:
«تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدًا: كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي» وفي رواية أحمد: «كتاب الله وسنتي»
تميز قبر النبي بكونه معروفًا بخلاف قبور الأنبياء الآخرين
ولا يُعلم أين يموت [الإنسان] إلا الله، وبشَّر [النبي صلى الله عليه وسلم] أن قبره يبقى معروفًا، وهو مما اختصَّ الله به نبيه [محمدًا صلى الله عليه وسلم]؛ فإن قبور الأنبياء غير معروفة على جهة اليقين.
حتى قبر سيدنا إبراهيم في الخليل فإنه محلُّ كلام، وبقية الأنبياء كلهم إما لا نعرف قبورهم أصلًا كموسى [عليه السلام]، وإما إننا لا نعرف ذلك على جهة اليقين.
أما النبي المصطفى والحبيب المجتبى فإن قبره معروف لدى الجميع؛ يعرف أن هنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، الكافر والمسلم على حدٍّ سواء، من آمن ومن كفر، لم يختلف أحد أن هنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فأنقذنا الله سبحانه وتعالى من ذلك الغلو كرامةً للنبي ومعجزةً له إكرامًا.
وقوع الأمة في التشدد والتفرق وعدم الاعتصام بحبل الله
ولكن مما وقعت فيه الأمة: التشدد وعدم الاعتصام بحبل الله. ربنا أمرنا فقال:
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
فلم نعتصم وتفرَّقنا. والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ألا يُسلِّط علينا عدوًّا من غيرنا يستأصل شأفتنا؛ يعني يقضي علينا.
كما سُلِّط الأمريكيون على الهنود الحمر فاستأصلوهم، وسُلِّط الإنجليز في أستراليا على السكان الأصليين فاستأصلوهم. تبحث الآن عن السكان الأصليين تجدهم قليلًا هكذا مصطنعين، من أجل السينما يأتون بهم في السينما أو شيء من هذا القبيل. الهنود الحمر كذلك، لم يحدث هكذا مع الأمة المحمدية.
معجزة بقاء الأمة رغم الضربات المتوالية عبر التاريخ
تضرب [الأمةَ] المشركون واليهود، يضربون الدعوة، الفرس والروم، الصليبيون والتتار المغول، الاستعمار... ضربٌ وهي تزداد! معجزة لا أحد يعرف أبدًا يا أخي كيف يستأصل شأفتها، وكم كان الأمر مرغوبًا به.
سراييفو في النهاية كان هناك خطة واضحة للإبادة الجسدية للمسلمين أيضًا، لم يعرفوا [كيف يتمونها]، لم يعرفوا.
لماذا إذن [لم يُستأصل المسلمون]؟ لأن المسلمين ليس معهم قنبلة ذرية ولا أسلحة دمار شامل، ولا هم لديهم أي ضغط على السياسة الدولية. لم يعرفوا [السبب]، ولكي نكون واضحين: لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] دعا لهم.
دعاء النبي بعدم تسليط عدو خارجي واستجابة الله له
النبي [صلى الله عليه وسلم] قال:
«وسألتُ الله ألا يجعل عدوًّا من غيرهم [يستأصلهم] فاستجاب لي»
انتهى الأمر وانتهينا. والأذى الذي تلقاه أهل سراييفو: من مات شهيدًا ومن عاش عزيزًا.
ماذا سنفعل؟ هل نحن الذين فعلنا ذلك [بأنفسنا]؟ نحن الذين يُفعَل بنا [من قِبَل الأعداء].
عدم استجابة الله لدعاء النبي بمنع الاقتتال الداخلي بين المسلمين
حسنًا، وسأل اللهَ سبحانه -يقول النبي صلى الله عليه وسلم-:
«ألا يجعل بأسكم بينكم شديدًا، ألا تقاتلوا بعضكم البعض»
أي: فلم يُستجَب لي. سبحان الله، لم يُستجَب له [صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء].
فتبقى أوضاعنا هذه الأمور أُلقيت علينا، نحن لازم نحن الذين نجتمع ونعتصم بحبل الله وألا نتفرق.
المعجزة تحدث عند ضرب العدو الخارجي لا عند الاقتتال الداخلي
لن نجد في هذا المكان [الاقتتال الداخلي] معجزةً مثل المعجزة التي حدثت هناك [عند مواجهة العدو الخارجي]. عندما ضُربنا في الأندلس حدثت معجزة، عندما ضُربنا أيام التتار حدثت معجزة، عندما ضُربنا في سراييفو حدثت معجزة.
أما نحن عندما نقتل بعضنا البعض فلن تحدث معجزة؛ لأن الله لم يستجب لسيدنا النبي [صلى الله عليه وسلم في دعائه بمنع الاقتتال الداخلي].
فماذا علينا؟ علينا تكليف أن نحب بعضنا البعض، أن نتحد، أن نكون معتصمين بالله:
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
الوحدة تكليف شرعي والتفرق إثم وغلو في الدين
لما آتي وأبحث عن إمكانية أن نتحد أم لا يمكن، ممكن، كل شيء جاهز للاتحاد، فيكون ذلك تكليفًا لنا ومسؤوليةً علينا؛ أننا إن لم نفعل ذلك فسنكون آثمين؛ لأن الله أمرنا بالوحدة.
وأردنا لأنفسنا غير ذات الشوكة، أردنا لأنفسنا الضعف: أن نتفرق ونصبح كل شخص يسير في حاله هكذا. عندما أمرنا [الله] أن نعتصم بأمر الله جميعًا فأبينا، يكون ذلك غلوًّا في الدين.
ترك التعلم والأمية في الأمة الإسلامية من صور الغلو في الدين
أمرنا [الله] بأن نتعلم فلم نتعلم. عندما تذهب إلى الجماعة السوفييتية تجد نسبة الأمية صفرًا في المائة؛ كل الشعب يقرأ. وهو ينتقل من بيته إلى المصنع أو إلى المحل الذي يعمل فيه يأخذ المترو، يمسك بيديه كتابًا جالسًا يقرأ فيه، كل الشعب يقرأ.
فيكون هو حجة، هذه ستكون حجة علينا. هذه [الأمة] فأنا أول ما أنزلت لكم أنزلت:
﴿ٱقْرَأْ﴾ [العلق: 1]
وكررتها لكم مرتين، وقلت:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
العلم لا نهاية له والأمية المرتفعة غلو في الدين
وعرَّفتكم أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
فيكون العلم دائمًا:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
يبقى العلم دائمًا:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
وأنتم تبقى الأمية خمسين، ستين في المائة يا أمة الإسلام! ما الذي حدث؟ غلوٌّ في الدين، غلو.
القول على الله بغير الحق وترك تغيير ما بالأنفس من صور الغلو
وحالنا يقول على الله غير الحق. عندما يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نغير ما بأنفسنا:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
فإذا كنا لا نغير فيبقى هذا غلوًّا في الدين.
كل ذلك بالإضافة إلى ذلك العنف الذي اكتسح كثيرًا منا. لماذا؟ لأنه يرى القذى في عين أخيه ولا يرى جذع النخلة في عينه.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
