سورة النساء | حـ 834 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وأمرهم ألا يقولوا عليه إلا الحق.
- •ذكر الله صفاته في القرآن بأكثر من مائة وخمسين صفة، منها: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، ليعرف المسلمون من يعبدون.
- •أكثر الله من أسمائه على عادة العرب التي تكثر من أسماء ما تحبه أو تخافه.
- •ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة.
- •صفات الله بلغت الغاية في كمالها، فهو في الرحمة منتهاها، وفي العفو منتهاها، وفي العظمة منتهاها.
- •بيّن القرآن حقيقة المسيح عيسى بأنه رسول الله وكلمته، فقال: "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته".
- •رفع النبي صلى الله عليه وسلم شأن عيسى عليه السلام وأمه، وذكر أنه لم ينخسه الشيطان.
- •نهى الله عن القول بالتثليث بقوله: "ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم"، مؤكداً أنه إله واحد.
- •نزّه الله نفسه عن الولد بقوله: "سبحانه أن يكون له ولد".
مقدمة الدرس وبيان أن الله وصف نفسه في القرآن بأكثر من مائة وخمسين صفة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ [النساء: 171]
وعلى ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أكثر من ذكر صفاته في كتابه سبحانه وتعالى؛ من أجل أن نعرف من نعبد.
وكثيرًا ما نُسأل: من تعبدون؟ أو بعض من جهل حقائق الإسلام يدّعي أن الإله عندنا غامض، هكذا يقولون. وكأن الله يردّ عليهم بما فعل في كتابه، فيصف نفسه بأكثر من مائة وخمسين صفة في القرآن.
بعض أسماء الله الحسنى وصفاته التي وصف بها نفسه في القرآن والسنة
وصف نفسه سبحانه بأنه الله، وأنه الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، الخالق البارئ المصور، الغفار الفتاح العليم، جلّ جلاله.
وصف نفسه في القرآن الكريم، ووصفه نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال لنا إنه القديم وإنه الصانع وإنه المقتدر.
وصف نفسه سبحانه وتعالى بصفاتٍ لا يمكن معها إلا أن نقول إننا نعلم من نعبد؛ الإله المتصف بهذه الصفات.
عادة العرب في تكثير الأسماء لما يحبون أو يخافون وعلاقتها بأسماء الله
وليس هناك هذه الصفات من قبل [أي لم يكن أحدٌ يُوصف بمثل هذه الصفات مجتمعة]. وكانت العرب من عادتها أنها إذا أحبّت شيئًا أكثرت من أسمائه، وإذا خافت شيئًا أكثرت من أسمائه.
نصّ على ذلك السهيلي في الروض الأنف وهو يشرح سيرة ابن هشام؛ قاعدة أن العرب لمّا تخاف شيئًا مثل الأسد تجعل له أسماء كثيرة، أو عندما تحبّ شيئًا كثيرًا مثل الخمر تجعل لها أسماء كثيرة.
ولذلك وعلى عادة العرب وعقليتهم أنزل الله الكتاب فأكثر من أسمائه، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
دعاء النبي بأسماء الله الثلاثة المستويات وبيان أن المسلمين يعبدون ربًا يعلمون صفاته
ويدعو [النبي صلى الله عليه وسلم] ويقول:
«اللهم إني أسألك بكل اسمٍ هو لك، أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همّنا وحزننا، ونور أبصارنا وصدورنا»
إلى آخر الحديث. كل اسمٍ هو لك: أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ يعني ثلاثة مستويات [لأسماء الله تعالى].
لماذا؟ لأن المسلمين يعبدون ربًّا نعلم صفاته، حتى قال بعض العلماء أن هناك شيئًا يُسمّى توحيد الصفات.
بلوغ صفات الله الغاية في كل كمال من رحمة وعفو وعظمة
وهذه الصفات في حقه تعالى بلغت الغاية في تلك الصفات؛ ففي الرحمة هو الرحمن الرحيم وفي الرحمة منتهاها، وفي العفو منتهاها، وفي الجبروت والعظمة منتهاها، وفي كل شيء منتهاه؛ لأن الرب ربٌّ ولأن العبد عبدٌ.
﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ [النساء: 171]
والحق قد أنزله [الله في كتابه]، ولذلك لا يمكن لنا أن ندّعي شيئًا خفيًّا وأن نقول على الله الباطل، فليس عندنا أيّ حجة على أن نقول على الله الباطل.
بيان أن المسيح عيسى بن مريم رسول الله فقط ومعنى إنما التي تفيد الحصر
نبّه [الله تعالى] الآخرين [أهل الكتاب] وقال:
﴿إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 171]
و**«إنما»** تفيد الحصر والقصر؛ «إنما» كلمة هكذا في العربية معناها مثل: أي شيء فقط هكذا وحسب.
أما المسيح عيسى بن مريم رسول الله، فيعني أنه رسول الله فقط. بل إنه من أولي العزم من الرسل، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم رفع شأنه وشأن أمه عليها السلام وقال:
«إنّ كل مولود له نصيب من نخس الشيطان إلا سيدنا عيسى، وُلد من غير أن ينخسه الشيطان»
ما هذا التعظيم كله!
حديث الشفاعة واعتذار الأنبياء وتفرد عيسى عليه السلام بعدم الذنب الظاهر
وفي حديث البخاري [في الشفاعة الكبرى] يأتي الخلق فيذهبون إلى آدم: اشفع لنا عند ربنا، فيعتذر بخطيئته: لكنني كنت فعلت وأخاف. فيذهبون إلى نوح فيقول: لكنني سألت ربي في قصة ابني هذه، أيضًا فعل قليلًا هكذا.
فيذهبون إلى إبراهيم، فيذهبون إلى كلٍّ [من الأنبياء]، يعتذر موسى فهكذا موسى فقضى عليه [أي قتل القبطي]، يقول فقط يعني يوجد واحد أنا قتلته لا داعي [للشفاعة].
فيذهبون إلى عيسى في البخاري هكذا، فيقول: اذهبوا إلى محمد. حسنًا، نعم، عيسى إذن عمل ماذا؟ ما هو كل نبي اعتذر بالشيء الذي يخرج منه [أي الذي يُحسب عليه]، سيدنا عيسى شيء لم يُذنب قطّ في الظاهر.
بيان أن ما فعله الأنبياء ليس ذنبًا حقيقيًا وتفرد عيسى بالكمال التام
كل هؤلاء الأنبياء، هذه الأشياء التي فعلوها ليست ذنبًا، ولكن ربما تبدو ذنبًا في الظاهر. أي عندما وكزه موسى ولم يقصد قتله، قال له [الله]: ابتعد قليلًا [عن ذلك]؛ موته أي خلق الله الموت عند هذه الدفعة، هذه المرة لا يوجد ذنب ولا شيء.
عندما قال [إبراهيم عليه السلام]: فعله كبيرهم هذا، أي ليس كذبًا أو شيئًا من هذا القبيل، أي أنه يسخر منهم بوضوح لأنه فوقهم. عندما عصى سيدنا آدم أي في دار التشريف [الجنة]، كل الأمر يصبح ما لم يعد ذنبًا في الحقيقة.
هم ليسوا أصحاب ذنوب، هؤلاء أناس معصومون كبار، ولكن يبدو أنه كان فيها مخالفة. أي فما بال سيدنا [عيسى]؟ ما شأنه؟ ما من كمال تام عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، الله يحبه، هذا حبٌّ شديد. لا، هذا هو الواقع كذلك، سيدنا عيسى كذلك.
الرد على شبهة الفلاسفة في مساواة عيسى بالقرآن لأن كليهما كلمة الله
﴿إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُٓ﴾ [النساء: 171]
كلام واضح. وكلمته؛ بعض الفلاسفة يقولون لك: سيدنا عيسى كلمة الله والقرآن كلمة الله، إذن سيدنا عيسى هو المكافئ للقرآن.
وهذا الكلام الذي قد يُحدث اشتباهًا عند الفلاسفة. القرآن صفة من صفات الإله، لكن القرآن الذي نحن نقرؤه هذا دالٌّ على هذه الصفة [وهو] مخلوق؛ وليس المصحف هذا لم يكن موجودًا ثم أصبح موجودًا فهو إذن مخلوق.
فيقول لك: نعم، هذه الكلمة كأن فيها شيئًا أن هذه [الكلمة] من عند الله وسيدنا عيسى أيضًا من عند الله. الكلام الذي أقوله هذا يشتبه على بعض الفلاسفة، فيقولون: إذا كان القرآن غير مخلوق فإن سيدنا عيسى غير مخلوق. هكذا تأتي الأمور.
النهي عن قول ثلاثة وبيان أن الله إله واحد سبحانه وتنزيهه عن الولد
ربنا يوضح الأمور ويُهدّئ البال ويقول:
﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَـٰثَةٌ﴾ [النساء: 171]
حتى لا تتلبّسوا فتقولوا ثلاثة، الذي يسمع فيظن أنهم ثلاثة آلهة. ولذلك الآن عندما نسمع الفلاسفة الكبار والمفكرين الكبار يقولون: لا، هذا ليسوا ثلاثة بل هم واحد. حسنًا، إذن لماذا لا تقولون ثلاثة؟ قال: لا نقول ثلاثة.
﴿ٱنتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ سُبْحَـٰنَهُٓ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 171]
سبحانه أن يكون له ولد.
أهمية الوقف في القرآن وعلامات الترقيم الإسلامية وبيان معنى الآية
وبعدين هنا يجب أن تقف عند كلمة (ولد)، وهذا هو الوقف وهو علامات الترقيم الإسلامية التي اخترعها المسلمون لتتوافق مع اللغة العربية، أفضل من الفاصلة وعلامة الاستفهام والتعجب وما شابه ذلك. فتجد عليها (ميم) يعني ممنوع أن تُكمل.
لماذا؟ [لأنه لو أكملت القراءة دون وقف لأصبح المعنى مختلفًا]:
﴿لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 171]
حسنًا، ولو كمّلنا ما يصبح الولد هو في السماوات وما في الأرض، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فهو ما من ولد أصلًا، ولله ما في السماوات وما في الأرض، فالضمير هنا يعود على ربنا.
﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 171]
فالحمد لله، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
