سورة النساء | حـ 835 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 835 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تُرشدنا آية سورة النساء إلى التوحيد الخالص، موضحة أن الله أرسل الرسل مبشرين ومنذرين.
  • الأنبياء في غاية العظمة كبشر، لكن لا يجوز ادعاء ألوهية أحدهم، فالرب رب والعبد عبد.
  • الخالق سبحانه لا بداية له ولا نهاية، أما المخلوق فله بداية ونهاية، وما جاز عليه العدم يستحيل عليه القدم.
  • مصطلح "بيت الله" إضافة للتشريف وليست حقيقية، فالله منزه عن المكان والزمان.
  • كلمة الله قد تطلق ويراد بها المخلوق، وقد يراد بها الصفة القائمة بذات الله.
  • عيسى عليه السلام "كلمة الله" بمعنى أنه مخلوق بكلمة "كن" وليس صفة من صفات الله.
  • "روح الله" لا تعني أن عيسى جزء من الله، بل هي إضافة تشريف مثل "بيت الله".
  • القرآن يوضح بأدب دقيق هذه المفاهيم حتى لا يقع الناس في الغلو وسوء الفهم.
  • الإضافة في هذه التعبيرات سبب للاجتباء والتكريم وليست للتأليه.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

تلاوة آية سورة النساء في التوحيد والنهي عن الغلو في الدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 171]

الآية ترشد إلى التوحيد الخالص ومكانة الرسل كسادة المخلوقات

هذه آية ترشدنا إلى التوحيد الخالص، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وأنهم من روح الله، وأنهم من كلمة الله، وأنهم في غاية العظمة عندنا كبشر؛ فهم سادة المخلوقات.

منهم سيدنا محمد ﷺ، ومنهم سيدنا عيسى، ومنهم سيدنا موسى، ومنهم سيدنا إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

ولكن ليس من المعقول أن ندّعي أحدًا منهم إلهًا؛ فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فرق بين المخلوق والخالق.

الفرق الجوهري بين الخالق والمخلوق في البداية والنهاية والقدم والعدم

فالخالق ليس له بداية وليس له نهاية، المخلوق له بداية وله نهاية. الخالق لا بداية له ولا نهاية له سبحانه وتعالى؛ الأول الآخر الظاهر الباطن القديم، وهو الآن على ما عليه كان، خلق الزمان وخلق المكان.

ولذلك فالخالق جلّ جلاله لا أول له ولا نهاية له، لكن المخلوق يولد فيبدأ ويموت فينتهي؛ بداية ونهاية.

وكل ما جاز عليه العدم عليه قطعًا يستحيل القِدَم؛ ما دام هناك عُرضة لأن يكون عدمًا فيبقى لا يمكن أن يكون قديمًا. وكل ما جاز عليه القِدَم عليه قطعًا يستحيل العدم؛ وإذا كنت قديمًا فإنك لا تُعدَم. هذا أنت ستمضي دائمًا، فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ.

سبب الفهم الخاطئ لألوهية بعض الأنبياء وتنبيه القرآن على ذلك

لماذا فهم بعضهم أن هذا النبي [عيسى عليه السلام] هو الإله أو هو الرب؟ أتى هذا [الفهم الخاطئ] من بعض الكلمات التي استُعملت ففُهمت فهمًا خاطئًا.

وينبّهنا القرآن في بلاغة وأدب، ينبّهنا إلى هذه الحقيقة. عندما نقول «بيت الله»، مضاف ومضاف إليه، بيت الله.

ما الذي نعنيه ببيت الله؟ المساجد، البِيَع، الكنائس، الصوامع؛ يعني البيوت التي يُعبد فيها الله. بيت الله عندما نقول نحن كمسلمين فيما بيننا هكذا «بيت الله»:

«إنّ بيوت الله في الأرض المساجد»

النبي ﷺ يقول هكذا. وعندما نقول «بيت الله» مطلقًا هكذا: «هذا أنا ذاهب لبيت ربنا»، الذي هو الكعبة، بيت الله:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]

الرد على من ظن أن الله ساكن في الكعبة وبيان معنى إضافة التشريف

هذه الإضافة [في قولنا بيت الله] واحد فهم أن ربنا ساكن داخل الكعبة ما دام أنها بيته، وعندما تذهب إلى بيت أحدهم فلا بد أن تجده.

وماذا عن هذا الفهم؟ ساذج قليلًا أم ساذج تمامًا؟ هذا ساذج تمامًا! هل خطر في بال أحد أن نقول هذا عن الله؟ نحن لو فتحنا هذا الباب فهل سنجد ربنا بالداخل؟ فنصحّح له ونقول له: لا، هذا بيت الله أي محلّ نظر الله.

وماذا يعني أيضًا؟ أي المكان المقدّس الذي عنده تتنزّل الرحمات. حتى قال رسول الله ﷺ:

«النظر إلى الكعبة عبادة»

لماذا إذن؟ لا لأن فيها شعاعًا من ربنا، بل لأنها تتنزّل الرحمات عندها، وهي أيضًا يُستجاب عندها الدعاء.

مكانة الكعبة في تنزل الرحمات ومعنى إضافة التشريف لا الإضافة الحقيقية

ووُجد عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] معلّقًا بأستار الكعبة وهو يبكي ويدعو، فقال [النبي ﷺ]: «يا عمر، هنا تُسكب العبرات». إنه هنا حقًّا مكان جلال الكعبة وبهائها وتنزّل الرحمات عندها.

وهي محلّ نظر الله، وفي المحلّ الأقدس الأكمل عند الله جعل لها في قلوب المؤمنين مكانة.

وإنما الإضافة هنا [في قولنا بيت الله] يسمّيها العرب إضافة للتشريف وليس إضافة حقيقية. بيتك أقول لك: أين بيتك؟ أي المكان الذي تسكن فيه، ولكن الله منزّه عن المكان وعن الزمان وعن الأشخاص وعن الأحوال.

معنى كلمة الله بين الصفة القائمة بذاته وبين المخلوق الدال عليها

هكذا كلمة الله. كلمة الله، كلام الله صفة من صفاته، كلام الله قائم بذاته، صفة مثل القدرة، مثل الإرادة، مثل العلم، قائمة بذات الله.

فكلام الله مخلوق أم غير مخلوق؟ غير مخلوق؛ لأنه صفة من صفات الله.

وهنا تأتي الحيرة عند بعضهم عندما يسمع أن سيدنا [عيسى عليه السلام] كلمة من كلمات الله، فيظن أنه صفة من صفات الله. خطأ!

ماذا يقول لنا القرآن؟ هذا الفهم خاطئ؛ فكلمة الله هنا مثل بيت الله [إضافة تشريف]؛ لأن كل مخلوق دالٌّ وليس مدلولًا.

المصحف مخلوق يدل على كلام الله ومثال المرآة والصورة لتوضيح الفرق

فماذا يعني ذلك [أن المخلوق دالٌّ وليس مدلولًا]؟ القرآن، المصحف هذا، المصحف الذي في يدي هذا لم يكن موجودًا ثم طبعته المطبعة فأصبح موجودًا.

فهل هذا [المصحف المطبوع] صفة من صفات الله؟ لا، إذن والكلام الذي فيه يدلّ على كلام الله.

نريد أن نفهمه أكثر: قال لك عندما تقف أمام المرآة، الذي في المرآة أنت أم أخوك؟ لا، أنت. الذي في المرآة، إذن سأكسر المرآة، هل حدث لك شيء؟ قلت لي: لا. قلت لك: إذن لم تكن أنت الذي في المرآة، هذه صورتك التي في المرآة.

إذن يوجد أنت ويوجد صورتك، لكننا سمّينا صورتك ماذا؟ أنت! عندما تأتيني بصورة وتقل لي: هذا حسن وهذا حسين، هذه الصورة تخصّ حسن المعروف، فاقطعها واحرقها، حسن حدث له شيء أم لم يحدث له شيء؟ [لم يحدث له شيء].

كلمة الله بين المخلوق والصفة وبيان أن عيسى هو الكلمة المخلوقة

فكلمة الله قد تُطلق ويُراد منها المخلوق، وقد تُطلق ويُراد منها الصفة التي هي قائمة في ذات الله:

﴿إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن﴾ [يس: 82]

فهو كلامه [سبحانه وتعالى].

سيدنا عيسى [عليه السلام] الكلمة المخلوقة أم الصفة القائمة؟ الكلمة المخلوقة. إذن سيدنا عيسى بشرٌ وسيدنا عيسى مخلوق.

ينبّه القرآن إلى أن سيدنا عيسى هو الكلمة المخلوقة. هل يجوز أن أقول إن سيدنا عيسى ليس كلمة ربنا؟ لا؛ فقد قال [الله] للشيء كن فكان، فهو كلمة الله.

معنى روح الله وأنها إضافة تشريف لا تعني أن لله روحًا كالمخلوقات

﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ [الأنبياء: 91]

روح الله مثل بيت الله [إضافة تشريف]. روح الله هذه تعني الروح التي تخصّ ربنا؟ حاشا لله! ربنا ليس له روح، نحن الذين لنا أرواح.

روح ربنا هذه مثل بيت الله، بيت الله، بيت الله؛ هذه روح الله مخلوق من المخلوقات:

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]

إذن روح ربنا هذه شيء جيد جدًّا وجميل جدًّا. فسيدنا عيسى من روح الله، طبعًا من روح الله، إلا أن روح الله هذه معناها أنه من الله أي هو جزء من الله؟ لا!

تفصيل سبب الاشتباه في كلمة الله وروح الله والتنبيه على الفهم الصحيح

فبالأدب جاءوا [العلماء] وفصّلوا المصطلح وقالوا لنا: انتبهوا، هو كلمة الله وهو هذا سبب الاشتباه، وهو روح الله لن ننكر وهو هذا سبب الاشتباه.

ولكن انتبهوا قليلًا، ولذلك تفصيل نذكره في حلقة تالية إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.