سورة النساء | حـ 836 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 836 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يبين الله في سورة النساء حقيقة عيسى ابن مريم بأنه رسول الله وكلمته وروح منه وليس إلهًا.
  • كلمة الله إذا تعلقت بما أبرزه في عالم الحدوث فهي مخلوقة، أما الكلمة القائمة بذاته فغير مخلوقة.
  • توضيح الفرق بين الدال والمدلول، فالكلمة المكتوبة أو اللوحة تدل على الله ولكنها ليست هي الله.
  • المسيح عيسى ابن مريم نبي مرسل من أولي العزم، وهو مخلوق وليس خالقًا.
  • يرى المسلمون أن سيدنا عيسى مهّد الطريق للمسيح الحقيقي وهو سيدنا محمد الذي تنطبق عليه صفات المسيح الواردة في الكتب.
  • سيدنا عيسى لم يكن قائد جيوش أو دولة كما كان سيدنا محمد.
  • ينهى الله عن القول بالثلاثة (التثليث) ويؤكد أنه إله واحد منزه عن الولد.
  • الله غني عن اتخاذ ولد أو وزير أو حارس، فله ما في السماوات وما في الأرض وكفى به وكيلاً.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة في بيان الله للبشرية في سورة النساء وتحريم القتل والإفساد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يبين لنا الله سبحانه وتعالى بيانًا لو استمعت إليه البشرية وعرفته ووعته لما كان بينها اختلاف، ولوفرت على نفسها حروبًا خاضتها ودماءً أراقتها في غضب الله.

لأن الله سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان حرّم عليه أن يقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وحرّم علينا أن نفسد في الأرض، ولكن هذا هو قدر الله وحكمته في العالمين.

بيان أن المسيح عيسى بن مريم كلمة الله وروح منه وهو مخلوق

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171]

ألقاها أيضًا إلى مريم؛ فسيدنا عيسى هو كلمة الله وهو روح الله، وكلمة الله وروح الله من المخلوقات. وقد يرى بعضهم خطأً، وينبهنا ربنا على هذا الخطأ: أن كلمة الله ليست بمخلوقة في هذا المقام، لكنها مخلوقة، أو أن روح الله ليس بمخلوقة في هذا المقام، ولكنها مخلوقة.

التفريق بين كلمة الله القائمة بذاته وكلمته المتعلقة بالمخلوقات

فينبهنا الله سبحانه وتعالى إلى سبب بسيط وهو فهم الكلام على غير وجهه؛ لأن كلمة الله إذا تعلقت بما أبرزه في عالم الأحداث والحدوث فهي مخلوقة، وكلمة الله القائمة بذاته سبحانه وتعالى غير مخلوقة.

أضرب لذلك مثالًا: إذا كتب لنا أحد الخطاطين لفظ الجلالة بصورة حسنة جميلة، الورقة هذه التي علقناها وجعلناها في صدر المجلس وكتبناها في المحاريب: "الله"، ما هذا؟ من هذا؟ "الله"، نقول: الله جل جلاله، وأحيانًا نكتب "جل جلاله" بجانبها هكذا في دائرة هكذا: "الله جل جلاله".

الفرق بين الدال والمدلول في العبادة واللوحة المكتوب عليها لفظ الجلالة

فحين يسألنا سائل: أتعبدون ربنا هذا؟ نقول: طبعًا، نعبد الله ربنا ورب آبائنا الأولين. فيسألنا: أتعبدون هذه الورقة؟ فنقول: لا، حاشا لله! إننا نعبد رب العالمين الذي هذه الورقة دالة عليه.

نحن كمسلمين نعبد لوحة كتبها خطاط؟! فتقول لي: هل اللوحة التي أمامك هذه "الله" ولا "محمد"؟ أقول لك: لا، "الله". تقول لي: ولا "حسن" أو "حسين"؟ أقول لك: "الله". تقول لي: "الله" خالق أم مخلوق؟ أقول لك: خالق. تقول لي: إذن هذه اللوحة خالق؟ أقول لك: لا!

ها أنت تسخر مني، في شيء خطأ، في شيء خطأ.

توضيح مفهوم الدال والمدلول بمثال البطاقة والهوية الشخصية

ما الخطأ الذي فاتك؟ الدال والمدلول. واللوحة هذه دلالة على الله، مثل اسمك، مثل صورتك، مثل البطاقة الخاصة بك، مثل رخصة السيارة الخاصة بك، تدل عليك ولكنها ليست أنت.

كل هذا -الصورة والرخصة والبطاقة- وضعتها في المحفظة وضاعت المحفظة، هل ضعت أنت؟ ما أنت موجود معنا ها هنا، وتذهب إلى القسم وتعمل بدلًا فاقدًا وتعمل محضرًا، فأنت موجود.

إذن فما هذه؟ إذن ماذا؟ إذن وأنت ضاعت هويتك ضاعت، ها هو ذا. نحن نسمي البطاقة هوية، يقول له: لا، الذي ضاع هو الدال وأنا المدلول.

تعدد الدال ووحدانية المدلول وأن لفظ الجلالة دال على الله لا هو الله

واللفظ هذا "الله" جل جلاله سبحانه وتعالى هذا دال، ولذلك -ونعوذ بالله- لو حدث حريق واحترقت هذه الورقة لا يحدث شيء. فهل إذا طبعت منها ألف نسخة فيكون هناك ألف إله؟ الله لا إله إلا هو!

سأطبع من "لا إله إلا الله" مليون نسخة، نعم، هذا الدال، والدال يتعدد، والمدلول واحد سبحانه وتعالى.

فقضية الدال والمدلول هذه حدث فيها يا إخواننا كلام، وبعض الناس فهمت أن سيدنا عيسى هو ربنا. لا؛ سيدنا عيسى كان نبيًا مرسلًا، كان كريمًا ابن الكريمة، الطاهر ابن الطاهرة عليهما السلام.

بيان أن عيسى عليه السلام كلمة الله وروحه ومخلوق ونبي من أولي العزم

كلمة الله أم ليس كلمة الله؟ كلمة الله. روح الله أم ليس روح الله؟ هو روح الله. مخلوق أم خالق؟ مخلوق. نبي أم لا؟ نبي ورسول ومن أولي العزم من الرسل، وفي المكانة العليا وفي قلوبنا كذلك.

إذن علّمنا ربنا الإنصاف، علّمنا البحث عن الحق، علّمنا ترتيب العقل، علّمنا الفرق بين الدال والمدلول.

معنى المسيح والمسيّا والخلاف بين المسلمين واليهود والمسيحيين حوله

"إنما" للحصر والقصر وتعني هكذا فقط. المسيح والمسيح يعني الملك، والمسيح وهو الملك كانوا ينتظرونه بنو إسرائيل، كانوا ينتظرون ملكًا، فجاء تمهيدًا للمسيح.

من هو هذا المسيّا؟ سيدنا محمد، يقول المسلمون هكذا. وغير المسلمين لا؛ اليهود يقولون إن المسيّا لم يأتِ بعد، فهم لا يؤمنون بسيدنا عيسى ولا يؤمنون بسيدنا محمد. والمسيحيون يقولون: لا، المسيح هو المسيح. والمسلمون يقولون: لا، هذا المسيح هو الذي مهّد الطريق إلى المسيّا.

والمسيّا من هو؟ كل الصفات الواردة في المسيّا هو سيدنا محمد. خلاف في الرأي، لم نُكرِه أحدًا على شيء.

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

إنما هذا هو ديننا، نرى المسيّا الوارد في الكتب هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

دليل أن القرآن من عند الله لأن النبي لم يسمِّ نفسه المسيح

ويسمي الله سبحانه وتعالى عيسى بالمسيح على ما أراد. لو كان هذا الدين من عند محمد ما كان سمّى عيسى المسيح حتى يسمي نفسه هو المسيح. هل تنتبه لما أقول؟

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء، هو جاء ولكنه لم يأتِ بالقرآن من عنده، لم يأتِ بشيء من تلقاء نفسه، بل إن الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل القرآن على قلبه وبيّن له أن المسيح هو عيسى بن مريم، فقال: فمن أكون أنا إذن؟

الفرق بين المسيح عيسى والنبي محمد في القيادة والدولة والمسيّا

المسيح لم يكن قائد جيوش، لم يكن قائد دولة -سيدنا المسيح [عيسى عليه السلام]-، ولكن الذي كان قائد جيوش وقائد دولة من؟ سيدنا محمد.

أما المسيح عيسى بن مريم فهو سيدنا عيسى المسيح، هو المسيح، هو المسيح الذي رفعه الله بجسده العنصري في السماء الرابعة، يعود في آخر الزمان، هو المسيح عيسى بن مريم رسول الله.

بيان أن عيسى رسول الله وكلمته وروح منه وكلها صفات مخلوق

هذا رقم واحد: رسول الله -مضاف ومضاف إليه-. الرسل آلهة أم بشر؟

﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]

رسول الله وكلمته: كلمة الله أيضًا مخلوق. ألقاها إلى مريم وروح منه: إذن روح الله، من روح الله، مخلوق. هذا أم غير مخلوق؟ مخلوق طبعًا.

الأمر بالإيمان بالله ورسله والنهي عن قول ثلاثة وتنزيه الله عن الولد

﴿فَـَٔامِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَـٰثَةٌ ٱنتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: 171]

انتهوا خيرًا لكم، أحسن لكم أن تفكروا صحيحًا، وأحسن لكم أن تصفوا الأمور بصفاتها. انتهوا خيرًا لكم.

﴿إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ سُبْحَـٰنَهُٓ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 171]

منزّه عن أن يكون له ولد، فلا أب -لم يلد- ولا ابن -ولم يولد-.

﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]

ولا مثيل له.

الله مالك السماوات والأرض لا يحتاج إلى ولد ولا وزير وكفى به وكيلا

له سبحانه ما في السماوات وما في الأرض. إذن طالما أنه له ما في السماوات وما في الأرض فلا يحتاج إلى وزير ولا إلى حارس؛ لأنه هو الكبير سبحانه وتعالى.

﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 171]

هذا هو وكيل الجميع، فلماذا إذن يأخذ لنفسه ولدًا أو وزيرًا أو حارسًا؟

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.