سورة النساء | حـ 838 | 173 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يتحدث القرآن في سورة النساء عن انقسام الناس إلى فريقين: المؤمنون العاملون للصالحات والذين استنكفوا واستكبروا.
- •يوم القيامة يمتد لألف سنة مما نعد، يواجه فيه الإنسان حساباً وعرضاً وعتاباً وثواباً.
- •يُعرض على الإنسان أعماله كلها، ويظهر ما كان خفياً من الأقوال والأفعال أمام الناس.
- •يوفي الله المؤمنين أجورهم كاملة ويزيدهم من فضله، فيما يعذب المستكبرين عذاباً أليماً.
- •لم يرد ذكر الإيمان في القرآن إلا مقروناً بالعمل الصالح، فالعمل الصالح دليل على الإيمان.
- •الحسنات تذهب السيئات والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
- •تحذير شديد من الكبر، فلن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر.
- •الله جميل وعفو ورحيم، فمن أحبه أحبه الله، ومن تكبر عليه استحق العذاب.
افتتاح الدرس بتلاوة آية من سورة النساء عن جزاء المؤمنين والمستكبرين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا وَٱسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 173]
فالناس في النهاية وفي يوم القيامة على فريقين: فريق سائر إلى الجنة، وفريق سائر إلى النار والعياذ بالله تعالى.
الدعاء بالرحمة والستر والحشر مع المؤمنين يوم القيامة
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن المقصرين، وأن يشملنا برحمته قبل عدله، وأن يتقبلنا على ما نحن عليه من ضعف ومن عمل؛ فهو كريم سبحانه.
ونحن نحبه ونحب كرمه، ونحب عفوه ورضاه. فاللهم يا ربنا احشرنا مع القوم المؤمنين.
أنواع ما يسبق التشقيق يوم القيامة من حساب وعرض وعتاب وعقاب وثواب
وهذا التشقيق [تقسيم الناس إلى فريقين] في يوم القيامة يسبقه تمهيد وتهيئة، فيها نوع من أنواع الحساب، وفيها نوع من أنواع العرض، وفيها نوع من أنواع العتاب، وفيها نوع من أنواع العقاب، وفيها نوع من أنواع الثواب.
إذن فهناك عقاب وهناك ثواب، وهناك عتاب وهناك حساب.
طول يوم القيامة ألف سنة واستعراض حياة الإنسان بكل تفاصيلها الخفية
ولذلك فإن يوم القيامة يمتد امتدادًا شديدًا، وقدّره ربنا بألف سنة مما نعدّ. فكل واحد يستعد؛ لأنه سيجلس ألف سنة. تخيّل نفسك بلا عمل ولا أهل، وأنك قد بُعثت يوم القيامة على هيئتك المكلفة، عاقل مستوعب فاهم كل شيء.
ثم جاء العرض، والعرض يستعرضون فيه حياتك منذ أن كُلِّفت وإلى أن متّ، ولكن مع إظهار ما كان خفيًّا.
ما الذي كان خفيًّا في ظنك؟ ما الذي كان خفيًّا؟ ما فعلته من وراء الناس، فكرك [ما أضمرته في نفسك].
مشهد الفضيحة يوم العرض حين تظهر الغيبة والنفاق على الشاشة أمام الجميع
اغتبت أخاك [في الدنيا]؟ ستظهر على الشاشة أنك تشتمه وأنت تشتمه، ويوقفه [الله] بجانبك هكذا. يا الله! أنت شتمتني؟ يا لهذه الفضائح!
حسنًا، لماذا شتمتني؟ ماذا فعلت لك أنا؟ أنت نافقتني؟ طيب لماذا نافقتني؟ إن هذا الذي تقول له هكذا: "تقول أحلام سيادتك، أوامر"، وفي عقله يقول: "الله يخرب بيتك"، سيظهر هذا الكلام [يوم العرض].
دعاء الصالحين بالستر يوم العرض وإمكانية رؤية الفيلم سرًّا أو علانية
ولذلك من دعاء الصالحين: اللهم استرنا يوم العرض عليك. يمكن أن ترى هذا الفيلم [فيلم حياتك] أنت وحدك، ويمكن أن يراه الناس.
فنسأل الله الستر، يا رب استرها معي فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. الله! هذه مسألة خطيرة.
امتداد زمن العرض يوم القيامة بسبب تعدد المظالم بين العباد
ففي يوم العرض عليه [سبحانه وتعالى] ستمتد الأرض، سنعيش مائة سنة، سأبقى الآن... نحن مهيأون على أن نبقى ألف سنة، ألف سنة قادمة.
لماذا [يمتد هذا الزمن]؟ ما هو أنا لمّا فكرت حينما شتمت أخي، هذا الذي جاء به [الله] لكي يرى [ما قيل فيه]، وهو وراءه مسؤوليات أخرى وحساب آخر، فهو جاء وذهب، فأصبح الزمن يحتاج زمنًا أكبر.
وعندما شتمته شتمت معه واحدًا آخر، فالفيلم يعود مرة أخرى كي يسمع هذا الآخر. ما هي؟ فضيحة بالجلاجل [فضيحة كاملة أمام الجميع]!
الدعوة إلى الصدق مع الله والنفس والتوقف عن المعاصي من الآن
فإذن فلنبدأ من هنا، من الدنيا، ولنكن صادقين مع ربنا وصادقين مع أنفسنا، ولنتوقف عن هذه الأشياء [كالغيبة والنفاق].
ولكن هذا الأمر سهل على من سهّلها الله عليه، وصعب على من لم ييسّرها الله له.
اقتران الإيمان بالعمل الصالح في القرآن وأن الحسنات يذهبن السيئات
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا جانب، ﴿وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [النساء: 173]، يبقى العمل الصالح نستطيع أن نقول عنه إنه الدالّ على الإيمان. ولم يرد ولو مرة واحدة في القرآن ذكر الإيمان إلا معه العمل الصالح.
فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلنقرر مع أنفسنا أن نعمل الصالحات.
﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]
ولكن السيئات لا تُذهب الحسنات. فلذلك عمل الصالحات هذا منهج حياة.
الاستغفار بعد الغيبة وعدم الاستمرار في الحقد والضغينة
الواحد يغتاب أحدًا هكذا ثم يستغفر له بعد ذلك، أقول: اللهم اغفر له يا رب. القلب مختلف [عن اللسان]؛ عندما أذكرك بالسوء وبعد ذلك أقول: اللهم اغفر له.
لا أحقد عليك ولا أستمر في الضغينة بيني وبينك، عليّ أن أهدأ، أنا بنفسي أهدأ. يا رب اغفر له، يا رب سامحني يا رب.
الملائكة تنتظر ست ساعات قبل كتابة السيئة والمسارعة بالحسنات لمحوها
والملائكة تجلس ست ساعات عندما ترى الأخطاء، تجلس ست ساعات، فوجدت أنك أنت رجعت [تبت واستغفرت] فلا تكتبها، وإذا لم ترجع كتبتها.
ولكن بعد ست ساعات عملت ذنبًا، فأخرج صدقة بسرعة؛ فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. عملت ذنبًا؟ اذهب وتوضأ وصلِّ ركعتين. وهكذا: ﴿وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [النساء: 173].
معنى التوفية في الأجور وزيادة الله من فضله للمؤمنين
﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: 173]، والتوفية هي الإتمام والإكمال؛ شيء يكون كاملًا تامًّا فيه وفاء.
طيب، أعطاني الثواب الخاص بي، هكذا فقط؟ الكريم [سبحانه وتعالى] لا يفعل هكذا!
﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 173]
يزيدهم من زيادته. ولذلك لن تستطيع أن تحمد ربك، لن تعرف أن تشكره؛ كلما شكرته كلما احتاج شكرك أن تشكره مرة أخرى على أن وفّقك لشكره. يعني هو صاحب فضل علينا دائمًا، لن نستطيع الخروج لا من سمائه ولا من أرضه ولا من فضله.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
وكذلك في الآخرة: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 173].
خطورة الاستنكاف والاستكبار وأن مثقال حبة خردل من كبر تمنع دخول الجنة
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا﴾ [النساء: 173] عن عبادته سبحانه، وعن أن يسمّوا الأشياء بأسمائها، ﴿وَٱسْتَكْبَرُوا﴾ [النساء: 173] طلبوا الكبر.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر»
الخردل هذا يزن كم؟ ستة آلاف حبة تزن جرامًا. فيكون الخردل الستة آلاف حبة تزن ماذا؟ جرامًا واحدًا، أي واحد على ستة آلاف من الجرام.
أي كم هذه؟ قشرة إذن، هذه قشرة! ما هي حبة الخردل؟ هكذا خفيفة جدًّا لدرجة أنها مثل قشرة الفول المدمّس أثقل منها. حبة، مثقال حبة من خردل من كبر، لن يدخل الجنة. ما هذا!
العذاب الأليم للمستكبرين وأن الله رحيم يحب عباده ويريد لهم الخير
﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 173].
واحد يقول لي: وأنت كل شيء هكذا عذاب أليم عذاب أليم؟ قلت له: نعم، لكي لا تعمل ما لا [ينبغي]، لا تفسد في الأرض.
أما الله فهو رحيم وهو جميل وهو عفوّ، فلا تخف من ربك، أحبّه يحبك. يقول لك هكذا [يخوّفك من العذاب] لأنه يقول لك: لو فعلت هكذا سأقطع لك رقبتك، حتى لا تعمل ولا تفسد.
إذا فهمت أن الله يحبك لأنك تحبه ستفهم [هذا المعنى]. أما إذا كنت متكبرًا وتظن أن رأسك في مقام الله، فأنت حرّ، أنت جلبت هذا على نفسك.
حبّ الله؛ لأنه الله يحبك. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
