سورة النساء | حـ 839 | 174 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •القرآن الكريم أنزله الله للناس كافة، وسماه في سورة النساء "برهاناً" و"نوراً مبيناً".
- •وصف الله القرآن بأسماء وصفات متعددة تتجاوز خمسين اسماً كالكتاب والهدى والشفاء والرحمة والفرقان.
- •الإنسان الذي يعتمد على الوجود المادي فقط دون الوحي يسير كالأعور أو الأعرج، فمصادر المعرفة الكاملة تشمل الوحي والوجود معاً.
- •من يسير بمعرفة الكون المادي فقط يصل إلى المادية المحضة، متجاهلاً الروح التي تجد نفسها في الوحي.
- •المسلمون جمعوا بين الوحي والوجود، ومقتضيات الجسد والروح، والدنيا والآخرة، ولديهم نظام يحفظ إنسانية الإنسان.
- •الوحي حجة على العالمين، والبشرية تقترب من تعاليمه الإلهية عبر الأجيال.
- •أحد المفكرين الغربيين اعترف بأن خطأه الكبير أنه لم يذكر القرآن ضمن الكتب العظيمة المؤثرة في البشرية.
- •القرآن ليس كتاب علوم بل كتاب هداية يستطيع به الإنسان أن يكون إنساناً.
افتتاح الدرس وتفسير آية البرهان والنور في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 174]
فالخطاب إلى جميع الناس وجميع العالمين. والبرهان هو الحجة والدليل.
أسماء القرآن الكريم وصفاته التي تزيد عن خمسين اسمًا
سمّى الله تعالى قرآنه بأسماء كثيرة أكثر من خمسين اسمًا، وها هو هنا يسميه بالبرهان، ويسميه بالنور، ويسميه بالمبين.
وكان قبل ذلك قد سماه كتابًا، وسماه قرآنًا، وسماه هدى، وسماه شفاءً، وسماه رحمة، وسماه فرقانًا. وهكذا أكثر من خمسين اسمًا.
لو تتبعت صفات القرآن في القرآن فربما [تجد] سبعة وخمسين اسمًا، سبعة وخمسين صفة وصف بها ربنا القرآنَ في القرآن. عندما تتدبر هكذا وتعمل قائمة تجدها هكذا.
القرآن حجة على العالمين ومن يسير بحجة واحدة كالأعور والأعرج
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ﴾ [النساء: 174]
فيكون القرآن حجة، ويكون الوحي حجة. ويكون الإنسان الذي يسير بحجة واحدة هي معلوماته عن الكون يسير كالأعور الذي يرى بعين واحدة، أو يسير في الطريق إلى الله كالأعرج الذي يسير برجل واحدة.
والأعور والأعرج عند السير سيرهم غير كامل، لكنه يسير ويمشي، إنما غير كامل.
مصدرا المعرفة: الوجود والوحي وأثر الاكتفاء بأحدهما
فهذا الوجود تؤخذ منه المعرفة، والوحي يؤخذ منه المعرفة.
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4]
بالوحي مصدر المعرفة، إذن الوحي والوجود [هما مصدرا المعرفة]. فالذي يسير بالوجود وحده ولا يلتفت إلى وحي يتوصل إلى المادية، مادية محضة، لا يرى غير المادية.
الإنسان خُلق بجسد من الطين، من الماء والتراب، من المادة، وخُلق من روح تجد نفسها في الوحي. فالذي يسير برجل واحدة هي الكون والمادة يسير بطريقة حيوانية بشريعة الغاب؛ الذي تكسبه العب به، والقوي هو الذي يكسب في النهاية. لا يصلح هذا الكلام.
حاجة العالم إلى المسلمين لأنهم جمعوا بين الوحي والوجود
ومن هنا، ولأن المسلمين قد جمعوا ما بين رجوعهم إلى الوحي ورجوعهم إلى الوجود، وجمعوا بين مقتضيات الجسد والروح، وما بين الدنيا وما بين الآخرة، فإن العالمين في حاجة إليهم الآن.
ويأتي من يقول لك: يا رجل، هذا، إنكم ضعفاء! قد نكون ضعفاء لأنه ليس معنا القنبلة الذرية المهلكة المدمرة، أو أسلحة الدمار الشامل. قد نكون ضعفاء لأننا ليس لدينا هذا التمكن من إدراك الوجود الذي أمرنا به الله، لكن لدينا نظام يحافظ على إنسانية الإنسان.
ولذلك فإن الكون الآن في حاجة إلينا نحن. من إذن [يلبّي هذه الحاجة]؟ الذي يطيع والذي يفهم والذي يسير وراء كلام ربنا.
الوحي حجة على جميع الناس وليس على المؤمنين فقط
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ [النساء: 174]
لم يقل [يا أيها] الذين آمنوا، [بل قال] الناس.
﴿قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [النساء: 174]
إذن فالوحي حجة على العالمين. والوحي بهذه الطريقة [يُبيّن أن] البشرية في سعيها من مدخل الوجود تصل إلى حقائق كلها مرة أخرى يؤكدها الوحي، يؤكدها الوحي، إنما بمساحة صغيرة؛ كل فترة، كل جيل يقرّبون من هذه التعاليم الإلهية لأنها هذا هو الذي فطر الله الناس عليه، فهم يدركونها.
قصة أحد الصالحين مع ابن سينا والوصول إلى الحقيقة بالوحي والعلم التجريبي
وكان أحد الصالحين يتكلم عن ابن سينا، وابن سينا كان عالمًا تجريبيًا. وهذا الصالح كان يتأمل كثيرًا في الوحي ويصل إلى حقائق.
فيقول: سبحان الله، ما وصلت إلى حقيقة إلا سبقني الأعمى بعكازته إليها. الأعمى الذي هو ابن سينا ليس لديه أي شيء من الروحانية وما شابه ذلك، والعكاز الذي هو العلم [التجريبي]؛ وصل [ابن سينا] إلى الحقيقة عن طريق العلم الوجودي، وهذا [الصالح] وصل إليها عن طريق التأمل في الوحي.
الجمع بين الوحي والوجود ضرورة والله جعل الخلق والأمر معًا
إذن عندما نكتفي بعين واحدة من العينين، الوحي وحده أو الوجود وحده، نصبح نمشي في عَرَج. وعندما نأتي بالاثنين [نحقق] استواءً.
إلا أن من سار في هذا [الوحي] فسيصل ولو بعد حين، ومن سار في هذا [الوجود] فسيصل ولو بعد حين. لكن ربنا جعل هذا [الوجود] من عالم خلقه وهذا [الوحي] من عالم أمره.
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
فتبارك الله رب العالمين. يجب علينا أن نتخذ هذا الكتاب كبرهان إنساني.
مشروع الكتب العظيمة وإدراج القرآن الكريم فيها بعد اكتشاف الخطأ
إحدى الأشياء التي تسمى الكتب العظيمة؛ الكتب العظيمة تعني الكتب العظيمة التي أثرت في الحضارة الغربية. جُمع منها خمسمائة وسبعة عشر كتابًا، هؤلاء جميعًا هم الذين كوّنوا العقل الغربي والحضارة الغربية.
وبعد ذلك صُنع مجلدين كبيرين هكذا. فماذا نستفيد منهما؟ خمسمائة وسبعة عشر كتابًا عندما تقرؤها ماذا تخرج منها؟ وذهب فألّف مجلدين في مفاهيم الخمسمائة والسبعة عشر هؤلاء.
وجاء بعد ذلك فنشر الكتب العظيمة هذه نشرية أخرى سنة ستة وتسعين. وبعد ستة وتسعين قال: أنا الآن ارتكبت خطأ. ما خطؤك؟ قال: إنني لم أُشِر إلى القرآن الكريم.
القرآن خلاصة الفكر البشري والفطرة الإنسانية وشهادة غربية بعظمته
عندما قرأ القرآن وشعر أن هذه المفاهيم التي استخلصها من هؤلاء المفكرين العلماء التجريبيين الفلاسفة عبر العصور، شعر بشيء: أن القرآن هذا كأنه خلاصة هذا الفكر وهذه الفطرة.
فقال: إن خطئي الكبير أنني لم أذكر القرآن؛ لأنه كتاب عظيم أثّر في البشرية.
خاتمة الدرس وتأكيد أن القرآن كتاب هداية للبشرية جمعاء
عندما أقرأ أنا هذا الكلام وآتي لأقرأ:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ [النساء: 174]
ها، وليس يا أيها المؤمنون فقط!
﴿قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 174]
أقول: صدق الله، قل صدق الله. صحيح، ربنا سبحانه وتعالى أنزل للبشرية برهانًا، وأنزل للبشرية ملخصًا هاديًا، وأنزل للبشرية مفتاحًا.
يستطيع [الإنسان بهذا الكتاب أن يهتدي]، وهو ليس كتاب كيمياء ولا فيزياء ولا فلك ولا كذلك؛ هذا كتاب هداية يستطيع به الإنسان أن يكون إنسانًا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
