سورة النساء | حـ 842 | 176 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 842 | 176 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • في آخر آية من سورة النساء يقول تعالى: "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة"، وهذا يبين أن الإفتاء وظيفة عظيمة نسبها الله لنفسه.
  • مقام الإفتاء فيه تشريف كبير إذ يوقع المفتي عن رب العالمين، لكنه مقام تكليف ومسؤولية عظيمة.
  • كان الصحابة الكرام مع علمهم وتقواهم يتورعون عن الفتوى، ويحيل بعضهم على بعض، خوفاً من هذه المسؤولية.
  • النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه، لا ينطق عن الهوى، ولا يستطيع أن يقول شيئاً إلا بإذن الله.
  • قوله تعالى: "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" فيه اتساع في المعنى، فحرف الجر "في" يمكن أن يتعلق بـ"يستفتونك" أو بـ"يفتيكم".
  • هذا الاتساع في المعنى من بلاغة القرآن الكريم، وكلما ازداد المرء معرفة باللغة العربية، ازداد فهمه لمعاني القرآن.
  • ينبهر بهذه اللطائف أهل التقوى والمعرفة، فالقرآن أحدث انبهاراً في نفوس الناس.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آخر آية من سورة النساء في الاستفتاء عن الكلالة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، وفي آخر آية منها يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

ويستفتونك من استفتى، والألف والسين والتاء في لغة العرب تدخل للطلب؛ أي أنه طلب الفتوى. فجاء الصحابة الكرام يطلبون الفتوى من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رسول الله مبلغ عن ربه لا ينطق عن الهوى ولا ينشئ الأحكام من عنده

ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن ربه، ولا ينشئ الأحكام من عند نفسه إلا بإذن ربه:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]

إلى آخر هذا المعنى؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن ربه، لا يستطيع ولا يقدر أن يقول شيئًا إلا بإذن الله، وإلا بيانًا لحكم الله سبحانه وتعالى.

نسبة الله الإفتاء لنفسه تشريف يقابله تكليف ومسؤولية

﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء: 176]

إذن فربنا يفتي من استفتى، فنسب [الله سبحانه وتعالى] لنفسه هذا المقام فأعلى من شأنه. وكلما شرّفنا الله سبحانه وتعالى بشيء فقد كلّفنا بإزائه بشيء آخر؛ فكل تشريف هو وجه آخر للتكليف.

ولذلك فإن مهمة الإفتاء فيها تشريف؛ لأنه يوقّع عن رب العالمين، ولكن فيها مسؤولية وتكليف يحاسب عليه الإنسان، يجعله زاهدًا في منصب الإفتاء.

تورع الصحابة الكرام عن الفتوى رغم علمهم وتقواهم وكثرة عددهم

ولذلك كان الصحابة الكرام مع علمهم وتقواهم وتربيتهم في مدرسة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، يأتيهم التابعي يسأل فيحيل على أخيه، وكل واحد منهم يحيل على من بجانبه: اسأل هذا، اسأل هذا، حتى يعود السؤال إلى الأول؛ تورعًا عن الفتوى.

والصحابة الكرام مع علو شأنهم وكثرتهم، وكانوا أكثر من مائة ألف، وكان في المدينة يسكن أكثر من عشرين ألفًا، وقيل من ثلاثين ألفًا من الصحابة الذين مكثوا مع النبي السنة والسنتين وجاهدوا معه الغزوة والغزوتين.

فضل الصحابة وعدم بلوغ أحد مدّ أحدهم ولو أنفق جبل أحد ذهبًا

وبالرغم من ذلك ومن علمهم ومن تقواهم ومن تفضيل ربهم لهم على سائر الأجيال، حتى قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم جبل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»

واحد من الناس يعني جبل أُحُد ذهبًا، طيب ومن الذي معه جبل أُحُد ذهبًا؟ [هذا] للمبالغة. يعني جبل أُحُد ذهبًا فإنه لا يبلغ مُدَّ أحدهم أو نصفه. والمُدّ يعني قدر الكوب هكذا، كوب يأخذ ثلاثمائة مليجرام، يعني زجاجة الكوكا كولا هكذا، قدر زجاجة الكوكا كولا أو نصفه.

سبب تفوق ثواب الصحابي بنصف كوب قمح على من تصدق بجبل أحد ذهبًا

يعني أنت هات قليلًا من القمح، قليلًا من هذا النصف. الصحابي تصدّق بنصف كوب من القمح وأنت تصدّقت بجبل أُحُد ذهبًا، فلماذا يأخذ ثوابًا أكثر منك؟

قال: ما كلكم في أعناقهم يوم القيامة آخذين ثوابكم كله. أليس:

قال رسول الله ﷺ: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين»

فنحن، نحن جميعًا في ميزان حسنات سيدنا عمرو بن العاص، بل نحن جميعًا في ميزان حسنات سيدنا عمر، ومن بعدنا وأولادنا وأولاد أولادنا. وهكذا كلما ازددنا، فكيف ستتمكن من أن تسبقه؟ فاحترمه وكن صالحًا طالما أنك لن تستطيع أن تأتي بمثله.

الإفتاء تشريف عظيم يقترن بتكليف ومسؤولية ومحاسبة أمام الله

يستفتونك، ولذلك الإفتاء:

﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء: 176]

فالإفتاء مسألة عظيمة، لا يظنّ أحد أن هذا تشريف يعني أن هذا أمر حسن جيد، كلا؛ فإن معه أيضًا تكليفًا ومسؤولية ومحاسبة.

قاعدة نطق لام لفظ الجلالة بالترقيق والتفخيم في قراءة حفص

﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء: 176]

قُلِ فعل أمر واللام فيه ساكنة؛ لأن فعل الأمر يكون ساكنًا: خُذْ، كُلْ، قُلْ، هكذا. وهمزة لفظ الجلالة الله الألف واللام تكون همزة وصل فهي ساكنة. الفعل لا ينكسر، الذي ينكسر هو الأسماء، ولكن هنا جعلناه مكسورًا كي نتخلص من النطق بالساكنين: قُلِ اللَّهُ، قُلِ اللَّهُ، قُلِ.

هل يوجد فعل ينكسر؟ ما هو، هذا ليس مكسورًا، هذا الصوت فقط هو الذي مكسور حتى نتوصل إلى النطق بلفظ الجلالة.

وعندنا هنا في حفص اللام تبقى مرققة عندما تأتي بعد شيء مكسور: قُلِ اللَّه، وليس قُلِ اللَّه [بالتفخيم]، لا ينفع. قُلِ اللَّه التي فيها ترقيق هكذا: اللَّه، اللَّه.

لماذا؟ في اللَّه وفي إله: اللَّه. لماذا هكذا؟ النطقان هاتان اللتان بعد المكسور نأتي باللَّه [مرققة]، التي بعد المضموم أو المفتوح فنأتي باللَّه [مفخمة]. هكذا:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

تعلق حرف الجر في بالكلالة وارتباطه بيستفتونك أو يفتيكم

في الكلالة: إذن في حرف جر، قُم تدور له على فعل تربطه به. كل حروف الجر في العربية تملي [دائمًا] تدور على فعل تربطه بها، تعمل علاقة بينه وبينه، وكده [هذا] اسم الربط ده [هو] التعلق.

yعني في متعلقة بإيه [بأي فعل]؟ ماسكة برقبة إيه [أي فعل]؟ لازم ندور على فعل تمسك في رقبته.

﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 176]

يعني في متعلقة بـيستفتونك، يعني هم استفتوه في الكلالة، أم استفتوه في الميراث فأفتاهم في الكلالة؟

﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

إذن هذه الكلالة مرتبطة بـيستفتونك أم مرتبطة بـيفتيكم؟

جواز تعلق في الكلالة بكلا الفعلين واختلاف التنوع في التفسير

تصلح هكذا وتصلح هكذا، تصلح للاثنين؛ لأن هذا حرف جر يحتاج إلى فعل يتعلق به، يريد له فعلًا يرتبط به، يريد له فعلًا يكون بينه وبينه خيط كذلك. فهذا الخيط يتعلق بـيفتيكم أم يتعلق بـيستفتونك؟ يجوز؛ ما هو هذا فعل وهذا فعل وهذا حرف جر يريد تعليقًا أو ربطًا أو خيطًا، إذن فيجوز كذلك ويجوز كذلك.

فما الفرق إذن؟ يستفتونك في الكلالة: يكون الصحابة سألوه في الكلالة. قُلِ اللَّهُ يفتيكم في الكلالة: يعني الصحابة لم يسألوه في الكلالة [تحديدًا]، الصحابة لم يسألوه في الكلالة، ولكن عندما يسألونه في الميراث فإنه يجيبهم في هذا الجانب في الكلالة؛ لأنها صعبة متشابكة وليست في عمود النسب إلى آخره.

اتساع معاني القرآن بتعدد أوجه التفسير وأهمية تعلم العربية لفهمه

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

لها وجهان والوجهان يجوز، وهذا الاختلاف اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد. اختلاف تنوع: في تفسير يقول هكذا وفي تفسير يقول هكذا، لا يضر شيئًا.

وما دمنا نجيز أن نحمل على [هذا] التفسير ونحمل على هذا التفسير وذلك التفسير، فهذا يعني أن القرآن واسع. وكلما تعلمت العربية أكثر كلما فتح لك القرآن قلبه أكثر؛ لأن الله أنزله قرآنًا عربيًا.

أثر الصياغة القرآنية في توسيع المعنى وإبهار أهل التقوى والمعرفة

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

كان يمكن أن يقول: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم، كان حينئذ سيصبح الأمر منتهيًا؛ في متعلق بـيستفتونك [فقط]. لكن انظروا كيف أن الصياغة تغير المعنى وتوسّعه.

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

هذا الاتساع أبهر الناس. الله! ما هو كان هكذا من قريب: في الكلالة قال الله يفتيكم. ما رأيك في ذلك؟ أضيق، أم أن البشر متيقظون جدًا لمثل هذه اللطائف والطرائف لما زادت في القرآن.

القرآن حصل للناس انبهار به لا يشعر به الذي يتلاعب معه، يشعر به أهل التقوى وأهل المعرفة.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.