سيدي أبو الحسن الشاذلي | خطبة الجمعة 13- 6 - 2014 | أ. د علي جمعة |
- •الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
- •أبو الحسن الشاذلي من نسل الإمام الحسن، ولد في بلاد غمارة بالمغرب الأقصى.
- •سافر للعراق باحثًا عن القطب، فأُرشد للعودة إلى بلاده حيث وجد شيخه عبد السلام بن بشيش.
- •تعلم منه خصلتي الحلم وعدم الجهل على الناس، وتحلى بالسكينة التي تنتج الرحمة والحكمة.
- •توفي الشاذلي في صحراء عيذاب أثناء رحلته للحج بعد دعائه أن يقبضه الله في مكان لم يُعصَ فيه.
- •انتشرت طريقته في الشرق والغرب والتزمت بالسنة النبوية مع القلب المنوّر.
- •تتلمذ عليه المرسي أبو العباس، وتتلمذ على المرسي ابن عطاء الله السكندري.
- •أخذ طريقته كبار العلماء منهم العز بن عبد السلام.
- •وصلت الطريقة الشاذلية إلى الناس بالسند المتصل إلى رسول الله.
- •دعا أولياء الله للتعمير لا التدمير، وللتفكير لا التكفير، وتعلق القلوب بالله واتباع السنة.
خطبة الحمد والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه وخليله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار، يا أرحم الراحمين.
الآيات القرآنية في التقوى والأمر بالقول السديد
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي النبي والتمسك بالكتاب والعترة
أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها.
قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وعترة أهل بيتي» أخرجه الترمذي.
فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وآله، وانفعنا به في الدنيا والآخرة، واحشرنا تحت لوائه، وشفّعه فينا، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب.
التعريف بسيدي أبي الحسن الشاذلي ونسبه الشريف من آل البيت
عباد الله، نحن في رحاب شريف بجوار ضريح سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه ونفعنا به في الدارين. وهو من نسل الإمام الحسن أحد الريحانتين، حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الحسن بن علي يروي عن أبيه أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن جدّ الحسن [النبي] صلى الله عليه وآله وسلم.
قال صلى الله عليه وسلم: «أحسنُ الحسنِ الخُلُقُ الحسن».
رحلة أبي الحسن الشاذلي ودعاؤه أن يموت في مكان لم يُعصَ فيه الله
في هذه الرحاب الكريمة الشريفة، وقد أراد أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه بعد رحلة من العطاء والدعوة إلى الله وإرشاد العباد إلى أن يُخرجوا الدنيا من قلوبهم وأن يجعلوها في أيديهم، بعد رحلة طويلة كان في طريقه إلى الحج.
فدعا الله سبحانه وتعالى أن يقبضه إليه في مكان لم يُعصَ فيه قط، فأماته الله في هذا المكان المبارك. وكان سيدي أبو الحسن مستجاب الدعوة.
نشأة أبي الحسن الشاذلي في بلاد غمارة وبحثه عن القطب في العراق
وقد ورث [أبو الحسن الشاذلي] القطبانية عن شيخه الذي بحث عنه كثيرًا. وُلد رحمه الله تعالى في بلاد غمارة من المغرب الأقصى، وهي بلاد حلّ فيها أهل البيت الكرام من نسل سيدنا الحسن، وهم باقون فيها إلى اليوم، وعلى رأس المغرب الأقصى ملك من أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وأراد [أبو الحسن] عندما شبّ وتعلّق قلبه بالله أن يأخذ من موثوق به وبعلمه وبتقواه، فذهب إلى العراق يبحث عن القطب. وهناك في العراق كان يعيش قبل زمانه الإمام الرفاعي، وقد انتقل ومات ودُفن في أم عبيدة.
فقابله تلميذه وليّ الله الواسطي، وقال له [أبو الحسن]: إني أبحث عن القطب يرشدني، والطريق إلى الله فيه مزالق وفيه دعوة، فكان يريد أن يتخذ طريقًا صحيحًا يطمئن إليه قلبه. قال له [الواسطي]: أتبحث هنا عن القطب والقطب في بلادك؟ فرجع عائدًا إلى المغرب.
لقاء أبي الحسن الشاذلي بشيخه عبد السلام بن بشيش وما أخذ عنه
حتى هداه الله سبحانه وتعالى إلى سيدي عبد السلام بن بشيش، وهو مدفون في المغرب في العرائش على قمة الجبل، وكانت خلوته في أسفل الجبل عند عين فجّرها الله سبحانه وتعالى لهؤلاء العباد.
ولما التقى به أخبره بنسبه وجلس معه وأخذ عنه. فماذا أخذ؟ خصلتين.
قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأشجّ بن قيس: «فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله»، قال: وما هما يا رسول الله؟ قال: «الحلم والأناة».
فأملانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلم وعدم الجهل على الناس.
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الحلم وحسن الخلق
فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذيئًا حاشاه، ولا فاحشًا ولا متفحشًا ولا سبّابًا، بل كان أحسن الناس في هيئته وخَلقه وأخلاقه وسيرته ومشيته، فصلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله.
وترك كثير من المسلمين هذه الخصلة: الحلم. والحلم يولّد الأناة وعدم العجلة والرضا بمقسوم الله.
الحلم والأناة يولّدان السكينة التي تزيد الإيمان في قلوب المؤمنين
والحلم والأناة تجعل قلب المؤمن قابلًا لنزول السكينة. وما أدراك ما السكينة؟ إنها إيمان فوق الإيمان.
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓا إِيمَـٰنًا مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4]
نزلت السكينة على قلب سيدي أبي الحسن الشاذلي، فأحبّ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأورث حبّه هذا لأتباعه إلى يوم الدين.
تنزّل السكينة يفجّر الرحمة والرحمة أساس البسملة في كتاب الله
وعندما تتنزّل السكينة على القلب المؤمن ليزداد إيمانًا مع إيمانه الأول، فإن الرحمة تتفجّر من القلب. والرحمة وما أدراك ما الرحمة؟ هي الصفة الأساسية التي بدأ الله بها كتابه تطمينًا لقلوب عباده.
فقال ربنا: بسم الله الرحمن الرحيم. وكان يمكن أن يقول: بسم الله القوي الجبار، أو المنتقم العظيم، وما كنا نستطيع أن نطمئن وهو يواجهنا بهذه القوة.
لكنه كان يمكن أن يقول: بسم الله الرحمن المنتقم، فيأتي بصفة من صفات الجمال وبصفة من صفات الجلال فيتم الكمال.
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]
لكنه لم يفعل سبحانه، بل واجهنا بجمال في جمال وبرحمة في رحمة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.
تفجّر الرحمة من القلب يكشف حقيقة رسول الله وكمال مقامه
وإذا تفجّرت الرحمة من قلب العبد عرف شيئًا من حقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كمال إنسانيته، وفي جلال مقامه عند ربه، وفي خاتمية رسالته.
والحقيقة المحمدية شيء كبير لا تتسع له قلوب الناس. وكيف يعرف في الدنيا حقيقته قوم نيام تسلّوا عنه بالحلم [بالأحلام]؟
فهو الذي تمّ معناه وصورته، ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النَّسَم، منزّه عن شريك في محاسنه، فجوهر الحسن فيه غير منقسم. دع ما ادّعته النصارى في نبيهم، واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم، وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف، وانسب إلى قبره ما شئت من عِظَم.
فإن فضل رسول الله ليس له حدّ فيُعرب عنه ناطق بفم.
تجلّي الرحمن لمن نزلت السكينة في قلبه وانبثاق الحب والحكمة
الرحمن الرحيم يتجلّى لمن نزلت السكينة في قلبه، فيبدأ في معرفة حقيقة نبيه صلى الله عليه وسلم، فيتولّد من الرحمة الحب.
والحب قال فيه سبحانه وتعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
﴿فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
وإذا جاء الحب في قلب الإنسان كما تجلّى في كلام سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، انبثقت الحكمة.
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
سلسلة الحلم والأناة إلى السكينة والرحمة والحب والحكمة
الحلم والأناة يولّد السكينة ويأذن بنزولها من عند ربنا في قلوب العباد، فتنبثق الرحمة والمعرفة، فينبثق الحب، فينبثق من الحب الحكمة. فإذا أوتيت الحكمة فقد أوتيت خيرًا كثيرًا.
عباد الله، لنُقلع جميعًا عن المعاصي تسلية لخاطر ذلك الولي [أبي الحسن الشاذلي] الذي أقامه الله دلالة للناس وإرشادًا، وأراد أن يبيت في مكان لا يُعصى فيه الله. فسلّوا خاطره واقلعوا عن هذه الشهوات والرغبات والمعاصي.
انتشار الطريقة الشاذلية واتباع العز بن عبد السلام لها وتلاميذها الكبار
وشاعت طريقة أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه في العالم، وصدّقها وآمن بها واتخذها كثير من علماء الظاهر.
فتغيّر سلوك العز بن عبد السلام وكان سلطان العلماء، واتبع سيدي أبا الحسن الشاذلي في منهجه وطريقته وذكره الذي التزم بالسنة، ولكن بقلب منوّر.
وتتلمذ عليه [على أبي الحسن] المرسي أبو العباس، وتتلمذ على المرسي سيدي ابن عطاء الله السكندري، وكان من كبار العلماء.
تواضع أبي الحسن الشاذلي عند لقاء شيخه ابن بشيش والدعوة إلى التوكل والذكر
لما ذهب أبو الحسن إلى ابن مشيش أو بشيش، وقبل أن يلقاه ترك علمه تواضعًا وترك عمله تواضعًا، وذهب إليه فقيرًا إلى الله.
توكلوا على الله، ارضوا وسلّموا بقدر الله، اذكروا الله، سبّحوه بالليل والنهار. ليس لنا سواه ولا نعبد إلا إياه.
طريق واضح المنهج نعبد فيه ربنا كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فهو يرانا. وهذا هو مرتبة الإحسان. ادعوا ربكم.
الحمد والشهادة والانتقال للحديث عن انتشار الطريقة الشاذلية في الشرق والغرب
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وصحبه وآله المكرمين ومن والاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه.
عباد الله، انتشرت هذه الطريقة [الشاذلية] في الشرق والغرب، وأمره شيخه ابن بشيش أن يذهب إلى شاذلة، وهي بالراجح بكسر الذال.
سبب نسبة أبي الحسن إلى الشاذلي وأنه شاذّ لله من الأفراد
وإن وردت رواية أن أبا الحسن سأل ربه: يا ربي لِمَ نسبتني إلى الشاذلي وأنا لست منها؟ وكان يُنسب إلى غمارة فيقول الغماري.
فألهمه الله أنه ليس للمدينة [شاذلة]، وإنما هي لأنك شاذّ لي، أي فرد من الأفراد [المتفردين بالقرب من الله].
على كل حال، لا نقف عند الرسوم والمباني، وإنما نغوص إلى المقاصد والمعاني.
انتقال أبي الحسن الشاذلي إلى شاذلة ثم مصر واكتشاف قبره في العصر الحديث
هذا الإمام ذهب إلى شاذلة فتربّى على يده أربعون [من المريدين]، ومكانه معروف يُزار إلى اليوم. ثم بعد ذلك جاء إلى مصر واستقر بها، وتشرّفت بأن دُفن فيها.
وكُتب في الكتب أنه بحميثرا وأنها في صحراء عيذاب، وفُقد قبره فلم يعرف أحد [مكانه]؛ لأنها في صحراء قاحلة. حتى عثر عليه بعض الشباب في رحلاتهم في العشرينيات من القرن العشرين، وبدأ الناس يلتفتون إليه ويأتون إليه حتى عُمّر المكان.
عمارة المسجد والمنطقة ببركة أولياء الله ودورهم في التعمير والتفكير
جئنا إلى هذا المسجد على بنائه القديم الذي يعرفه من له علاقة بهذا المكان الشريف، فإذا بالله يعلّق القلوب بحب سيدنا أبي الحسن الشاذلي حتى يعمروا هذه المنطقة ويُدخلوا إليها الخدمات شيئًا فشيئًا.
كما حدث مع سيدي أحمد البدوي في طنطا، فنشأت مدينة كبيرة حوله، وعُمّرت البلاد ببركة أولياء الله الصالحين.
أولياء الله الذين دعونا إلى التعمير لا إلى التدمير، دعوا الناس إلى التفكير لا إلى التكفير، جاهدوا في سبيل الله باللسان والسنان عن علم وعن تقوى.
حب أولياء الله علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق كما علّم النبي
لا يحبهم [أولياء الله] إلا مؤمن ولا يكرههم إلا منافق. ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدلالة في هذا، وتكلّم في شأن الأنصار أنه:
«لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق».
ووجّه الكلام إلى سيدنا علي [بن أبي طالب] بأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. فأقام الدلالة من البشر على مراد الله سبحانه وتعالى.
هذا الإمام [أبو الحسن الشاذلي] ظهر من يده الخير، وشاع من عنده الدين وحب النبي، وتعلّقت القلوب بالله عندما استُجيب به الدعاء؛ فهو دليل على الإيمان وعكسه دليل على النفاق.
سند الطريقة الشاذلية المتصل من الغماري إلى أبي الحسن الشاذلي
عباد الله، أخذنا طريقة أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه بالسند المتصل. وكان أول من أجازنا السيد عبد الله بن محمد بن الصديق بن عبد المؤمن الغماري من بلاد سيدي أبي الحسن، وكان محدّث الدنيا.
يروي الطريقة عن أبيه، وأبوه عن جده إلى منتهاه، حتى يصل بنا إلى شمس الشموس أبي الحسن الشاذلي.
أسانيد أخرى للطريقة الشاذلية عبر السيد محمد زكي الدين والحصافي
ثم أخذنا الطريقة الشاذلية عن السيد محمد زكي الدين، وأخذناها أيضًا عن السيد حسن عباس زكي عن شيخه عبد الفتاح القاضي، عن شيخه محمد عبد الوهاب الحصافي، عن أبيه السيد عبد الوهاب الحصافي إلى منتهى السند، حتى وصلنا إلى شمس الشموس وبدر البدور سيدي أبي الحسن الشاذلي.
وهكذا أهل الله يعرفون دينهم بالسند المتصل حتى تحدث فيه البركة، فأكون قد صافحت من صافح من صافح من صافح إلى منتهى رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
التحذير من خوارج العصر الذين لا سند لهم وبيان منهج أولياء الله
والآخرون لا سند لهم، يقولون من عقولهم ما شاءوا أن يقولوا، فهم خوارج العصر فلا يغترنّ بهم أحد.
أولياء الله يعلّمون كشف الأسرار في أدب العبودية مع الله، ويعطونا أنوارًا في القلوب تتلألأ للتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلّمونا المشرب الصحيح.
وغيرهم يتبعون الهوى.
قال صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».
الدعاء لمن عمّر المسجد وطلب الفتح والعلم والأدب مع الله
ندعو الله سبحانه وتعالى لمن عمّر هذا المسجد، فاشترك في بنائه بالعلم، بالجهد، بالمال، بالسعي، بالدعاء، أن يكرمه الله سبحانه وتعالى إكرامًا تقرّ به عينه.
فاللهم افتح عليهم فتوح العارفين بك، واللهم افتح علينا فتوح العارفين بك معهم، وعلّمنا الأدب معك، واسلك بنا الطريق إليك، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، وانفعنا به في الدنيا والآخرة.
الدعاء بالاستعاذة والمسألة والرضا عن صاحب المقام الشريف وختام الخطبة
اللهم إنا نعوذ بك من كل ما استعاذ منه سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نسألك من كل خير سألك منه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.
وارضَ اللهم عن صاحب هذا المقام الشريف [سيدي أبي الحسن الشاذلي]، وانفعنا بعلومه في الدنيا والآخرة، وعلّمنا الأدب معه، واستجب لخاطره الدعاء لنا.
فاللهم يا ربنا اجمعنا على الحق في الدنيا والآخرة، وكن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
