هل الدعاء عبادة وما آداب الدعاء والتسليم لله في الحكم العطائية؟
نعم، الدعاء عبادة بنص الحديث النبوي الصحيح: «الدعاء هو العبادة»، ومعناه أن حقيقة العبادة كلها هي هذه الصلة بين العبد وربه. ومن آداب الدعاء أن يكون عبادة خالصة لا طلبًا للدنيا وحدها، وأن يتضمن التسليم لله في الوقت والاختيار. وقد علّم ابن عطاء الله السكندري في حكمه أن تأخر الإجابة لا يوجب اليأس، بل الدعاء خير كله استُجيب أو لم يُستجب.
- •
هل تعلم أن الدعاء الذي لم يُستجب في الدنيا قد يكون مدخرًا لك عبادةً وثوابًا يوم القيامة؟
- •
الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري تعلّم أن تأخر العطاء مع الإلحاح في الدعاء لا يوجب اليأس، بل هو تأديب من الله.
- •
الدعاء عبادة بنص الحديث النبوي الصحيح، ومعناه أن حقيقة الصلاة والصيام والزكاة والحج كلها دعاء وصلة بالله.
- •
التسليم لله يعني ألا يتعلق القلب بالمطلوب، بل يجعل المطلوب الأعظم هو الله لا الغرض الدنيوي.
- •
الأعمال صور قائمة وأرواحها سر الإخلاص فيها، كما أن الإناء لا قيمة له بلا ماء.
- •
العبد الرباني هو من طهّر قلبه من الرغبات وجعله مجلى لإرادة الله، فيصير منسوبًا إلى الرب لا إلى الهوى.
- 0:29
الحكمة السادسة لابن عطاء الله السكندري تنهى عن الشك في الوعد الإلهي عند تأخره، لأن الإنسان لا يعلم الغيب ولا يدري أين الخير.
- 1:48
توضيح أن الدرس يشرح الحكمة السادسة من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري لا السابعة.
- 2:10
الحكمة العطائية تعلّم أن الإجابة مضمونة بحسب اختيار الله لا اختيار العبد، ومن آداب الدعاء التسليم لله والرضا بقضائه.
- 2:56
الدعاء ينبغي أن يكون عبادة خالصة لله لا طلبًا للدنيا، مع التسليم لله وجعل المقصود الأعظم هو الله وحده.
- 3:54
الدعاء خير كله بثمراته الثلاث: الاستجابة الفورية أو المؤجلة أو الادخار للثواب يوم القيامة، لأن الله أعلم بما يصلح العبد.
- 4:38
الدعاء عبادة بنص الحديث الصحيح «الدعاء هو العبادة» رواه الأربعة، وهو أول آداب الدعاء التي تعلّمها الحكم العطائية.
- 5:18
الفرق بين الحديثين: الأول يجعل الدعاء حقيقة العبادة كلها، والثاني يجعله أعلى شيء فيها، وكلاهما صحيح.
- 5:55
التحذير من الاقتصار على طلب الدنيا في الدعاء، والحث على الدعاء بالفتوح الربانية والأدب مع الله والشفاعة النبوية.
- 6:26
نماذج من الدعاء الأخروي: دخول الجنة بلا حساب، وعلو الدرجة، وستر العيوب، والنظر إلى وجه الله الكريم.
- 7:32
ابن عطاء الله السكندري عالم مدفون في سفح المقطم، وكتابه يرقق القلوب ببركة إخلاص نيته في نصح المسلمين.
- 8:10
تأخر العطاء تعليم إلهي للأدب مع الله، فلا يجوز التبرم من الاستئخار بل الرضا والحمد على لطف الله وكرمه.
- 8:52
اليأس من روح الله محرم لأنه صفة الكافرين بنص القرآن الكريم، والمؤمن الذي أنعم الله عليه بالإسلام لا يليق به اليأس.
- 9:33
نعمة الإسلام أعظم النعم، ومن أدرك ذلك لا ييأس من رحمة الله لأن اليأس صفة الكافرين لا المؤمنين.
- 10:04
الدعاء عبادة يعني عدم تعلق القلب بالمطلوب والتسليم لله في الاختيار والوقت، وهو جوهر الأدب مع الله في الحكم العطائية.
- 10:42
دعاء النبي في الطائف نموذج أعلى للأدب مع الله، إذ جعل رضا الله هو المطلوب الأعظم لا الغرض الدنيوي.
- 11:20
التبرؤ من الحول والقوة هو الخروج إلى حول الله وقوته، وهو ثقة بأن تدبير الله أعظم من تدبير العبد.
- 12:00
خلاصة الحكم العطائية: الدعاء عبادة، والتبرؤ من الحول والقوة، ونبذ اليأس، والتسليم لله يجعل القلب مجلى لإرادته.
- 12:38
القلب المجلى هو المرآة التي تنعكس فيها إرادة الله، وهو مقام العبد الرباني الذي سلّم أمره لله.
- 13:17
التسليم لله والتوكل والرضا هي طريق أن يصبح القلب مجلى لأنوار الله وإرادته في الكون.
- 13:48
العبد الرباني من طهّر قلبه من الرغبات وجعله لله، فتنعكس عليه إرادة الرب ويصير قلبه مجلى لصفات الله.
- 14:26
العبد الرباني منسوب إلى الرب لا إلى الهوى والدنيا، خلافًا لمن جعل نفسه عبدًا للدينار والقطيفة.
- 15:04
البصيرة عين القلب التي ترى الحقائق، والتشكيك في الوعد الإلهي يقدح فيها ويطفئ نورها.
- 15:49
الفرق بين العقل والبصيرة أن العقل يفهم والبصيرة ترى وتشاهد، وإطفاء نور البصيرة يجعل القلب أعمى لا يرى الحقائق.
- 16:41
قصة الشيخ الذي بشّر بالولد تكشف الفرق بين العارف الذي يفهم بنور البصيرة والجاهل الذي يقف عند الظاهر.
- 17:50
وفاة الشيخ والرجل دون مجيء الولد في الدنيا أثبتت للعارف أن البشارة كانت بالولد في الآخرة لا الدنيا.
- 18:49
العارف فهم أن البشارة بالولد محتملة للدنيا والآخرة، فلما لم يأتِ في الدنيا تأكد أنه رزق الآخرة بدليل الآية الكريمة.
- 19:23
العارفون يفهمون ما وراء السطور بنور البصيرة، أما الجهل المتسرع فيتمسك بالظاهر ويتهم الناس بالباطل.
- 20:04
العارف أخّر الجزم بمعنى كلام الشيخ لاحتماله، فلما تأكد المعنى بيّنه بحلاوة وحسن ظن لا باتهام.
- 20:59
القلم إشارة إلى الإيمان بالقدر وأن ما كُتب سيكون، والمسطرة إشارة إلى الصراط المستقيم الذي يسير عليه المؤمن.
- 22:09
دلالة القلم والمسطرة: الإيمان بأن الله خطّ ما كان وما يكون، والسير على الصراط المستقيم هو التكليف الإلهي.
- 22:31
حكمة الفتح الإلهي تعني أن من فتح الله عليه من التعرف به فلا تضره قلة العمل، وهي بشرى لأهل المعرفة.
- 23:09
ما وقر في القلب من الإخلاص هو الأساس لا كثرة الأعمال وحدها، بدليل حديث سبق أبي بكر بشيء وقر في قلبه.
- 24:11
الأعمال مقصودة ومهمة لكنها المقصد الثاني، والإخلاص في العمل ومشاعر القلب هي الأساس والمقصد الأول.
- 24:53
الفتح الإلهي دليل على أن الله يريد التعرف إلى العبد، فكل نعمة هي رسالة من الله تستوجب الشكر والتعرف إليه.
- 25:41
أعمال العبد امتحان يؤديه أمام الله الذي أنعم عليه بكل شيء، والله هو المقوّم الذي يقبل أو يرد.
- 26:27
أعمال العبد محل نظر للقبول والرد، أما فتح الله على العبد فنعمة محضة وفضل محض لا يُردّ.
- 27:22
لا ينبغي الاغترار بالعمل بل شكر الله على فضله، والفرح بتنوع الأعمال الذي يفتح أبواب الأحوال القلبية.
- 27:59
تنوعت العبادات لأن لكل عمل فتحًا وواردًا خاصًا، فجعل الله لكل عبادة دليلًا يتوسل به العبد إلى ربه.
- 28:43
لكل عبادة فتوح وأحوال قلبية خاصة بها، فالصلاة والصيام والحج والزكاة كل منها يورد على القلب ما يخصه.
- 29:17
قبول الزكاة فرض على الفقير كأدائها فرض على الغني، ومن امتنع عن قبضها يُقاتَل كمن يمتنع عن أدائها.
- 30:16
مراد الله من الزكاة تحريك المجتمع بإعادة توزيع المال، ورفض الفقير لها يعطّل هذا المراد الإلهي.
- 30:52
قضية الزكاة في الإسلام ليست غنيًا وفقيرًا بل مراد الله من شرعه في تحقيق العزة والتكافل للجميع.
- 31:12
الأعمال كالإناء والإخلاص كالماء، فروح الأعمال وقيمتها الحقيقية هي سر الإخلاص فيها لا صورتها الظاهرة.
- 31:50
مثل الإناء والماء يوضح أن الإخلاص في العمل هو الأهم كالماء، والعمل وحده كالإناء الفارغ قليل القيمة.
- 32:33
خلاصة الحكمة العطائية: لا بد من الأعمال ومن سر الإخلاص فيها، مؤكدًا بحديث إنما الأعمال بالنيات رواه البخاري ومسلم.
ما معنى قول ابن عطاء الله السكندري لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود؟
يعني ابن عطاء الله السكندري في هذه الحكمة أن الإنسان لا ينبغي أن يشك في وعد الله إذا تأخر تحققه، حتى لو تعين الزمن في ظنه. فالإنسان لا يعلم الغيب ولا يعرف أين الخير، ولو علم الغيب لاستكثر من الخير وما مسه السوء. والشك في الوعد يقدح في بصيرة القلب ويطفئ نور السريرة.
أي حكمة من الحكم العطائية يتناولها هذا الدرس؟
الدرس يتناول الحكمة السادسة من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري، وقد وقع لبس بين الحكمة السادسة والسابعة بسبب شرح سابق في مجلس آخر.
ما معنى أن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء لا يوجب اليأس وما آداب الدعاء في ذلك؟
يعلّم ابن عطاء الله السكندري أن الله ضمن الإجابة فيما يختاره للعبد لا فيما يختاره العبد لنفسه، وفي الوقت الذي يريده الله لا في الوقت الذي يريده العبد. ومن آداب الدعاء والأدب مع الله الرضا بما قسمه الله والتسليم لله بما أجراه في الكون.
لماذا ينبغي أن يكون الدعاء عبادة لا طلبًا للدنيا وحدها وما آداب الدعاء في ذلك؟
ينبغي أن يكون الدعاء عبادة لأن الله مالك السماوات والأرض ومالك الدنيا والآخرة، فلا ينبغي أن يكون المقصود من الدعاء إلا الله وحده. ومن آداب الدعاء ألا يتعلق القلب بالزمان ولا بالمكان ولا بالأشخاص ولا بالأحوال، وأن يكون المقصود الأعظم هو الله سبحانه وتعالى.
ما ثمرات الدعاء الثلاث وهل الدعاء خير حتى لو لم يُستجب؟
ثمرات الدعاء ثلاث: إما أن يستجيب الله فورًا، وإما أن يؤجل الإجابة إلى وقت لاحق، وإما أن يدخره للعبد عبادةً وثوابًا يوم القيامة. فالدعاء خير كله استُجيب أو لم يُستجب، لأن العبد لا يدري الغيب ولا يعلم ما هو أصلح له، والله وحده يعلم ذلك.
هل الدعاء عبادة وما الدليل على ذلك من السنة النبوية؟
نعم، الدعاء عبادة بنص الحديث النبوي الصحيح الذي رواه الأربعة من حديث أبي هريرة: «الدعاء هو العبادة». وهذا يعني أن الدعاء ينبغي أن يكون عبادة خالصة لا تشوقًا وطلبًا للدنيا فحسب، وهو أول ما يعلّمه ابن عطاء الله السكندري من الأدب مع الله.
ما الفرق بين حديث الدعاء هو العبادة وحديث الدعاء مخ العبادة؟
حديث «الدعاء هو العبادة» يعني أن حقيقة العبادة كلها هي الدعاء، فالصلاة دعاء والزكاة دعاء والحج دعاء والصيام دعاء، أي أن الدعاء هو الصلة بين العبد وربه. أما حديث «الدعاء مخ العبادة» فيعني أن الدعاء أعلى شيء في العبادة وأرفعه، وهو أقل إسنادًا من الأول لكنه صحيح أيضًا.
ما حال من يقتصر دعاؤه على طلب الدنيا فقط وما الذي ينبغي أن يُدعى به؟
كثير من الناس يقتصرون في دعائهم على طلب الدنيا كنجاح الأبناء وسداد الديون وحل المشكلات، وهذا كله دنيا. والأولى أن يدعو المسلم بما ينفعه في الآخرة كأن يدعو الله أن يفتح عليه فتوح العارفين به، وأن يعلمه الأدب معه، وأن يشفع له النبي يوم القيامة.
ما نماذج الدعاء الأخروي الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم؟
من نماذج الدعاء الأخروي: الدعاء بدخول الجنة من غير حساب ولا عذاب، والدعاء بعلو الدرجة يوم القيامة، والدعاء بستر العيوب ومغفرة الذنوب، والدعاء بالنظر إلى وجه الله الكريم. وهذه الأدعية تعبّر عن الدعاء بوصفه عبادة خالصة لا طلبًا للدنيا.
من هو ابن عطاء الله السكندري وما أثر كتابه في القلوب؟
ابن عطاء الله السكندري عالم وليّ صالح دفن في سفح المقطم بالقاهرة، وضريحه يُزار. كتابه الحكم العطائية يرقق القلوب ويذكّر بالله، وهو من بركة إخلاص نيته في نصيحة المسلمين، فنوّر الله بذلك قلبه وبقي ثوابه جاريًا بعد وفاته.
ما الحكمة من تأخر العطاء وما الأدب الواجب عند تأخر الإجابة؟
تأخر العطاء هو تعليم من الله للعبد الأدب معه، فلا ينبغي أن يحدث في القلب تبرم من الاستئخار ولا إساءة أدب مع الله. بل ينبغي أن يكون العبد راضيًا حسن الظن بالله، مدركًا أنه كان يدعو بشيء لا يعلم ما يترتب عليه، فيحمد الله على لطفه وكرمه.
لماذا لا يجوز اليأس من روح الله وما الدليل القرآني على ذلك؟
اليأس من روح الله لا يجوز لأن الله تعالى قال: «إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون»، فاليأس صفة الكافرين لا المؤمنين. والمؤمن قد منّ الله عليه بالإيمان وبسيد الخلق، فانتقل من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى، فلا ينبغي أن يتطرق إليه اليأس.
ما أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان وما علاقتها بنبذ اليأس؟
أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان هي نعمة الإسلام، وليس بعدها نعمة أكبر لا مال ولا جاه ولا صحة. ومن أدرك عظمة هذه النعمة لا ييأس، لأن اليأس من صفات الكافرين، والمسلم الذي هداه الله وجعله من المؤمنين لا ينبغي أن يتصف بصفة الكافرين.
ما معنى أن يكون الدعاء عبادة وكيف يتجلى ذلك في عدم التعلق بالمطلوب؟
أن يكون الدعاء عبادة يعني ألا يجعل القلب متعلقًا بالمطلوب، بل يدعو الله كأنه يقول: يا رب افعل لي كذا إن شئت، أي بإرادتك وقوتك وحولك متى شئت وإن شئت. وهذا هو الأدب مع الله الذي تعلّمه الحكم العطائية، وهو التسليم لله في الاختيار والوقت.
كيف يجسّد دعاء النبي في الطائف معنى الدعاء عبادة والتسليم لله؟
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف «اللهم إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي» يجسّد الأدب الأعلى مع الله، إذ جعل المطلوب الأعظم هو رضا الله لا الغرض الدنيوي. وهذا هو معنى الدعاء عبادة: أن يخلي القلب عن المطلوب ويجعل الله هو المقصود، ثم لا ييأس مع الإلحاح من تأخر المدد.
ما معنى التبرؤ من الحول والقوة وكيف يكون ذلك ثقة بالله؟
التبرؤ من الحول والقوة يعني الخروج من حول العبد وقوته إلى حول الله وقوته، بأن يسلّم أنه لا يعرف شيئًا وأن الله ضامن له الإجابة فيما يختاره لا فيما يختاره العبد لنفسه. وهذا ثقة بالله لأنه إيمان بأن ما في يد الله أعظم مما في يد العبد، وأن تدبير الله أعظم من تدبير العبد.
ما خلاصة ما تعلّمه ابن عطاء الله السكندري في هذه الحكم من معاني الدعاء والتسليم؟
خلاصة ما تعلّمه ابن عطاء الله السكندري ثلاثة معانٍ: أن الدعاء عبادة لا طلبًا للدنيا، وأن نخرج من حولنا وقوتنا إلى حول الله وقوته، وألا يتطرق إلينا اليأس لأنه من صفات الكافرين. ومن سلّم هذا التسليم صار قلبه مجلى لإرادة الله سبحانه وتعالى.
ما معنى أن يصبح القلب مجلى لإرادة الله وما مكانة العبد الرباني؟
المجلى هو المرآة التي تتجلى فيها الصور، فكما تقف أمام المرآة فتظهر فيها صورتك، كذلك القلب الذي سلّم لله يصبح مرآة تتجلى فيها إرادة الله. وهذا هو العبد الرباني الذي يصبح شيئًا عظيمًا، إذ يصير قلبه مجلى إرادة الله سبحانه وتعالى.
كيف يصبح القلب مرآة لأنوار الله وما طريق ذلك؟
طريق أن يصبح القلب مرآة لأنوار الله هو التسليم لله والتوكل عليه والرضا عنه، فعندما يسلّم العبد ويتوكل ويرضى عن الله يرضى الله عنه. ويصبح القلب حينئذ مجلى لأنوار الله تنعكس فيه إرادة الله في كونه، فيصير العبد ربانيًا.
ما حقيقة العبد الرباني وكيف تتجلى فيه إرادة الله؟
العبد الرباني هو من خلّص نفسه من الحماقة والرعونة وطهّر قلبه من الرغبات والشهوات وجعله لله. فيرضى برضا الله ولا يتحرك إلا بإذنه، فتنعكس عليه إرادة الرب سبحانه ويصير قلبه مجلى لصفات الله. وهو في حقيقته عدم، لا إرادة له من نفسه، بل إرادة الله تتجلى فيه.
ما معنى العبد الرباني وما الفرق بينه وبين عبد الدنيا والهوى؟
العبد الرباني هو العبد المنسوب إلى الرب لا إلى الشيطان ولا إلى الهوى ولا إلى النفس الأمارة بالسوء ولا إلى الدنيا. وفي المقابل هناك من جعل نفسه عبدًا للدينار والدرهم والقطيفة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة»، وهؤلاء اتخذوا الهوى والدنيا إلهًا.
ما معنى البصيرة في الحكم العطائية وكيف يؤثر التشكيك في الوعد على نورها؟
البصيرة هي العين التي يرى بها القلب حقائق الأمور، وتتنزل عليها الأنوار وتنعكس على الحقائق فيرى الأسرار. والتشكيك في الوعد الإلهي يقدح في هذه البصيرة ويطفئ نورها، فيصبح القلب أعمى لا يرى الحقائق. والتسليم لله وعدم التشكيك هو ما يحفظ نور البصيرة.
ما الفرق بين فهم العقل ورؤية البصيرة وما خطر إطفاء نور البصيرة؟
فهم العقل هو إدراك الحقائق بالتفكير والاستدلال، أما رؤية البصيرة فهي مشاهدة الحقائق بعين القلب ومعايشتها. وإطفاء نور البصيرة خطير لأنه يجعل القلب أعمى لا يرى شيئًا، كما أن إطفاء النور في الغرفة يجعل صاحبها لا يرى ما فيها. والتشكيك في الوعد الإلهي هو أحد أسباب إطفاء هذا النور.
ما قصة الشيخ الذي بشّر رجلًا بالولد وكيف تكشف الفرق بين العارف والجاهل؟
مرّ رجل من أهل البصيرة فبشّر رجلًا بأن الله يرزقه بولد. فانقسم من سمع البشارة: العارف رآها بشارة وفرح بها، والجاهل اتهم الشيخ بادعاء علم الغيب ووصفه بالدجل، والثالث تردد بينهما. وهذه القصة تكشف الفرق بين من يفهم الكلام على حقيقته بنور البصيرة ومن يقف عند ظاهره.
ماذا حدث بعد وفاة الشيخ والرجل دون أن يأتي الولد وكيف فسّر العارف ذلك؟
كبر الرجل في السن ومات الشيخ ومات الرجل دون أن يأتيه ولد في الدنيا. فقال الجاهل للعارف: ها هو لم يأتِ ولد. فأجابه العارف بأن الشيخ لم يقل في الدنيا، وأن الولد سيأتيه في الآخرة، مستدلًا بأن كلام الشيخ كان محتملًا للدنيا والآخرة.
كيف فهم العارف أن الرزق بالولد قد يكون في الآخرة لا الدنيا؟
فهم العارف أن قول الشيخ «يرزقك الله بالولد» لم يقيّده بالدنيا، فهو محتمل للدنيا والآخرة. فلما لم يأتِ الولد في الدنيا تأكد أن المراد الآخرة، مستدلًا بقوله تعالى: «يطوف عليهم ولدان مخلدون». وهذا الفهم هو ثمرة القلب المنفتح الذي يرى بنور الله.
ما الفرق بين نور الفهم عند العارفين وجهل المتسرعين في الحكم على الناس؟
العارفون يفتحون على أنفسهم أبواب الفهم ويقرؤون ما وراء السطور، فيصلون إلى مراد الله ويفهمون الكلام على حقيقته. أما الجهل المتسرع فيتمسك بالظاهر كالمسامير ولا يريد أن يفهم ما وراءه، فيتهم الناس بالباطل والزور. وهذا الجهل يغلق الأبواب ولا يوصل إلى مراد الله.
كيف أوضح العارف أن الرزق بالولد محتمل للدنيا والآخرة وما الحكمة في ذلك؟
أوضح العارف أنه لم يجزم بمعنى كلام الشيخ وهو حيّ لأن الكلام كان محتملًا، فلما مات الرجل دون ولد تأكد أن المراد الآخرة. وفي هذا حلاوة تصحيح كلام الناس بالحسن الظن، في مقابل جهالة اتهامهم بالباطل والزور. وهذا هو نور الناس الطيبين في مقابل تصرف الجهلة.
ما دلالة القلم والمسطرة التي أحضرها محمد وما علاقتهما بالإيمان والصراط المستقيم؟
القلم يدل على أن ما جرى وما كُتب فإنه سيكون ولا يكون في الكون إلا ما أراد الله، وهو إشارة إلى الإيمان بالقدر. والمسطرة تدل على الصراط المستقيم والخط المستقيم الذي ينبغي للعبد أن يسير عليه. فالقلم والمسطرة معًا يعنيان: آمن بالله وامشِ على الصراط المستقيم.
ما الذي يفهمه المؤمن من دلالة القلم والمسطرة في علاقته بالله؟
يفهم المؤمن من القلم والمسطرة أن الله قد خطّ بالقلم ما كان وما يكون، وأن الإيمان بذلك هو الصراط المستقيم. فالتكليف الذي كُلّف به العبد هو أن يؤمن بالله ويمشي على الصراط المستقيم، وهذا هو جوهر التسليم لله.
ما معنى حكمة ابن عطاء الله إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبالِ إن قلَّ عملك؟
تعني هذه الحكمة أن الفتح الإلهي من التعرف على الله نعمة عظيمة تجعل قلة العمل لا تضر، لأن الفتح نفسه دليل على عناية الله بالعبد. وهي بشرى لمن فتح الله عليه شيئًا من المعرفة والأنوار، إذ الفتح الإلهي أعظم من كثرة الأعمال الظاهرة.
هل القضية بكثرة الأعمال فقط أم بما وقر في القلب وما الدليل على ذلك؟
القضية ليست بكثرة الأعمال وحدها، بل بما وقر في القلب من الإخلاص والإيمان. والدليل على ذلك ما قيل في أبي بكر الصديق: «ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة أو صيام، وإنما سبقكم بشيء وقر في قلبه». وهذا لا يعني إهمال الأعمال، فكثرة الأعمال مهمة وترقق القلب، لكن ما في القلب هو الأساس.
كيف نوازن بين أهمية الأعمال وأولوية مشاعر القلب والإخلاص؟
الأعمال مقصودة ومهمة جدًا ولا يجوز الإفراط فيها، وهي المقصد الثاني. لكن المقصد الأول هو مشاعر القلب والإخلاص، لأنها هي الأساس. فنؤكد على الأعمال تأكيدًا شديدًا ولا نقلل من أهميتها، لكننا نعلم أن روح الأعمال هو الإخلاص في العمل الذي يجعلها مقبولة.
ما معنى أن الفتح الإلهي دليل على أن الله يريد أن يتعرف إلى العبد؟
الفتح الإلهي نعمة محضة من الله، وهو دليل على أن الله أراد أن يتعرف إلى العبد. فكما أن وصول رسالة في البريد يدل على أن أحدًا أرسلها، فكذلك النعم والفتوح كلها من الله دليل على أنه يريد التعرف إلى العبد. ولذلك ينبغي الدعاء: اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك.
ما طبيعة الأعمال التي يقدمها العبد لله وكيف تكون امتحانًا؟
أعمال العبد هي امتحان يؤديه أمام الله الذي أنعم عليه بكل شيء، فهو يهدي إلى الله ما أنعم الله به عليه أصلًا. والامتحان يحتمل الإجابة الصحيحة أو الخاطئة، والقبول أو الرد، والله هو المقوّم الذي يصحح. وهذا يستوجب التواضع وعدم الاغترار بالعمل.
ما الفرق بين ما يقدمه العبد لله من أعمال وما يفتح الله به عليه من فضل؟
ما يقدمه العبد من أعمال محل نظر للقبول والرد، لأنه امتحان قد يصيب فيه أو يخطئ. أما ما يفتح الله به على العبد من فتح ونعمة فليس محل نظر، بل هو نعمة محضة وفضل محض من الله. والفرق كالفرق بين الطالب والأستاذ، فما بالك بالفرق بين المخلوق والخالق.
لماذا لا ينبغي الاغترار بالعمل وكيف يكون شكر الله على فضله؟
لا ينبغي الاغترار بالعمل لأن ما يقدمه العبد محل نظر للقبول والرد، وما يفتح الله به عليه نعمة محضة. فينبغي شكر الله على فضله العميم ونعمته العليا ومنته الكبرى. وعندما يصل الأمر إلى فتح يعلّم الأدب مع الله، ينبغي الفرح بتنوع أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال.
لماذا تنوعت العبادات في الإسلام وما الحكمة من ذلك؟
تنوعت العبادات لأن لكل عمل واردًا وجائزةً وفتحًا خاصًا به، فجعل الله الصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر والتلاوة والدعاء وغيرها. وكل عمل هو دليل يستطيع العبد به أن يتوسل إلى الله ويتوصل إليه، فأعطاه الله دليل العمل الذي يستطيع به الوصول إليه سبحانه.
كيف تختلف الفتوحات والأحوال القلبية باختلاف أنواع العبادات؟
تختلف الفتوحات باختلاف العبادات، فالصلاة تفتح أنواعًا من الفتوح وتورد على القلب أنواعًا من الخواطر والأحوال تختلف عما يورده الصيام. والحج والعمرة ينزلان أنوارًا وكشفًا للأسرار وترقية للحال تختلف عما تورده الصدقة والزكاة من لذة ومشاعر خاصة.
هل قبول الزكاة فرض على الفقير كأدائها فرض على الغني؟
نعم، قبول الزكاة فرض كأدائها، وقد قال الشافعية إن الفقير الذي يمتنع عن قبض الزكاة يُقاتَل كمن يمتنع عن أدائها. فالزكاة ليست منّة من الغني على الفقير، بل هي فرض على الغني وفرض على الفقير قبولها، فلا مِنّة فيها بل مطالبة.
ما مراد الله من الزكاة في تحريك المجتمع وما خطر رفض الفقير لها؟
مراد الله من الزكاة أن يأخذ المال من الأغنياء فيرده على الفقراء، فينفق الفقير ويحرك السوق ويستفيد الجميع. فإذا رفض الفقير الزكاة أوقف حركة المجتمع وعطّل مراد الله في شريعته، لأن الزكاة ليست قضية غني وفقير بل قضية مراد الله من شرعه وخلقه.
ما الرؤية الإسلامية الشاملة لقضية الغني والفقير في ضوء مراد الله من شرعه؟
القضية في الإسلام ليست قضية غني وفقير وأعلى وأسفل، بل هي قضية مراد الله من شرعه ومراد الله من خلقه. فالله أراد بشريعته نظامًا متكاملًا يحقق العزة للجميع، ولذلك جعل قبول الزكاة فرضًا كأدائها حتى لا تكون فيها منّة بل مطالبة.
ما معنى حكمة ابن عطاء الله الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها؟
تعني هذه الحكمة أن الأعمال كالإناء الذي يحمل الماء، فالإناء صورة قائمة لكن قيمته الحقيقية في الماء الذي بداخله. كذلك الأعمال صور ظاهرة لكن روحها وقيمتها الحقيقية هي سر الإخلاص فيها. فالإخلاص في العمل هو الذي يجعل العمل حيًا نافعًا، وبدونه يبقى العمل مجرد صورة فارغة.
كيف يوضح مثل الإناء والماء قيمة الإخلاص في العمل مقارنة بالعمل وحده؟
الإناء وحده لا قيمة له إلا ثلاثة قروش، لكن الماء الذي فيه قد يصل إلى مليون جنيه عند الحاجة الشديدة. كذلك العمل وحده بلا إخلاص قليل القيمة، لكن الإخلاص في العمل هو الذي يحدث الري والشبع الحقيقي. والإناء مهم لحفظ الماء، لكن الأهم هو الماء الذي يحدث النفع الحقيقي.
ما خلاصة حكمة الأعمال والإخلاص وما الحديث النبوي الذي يؤكدها؟
خلاصة الحكمة أنه لا بد من الأعمال ولا بد من سر الإخلاص فيها معًا، فلا يكفي أحدهما دون الآخر. والحديث النبوي الذي يؤكد ذلك هو: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» رواه البخاري ومسلم. فالنية والإخلاص في العمل هما الروح التي تجعل الأعمال مقبولة ونافعة.
الدعاء عبادة خالصة والتسليم لله روح الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري، والإخلاص في العمل روح الأعمال كلها.
شرح الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري يكشف أن الدعاء عبادة بنص الحديث النبوي الصحيح «الدعاء هو العبادة»، وأن آداب الدعاء تقتضي ألا يتعلق القلب بالمطلوب الدنيوي، بل يجعل المقصود الأعظم هو الله. وتأخر الإجابة لا يوجب اليأس، إذ الدعاء خير كله: إما استجابة فورية، أو تأجيل، أو ادخار للثواب يوم القيامة.
يعلّم ابن عطاء الله السكندري في حكمه أن التسليم لله والتبرؤ من الحول والقوة يجعل القلب مجلى لإرادة الله، فيصير العبد ربانيًا منسوبًا إلى الرب لا إلى الهوى. كما أن الأعمال صور قائمة وأرواحها سر الإخلاص فيها، وهو ما أكده الحديث النبوي «إنما الأعمال بالنيات»، فلا تكتمل العبادة بالصورة الظاهرة دون روح الإخلاص الباطنة.
أبرز ما تستفيد منه
- الدعاء عبادة خالصة لا طلبًا للدنيا، وهو خير كله استُجيب أو لم يُستجب.
- تأخر العطاء مع الإلحاح في الدعاء لا يوجب اليأس، فاليأس من صفات الكافرين.
- الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها.
- التسليم لله والرضا بما اختاره يجعل القلب مجلى لإرادة الله وأنواره.
افتتاح الدرس بالحكمة السادسة لابن عطاء الله السكندري
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال سيدي ابن عطاء الله السكندري نفعنا الله:
«لا يُشكِّكنَّك في الوعد عدمُ وقوع الموعود، وإن تعيَّن زمنه؛ لئلا يكون ذلك قدحًا في بصيرتك وإخمادًا لنور سريرتك»
فالإنسان يلتجئ إلى الله، ولكنه لا يعرف أين الخير.
﴿وَلَوْ عَلِمَ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّهُ السُّوءُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأعراف: 188]
ولو علم [الإنسان] أن الخير هو ما أراده الله ما طلب [غيره]. اختلفت الأقوال، لكن وقفنا عند ذلك.
توضيح أن الدرس في الحكمة السادسة وليس السابعة
فلماذا تقول سبعة إذن؟ لا، لأنك سمعتني أشرح هذه [الحكمة] في العشيرة [المحمدية]، فاختلطت ما بين الأزهر وبين العشيرة. حسنًا، يقولون نحن واقفون عند الحكمة السادسة ليس السابعة، وما له [فلا فرق]، نقول الحكمة السادسة.
شرح حكمة تأخر العطاء مع الإلحاح في الدعاء والأدب مع الله
قال رضي الله تعالى عنه:
«لا يكن تأخُّرُ أمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد»
يعني لا حول ولا قوة إلا بالله، كن مؤدبًا مع الله. ومن الأدب مع الله الرضا بما قسمه الله، والتسليم بما أجراه الله سبحانه وتعالى عليك في الكون.
الدعاء ينبغي أن يكون عبادة لا تطلعًا للدنيا وحدها
ولذلك إذا أردت الدعاء وأردت الالتجاء فافعل ذلك عبادةً وليس تطلعًا للدنيا. واسأل الله سبحانه وتعالى خير الدنيا والآخرة؛ فهو مالك السماوات والأرض، ومالك الدنيا، ومالك الآخرة.
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]
سبحانه وتعالى. فالالتجاء إلى الله وحده، ولا يكون مقصودك إلا الله، ولا تتعلق بالزمان ولا بالمكان ولا بالأشخاص ولا بالأحوال، ولا تلتفت إلى ما سواه. واجعل قلبك خاليًا من السِّوى، واجعل مقصودك الأعظم هو الله سبحانه وتعالى.
ثمرات الدعاء الثلاث وأن الدعاء خير كله استُجيب أو لم يُستجب
والتجئ إليه بهذا الدعاء؛ فإما أن يستجيب لك فيه فورًا، وإما أن يؤجله فيستجيب بعد مدة، وإما أن يدخره لك عبادةً وثوابًا يوم القيامة. فيبقى الدعاء خيرًا كله، استُجيب أو لم يُستجب.
لأنك لا تدري أين الخير، ولا تدري الغيب، ولا تدري ما هو أصلح لك. والذي يعلم ذلك كله هو الله سبحانه وتعالى لا إله إلا هو، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الأدب الأول مع الله أن يكون الدعاء عبادة لا طلبًا للدنيا
يعلمك [ابن عطاء الله] الأدب مع الله في أمور. الأمر الأول: إذا ما دعوت الله فادعُه عبادة، لا تدعُه سبحانه وتعالى تشوقًا وطلبًا للدنيا، إنما ادعُه عبادة.
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«الدعاء هو العبادة» رواه الأربعة من حديث أبي هريرة
هذا حديث صحيح أخرجه الأربعة.
الفرق بين حديث الدعاء هو العبادة والدعاء مخ العبادة
حديث آخر أقل صحة لكنه صحيح أيضًا، لكنه أقل إسنادًا، يقول:
«الدعاء مخُّ العبادة»
انظر الفرق: «الدعاء مخ العبادة» يعني أعلى شيء في العبادة. أما الآخر «الدعاء هو العبادة» يعني الصلاة دعاء، والزكاة دعاء، والحج دعاء، والصيام دعاء. الدعاء هو العبادة يعني حقيقة العبادة، هذه الصلة التي بينك وبين الله.
حال بعض الناس الذين يقتصر دعاؤهم على طلب الدنيا فقط
في بعض الناس عندما يدعون:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 200]
[يقولون:] يا مولانا اجعل ابني ينجح، والشيك الذي علينا يُسدَّد، والقضية الموجودة يتنازلون عنها. كله دنيا! ما أحد قال أبدًا: ادعُ الله أن يفتح عليَّ فتوح العارفين به، ادعُ أن الله يعلمني الأدب معه، ادعُ الله لكي يشفع لنا نبيه يوم القيامة.
نماذج من الدعاء الأخروي الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم
أدعو الله أن يدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب. أدعو الله أن يعلي درجتي يوم القيامة. أدعو الله أن يستر عيبي وأن يغفر ذنبي. أدعو الله أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم أبدًا.
كل هذا، اللهم استجب لمن حضر ولمن غاب ولأحيائنا وأمواتنا. اللهم إننا في حاجة إلى رحمتك ولست في حاجة إلى مؤاخذتنا، فاعفُ عنا واستر عيوبنا وارحم زلاتنا واقبل توبتنا، إنك على كل شيء قدير، يا حليم يا الله يا الله يا الله.
بركة ابن عطاء الله السكندري وأثر كتابه في ترقيق القلوب
هذه من بركة سيدي ابن عطاء الله [السكندري]؛ نقرأ كتابه فنذكر الله وترقُّ قلوبنا لذكره. ما هذا! وهو قاعد يأخذ ثوابًا الآن مما ترك من بعده من نصيحة للمسلمين، وذلك من إخلاص نيته؛ نوَّر الله بذلك قلبه، فكان منوَّرًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وضريحه هنا في سفح المقطم يُزار، عليه من الأنوار وجلائل الأسرار ما لا يخفى على عارف.
تأخر العطاء تعليم للأدب مع الله والتبرؤ من التبرم
قال [ابن عطاء الله]: لا يمكن أن يؤخر الله الأمد ليعلمنا الأدب معه. تأخُّر أمد العطاء ودعوتك لا يُستجاب لك؛ لا يحدث شيء في قلبك من التبرم من الاستئخار، وبعد ذلك لا تسيء الأدب مع الله.
كن حسنًا، كن راضيًا. قل: يا سبحان الله! لقد كنت أضيع نفسي، لقد كنت أدعو بشيء والله أعلم كان يترتب عليها ماذا، يا لطيف سبحانك يا كريم!
النهي عن اليأس من روح الله وأنه من صفات الكافرين
لا يكن تأخُّر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك.
﴿إِنَّهُ لَا يَايْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]
والعياذ بالله. ونحن قد مَنَّ الله علينا بسيد الخلق وبالإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم، فانتقلنا من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الضلالة إلى الهدى. فالحمد لله الذي منحنا ذلك من غير حول منا ولا قوة، إنما هو محض توفيق من الله وهداية من الله.
نعمة الإسلام أعظم النعم وليس بعدها نعمة أكبر
فكان الصحابة يقولون: ما أنعم الله عليَّ بنعمة بعد نعمة الإسلام [أعظم من كذا]. ليس هناك شيء أكبر من نعمة الإسلام يا إخواننا! لا مال ولا جاه ولا صحة ولا كذلك إلى آخره.
بعد نعمة الإسلام أكثر من كذا أو كذا، ويعدد نعم الله عليه، لكن بعد نعمة الإسلام. فالله هدانا وجعلنا من المؤمنين. فلا تيأس؛ لأن اليأس من صفات الكافرين.
الأدب مع الله يقتضي أن يكون الدعاء عبادة دون تعلق بالمطلوب
وإنما ماذا نعمل؟ نفهم أن الأدب مع الله يقتضي ماذا؟ الفهم يكون: أول شيء يعلمها [هذه الحكمة] لنا أنك إذا دعوت فادعُ عبادة. وادعُ عبادة يعني ماذا؟ يعني لا تجعل قلبك متعلقًا بالمطلوب.
ادعُه وكأنك تقول: يا رب افعل لي كذا إن شئت. معناها هكذا: افعل لي كذا بإرادتك وقوتك وحولك، متى شئت وإن شئت. اللهم اصرف عنا السوء بما شئت وكيف شئت وإن شئت.
دعاء النبي في الطائف نموذج في الأدب مع الله تعالى
«اللهم إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي»
انظر إلى كلام سيد المرسلين مع ربه [في دعاء الطائف]؛ يعلمنا الأدب. أول شيء: الدعاء عبادة.
ثاني شيء: بعد أن أخليت قلبك عن المطلوب وجعلت المطلوب هو الله وليس الغرض الذي تدعو فيه دنيويًا أو أخرويًا، جعلت المطلوب هو الله، فلا تيأس مع الإلحاح في الدعاء من تأخر المدد؛ فإن المدد من الله.
التبرؤ من الحول والقوة والثقة بتدبير الله أعظم من تدبيرك
فهو ضامن لك الإجابة فيما يختاره لك. لا يكون في كونه إلا ما أراد، لا فيما تختاره لنفسك. ما دمت لا تعرف شيئًا فهذا تبرؤ من الحول والقوة أم لا؟ تبرؤ من الحول والقوة، وخروج من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته.
أليس هذا ثقة بالله؟ إن هذا ثقة بأن ما في يد الله أعظم مما في يدك، وأن تدبير الله أعظم من تدبيرك.
خلاصة المعاني: الدعاء عبادة والثقة بالله ونبذ اليأس
فإذن هو [ابن عطاء الله] يعلمنا كل هذه المعاني: أن الدعاء عبادة، وأن نخرج من حولنا وقوتنا إلى حول الله وقوته، وأن نثق بما في يد الله أكثر مما نثق بما لدينا، وألا يتطرق إلينا اليأس؛ لأن اليأس من صفات الكافرين ونحن مؤمنون، والحمد لله رب العالمين.
وفي الوقت الذي يريد سبحانه. فإذا ما سلَّمت هذا التسليم كنت مَجْلى [أي مرآة لإرادة الله].
معنى أن يصبح القلب مجلى لإرادة الله سبحانه وتعالى
يعني ماذا [مَجْلى]؟ يعني مرآة. المرآة مَجْلى للصور؛ تقف أمامها فتظهر فيها صورتك التي تظهر فيها، فيسمونها المرآة مَجْلى، أي تتجلى فيها صورتك.
فأنت قلبك سيصبح مَجْلى لإرادة الله. يا لهذا! إنك ستصبح شيئًا عظيمًا جدًا. إنك ستصبح يا أخي عبدًا ربانيًا، ويصبح قلبك مَجْلى إرادة الله.
التسليم والرضا عن الله طريق لأن يصبح القلب مرآة لأنوار الله
ما هذا فجأة؟ نعم، بالتسليم والرضا. عندما سلَّمت وتوكلت ورضيت عن الله، يرضى الله عنك، وتصبح مَجْلى أنوار الله سبحانه وتعالى.
وقلبك يصبح مرآة تنعكس فيها إرادة الله في كونه، فتصير عبدًا ربانيًا تقول للشيء كن فيكون من إرادتك.
حقيقة العبد الرباني أنه فانٍ عن نفسه وإرادة الله تتجلى فيه
أأنت لك إرادة أصلًا؟ أنت عدم هذا، أنت مجرد هذا، أنت لا لك إرادة ولا أنت تقول للشيء كن فيكون، ولا أنت أصلًا شيء، بل أنت عدم.
إذن ما الذي يحدث؟ الذي يحدث أنك خلَّصت نفسك من الحماقة والرعونة، وطهَّرت قلبك من الرغبات والشهوات وجعلته لله، يرضى برضا الله ولا يتحرك إلا بإذنه. فتنعكس عليه إرادة الرب سبحانه وتعالى، فيصير قلبك مَجْلى لصفات الله.
العبد الرباني منسوب إلى الرب لا إلى الهوى ولا إلى الدنيا
وإذا صار كذلك كنت عبدًا ربانيًا؛ عبدًا منسوبًا إلى الرب، لا إلى الشيطان ولا إلى الهوى ولا إلى النفس الأمارة بالسوء ولا إلى الدنيا.
قال رسول الله ﷺ: «تَعِسَ عبدُ القطيفة، تَعِسَ عبدُ الدينار»
أين عبد الدينار وعبد القطيفة؟ لقد جعل نفسه كذلك.
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]
ما هو إلا أن هناك أناسًا يتخذون الشيطان إلهًا، والهوى إلهًا، والدنيا إلهًا، والقطيفة، والدرهم. وقال رسول الله صلى عليه وسلم:
«تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ القطيفة»
التبرؤ من الحول والقوة وعدم التشكيك في الوعد الإلهي
لا في الوقت الذي تريد؛ يبقى هذا حول وقوة [منك]، ولا تبرأ من الحول والقوة. تبرأ من الحول والقوة [وسلِّم لله].
«لا يُشكِّكنَّك في الوعد عدمُ وقوع الموعود، وإن تعيَّن زمنه؛ لئلا يكون ذلك قدحًا في بصيرتك»
التي هي العين التي يرى بها القلب حقائق الأمور. أن هناك بصرًا نرى فيه المحسوسات، وهناك بصيرة نرى فيها الحقائق، وتتنزل عليها الأنوار وتنعكس على الحقائق، فيرى الأسرار وتنكشف له حقيقة أن الله على كل شيء قدير.
الفرق بين فهم العقل ورؤية البصيرة والتحذير من إطفاء نورها
يمكن أن تفهمها بعقلك، لكن حينئذ ستشعر بها بقلبك. حقيقة أن الله خالق كل شيء حقيقة، ولكن هذا أنت تفهمه بعقلك، حينئذ ستراها بقلبك. فهناك إذن فرق بين فهم العقل وبين رؤية الأمر ومشاهدته بعين البصيرة.
إياك أن تغلق بصيرتك وتغمض عينك! إياك أن تفقأ بصيرتك فتصبح أعمى البصيرة؛ لأن ذلك لا حل له. وإطفاء لنور سريرتك؛ هناك أنوار في الداخل، والنور عندما تشعله في الغرفة ترى الأشياء التي فيها، أليس كذلك؟ وعندما تطفئه لا ترى شيئًا.
فلو نور بصيرتك انطفأ داخل قلبك فلن ترى شيئًا يا عزيزي.
قصة الشيخ الذي بشَّر رجلًا بالولد وموقف العارف والجاهل
إذن فإذا انتبه [الإنسان]، حتى لو حدث أن مضى الزمن عليه؛ لأن الأمر عبادة. كان أحد مشايخنا يمشي مع أحد الناس الذين لا يفهمون، ومعهما شخص ثالث. فمروا برجل من أهل البصيرة، فقال له [الشيخ]: إن الله يرزقك بولد. قال للثالث: إن الله يرزقك بولد.
فلما خرجوا من عند الشيخ، قال العارف: هذه بشارة. وقال الجاهل: هذا دجال! كيف عرف الغيب؟ والرجل الثالث تردد بينهما: هل سيرزقني الله أم لن يرزقني بالولد؟
وفاة الشيخ والرجل دون أن يأتي الولد وموقف الجاهل والعارف
وبعد ذلك كبر الرجل في السن ولم يكن له أي [ولد]، جاء وقته ولم يأتِ ولد. وبعد ذلك قال الجاهل للعارف: انظر، ها هو لم يأتِ ولد ولا شيء.
قال له [العارف]: أنت فهمت كلام الشيخ؟ فهمت أنت كلام الشيخ أم لم تفهم؟ قالوا: ماذا؟ ولد يكون ولد وانتهى الأمر. [قال العارف:] أنا فهمت كلام الشيخ، ولد سيأتي له. إذن هذا الشيخ هو الذي سيأتي بالولد.
مات الشيخ ومات الرجل الآخر الذي كان سيأتيه الولد أيضًا، ولم يأته ولد ولا شيء. فقال الجاهل للعارف: ها هو قد مات ولم يأتِ بولد ولا بنت.
فهم العارف لكلام الشيخ أن الرزق بالولد قد يكون في الآخرة
فقال له [العارف]: أفهمت كلام الشيخ؟ إذن إذا كان الله في قلب منفتح يرى بنور الله ويفهم الكلام على حقيقته. يرزقك الله بالولد، هو قال له في الدنيا؟
فقال له العالم [العارف]: قال له يا أخي، هو قال له في الدنيا؟ قال له: يرزقك الله الولد، في الدنيا؟ ولا يعني: إن صبرت على حالك هذا رزقك الله بالولد في الآخرة.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17]
الفرق بين نور الفهم عند العارفين وجهل المتسرعين في الحكم
لا، أنا ماذا؟ دعونا نرى الفرق بين الاثنين يا إخواننا؛ لأن هذا الجهل أصبحنا نحن أغلبنا هكذا، جهل من هذا النوع. لا نريد أن نفتح على أنفسنا الأبواب، ولا نريد أن نفهم ما وراء السطور، متمسكين كالمسامير فيها.
وهذا هكذا لا يوصلك إلى مراد الله سبحانه وتعالى. فتح لك الأبواب وكشف لك الأسرار وأنزل لك الأنوار، فلا تغلق الباب على نفسك.
تأمل كلام الشيخ وفهم أن الرزق بالولد محتمل للدنيا والآخرة
قال له [العارف]: يا أخانا، تأمل في الكلام: يرزقك الله الولد. قال له: في الدنيا؟ قال له: طيب، ولماذا لم تقل ذلك وهو حي؟ قال له: لأن الكلام محتمل.
أنا تأكدت الآن من معنى كلام الشيخ. معنى كلام الشيخ: يرزقك الله الولد في الآخرة. وهو حيٌّ ممكن في الدنيا أو في الآخرة؛ رزقه في الدنيا كان بها، ما رزقه في الدنيا يبقى في الآخرة.
انظر إلى الحلاوة التي فيها تصحيح كلام الناس، وانظر إلى الجهالة التي فيها اتهام الناس بالباطل والزور. هذا تصرف الجهلة، وهذا نور الناس الطيبين.
موقف طريف مع محمد والقلم والمسطرة وإشارتهما الروحية
ماذا تريد أن أفعل؟ ما هذه؟ تعال يا محمد، ماذا أفعل بها؟ ما هذه؟ ها، أكتب بها هنا. لكن هذه ليست كراسة يا محمد، هذا كتاب. انتهى، شكرًا لكم.
يا سلام! أمددنا؟ نحن قلنا له شيئًا؟ نحن اعترضنا؟ نحن اعترضنا! وافقنا على الفور. قلنا له: ما هذا يا محمد؟ قال لي: هذا إشارة، هي في إشارة. جلبت قلمًا ومسطرة.
المسطرة تدل على الصراط المستقيم، الخط المستقيم. والقلم يدل على أن ما جرى وما كُتب فإنه سيكون، ولا يكون في كونه إلا ما أراد. وهذا هو الصراط المستقيم.
دلالة القلم والمسطرة على الإيمان بالقدر والصراط المستقيم
هو هذا الذي قاله محمد لنا الآن: القلم والمسطرة، يعني آمِن بالله وامشِ على الصراط المستقيم. هذا الذي كُلِّفت به.
وتفهم من هذا ماذا عند الله؟ أن الله سبحانه وتعالى قد خطَّ بالقلم ما كان وما يكون، وأن الإيمان بذلك إنما هو الصراط المستقيم.
حكمة إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبالِ إن قلَّ عملك
حسنًا، ولكن إذا كنتم تريدون إشارة، أي إشارة، طيب:
«إذا فتح لك وجهةً من التعرف فلا تبالِ معها إن قلَّ عملك»
يعني جاء قلم ومسطرة وفتح لك شيئًا هكذا، فسيفتح لك شيئًا ذا معنى. فلا تبالِ معها إن قلَّ عملك. هيا، هذه بشرى لكم إذن.
القضية ليست بكثرة الأعمال فقط بل بما وقر في القلب
يعني القضية يا إخواننا ليست بكثرة الأعمال. مهمة جدًا وكثرة الأعمال ترقق القلب: قيام الليل، كثرة الذكر والولع به.
قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
والمحافظة على الفرائض والصلوات والصيام وكذلك، والإكثار من النوافل من شأن المرسلين. قام صلى الله عليه وسلم بعدما غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حتى تورمت قدماه. وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون، وكان أجود ما يكون رمضان، وكان يدخر طعام سنة فلا يبقى عنده إلا أيام عليه الصلاة والسلام.
لكن:
«ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة أو صيام، وإنما سبقكم بشيء وقر في قلبه»
إذن ما في القلب هو الأساس.
التأكيد على أهمية الأعمال مع أولوية مشاعر القلب والإخلاص
عندما نقول هو الأساس ليس معناه أن الأعمال انتهى الأمر فنفرط فيها. لا! هذا نحن في أحوج ما نحتاج إليه هو كثرة الأعمال.
ولكن مع كثرة الأعمال ليست هي المقصد الأول، بل هي المقصد الثاني. فهي مقصودة والمقصد الثاني. فنحن نؤكد على الأعمال تأكيدًا شديدًا ولا تنسَ هذا. وحين نقول بأهمية مشاعر القلب لأنها هي الأساس، لا نقلل من أهمية العمل.
الفتح الإلهي نعمة محضة وعلامة على أن الله يريد أن يتعرف إليك
فإنه ما فتحه [الله] لك إلا أن يتعرف إليك. ولذلك قال: اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، اللهم افتح علينا وعلمنا الأدب معك، اللهم افتح علينا من خزائن رحمتك وأنزل السكينة على قلوبنا.
كل هذا الكلام ما معناه أنه ما دام استجاب لك وفتح، فإنه أراد أن يتعرف إليك. لأنك أنت عندما يأتيك في البريد شيء، قوموا اعلموا أن في أحد أرسلها. تقرؤون: من الذي أرسلها؟ فهذه النعم كلها من الذي أرسلها؟ الله.
أعمالك امتحان تؤديه والله هو المنعم والمقوِّم
ألم تعلم أن الله هو الذي أنعم عليك بهذه النعمة؟ هو الذي أنعمها عليك. فأعمالك أنت تهديها إليه، وماذا تهدي إليه مما هو منعم به عليك؟
أعمالك هذه عبارة عن أي أشياء تقدمها: امتحان تؤديه. أجبت صحيحًا أم خطأ؟ تستحق امتيازًا أم جيد جدًا أم جيد أم مقبول أم تسقط؟ لا أعرف من الذي سيعرف من هو المقوِّم الذي سيصحح.
الفرق بين ما تقدمه لله وما يفتح الله به عليك من فضله
حسنًا، جاء ليعطيك الشهادة. هذه الشهادة تستطيع أن تناقش فيها وتقول له لا أم نعم؟ ما انتهى الأمر. حسنًا، فهذا كلام صحيح.
فهناك مراتب في الدنيا ما بين الطالب والأستاذ، فما بالك بين المخلوق والخالق سبحانه جل جلاله الذي لا مثيل له! أي أننا نقول هذه الأشياء لضرب المثال؛ لأنه بضرب المثال يتضح الحال.
ولكن رب العالمين أعطاك هدية وأنت قدمت شيئًا. فما قدمته محل نظر للقبول والرد، لكن ما أورده هو عليك من فتح ليس محل نظر، إنما هو نعمة محضة وفضل محض.
عدم الاغترار بالعمل وشكر الله على فضله ونعمته العليا
ولذلك لا تغتر بعملك، واشكر الله سبحانه وتعالى على ما مَنَّ عليك من فضله العميم ونعمته العليا ومنته الكبرى.
حتى إذا ما وصل الأمر إلى فتح يعلمك الأدب معه والأدب في طريقه، فرحت به. فينبغي عليك أن تفرح لتنوع أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال.
تنوع العبادات وحكمة الله في جعل لكل عمل فتحًا خاصًا
انظر، ربنا سبحانه وتعالى جعل لنا صلاة، وبعد ذلك جعل لنا صيامًا، أمرنا بالزكاة، أمرنا بالحج، أمرنا بالذكر وبالتلاوة وبالدعاء وبالامتناع عن الفواحش، وبفعل الخيرات وبالفروض وبالنوافل.
تنوعت الأعمال لماذا؟ لأن كل عمل له وارد، له جائزة، له فتح. فيبقى سبحانه وتعالى أعطاك دليل العمل الذي تستطيع به أن تتوسل إليه وتتوصل إليه سبحانه وتعالى.
اختلاف الفتوحات والأحوال القلبية باختلاف أنواع العبادات
لأنه سوف يفتح عليك بصلاتك أنواعًا من الفتوح، ويورد على قلبك أنواعًا من الخواطر والإيرادات والأحوال، بخلاف ما يوردها عليك وأنت صائم.
وبخلاف ما ينزله عليك من أنوار وكشف للأسرار وترقية للحال وأنت حاج أو معتمر. وبخلاف ما تشعر به من لذة وأنت متصدق أو مزكٍّ.
قبول الزكاة فرض كأدائها وحكمة الشريعة في تحريك الاقتصاد
حتى وأنت تقبل الزكاة؛ لأن قبول الزكاة فرض كأدائها. حتى قال الشافعية: يُقاتَل عليها من امتنع عن قبضها إذا كان فقيرًا. فيُقال له: خذ الزكاة. فإذا قال لا، فإنه يُقاتَل كمن يُقاتَل على منعها.
انظر إلى العزة! أي أن الفقير وهو يأخذ مني لا يأخذ مني مِنَّة، بل يأخذ مني فرضًا عليَّ وعليه. أي لم تعد المسألة فيها مِنَّة، بل فيها مطالبة. بل وليس فيها مطالبة فحسب، بل لو امتنع بالتعفف، أي قام الشرع لا يقبل منه هذا التعفف بهذه الصيغة.
مراد الله من الزكاة تحريك المجتمع لا إذلال الفقير
ويقول له: أتريد أن تبطل مراد الله في شريعته؟ أراد الله أن يأخذ المال من الأغنياء فيرده على الفقراء، فينفق الفقير فيحرك السوق؛ يذهب يشتري طعامًا وشرابًا فالبقال يستفيد، وملبسًا ومسكنًا ومركبًا، فالناس تستفيد والسوق يعمل.
لكن أنت لا تريد أن تأكل ولا تشرب، فكيف إذن والناس تأكل من أين؟ وأنا أضع الزكاة لن أنفقها لأنها ليست [لي]! إذن أنت أوقفت حركة المجتمع.
القضية ليست غنيًا وفقيرًا بل مراد الله من شرعه وخلقه
انظر إلى الكلام! أي في عزة، أي أن القضية ليست قضية غني وفقير وأعلى وأسفل. هذه القضية هنا قضية مراد الله من شرعه ومراد الله من خلقه.
الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها
قال رحمه الله تعالى:
«الأعمال صورٌ قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها»
مثل هذه الزجاجة صورة قائمة، لكن فيها مياه من الداخل. فهي إنها وأرواحها ووجود سر الإخلاص فيها.
فما هي المياه التي تروي؟ هل هي الأعمال أم الإخلاص؟ الإخلاص. في مياه من غير إناء سوف تتبدد وتضيع في الأرض. والإناء من غير مياه، أتريد أن يبقى إناء من غير مياه؟ لكن كم قيمته؟ ثلاثة قروش أو نحو ثلاثة قروش.
قيمة الإخلاص كالماء الذي ينقذ من الموت لا يُقدَّر بثمن
ولكن عندما يكون فيها مياه قد تصل إلى مليون جنيه عندما تكون محتاجًا إليها. تريد أن تشرب وتنقذ نفسك من الموت ومعك المليون، تدفع المليون.
لها منفعة [الزجاجة]، ولكن الإفادة ما منفعتها؟ تابعها حتى تحفظ [المياه]، فتبقى مهمة أم لا؟ غاية في الأهمية.
إذن ما هو المقصود؟ لا، بالرغم من أنها غاية في الأهمية، إلا الأهم هو الماء الذي في داخلها، الذي يحدث الري أو الشبع عند الإنسان. الماء والطعام وليس الإناء، لا يحدث الري [الإناء وحده].
خلاصة الحكمة: لا بد من الأعمال ولا بد من سر الإخلاص فيها
إذن علينا أن نفهم هذا المعنى الجليل الذي يجعل الأعمال. يقول [ابن عطاء الله]:
«الأعمال صورٌ قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها»
إذن لا بد لك من الأعمال، ولا بد لك أيضًا من أن تضع فيها سر الإخلاص.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» رواه البخاري ومسلم
والله تعالى أعلى وأعلم. نستمع الآن إلى [ما يلي].
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الحديث النبوي الصحيح الذي يؤكد أن الدعاء عبادة؟
الدعاء هو العبادة
ما الفرق الجوهري بين حديث «الدعاء هو العبادة» وحديث «الدعاء مخ العبادة»؟
الأول يعني حقيقة العبادة كلها والثاني يعني أعلى شيء فيها
ما ثمرات الدعاء الثلاث التي ذكرتها الحكم العطائية؟
الاستجابة الفورية أو التأجيل أو الادخار للثواب يوم القيامة
ما معنى أن يكون الدعاء عبادة لا طلبًا للدنيا وفق الحكم العطائية؟
ألا يتعلق القلب بالمطلوب وأن يجعل المقصود الأعظم هو الله
ما الآية القرآنية التي استدل بها على أن اليأس من روح الله صفة الكافرين؟
إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
ما الذي سبق به أبو بكر الصديق سائر الصحابة وفق الحديث المذكور؟
شيء وقر في قلبه
ما معنى حكمة ابن عطاء الله «الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها»؟
الأعمال كالإناء والإخلاص كالماء فيه، وبدون الإخلاص تبقى صورة فارغة
ما الحديث النبوي الذي يؤكد أهمية الإخلاص في العمل ورواه البخاري ومسلم؟
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى
ما الحكم الفقهي في قبول الزكاة للفقير وفق ما ذكره الشافعية؟
قبول الزكاة فرض كأدائها ويُقاتَل من امتنع عن قبضها
ما الذي يدل عليه القلم في إشارة محمد التي ذكرها الدرس؟
أن ما جرى وما كُتب فإنه سيكون ولا يكون إلا ما أراد الله
ما معنى أن يصبح القلب «مجلى» لإرادة الله؟
أن يصبح القلب مرآة تنعكس فيها إرادة الله كما تنعكس الصورة في المرآة
ما الهدف الإلهي من تنوع العبادات في الإسلام وفق الحكم العطائية؟
لكل عمل وارد وفتح خاص به يتوسل به العبد إلى الله
ما الحكمة السادسة لابن عطاء الله السكندري التي يشرحها هذا الدرس؟
«لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد».
ما معنى التبرؤ من الحول والقوة في سياق الدعاء؟
التبرؤ من الحول والقوة يعني الخروج من حول العبد وقوته إلى حول الله وقوته، بالإيمان بأن تدبير الله أعظم من تدبير العبد وأن ما في يد الله أعظم مما في يد العبد.
ما الفرق بين البصر والبصيرة؟
البصر هو الحاسة التي نرى بها المحسوسات، أما البصيرة فهي عين القلب التي ترى بها الحقائق وتتنزل عليها الأنوار وتنكشف بها الأسرار.
ما الذي يطفئ نور البصيرة وفق الحكم العطائية؟
التشكيك في الوعد الإلهي عند تأخر تحققه يقدح في البصيرة ويطفئ نورها، فيصبح القلب أعمى لا يرى الحقائق.
كيف فهم العارف بشارة الشيخ بالولد بعد وفاة الرجل دون أن يأتيه ولد في الدنيا؟
فهم العارف أن كلام الشيخ كان محتملًا للدنيا والآخرة، فلما لم يأتِ الولد في الدنيا تأكد أن المراد الرزق بالولد في الآخرة، مستدلًا بقوله تعالى: «يطوف عليهم ولدان مخلدون».
ما دلالة المسطرة في إشارة محمد التي ذكرها الدرس؟
المسطرة تدل على الصراط المستقيم والخط المستقيم الذي ينبغي للمؤمن أن يسير عليه.
ما معنى العبد الرباني وإلى ماذا ينسب؟
العبد الرباني هو العبد المنسوب إلى الرب لا إلى الشيطان ولا إلى الهوى ولا إلى النفس الأمارة بالسوء ولا إلى الدنيا، وهو من طهّر قلبه من الرغبات وجعله لله.
ما الحديث النبوي الذي ذمّ عبودية الدنيا والمال؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الدرهم».
ما طريق أن يصبح القلب مجلى لأنوار الله؟
طريق ذلك هو التسليم لله والتوكل عليه والرضا عنه، فعندما يسلّم العبد ويتوكل ويرضى عن الله يرضى الله عنه ويصبح القلب مجلى لأنواره.
ما الحكمة من تنوع العبادات في الإسلام؟
لأن لكل عمل واردًا وجائزةً وفتحًا خاصًا به، فجعل الله تنوع العبادات دليلًا يتوسل به العبد إلى الله ويتوصل إليه سبحانه.
ما الفرق بين ما يقدمه العبد لله من أعمال وما يفتح الله به عليه؟
ما يقدمه العبد من أعمال محل نظر للقبول والرد كالامتحان، أما ما يفتح الله به على العبد فنعمة محضة وفضل محض لا يُردّ.
ما مراد الله من الزكاة في المجتمع؟
مراد الله من الزكاة أن يأخذ المال من الأغنياء فيرده على الفقراء، فينفق الفقير ويحرك السوق ويستفيد الجميع، وهي قضية مراد الله من شرعه لا قضية غني وفقير.
ما أثر كتاب الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري في القلوب؟
كتاب الحكم العطائية يرقق القلوب ويذكّر بالله، وذلك من بركة إخلاص نية ابن عطاء الله في نصيحة المسلمين، فنوّر الله بذلك قلبه وبقي ثوابه جاريًا بعد وفاته.
ما أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان وفق ما ذكره الدرس؟
أعظم نعمة هي نعمة الإسلام، وليس بعدها نعمة أكبر لا مال ولا جاه ولا صحة، وكان الصحابة يقولون: ما أنعم الله عليّ بنعمة بعد نعمة الإسلام أعظم من كذا.
ما معنى حكمة «إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبالِ معها إن قلَّ عملك»؟
تعني أن الفتح الإلهي من التعرف على الله نعمة عظيمة تجعل قلة العمل لا تضر، لأن الفتح دليل على عناية الله بالعبد وإرادته التعرف إليه.
