ما معنى الرضا بقضاء الله وقدره وكيف تُفسَّر حكم ابن عطاء الله السكندري في تزكية النفس والتسليم لإرادة الله؟
الرضا بقضاء الله يعني التسليم المطلق لما أقامك الله فيه من حال، سواء أكان فقرًا أم غنى أم صحة أم مرضًا، مع الإخلاص في العمل واستيفاء شروطه. حكم ابن عطاء الله السكندري تُعلّم أن الله لا يحجبه شيء وأن الحجاب إنما هو في العبد نفسه، وأن من أراد تغيير ما أظهره الله في وقته فقد بلغ غاية الجهل. السعادة الحقيقية لا تتحقق إلا بالرضا والقناعة، وهمة السالك لا تقف عند محطة بل تستمر حتى الموت.
- •
هل يمكن أن يحجب شيءٌ اللهَ سبحانه وتعالى، أم أن الحجاب دائمًا في العبد نفسه لا في الله؟
- •
حكم ابن عطاء الله السكندري تُقرر أن الله هو الأول والآخر الظاهر الباطن، ولا يمكن لشيء من الأكوان أن يحجبه، إنما الحجاب يحجب العبد عن تنزل الأنوار وكشف الأسرار.
- •
كل شيء في الوجود يسبّح لله حتى جسد الكافر يسبّح قهرًا، لأن كل ممكن وموجود داخل في مفهوم الشيء الذي يسبّح بحمده.
- •
الرضا بقضاء الله وقدره والتسليم لما أقامك الله فيه هو طريق السعادة في الدارين، سواء في الفقر أو الغنى أو الصحة أو المرض أو الذكورة أو الأنوثة.
- •
من رعونات النفس تأجيل الأعمال الصالحة بحجة انتظار الفراغ، والمؤمن مأمور بالمبادرة والمسارعة إلى الخير دون تأجيل.
- •
همة السالك في تزكية النفس لا تقف عند محطة من محطات الوصول، بل هواتف الحقيقة تناديه بالاستمرار حتى يأتيه اليقين وهو الموت.
- 0:00
يشرح ابن عطاء الله السكندري أن الله لا يحجبه شيء لأنه الأول والآخر، وأن الحجاب يقع في العبد فيحجبه عن الأنوار والأسرار.
- 1:15
الله ظهر بكل شيء وفي كل شيء، وكان قبل أي حجاب مُدَّعى، وفي كل مخلوق آية تدل على وحدانيته.
- 2:07
كل شيء يشعر بافتقاره إلى الله بفطرته، لكن النفس الأمارة بالسوء تعكّر هذه الفطرة وتحجب الإنسان عن ربه.
- 2:53
كل الكائنات تسبّح لله بما فيها جسد الكافر قهرًا، لأن كل ممكن وموجود داخل في مفهوم الشيء المسبّح بحمد الله.
- 4:03
العارف بالله يرى أن الله أعظم من أن يُستدل عليه، فهو أظهر من كل شيء وكان قبل الدليل ومعه وبعده.
- 4:57
النفس لا تطمئن لأي شبهة في إنكار الله لأن فطرتها تجيب: أنا مخلوق لله، وكل إنكار بعد ذلك ترّهات لا يقبلها عقل ولا نقل.
- 5:28
الله هو الحقيقة المطلقة والخالق الوحيد، والخلق كلهم فناء محتاجون إليه، ووجودهم منه لا منهم.
- 6:19
الإنسان موصوف بالعدم ابتداءً وحالًا ومآلًا، ووجوده من الله لا منه، ومن عرف ربه بالبقاء عرف نفسه بالفناء.
- 7:32
حال المؤمن التبرؤ من الحول والقوة والخضوع لله والتوكل عليه والرضا بقضائه، لأن الله أقرب إليه من حبل الوريد.
- 8:26
من أراد تغيير ما أظهره الله في وقته فقد بلغ غاية الجهل، لأنه يظن أنه يعاند ربه ويغلبه وهذا محال.
- 9:20
المسلم يُسلّم لإرادة الله ولا يصارع قدره، خلافًا للعقلية الوثنية التي تزعم مصارعة الإله وهو جهل مطلق.
- 9:54
التسليم لإرادة الله لا يعني ترك الأسباب فذلك جهل، بل المشي فيها مع الرضا بالنتيجة، والاعتماد عليها وحدها شرك.
- 10:45
تأجيل الأعمال الصالحة انتظارًا للفراغ من رعونات النفس، لأن الإنسان لن يرى راحة حتى يموت فلا عذر في التأجيل.
- 11:31
القرآن يأمر بالمسارعة والمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والمؤمن صاحب همة لا يؤجل عملًا واجبًا لوقت لاحق.
- 12:20
ابن عطاء الله يدعو إلى مقام التوكل وعدم طلب تغيير الحال، فمن أقامه الله في عمل فليُقم نفسه فيه ولا يشكو.
- 13:25
كل مسلم مُلزَم بالإخلاص في مهنته واستيفاء شروطها، لأن التقصير فيها خيانة وعدم أمانة، والمستشار مؤتمن.
- 14:33
تمني تغيير الجنس مذموم شرعًا بالسنة النبوية والقرآن الكريم، والرضا بقضاء الله يقتضي القبول بما أقامك الله فيه.
- 15:23
الرضا بقضاء الله في كل الأحوال من فقر وغنى وصحة ومرض هو طريق السعادة في الدارين، ولا سعادة إلا بالرضا والقناعة.
- 16:16
السالك في طريق الله كمسافر بين محطات، وهواتف الحقيقة تناديه كلما أراد التوقف بأن الذي تطلب أمامك فاستمر.
- 17:15
السالك الذي يميل إلى الراحة ويظن أنه وصل تناديه هواتف الحقيقة بأن محطته لم تأتِ بعد وعليه الاستمرار.
- 18:23
هواتف الحقيقة تُنقذ السالك المخلص من الوقوف عند الأنوار الجزئية وتُعلمه أن نور الله الحقيقي دائمًا أمامه.
- 19:11
الوصول الحقيقي في طريق الله يكون بالموت، حين تخرج الروح إلى الرفيق الأعلى ويسقط التكليف بالتشريف.
- 20:21
تبرّج المكونات للسالك يكشف أسرارها: أنها فانية حادثة محتاجة إلى الله بمدد مستمر، وهذا يُعمّق معرفته بربه.
- 21:21
حقائق المكونات تناديه بأنها فتنة وفانية، فيرى العارف نفسه مع ربه ويعرف حقيقة وجوده وسرّ خلقه.
- 21:53
المكونات حجاب حين تُنسب إليها الأفعال دون الله، لكنها تُنير القلب حين يعرف العبد حقائقها ويرى الله فيها.
- 22:52
نسبة الأعمال للناس تُوقع في دوامة الحب والبغض، والنبي ﷺ أوصى بالاعتدال فيهما لأن الأحوال تتغير.
- 23:30
المكونات فتنة وحجاب لمن انشغل بها، لكنها تُنير قلب من عرف حقائقها وأدرك فناءها وافتقارها إلى الله.
ما معنى قول ابن عطاء الله السكندري كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وما المقصود بأن المحجوب هو العبد؟
يقرر ابن عطاء الله السكندري في الحكم العطائية أن الله سبحانه لا يمكن أن يحجبه شيء لأنه الأول والآخر الظاهر الباطن وبكل شيء عليم. الحجاب إنما يقع في العبد نفسه لا في الله، فهذا الحجاب يحجب العبد عن تنزل الأنوار وكشف الأسرار. فليس في الأكوان ما يقدر على أن يحجب الرب سبحانه.
كيف يظهر الله سبحانه في كل شيء وكيف تدل المخلوقات على وحدانيته؟
الله سبحانه أظهر كل شيء وكان قبل أي حجاب مُدَّعى وهو الآن على ما عليه كان، فلا يمكن لشيء أن يحجبه. هذه الأشياء تحجب العبد عن ربه لا أن تحجب الله. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، فقد ظهر بقدرته وحكمته وبديع صنعه في العالم العلوي والسفلي.
كيف تعكّر النفس الأمارة بالسوء فطرة الإنسان وتحجبه عن معرفة الله؟
كل شيء يشعر بافتقاره إلى الله ويوقن في نفسه الباطنة أنه لله ومن الله وبالله. لكن معاكسات النفس الأمارة بالسوء هي التي تعكّر على الإنسان صفو فطرته. الإنسان إذا ترك نفسه لنفسه أيقن بوجود الله وبقوته ورحمته، وتزكية النفس تعيد الإنسان إلى هذه الفطرة السليمة.
هل يسبّح جسد الكافر لله وما معنى التسبيح المستور في الحكم العطائية؟
نعم، الله سبحانه ظهر للكائنات فسبّحته كما قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾. هذا التسبيح المستور عن الخلق هو تسبيح حال، حتى إن جسد الكافر يسبّح لربه قهرًا عنه وإن أبى عقله الإيمان ولسانه الذكر. ذلك لأن الكافر داخل في مفهوم الشيء الذي يُطلق على كل ممكن وموجود.
ماذا قال العارف بالله حين سُئل عن الدليل على وجود ربه وما موقف الحكم العطائية من هذا السؤال؟
سُئل العارف بالله عن الدليل على وجود ربه فقال إن ربنا أعظم من الدليل ولا يحتاج في ظهوره إلى دليل، لأنه كان قبل الدليل ومع الدليل ويكون بعد الدليل. وإن أقمتَ عليه الدليل فقد انتقصتَ قدره سبحانه. فالله أظهر من كل شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء.
لماذا لا تطمئن النفس لأي شبهة في إنكار وجود الله وما الجواب الذي تجده في فطرتها؟
لو أُقيمت ألف شبهة لا تطمئن لها النفس، لأنها في النهاية تسأل نفسها: من أين أنا؟ فلا تجد جوابًا شافيًا وافيًا كافيًا إلا أنها مخلوقة لله. كل ما بعد ذلك من إنكار أصبح ترّهات وخرافات لا يقبله العقل ولا النقل.
كيف يُفسّر ابن عطاء الله السكندري معنى أن الله واحد ليس معه شيء وأن الخلق كلهم فناء؟
الله هو الواحد الذي ليس معه شيء لأن الخلق جميعًا فناء ومحتاجون إلى الله في وجودهم، وكلهم من الله خلقًا. فيبقى هو الحقيقة المطلقة والخالق الوحيد والفاعل الحقيقي، أما وجودنا فمنه وليس منّا. يقول للشيء كن فيكون عدمًا وإيجادًا.
ما معنى قول ابن عطاء الله يا عجبًا كيف يظهر الوجود في العدم وما دلالته على حقيقة الإنسان؟
هذا القول يُبيّن أن الإنسان موصوف بالعدم من ثلاثة أوجه: مآلًا بالموت والفناء، وابتداءً لأنه كان عدمًا قبل خلقه، وحالًا لأن وجوده إنما هو من وجود الله وأمره. فأنت في مقابل الحقيقة عدم لأنه لا وجود لك قائمًا بذاتك، والقائم بذاته هو الله وحده. من عرف ربه بالبقاء والقِدَم عرف نفسه بالفناء والحدوث.
ما حال المؤمن الحقيقي في علاقته بالله وما معنى التبرؤ من الحول والقوة في الحكم العطائية؟
حال المؤمن هو التبرؤ من الحول والقوة من كل جهة، والخضوع لله والاستكانة له، والتوكل عليه، والرضا به، والتسليم بأمره. من يستحي حقًا لا يدّعي لنفسه وجودًا مستقلًا والله موجود. والله سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد.
ما معنى حكمة ابن عطاء الله ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يُحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه؟
يقصد ابن عطاء الله أن من يظن أن له حولًا وقوة يستطيع بها أن يغيّر ما أظهره الله في وقته فقد بلغ غاية الجهل وشرب الجهل كله. هذا الشخص يظن أنه يقدر أن يعاند ربه ويصارعه ويغلبه، وهذا محال. الرضا بقضاء الله وقدره يقتضي الإقرار بأن ما أظهره الله في الوقت لا يمكن تغييره.
ما الفرق بين عقلية المسلم في التعامل مع القدر والعقلية الوثنية التي تصارع الإله؟
العقلية الوثنية اليونانية تزعم أن الإنسان يتصارع مع الآلهة ويغلبها، وهذه العقلية مبناها مصارعة الكون والإله. أما المسلمون فأصحاب حقيقة، ويرون أن هذا الكلام ترّهات وخرافات. من أراد أن يُحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه ما ترك من الجهل شيئًا.
هل يعني التسليم لإرادة الله ترك الأسباب وما الموقف الصحيح من الأسباب في الحكم العطائية؟
التسليم المطلق لإرادة الله لا يعني ترك الأسباب، بل ترك الأسباب جهل لأن الأنبياء لم تترك الأسباب. والاعتماد على الأسباب وحدها شرك. الموقف الصحيح هو المشي في الأسباب مع الرضا بما يُظهره الله في الوقت، لأن ما أظهره الله في وقته لا يستطيع أحد تغييره.
ما معنى قول ابن عطاء الله إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس؟
يحذّر ابن عطاء الله من تأجيل الأعمال الصالحة بحجة انتظار الفراغ، كمن يقول سأصلي أو أذكر الله أو أفعل الخير عندما أتفرغ. هذا التأجيل من رعونات النفس لأن الإنسان لن يرى راحة حتى يموت. تأجيل عمل اليوم إلى الغد والآن إلى ما بعده هو نوع من الغفلة والتسيّب.
ما الأدلة القرآنية على وجوب المبادرة إلى الأعمال الصالحة وعدم التأجيل؟
أمر الله بالمسارعة إلى المغفرة في قوله: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾، وأمر بالفرار إليه في قوله: ﴿ففرّوا إلى الله﴾. هذه الآيات تطلب الفرار والمسارعة والمبادرة. لذلك يجب أن يكون المسلم المؤمن صاحب همة يفعل مباشرة ولا يؤجل عملًا في الآن لما بعده.
ما معنى حكمة ابن عطاء الله لا تطلب منه أن يُخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها؟
يرقى ابن عطاء الله بالعبد إلى مقام التوكل وعدم الطلب، فلا يطلب الخروج من حالته التي أقامه الله فيها. فالطبيب مثلًا يجب أن يبقى طبيبًا ولا يشكو طالبًا التفرغ للذكر وحفظ القرآن، لأنه لا يدري ما أقامه الله في هذا العمل من منفعة للناس. ولو أراده الله على غير ذلك لاستعمله من غير إخراج.
ما واجب كل مسلم في مهنته وما علاقة الإخلاص في العمل بتزكية النفس؟
يجب على كل من أقامه الله في مكان أن يُقيم نفسه حيث أقامه الله ويستوفي شروط ما طلبه منه. فالقاضي يدرس القضية جيدًا، والطبيب يتابع الحالة، والمهندس يكون أمينًا، والمفتي يذاكر ويتأنى. التقصير في المهنة نوع من الخيانة وعدم الأمانة، والمستشار مؤتمن.
ما حكم تمني الرجل أن يكون امرأة أو العكس وما الدليل على ذلك من الحكم العطائية والسنة النبوية؟
تمني تغيير الجنس مذموم شرعًا، وقد لعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. وقال الله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض﴾. وحكمة ابن عطاء الله تقرر أن من أراد الخروج من حالته إلى غيرها فقد خالف الرضا بقضاء الله.
كيف يكون الرضا بقضاء الله وقدره طريقًا للسعادة في الدارين وما الحالات التي يشملها هذا الرضا؟
الرضا بقضاء الله يشمل كل الأحوال: الفقر والغنى، والقوة والضعف، والصحة والمرض، والجاه وعدمه، والذكورة والأنوثة. السعادة الحقيقية لا تكون إلا بالرضا والقناعة، لأن هذا الدين غايته سعادة الدارين. ولو أراد الله للعبد غير ما هو فيه لجمع له بين مراده وما هو عليه.
ما معنى قول ابن عطاء الله ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كُشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة؟
يُشبّه ابن عطاء الله السالك في طريق الله بمسافر يمر بمحطات، فكلما أراد التوقف عند محطة نادته هواتف الحقيقة بأن الذي تطلب أمامك. وحين تتبرّج له ظواهر المكونات وتكشف أسرارها تناديه حقائقها: إنما نحن فتنة فلا تكفر. فالسالك مدعو دائمًا للاستمرار.
ما الخطر الذي يتهدد السالك حين يميل قلبه إلى الدعة والراحة ويظن أنه وصل؟
حين يصل السالك إلى محطة في طريقه قد تحدّثه نفسه بأنه وصل فيميل قلبه إلى الدعة والراحة وترك العمل. لكن هواتف الحقيقة تخاطبه بواردات إلهية تُعلمه أن محطته لم تأتِ بعد وأن عليه الاستمرار. فيجب أن يحذر من التراخي وترك العمل.
كيف تُنقذ هواتف الحقيقة السالكَ المخلص من الوقوف عند الأنوار الجزئية في طريقه إلى الله؟
هواتف الحقيقة تُنقذ السالك بإخلاصه ونيته الصادقة، فكلما رأى نورًا وظن أنه نور الله تبيّن له أنه نور جزئي وقيل له: أتريد نور الله؟ أمامك. فهمة السالك لا تقف عند ما كُشف لها من محطات الوصول والترقي مع الله، بل تستمر بنداء هواتف الحقيقة.
متى يكون الإنسان قد وصل حقًا في طريق الله وما علاقة الموت بسقوط التكليف في الحكم العطائية؟
الوصول الحقيقي يكون بالموت حين تغادر الروح الجسد، كما قال الله: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ أي الموت. لا تنسكب الأنوار الكاملة ويحدث الحل من التكليف إلا بالتشريف وهو الموت حين تخرج الروح إلى الرفيق الأعلى. فمتى تم التشريف سقط التكليف.
ما معنى تبرّج ظواهر المكونات للسالك وما الأسرار التي تكشفها له؟
تبرّج ظواهر المكونات يعني كشفها عن وجهها وأسرارها للسالك. فسرّ كل مكوّن أنه فانٍ وحادث ومحتاج إلى الله ولا حول ولا قوة له وأنه مخلوق بمدد مستمر من الله. هذا الكشف يُريه حقيقة الوجود وأن كل شيء حوله شاهد على افتقاره إلى الله.
ماذا يحدث في قلب العارف السالك حين تكشف له حقائق المكونات أسرارها؟
حين تكشف حقائق المكونات أسرارها للعارف السالك تناديه بأنها فانية غير باقية وحادثة، وتقول له: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. فيرى نفسه مع ربه ويعرف لماذا هو موجود. هذه الأسرار تُنير قلبه وترفع حجابه عن الله.
كيف تصبح المكونات حجابًا عن الله ومتى تتحول إلى نور يُضيء القلب؟
المكونات تصبح حجابًا عن الله حين ينشغل بها العبد وينسب إليها العمل والفعل والخلق دون الله، فيغطّي الحقيقة وهذا هو الكفر بمعنى التغطية. أما حين يعرف حقائقها ويرى الله فيها وخلفها وأنها به سبحانه، فإنها تُنير قلبه وترفع حجابه عن الله.
ما خطر نسبة الأعمال للناس وما النصيحة النبوية في التعامل مع الحب والبغض؟
نسبة الأعمال للناس تجعل الإنسان يغضب ويتخاصم ويبغض ثم يرضى ثم يبغض مرة أخرى في دوامة لا تنتهي. والنبي ﷺ يقول: أحبب حبيبك هونًا ما فلعله أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما فلعله أن يكون حبيبك يومًا ما. ومن النفاق إذا خاصم فجر.
كيف تتحول المكونات من حجاب وفتنة إلى نور يُضيء قلب العارف بالله؟
حقائق المكونات تُخبر العارف بأنها فتنة وحجاب له عن الله إذا انشغل بها. لكن إذا عرف حقائقها وأدرك أنها فانية حادثة محتاجة إلى الله، فإنها تُنير قلبه وترفع حجابه فيرى الله بقلبه وبصيرته. فالمعرفة هي المفتاح الذي يحوّل الحجاب إلى نور.
الرضا بقضاء الله والتسليم لإرادته هو جوهر حكم ابن عطاء الله السكندري وطريق السعادة الحقيقية في الدارين.
شرح الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري يكشف أن الله سبحانه لا يحجبه شيء لأنه الأول والآخر الظاهر الباطن، وأن الحجاب إنما يقع في العبد نفسه حين تعكّر النفس الأمارة بالسوء صفو فطرته. وكل شيء في الوجود يسبّح لله حتى جسد الكافر يسبّح قهرًا، لأن الله ظهر بكل شيء وفي كل شيء وله في كل شيء آية تدل على وحدانيته.
الرضا بقضاء الله وقدره يعني قبول ما أقامك الله فيه من فقر أو غنى أو صحة أو مرض أو ذكورة أو أنوثة، مع الإخلاص التام في أداء ما طلبه الله منك في ذلك المقام. ومن رعونات النفس تأجيل الأعمال الصالحة انتظارًا للفراغ، فالمؤمن مأمور بالمبادرة والمسارعة. وهمة السالك في تزكية النفس لا تركن إلى محطة من محطات الوصول، بل هواتف الحقيقة تناديه بالاستمرار حتى يأتيه اليقين وهو الموت.
أبرز ما تستفيد منه
- الله لا يحجبه شيء، والحجاب دائمًا في العبد لا في الله.
- الرضا بقضاء الله والتسليم لإرادته هو طريق السعادة في الدارين.
- تأجيل الأعمال الصالحة انتظارًا للفراغ من رعونات النفس.
- همة السالك لا تقف عند محطة، والوصول الحقيقي لا يكون إلا بالموت.
مقدمة الحكمة: كيف يُتصوَّر أن يحجب اللهَ شيءٌ سبحانه وتعالى
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال سيدي ابن عطاء الله السكندري رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ سبحانه وتعالى؟ بل المحجوب أنت، لا يحجبه شيءٌ لأنه عظيم، وليس هناك من الأكوان ما يقدر على أن يحجب ربه.
فإن الله سبحانه وتعالى هو الأول والآخر وهو الظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير جلّ جلاله، فلا يمكن أن يحجب اللهَ سبحانه وتعالى شيءٌ، إنما المحجوب هو أنت. هذا الحجاب حجبك أنت عن تنزّل الأنوار أو عن كشف الأسرار.
الله سبحانه أظهر كل شيء وكان قبل كل حجاب مُدَّعى
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ؟ وهو الذي أظهر كل شيء، فقد كان قبل الحجاب هذا المُدَّعى، وهو الآن على ما عليه كان. إذن فلا يمكن لشيءٍ أن يحجبه، إنما هذه الأشياء تحجب مَن تحجب؛ [أي تحجب] العبدَ عن ربه.
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو الذي ظهر بكل شيء سبحانه وتعالى؟ بقدرته وحكمته وبديع صنعه ظهر بالعالم العلوي وبالعالم السفلي، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
كل شيء يشعر بافتقاره إلى الله والنفس الأمارة تعكر صفو الفطرة
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كل شيء يشعر بافتقاره إلى الله وبحاجته إلى الله، كل شيء يوقن في نفسه الباطنة أنه لله ومن الله وبالله.
لكن معاكسات النفس الأمارة بالسوء هي التي تعكّر على الإنسان صفو فطرته. الإنسان إذا ترك نفسه لنفسه أيقن بوجود الله وبقوة الله وبرحمة الله.
ظهور الله للكائنات وتسبيح كل شيء له حتى جسد الكافر
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو الذي ظهر لكل شيء؟ فالله سبحانه وتعالى ظهر للكائنات فسبّحته:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
وهذا التسبيح المستور عن الخلق تسبيح حال، حتى إن جسد الكافر يسبّح لربه قهرًا عنه. لكن وإن أبى عقله الإيمان، وإن أبت نفسه الذكر، وإن أبى لسانه أن يتحرك لذكر الله، وأبى قلبه أن يرقّ لذكر الله، فإنه من ناحية الكون يسبّح لله؛ لأنه داخل في مفهوم الشيء.
فالشيء يُطلق ويُراد منه كل الممكن وكل الموجود، وعلى ذلك فهو يسبّح لله قهرًا.
الله أظهر من كل شيء وسؤال العارف عن الدليل على وجود الله
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو الظاهر قبل وجود كل شيء، وهو الآن على ما عليه كان؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو أظهر من كل شيء؟
سألوا العارف بالله: ما الدليل على وجود ربك؟ قال: ربنا سبحانه وتعالى هو أعظم من الدليل، وهو لا يحتاج في ظهوره إلى دليل؛ لأنه سبحانه وتعالى كان قبل الدليل، وكان مع الدليل، ويكون بعد الدليل. فإن أقمتَ عليه الدليل فقد انتقصتَ قدره [سبحانه وتعالى].
النفس لا تطمئن إلا بالإقرار بأنها مخلوقة لله وبطلان الشبهات
حسنًا، وما الدليل على أنه غير موجود؟ لو أقمتَ ألف شبهة لا تطمئن لها النفس؛ لأن النفس في النهاية تسأل نفسها: من أين أنا؟ فلا تجد جوابًا شافيًا وافيًا كافيًا إلا أنني مخلوق لله.
كل ما بعد ذلك أصبح ترّهات وخرافات وكلامًا ما أنزل الله به من سلطان، ولا يقبله العقل ولا يقبله النقل.
الله الواحد الذي ليس معه شيء وكل الخلق فناء ومحتاجون إليه
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ لأن نحن جميعًا فناء، وجميعًا محتاجون إلى الله في وجودنا، وكلنا إنما نحن من الله خلقًا.
فيبقى هو [سبحانه وتعالى] ليس معه أحد. مَن؟ أحد مِن؟ واثنان مِن؟ ما يوجد لا أحد ولا اثنان ولا معه أحد إطلاقًا؛ لأنه يقول للشيء كن فيكون عدمًا وإيجادًا.
فيبقى هو الحقيقة المطلقة، هو الخالق الوحيد، هو الفاعل الحقيقي، أما وجودنا فمنه وليس منّا.
كيف يظهر الوجود في العدم وصفة الحدوث والفناء في الإنسان
كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو أقرب إليك من كل شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيءٌ ولولاه ما كان وجود أي شيء؟
يا عجبًا! كيف يظهر الوجود في العدم، أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القِدَم؟ أنت موصوف بالعدم: إما مآلًا فبالموت والانتهاء في عالم [الفناء]، وإما ابتداءً فقبل خلقك لأنك كنت عدمًا.
حالًا فإن وجودك إنما هو من وجود الله وأمره، فأنت في مقابل الحقيقة عدم؛ أي لا وجود لك قائمًا بذاتك، إنما القائم بذاته هو الله. فمن عرف ربه بالبقاء والقِدَم عرف نفسه بالفناء والحدوث.
الحياء من ادعاء الوجود مع الله والتبرؤ من الحول والقوة
يا للعجب! كيف يظهر الوجود في العدم، أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القِدَم؟ يعني لو كنت تستحي وعندك حياء لا تقول عن نفسك موجود. استحِ واخجل أن تقول عن نفسك موجود والله موجود!
يعني هكذا هو: إما هو [الله] موجود فأكون أنا يعني ما هو [شأني] في أنا هذا الذي هو لا حول ولا قوة [إلا] بالله. التبرؤ من الحول والقوة من كل جهة، والخضوع لله والاستكانة له، والتوكل عليه، والرضا به، والتسليم بأمره؛ هذا حال المؤمن.
فالله سبحانه وتعالى أقرب إلينا من حبل الوريد.
من أراد أن يُحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه فقد بلغ غاية الجهل
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين: ما ترك من الجهل شيئًا — يعني جاهل جدًّا، ما ترك من الجهل شيء، يعني شرب الجهل كله، أبو جهل — ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يُحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه.
يعني يظن أن له حولًا وقوة، يظن أنه يقدر أن يفعل شيئًا، يظن أنه يستطيع أن يعاند ربه ويصارعه — والعياذ بالله — فيغلب!
الفرق بين العقلية الوثنية في مصارعة الإله وعقلية المسلم صاحب الحقيقة
مثل الوثنيات اليونانية [التي تزعم أن] الإنسان يتصارع مع الآلهة ثم يغلبها. العقلية التي هناك في الغرب مبناها هكذا: أننا نصارع الكون ونغلبه، ونصارع الإله أيضًا ونغلبه.
أما المسلمون فلا؛ المسلمون أصحاب حقيقة، وهذا الكلام [كلام مصارعة الإله] ترّهات وخرافات. ما ترك من الجهل شيئًا، بل شرب الجهل كله.
التسليم المطلق لإرادة الله وعدم القدرة على تغيير ما أظهره الله في الوقت
هذا الصنف من الناس، من أراد أن يُحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه: الله أظهر أننا نجتمع الآن، لو اجتمع من في الأرض جميعًا ليمنعونا الآن ويجعلونا نجتمع غدًا ما استطاعوا، أو أمس لا يقدرون، لا هم ولا نحن.
هذا التسليم المطلق، هذه الحقيقة هكذا.
عندما تعرف هذه الحقيقة ماذا تفعل؟ أتترك الأسباب؟ قال: امشِ في الأسباب وارضَ بها؛ لأن ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك. لكن تركها جهل؛ لأن الأنبياء لم تترك الأسباب.
تأجيل الأعمال من رعونات النفس وخطورة إحالة العمل على وجود الفراغ
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس. ما هو [ابن عطاء الله] خائف أن يأتي واحد قاصر يفهم من الأولى [من الحكمة السابقة] أنه تترك نفسك تتسيّب.
وكل ما نقول لك: ألن تصلي؟ تقول: فقط عندما أتفرغ قليلًا. ألن تذكر [الله]؟ عندما أتفرغ. ألن تفعل الخير؟ عندما أتفرغ. ألن تذهب لتعمر الأرض؟ عندما أتفرغ، أن أستريح قليلًا هكذا.
وأنت لن تستريح ولن ترى راحة حتى تموت! فمن رعونات النفس تأجيل الأعمال؛ تأجيل عمل اليوم إلى الغد، والآن إلى ما بعده.
الأمر بالمبادرة والمسارعة إلى الأعمال الصالحة وعدم التأجيل
أبدًا! بادروا بالأعمال الصالحة:
﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]
دائمًا ربنا هكذا يقول:
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
هكذا، يعني انظر كيف يطلب منا الفرار والمسارعة والمبادرة. وهكذا يكون العصيان هنا من رعونات النفس: إحالتك الأعمال على وجود الفراغ.
انتظر لمّا أفضي من رعونات النفس! فإياك وإياك! يكون إذن لا بد أن يكون المسلم المؤمن صاحب همة، يفعل مباشرة ولا يؤجل عملًا في الآن لما بعده.
لا تطلب من الله أن يخرجك من حالتك بل أقم نفسك حيث أقامك الله
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: لا تطلب منه [سبحانه] أن يُخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج. يرقى بك إلى نوع آخر من التوكل وهو عدم الطلب.
أنت أيها الطبيب ابقَ طبيبًا كما أنت، ولا تأتِ تشكو وتقول: لا، هذا أنا أريد أن أتفرغ للذكر وحفظ القرآن. ولماذا؟ لستَ أدري ما أقامك الله في هذا [العمل]! ولو أرادك على ما أنت عليه من عمل ومنفعة للناس وتخفيف ألم المرض عن الخلق، وإلا رأيت نفسك حافظًا للقرآن أو شيء [آخر].
وجوب الإخلاص في المهنة واستيفاء شروط ما طلبه الله من العبد
إن كنت تريد هذا [التفرغ للعبادة] فلا تجلس تتذمر وتصبح متبرّمًا من حالك. أقِم نفسك حيث أقامك الله، واستوفِ شروط ما طلبه منك.
ثم بعد ذلك الاستيفاء وبعد ذلك الاستكمال لشروط ما طلبه الله منك:
قال رسول الله ﷺ: «المستشار مؤتمن»
- •
يجب على القاضي أن يدرس القضية جيدًا.
- •
يجب على الطبيب أن يتابع الحالة جيدًا.
- •
يجب على المهندس أن يكون أمينًا في عمله.
- •
يجب على المفتي أن يذاكر حتى يعرف حكم الله، ويطّلع على الواقع، ويتأنّى في فهم السؤال.
- •
يجب على كل واحد أقامه الله في مكان أن يكون مخلصًا لله في ذلك المكان.
فإن المستشار مؤتمن، والخيانة بئست البطانة، والتقصير في المهنة نوع من أنواع الخيانة وعدم الأمانة.
النهي عن تمني تغيير الحال والتشبه بالجنس الآخر والأمر بالرضا
فيقول [ابن عطاء الله]: لا تطلب منه أن يُخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها. يرتقي هذا إلى حال الرجال والنساء؛ فكثير من الرجال يريد ويتمنى أن يكون امرأة، وكثير من النساء يتمنّين لو أنهن كنّ رجالًا.
فيقول فيهن وفيهم رسول الله ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال»
ويقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
الرضا والتسليم بما أقامك الله فيه طريق السعادة في الدارين
قل: يا رب وفّقني فيما أقمتني فيه. الحكاية ليست خصومة وصراعًا، الحكاية تكامل ووقوف عند إرادة الله، وتمتّع وتلذّذ بما أقامك الله فيه.
فإن أقامك في شيء من الفقر أو الغنى، أو القوة أو الضعف، أو الصحة أو المرض، أو الجاه أو عدمه، أو الذكورة أو الأنوثة: ارضَ وسلّم وعِش حياة سعيدة؛ لأن هذا الدين غايته سعادة الدارين، ولا تكون السعادة إلا بالرضا والقناعة.
فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج، ولجمع لك بين مرادك الصحيح — إن كان صحيحًا — وبين ما أنت عليه.
همة السالك لا تقف عند ما كُشف لها وهواتف الحقيقة تناديه بالاستمرار
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كُشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك. ولا تبرّجت له ظواهر المكونات إلا ونادته حقائقها: إنما نحن فتنة فلا تكفر.
والواحد الماشي في طريق الله أحيانًا يصل للمحطة. الواحد مسافر لأسوان من القاهرة لأسوان، في محطات: بني سويف والمنيا وأسيوط، محطات وأنت سائر هكذا.
تحذير السالك من الركون إلى الراحة وظنه أنه وصل قبل الأوان
قم! لمّا الواحد في طريق الله يصل للمحطة، قم! تحدّثه نفسه أنه وصل، فماذا يفعل إذن؟ يعني نام واستراح؟ أنزل إذن في هذه المحطة، انتهى، انتهينا، القطار سيدخل الجراج إذن!
تحدّث نفسُ العابد كذلك عندما تحدّثه نفسه بهذه الطريقة، ويميل قلبه إلى الدَّعة والراحة، وأنه قد وصل إلى شيء ما ومرتبة مع الله تدعوه إلى الراحة وإلى ترك العمل.
يسمع هواتف الحقيقة تخاطب نفسه بواردات [إلهية]: على فكرة محطتك لم تأتِ بعد، محطتك أمامك، امشِ! احذر أن تنزل، احذر أن تتراخى، إياك أن تدع العمل!
همة السالك المخلص تُنقذه هواتف الحقيقة كلما أراد التوقف
ولذلك انظر ماذا يقول: ما أرادت همة سالك — سالكًا في الطريق إلى الله — همته أن تقف، كفى ذلك. عندما كُشف لها [أي] ظهر لها محطة من محطات الوصول والترقي مع الله في طريقه، إلا ونادته هواتف الحقيقة تنقذه وتبيّن له — لإخلاصه ونيته الصادقة — الذي تطلب أمامك، استمر، لم تصل.
هذه من ناحية الوصول إلى الأنوار: عندما رأى نورًا قال: يا الله هذا نور الله! واتضح أن النور شيء خفيف وليس نور الله. قيل له: أتريد نور الله؟ أمامك!
الوصول الحقيقي يكون بالموت حيث يسقط التكليف ويتم التشريف
فمتى يكون الإنسان قد وصل؟ عندما يموت، عندما تغادر الروح الجسد:
﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]
أي الموت. ليس اليقين أنه جازم [بالإيمان]؛ صلى الله عليه وسلم وأولياء الله جازمون، حتى قالوا: لو كُشف الحجاب ما ازددنا يقينًا — من ناحية اليقين الجزم يعني. أما اليقين هنا فهو الموت.
يعني أفضل ماضٍ [في طريق الله]، فإنك لا تنسكب عليك الأنوار ويحدث لك حلّ من التكليف إلا بالتشريف. والتشريف الذي هو الموت: أن روحك تخرج إلى بارئها، إلى الرفيق الأعلى.
انظر كلام سيدنا رسول الله ﷺ: «إلى الرفيق [الأعلى]»، هذا تشريف، رُقيّ. فمتى يتم التشريف فيسقط التكليف؟ بالموت.
تبرج ظواهر المكونات وكشف أسرارها للسالك في طريق الله
إما لأنك عائش، لا. ولا تبرّجت — هو [ابن عطاء الله] يتكلم عن الأنوار، يتكلم عن الأسرار — فقد تبرّجت [أي] كشفت عن وجهها كشفًا. فيكون كشف عن ماذا؟ عن المستور. والكشف عن المستور كشف عن ماذا؟ كشف عن الأسرار.
أم تبرّجت له ظواهر المكونات التي حولنا هذه، كشفت أسرارها: ما سرّ هذا العمود؟ ما سرّ هذا الكرسي؟ ما سرّ هذا الإنسان الذي أمامي؟
أنه فانٍ، وأنه حادث، وأنه محتاج إلى الله، وأنه لا حول ولا قوة له، وأنه مخلوق، وأن هذا الخلق بمدد مستمر [من الله].
أسرار المكونات تكشف للعارف حقيقة وجوده مع ربه
الكلام الذي نحن جالسون نشرحه هذا سرّ [من أسرار المعرفة]. [أما الجاهلون] لا يعرفوه، فيقولوا لك: لماذا أنا موجود؟ ها هو يرى نفسه مع ربه.
فالأسرار هذه تبرّجت له. فماذا يحدث في قلب العارف السالك؟ نادته حقائقها [أي حقائق المكونات] التي هي فانية غير باقية حادثة:
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]
المكونات حجاب عن الله عند الانشغال بها ونسبة الفعل إليها دونه
هذه المكونات كلها — البشر والأشياء والعوالم والمكونات — حجاب يحجبني عن ربي عندما أنشغل به. حجاب يحجبني عن ربي عندما أنسب إليه العمل والفعل والخلق دون الله. حجاب عندما لا أعلم ولا أرى الله فيه وخلفه وأنه به سبحانه.
هكذا كفر، يعني ماذا؟ غطّى [الحقيقة]. ومنه الزرّاع يُسمَّون الكفّار لأنهم غطّوا [البذر في الأرض].
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]
ماذا؟ تكفر نفسك عن الأنوار، تستر نفسك بحجاب عن الله.
خطورة نسبة الأعمال للناس والنصيحة النبوية في الحب والبغض
فتمشي وتنسب الأعمال للناس، فتغضب من هذا وتتخاصم مع هذا وترضى عن هذا، وبعد ذلك تبغضه مرة أخرى.
والنبي ﷺ يقول:
قال رسول الله ﷺ: «أحبب حبيبك هونًا ما، فلعله أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك يومًا ما»
لأن من النفاق إذا خاصم فجر. يعني كرهت واحدًا؟ ربنا يغفر له، ربنا يسامحه، خلاص! فلا تقعد تجعلها شغلًا. فلعله أن يكون حبيبك يومًا ما، فتخجل من كثرة ما قد ذكرته بسوء.
حقائق المكونات تخبرك أنها فتنة وحجاب إلا إذا عرفت حقائقها فأنارت قلبك
فحقائق هذه المكونات تخبرك أنها فتنة، وأنها حجاب لك عن الله، إلا إذا عرفت حقائقها فأنارت قلبك ورفعت حجابه، فرأيت الله [بقلبك وبصيرتك].
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما المقصود بقول ابن عطاء الله السكندري أن المحجوب هو أنت لا الله؟
الحجاب يقع في العبد فيحجبه عن الأنوار والأسرار
ما الذي يُعكّر على الإنسان صفو فطرته ويحجبه عن معرفة الله وفق الحكم العطائية؟
معاكسات النفس الأمارة بالسوء
وفق الحكم العطائية، لماذا لا يحتاج الله إلى دليل يُقام عليه؟
لأنه أعظم من الدليل وكان قبله ومعه وبعده
ما الموقف الصحيح من الأسباب وفق الحكم العطائية؟
المشي فيها مع الرضا بما يُظهره الله في الوقت
ما الذي وصفه ابن عطاء الله بأنه من رعونات النفس؟
إحالة الأعمال على وجود الفراغ
ما الحكم الشرعي في تمني الرجل أن يكون امرأة أو العكس؟
محرم ولعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والعكس
متى يكون الإنسان قد وصل حقًا في طريق الله وفق الحكم العطائية؟
حين يموت وتغادر روحه الجسد
ما معنى قوله تعالى ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ في سياق الحكم العطائية؟
المكونات حجاب عن الله إذا انشغل بها العبد ونسب إليها الأفعال
ما الأوجه الثلاثة التي يكون فيها الإنسان موصوفًا بالعدم وفق الحكم العطائية؟
ابتداءً قبل الخلق وحالًا في الوجود ومآلًا بالموت
ما النصيحة النبوية في التعامل مع الحب والبغض؟
أحبب حبيبك هونًا ما وأبغض بغيضك هونًا ما
ما الذي يُميّز عقلية المسلم عن العقلية الوثنية في التعامل مع القدر؟
المسلم يُسلّم لإرادة الله ولا يعاند قدره
ما الذي تكشفه أسرار المكونات للسالك في طريق الله؟
أنها فانية حادثة محتاجة إلى الله بمدد مستمر
ما الفرق بين الحجاب الذي يُنسب إلى الله والحجاب الحقيقي في الحكم العطائية؟
لا يوجد حجاب يحجب الله لأنه الأول والآخر الظاهر الباطن، والحجاب الحقيقي هو الذي يحجب العبد عن ربه ويمنعه من تنزل الأنوار وكشف الأسرار.
لماذا يسبّح جسد الكافر لله رغم كفره؟
لأن الكافر داخل في مفهوم الشيء الذي قال الله عنه ﴿وإن من شيء إلا يسبّح بحمده﴾، فجسده يسبّح قهرًا عنه وإن أبى عقله الإيمان ولسانه الذكر.
ما الجواب الذي أجاب به العارف بالله حين سُئل عن الدليل على وجود ربه؟
قال إن ربنا أعظم من الدليل ولا يحتاج إلى دليل لأنه كان قبل الدليل ومعه وبعده، وإن أقمتَ عليه الدليل فقد انتقصتَ قدره.
ما الأوجه الثلاثة لوصف الإنسان بالعدم في الحكم العطائية؟
ابتداءً لأنه كان عدمًا قبل خلقه، وحالًا لأن وجوده من الله لا منه، ومآلًا لأنه سيموت ويفنى.
ما معنى التبرؤ من الحول والقوة في الحكم العطائية؟
هو الإقرار بأن العبد لا حول له ولا قوة إلا بالله، والخضوع لله والاستكانة له والتوكل عليه والرضا بقضائه والتسليم بأمره.
ما الفرق بين ترك الأسباب والاعتماد عليها في الحكم العطائية؟
ترك الأسباب جهل لأن الأنبياء لم تتركها، والاعتماد عليها وحدها شرك. الصواب المشي فيها مع الرضا بما يُظهره الله في الوقت.
ما معنى رعونات النفس في الحكم العطائية؟
هي الميول النفسية الذميمة كتأجيل الأعمال الصالحة بحجة انتظار الفراغ، وهي نوع من الغفلة والتسيّب الذي يُبعد العبد عن الله.
ما الآيتان القرآنيتان اللتان استشهد بهما في الأمر بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة؟
﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ من سورة آل عمران، و﴿ففرّوا إلى الله﴾ من سورة الذاريات.
ما مقام التوكل الذي يدعو إليه ابن عطاء الله في حكمة لا تطلب منه أن يُخرجك من حالة؟
هو مقام عدم الطلب، أي قبول ما أقامك الله فيه دون طلب الخروج منه، لأن الله لو أراد للعبد غيره لاستعمله من غير إخراج.
ما واجب المفتي في أداء مهمته وفق ما ورد في الحكم العطائية؟
يجب على المفتي أن يذاكر حتى يعرف حكم الله، ويطّلع على الواقع، ويتأنى في فهم السؤال، لأن المستشار مؤتمن والتقصير خيانة.
ما الآية القرآنية التي استُشهد بها على أن الوصول الحقيقي يكون بالموت؟
﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ من سورة الحجر، واليقين هنا هو الموت.
ما معنى هواتف الحقيقة في الحكم العطائية وما دورها مع السالك؟
هي واردات إلهية تُخاطب قلب السالك كلما أراد التوقف عند محطة، فتُعلمه أن الذي يطلبه أمامه وأن محطته لم تأتِ بعد، فتُنقذه من الركون والتراخي.
كيف تتحول المكونات من حجاب إلى نور في قلب العارف؟
حين يعرف العارف حقائق المكونات وأنها فانية حادثة محتاجة إلى الله، تُنير قلبه وترفع حجابه فيرى الله بقلبه وبصيرته بدلًا من أن تحجبه عنه.
ما الحالات التي يشملها الرضا بقضاء الله وقدره وفق الحكم العطائية؟
يشمل الرضا بقضاء الله كل الأحوال: الفقر والغنى، والقوة والضعف، والصحة والمرض، والجاه وعدمه، والذكورة والأنوثة.
ما الآية القرآنية التي نهت عن تمني ما فضّل الله به بعض الناس على بعض؟
﴿ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسلوا الله من فضله﴾ من سورة النساء.
