شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب المساقاة | أ.د علي جمعة - شرح متن الزبد, فقه

شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب المساقاة | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • المساقاة نوع من التعاون على رعاية ما يخرج من الأرض، اختصت بالنخل والعنب.
  • تتمثل في اتفاق بين مالك الشجر الذي لا يتفرغ للرعاية وعامل يقوم بالاعتناء بالشجر مقابل جزء من الثمر.
  • العامل يتولى رعاية الأشجار وتغذيتها ومكافحة الآفات والحشرات وقطف الثمر.
  • المالك يتحمل مسؤولية أصل الشجر والإصلاحات الأساسية له.
  • أجيزت المساقاة على خلاف الأصل للحاجة، رغم وجود غرر في الأجر لعدم معرفة مقدار المحصول مسبقاً.
  • الشافعية أجازوا المساقاة في النخل والعنب فقط، ولم يجيزوا المزارعة في الأرض.
  • اختلف الأئمة في المزارعة، فأجازها أبو حنيفة بينما منعها الشافعي.
  • يشترط في المساقاة: تحديد المدة وتحديد الجزء المعلوم للعامل من الثمر.
  • المنع في تأجير الأرض ببعض ما يخرج منها سببه ورود النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • اعتبر الإمام الشافعي النهي أمراً تعبدياً وحجته أن النبي هو خير مستند وخير معتمد.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

تعريف المساقاة وعلاقتها بالتعاون على رعاية النخل والعنب

تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

باب المساقاة

المساقاة هي نوع من أنواع التعاون على رعاية ما يخرج من الأرض، ولكنها اختصت بالنخل والعنب. وكان البلح والعنب من الأقوات؛ يصنعون العنب زبيبًا، ويصنعون البلح تمرًا ويحفظونه، يأكلونه طوال السنة مع الثروة الحيوانية التي هي التي تأتي من الحيوان؛ لبن ولحم.

هذه هي الحياة، أضف إليهم الماء، تجد الواحد صحته تامة، يعرف يرفع السيف هكذا. اليوم عندما تذهب إلى المتحف هكذا وتجد السيف لا تعرف تحمله! أصبحتم ضعفاء كلكم. من أين هذا آتٍ؟ من الغذاء. الطعام آتٍ من أين؟ من الطعام [أي من جودة الغذاء الطبيعي].

حقيقة عقد المساقاة وتوزيع المهام بين المالك والعامل

فإذن المساقاة معناها أن لديّ نخلًا أمتلكه، أو أمتلك كرمة عنب، فأذهب أبحث عن شخص يرعاها ويحرسها ويتابع الثمر ويقطفه، وينزل البلح وينزل العنب.

فإذن كان [العامل] سيعمل في كل هذا، فإن المؤونة الخاصة بتزويد الثمرة وألّا تأكلها الآفات؛ يرشّها ويزيل منها الأشياء الزائدة ويراعيها ويمنع الحشرات من الوصول إليها إلى آخره، تكون هذه [المهام] على هذا العامل.

وأنا عليّ حماية أصل الشجرة نفسها؛ أنا مالك الشجرة. فالمساقاة يعني اتفاق بين المالك الذي لا يتفرغ للرعاية، وبين واحد من العمال الذين يستطيعون أن يرعوا، وفي النهاية سيكون ذلك على جزء من الثمر.

جواز المساقاة على خلاف الأصل للحاجة بسبب الغرر في الثمر

فجُوِّزت [المساقاة] على خلاف الأصل؛ لأنه جزء من الثمر هذا سيخرج كم؟ سيخرج مائة كيلوغرام أم سيخرج خمسين لأن الآفة أكلت نصفه؟ أم سيخرج مائتين لأن الله بارك في المحصول وجاءت ريح طيبة وتلقّحت أشجار النخل والعنب؟

بارك الله فيها، سيخرج آية لا ندري! فيبقى أجري أنا كعامل غير محدد، يبقى فيه غرر. ولذلك قالوا: جُوِّزت [المساقاة] للحاجة؛ يعني الشرع جاء وقال: لا [للغرر].

طيب وماذا بعد ذلك؟ المالك في المدينة ذهب إلى هناك وأقام في القاهرة، والنخل الخاص به سيفسد إذا لم نفعل ذلك، وهو ليس معه مال ينفقه عليه لكي يعطي أجرًا للعامل، لا!

الحكمة النفسية في المساقاة وارتباط رزق العامل بالمحافظة على الثمرة

وبعد ذلك أيضًا هناك ناحية نفسية؛ أن العامل لو أخذ أجرًا يُهمل، يقول لك: فعلتُ ما عليّ. ولكن عندما يعرف أن رزقه مرتبط بالمحافظة على هذه الثمرة يكون أكثر حفاظًا عليها؛ لأنها ملكه.

لأنني قلت له: ما الفكرة؟ هي أن لك جزءًا من هذه الثمرة الموجودة، سواء كان بلحًا أم عنبًا. فكل هذه فوائد المساقاة.

مذهب الشافعية في قصر المساقاة على النخل والعنب دون المزارعة

الشافعية عندهم أن هذه المساقاة لا تصلح إلا في النخل والعنب.

فلنفترض أن لديّ قطعة أرض، قال [قائل]: يجب أن تُؤجَّر عليها. قال له: فما المانع أن آتي به وأجعله يزرع الأرض، والذي يخرج يكون بالنصف، يكون بالثلث والثلثين، يكون بأي شيء مثل فكرة المساقاة؟

قالوا: لا. لماذا لا؟ قالوا: هذه تسمى مزارعة، والمزارعة هذه منهيّ عنها؛ ورد في الحديث أن النبي ﷺ نهى عنها.

خالفهم أئمة آخرون، قالوا لهم: لا، ليست هذه [المزارعة] التي نُهي عنها. واختلفوا مع بعضهم البعض. الأئمة ماذا فعلوا؟ اختلفوا مع بعضهم البعض. إذن فيها خلاف ليس فيها وفاق.

جواز تقليد من أجاز المزارعة عند الحاجة والأخذ بمذهب أبي حنيفة

إذا نحن وجدنا الأئمة اختلفوا، فلنا أن نقلّد من أجاز؛ الدين واسع. لكن الشافعية نعلم أن عندهم المزارعة غير جائزة.

تعلم لو اتبعنا مذهب الشافعي سيتهدّم نصف بيوت أرياف مصر، لا ليس النصف، بل ثلاثة أرباعها! فلا تأتِ أنت وتتصدّر كالمسمار وتقول: الشافعي قال هكذا. لا، الإمام الشافعي قال هكذا وهو صاحب البلد لأنه مدفون هنا، ولكن نأخذ بمذهب أبي حنيفة.

لماذا نأخذ بمذهب أبي حنيفة؟ لأن الناس محتاجون إليه؛ ليس هناك [بديل] الآن، وإلا فإن الأرض تبور والناس ليس لديها أموال ونريد أن نفعل هكذا.

الحديث النبوي في النهي عن المزارعة واختلاف الأئمة في فهمه

طيب والحديث ما هو؟ الحديث ليس قطعيًّا، الحديث فيه وجهتا نظر. هما: الإمام الشافعي هذا رجل كبير، والإمام أبو حنيفة هذا رجل كبير.

فلمّا قال هذا [الإمام الشافعي]: أنا يُخيَّل إليّ أن الحديث هذا صحيح، الآخر [الإمام أبو حنيفة] قال له: أنا يُخيَّل إليّ أن الحديث هذا ليس منضبطًا في وروده عن سيدنا رسول الله ﷺ.

إذن وكلهم من رسول الله ﷺ ملتمسٌ غُرَفًا من البحر أو رَشْفًا من الدِّيَم، وواقفون لديه عند حدّهم من نقطة العلم أو من شَكْلة الحُكم، فهو الذي تمّ معناه وصورته، ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النَّسَم. صلّوا على النبي ﷺ.

إباحة المساقاة عند الشافعية في النخل والعنب وشروط صحتها

إذن تبقى المساقاة مباحة عند الشافعية، وخاصة في النخل وفي العنب، دون المزارعة. وهي [أي] هذه المزارعة مباحة عند مَن؟ عند غيره [أي عند غير الشافعية].

يقول [المصنف]: صحّت [أي المساقاة] على أشجار نخل أو عنب. انظر الكلام: صحّت التي هي المساقاة على أشجار نخل أو عنب، إذا وُقِّتت بمدة فيها غَلَب [أي يغلب على الظن حصول الثمر فيها].

إذا كانت هذه مؤقتة، نريد في العقد الذي بيني وبين العامل يجب أن تكون فيه مدة. لماذا؟ قال: يكفي من الغرر؛ فقد أصبح ما هو [حاصل أن] المساقاة فيها غرر، لأنني لا أعرف أنا كم سآخذ ولا أعرف هو كم سيأخذ، يكفي هذا غررًا.

وجوب تحديد الجزء المعلوم من الثمر وأعمال العامل والمالك في المساقاة

ولذلك يجب أن تُؤقَّت [المساقاة] بموعد تحصيل ريعه، بجزء عُلِم. أقول له: أنت لك الثلث من الثمر. فيجب أن أحدّد الجزء يكون معلومًا، لا أقول له: ربنا ييسّر الأمر حسب الحال. لا، يجب أن يكون بجزء معلوم أيضًا؛ لأن كفاية غرر [أي يكفي ما في العقد من غرر فلا نزيد عليه].

من ثمرٍ لعامل، وإنما عليه أعمال تزيد في الثمر. العامل هذا عليه أعمال تزيد في الثمر: حمايتها، ينفّر من عليها العصافير، يرشّها، يزيل الآفة والنباتات الزائدة، وهكذا.

والمالك يحفظ أصلًا كالشجر. والمالك عليه ماذا؟ حفظ الأصل الذي هو الشجرة نفسها. إذن لو أن التكعيبة الخاصة بالعنب خربت فإن المالك هو الذي يصلحها، جاء زلزال وهزّها هكذا فالمالك هو الذي يصلحها.

التنبيه على عدم جواز إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها عند الشافعية

وبعد ذلك نبّه [المصنف] على أن هذه المساقاة لا تُعملها في الأرض. قال: ما دام وفي أي شيء؟ الذي هو مذهب الشافعي: إجارة الأرض ببعض ما ظهر [منها].

عندما نؤجّر الفدّان ببعض ما يأتي منه من ثمر، من زرع — يعني هو الثمر يقولونه على الشجر، والزرع يقولونه على الأرض — فلو أجّرنا بشيء من الزرع كما أجّرنا بشيء من الثمر، هكذا من ريعها عنه نهى خير البشر ﷺ.

الجانب التعبدي في التفريق بين المساقاة والمزارعة والاستناد إلى النبي ﷺ

انظر هذا الجزء، يعني هو تعبّدي. يعني هو يقول له: حسنًا، لماذا أنت هنا أجزت في الشجر والنخل وأتيت في الأرض ولم تُجِز؟ أليس الأمر واحدًا؟ فذهب وردّ عليه، قال له: هكذا. قال له: هكذا.

ماذا يعني هكذا؟ يعني هذا أمر تعبّدي؛ أنا لا أفهم لماذا جاء. طبعًا فلنجلس نحن ماذا؟ هكذا كطلبة علم نجلس نتفحّص ونقول: إن هذا من أجل كذا ومن أجل كذا وكذا.

ولكن في النهاية هو في الحقيقة لأنه نهى خير البشر ﷺ. خير البشر قال: لا، فيبقى لا. ابحث أنت إذن على مهلك.

النبي ﷺ صخرة الكونين وخير مستند لا يخطئ أبدًا

انظر إلى القوة؛ لأنه خير مستند صلى الله عليه وسلم. قالوا عنه: صخرة الكونين؛ كل من في الكونين يستند عليه فيجده معتمدًا، صلى الله عليه وسلم.

أما إذا تتبّعت الأئمة والفقهاء والعلماء في كل الدنيا وعبر التاريخ، تجد أنهم يخطئون مرة، ويقصّرون مرة، ويجهلون مرة. إلا سيد البشر ﷺ فلم يخطئ أبدًا ولا مرة واحدة، ولم يقصّر ولا مرة، لم تُفتح معه [ثغرة قط].

فالأمر واضح معه، فتستند عليه هكذا. نعم تستند، تستند على غيره فقد يمكن أن يخذلك. أما هو فهو صخرة الكونين؛ أي صخرة المرئي والغائب، أي هو صخرة الظاهر والباطن. فهو صلى الله عليه وسلم خير مستند وخير معتمد. اللهم نعم.

تريد أسئلة؟ لن تحلّ مني. حسنًا، يسأل فيقول...