شروط التكليف - درجات المعرفة #4 | د. علي جمعة
- •الهادي هو الله سبحانه وتعالى، وقد خلق الكون وجعل له قوانين وسنن، ولم يتركه عبثاً دون هداية.
- •خلق الله آدم من تراب، وهذا يدل على المساواة بين البشر وعدم جواز التفاخر بالنسب أو العرق.
- •من شروط التكليف: العقل، وسلامة الحواس، وبلوغ الدعوة بصورة لافتة للنظر.
- •من لم تبلغه الدعوة الإسلامية بصورة صحيحة فهو من أهل الفترة، ولا يعذبهم الله.
- •يصل الإنسان إلى الحقيقة عبر كتابين: كتاب الله المسطور (الوحي) وكتاب الله المنظور (الكون).
- •من يعتمد على أحد الكتابين دون الآخر يكون أعرج معرفياً.
- •الدعوة إلى الله تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، والحكمة تعني وضع الشيء المناسب في الزمان والمكان المناسبين.
- •الباب إلى الدعوة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- •البيان هو الطريقة المثلى للدعوة، لا الهجوم ولا الرد بالقيل والقال.
- •نحن نأمر بالمعروف ولا ننهى عنه، ونكون مع البناء لا مع الهدم.
مقدمة الحلقة وسؤال عن معايير الحكم على صحة الفكر أو خطئه
[المذيع]: أهلًا بكم مشاهدينا الكرام، ونستكمل هذا الحديث مع فضيلة الدكتور علي جمعة حول العقل والأسس التي من خلالها يستطيع الإنسان أن يصل إلى نتائج صحيحة تؤدي به إلى الحقيقة في النهاية، وهي أن يستطيع أن يصل إلى خير الدنيا وخير الآخرة. أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
أهلًا وسهلًا، أهلًا بكم مولانا. ما هي المعايير التي من خلالها نستطيع أن نحكم على هذا الفكر بأنه إما فكر صحيح أو أنه فكر خاطئ؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. لمّا خلق الله سبحانه وتعالى الكون لم يتركه عبثًا، ولم يدعه مع قوانينه تسير كيفما اتفق من غير هداية يهدي بها الخلق.
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]
ونحن نتوسل إليه في كل ركعة من ركعات صلواتنا أن يهدينا الصراط المستقيم، فالهادي هو الله.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: 8]
خلق الله للإنسان والتكليف وقصة آدم ليست رمزية بل لها معانٍ ومعالم
فإذن القضية هي أنه:
﴿وَمَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [فاطر: 24]
أن الله سبحانه وتعالى لمّا خلق الخلق وخلق الإنسان، خلق التكليف؛ يعني خلق أنه يأمر الإنسان وينهاه. وقصة الخلق ليست عبثًا، وإنما هي لوضع هذه المعالم والملامح في طريق الإنسان مع الله سبحانه وتعالى ومع الحياة.
ليست قصة آدم قصة خرافية ولا رمزية، ولكن لها معانٍ ولها أسباب. وهذه المعاني والأسباب والأسس والمناهج التي أشارت إليها هذه القصة تجعلنا متمسكين بصفات معينة.
خلق آدم من تراب ومبدأ المساواة بين البشر قبل الثورة الفرنسية
من هذه القصة أن آدم خُلق من تراب، فيكون إذن كل بني آدم سواسية؛ يعني قبل أن تدعو الثورة الفرنسية للمساواة فكل البشر مخلوقون من تراب.
﴿مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه: 55]
يتحدث هنا عن الإجابة على الأسئلة الثلاثة الكبرى التي شغلت الفلاسفة: من أين نحن؟ ماذا نصنع الآن؟ ماذا سيكون غدًا؟ الله خلق، هذه هي الأولى، وخلقك أيها الإنسان من هذه الأرض، إذن فأنتم سواسية.
كان مشايخنا وهم يعلموننا في الطريق يقولون كلمة عجيبة بعض الشيء: أنا تراب بن تراب؛ أي أنه لا داعي للكبر، ولا داعي للتفاخر، ولا داعي للذات المتعالية التي في نهايتها نصل إلى الفساد في الأرض وإنكار الحقائق.
تحول الجسد إلى تراب وشعائر الدفن الإسلامية ومواءمتها للبيئة
ليس هناك داعٍ لذلك؛ لأنك قد خُلقت من تراب. والغريب أن هذا الجسد الفاني بما نراه بأعيننا يتحول إلى تراب بعد مدة، ويحفظ الله سبحانه وتعالى أجساد من يشاء كالأنبياء وبعض الشهداء وبعض الصالحين، لا يهم، فهذه قضايا ثانوية لها معانٍ أخرى، ولكن عموم الإنسان يتحول إلى تراب.
وفعلًا في المقبرة، ولذلك كنا نقول ماذا ونحن نخاطب الغربيين: إن شعائر الدفن الإسلامية هي أكثر الشعائر مواءمة للبيئة؛ من ناحية أنه يعود مرة أخرى إلى الأرض التي هو منها فيتحول إلى التراب الذي هو منه.
حتى أبو العلاء المعري يقول: ما أرى أديم الأرض إلا من هذه الأجساد. أتلاحظ كيف أن هذه الفكرة تؤيد قضية عدم العرقية وعدم التفاخر بالقبائل.
«لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»
انظر ماذا سيفعل عملك، وانظر كيف سيكون نفعك.
الهادي هو الله وسؤال عن عبّاد التبت والتخلية والتحلية الروحية
أريد أن أقول لسيادتك أن الهادي هو الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان يتلقى هذه الهداية من عند الله سبحانه وتعالى.
سؤالك الأصلي كان ماذا؟ الذي أنت [تسأل عنه هو] الطريقة التي في بعض الناس أنه في بعض الناس عن طريق هذا العقل والتخلية، مثل عبّاد التبت أو مثل جماعة عبّاد التبت، هؤلاء تحدث لهم روحانيات وما إلى آخره.
فتقول لي: حسنًا، هذا يؤيد كلامي أن كل من سيتخلى عن القبيح ستحدث له تجليات وتحدث له شفافية وستحدث له بصيرة يستطيع بها أن يكون على قدر عالٍ من الروحانية.
شروط التكليف وبلوغ الدعوة بصورة لافتة للنظر وحال عابد التبت
حسنًا، هذا ما يُرضي الله من شروط التكليف التي ذكرناها: العقل مناط التكليف. قلنا: العقل، وماذا أيضًا؟ سلامة الحواس، وقلنا سلامة الدماغ، وقلنا المعلومات السابقة التي تمثل البلوغ، وقلنا الواقع المحيط.
أيضًا من شروط التكليف: بلوغ الدعوة بصورة لافتة للنظر. حسنًا، الشاب العابد الذي في التبت، هذا الذي يجلس يا عيني يجعل قلبه خاليًا من كل قبيح، لم تصله الدعوة.
يعني الذي سيأتي لاحقًا: سيسكن بعد التخلية هي التحلية، التحلية تحل المحل بعد الخلو. حلوٌ أن يخلي قلبه من القبيح، ولم يكن متكبرًا، ولم يكن حاقدًا ولا حاسدًا، ولا يضع يده في كذا إلى آخره، لكنه ليس مسلمًا. الرسالة إذن غير موجودة.
لماذا لم يُسلم عابد التبت وتشويه صورة الإسلام يمنع بلوغ الدعوة
لماذا ليس مسلمًا؟ لماذا ليس مسلمًا يا سيدي؟ فيقول لي: أنا لم يبلغني الإسلام هذا بصورة لافتة للنظر. ألا يسمع الراديو ويجد المسلمين هم القتلة، وهم الذين يهينون المرأة، وهم الذين يقضون على الطفولة، وهم... هذه هي الصورة مشوَّهة هكذا.
لم تصل إليه الدعوة بصورة لافتة للنظر، فسيقول إن ما هو فيه أفضل من هذا الكلام كله.
فما موقفه عند الله؟ كثير من الناس يسأل هكذا. ما دام لم تبلغه الدعوة فهو من أهل الفترة عند أهل السنة والجماعة. ماذا يعني أنه من أهل الفترة؟ يعني:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
يعني هذا بفضل الله، الله [يعلم حاله]. هذا ليس مسلمًا، نعم هو ليس مسلمًا؛ لأنه لم يصله الإسلام بصورة لافتة للنظر.
المثال السيء للمسلمين يصد عن سبيل الله ويمنع وصول الدعوة
إذا كان هناك أناس يعيشون معنا ونعيش معهم في أوروبا وفي الشرق وفي الغرب، والمثال السيء الذي يقدمه المسلمون ليل نهار لا يجعل الإسلام قد وصل إليهم بصورة لافتة للنظر.
ونقول لهم ليل نهار: أنتم تصدون عن سبيل الله بغير علم، أنتم حجاب بين الخلق والخالق، أنتم تشوهون صورة الإسلام في أعين الناس وفي أذهانهم وتصدونهم عن الإيمان بالله.
الكلام الذي نقوله نحن هذا ليل نهار لمن؟ لأولئك الذين يصدون عن سبيل الله ولو بغير علم؛ أي أنه ليس قصده ذلك، لكن في النتيجة أنه بغير علم أصبح صادًّا عن سبيل الله.
حكم المصدود عن الإسلام وأهل الفترة في ضوء القرآن الكريم
ماذا يفعل هذا المصدود [عن الإسلام]؟ هذا المصدود قال الله تعالى عنه هكذا:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [البقرة: 62]
إذن إذا عُدّ كل الطائفة ما هي [التي] ليس لها دعوة، ذلك لأن هؤلاء أدّوا ما عليهم، أدّوا على حد علمهم. وبعد ذلك قال في موضع آخر:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 115]
أي أن أي شخص أحسن العمل هو كذلك [له أجره عند الله].
حكم المعاند الذي بلغته الدعوة وأقيمت عليه الحجة فأبى واستكبر
أما المعاند الذي وصله الإسلام بصورة لافتة للنظر وأقيمت عليه الحجة فأبى واستكبر، فهذه قضية أخرى تكون بينه وبين الله. والله في العقيدة الإسلامية لن يتركه؛ لأن الدين عند الله الإسلام.
وأنت لماذا لم تُسلم بعدما قامت عليك الحجة ولفت نظرك إليها، هل أنت منتبه؟ فالأمر واضح جدًّا، خاصة في عقائد أهل السنة والجماعة، وهو محسوم ومحسوم منذ القدم، ليست هذه مسألة الآن حادثة أو مسألة جديدة.
سؤال عن الأدوات التي تساعد العقل للوصول إلى الحقيقة والكتابان المسطور والمنظور
[المذيع]: حسنًا، فكرة الأدوات يا مولانا التي ستساعد الإنسان للوصول إلى الحقيقة، لتساعد عقله للوصول إلى الحقيقة، ما هي هذه الأدوات؟ ما هي المسالك التي تُمكنه من الوصول إلى الحقيقة؟
[الشيخ]: الكتابان: كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور. وهناك ما يسمى بالقراءة:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
المنظور:
﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2]
المقدور:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]
الذي هو الوحي الذي هو المسطور، علّم بالقلم. انتبه، جاءوا بمسطور من:
﴿نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]
الوحي.
المعرفة من الوحي والكون هما المكون الأساسي لما يصل إليه العقل
فيكون إذن الإنسان عن طريق المعرفة التي يتوصل بها من هداية الله الخاصة بالوحي، ومن خلق الله الذي هو الكون.
﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]
وفتح عليه بأشياء كثيرة في إدراك الحقائق المتتالية. يبقى عندنا هذان الكتابان هما المكون الأساسي لما يصل إليه العقل.
مفهوم العرج المعرفي وخطورة الاقتصار على الوحي دون الكون أو العكس
أحيانًا العقل يعمل بالعرج. ما هو هذا العرج؟ شخص أعرج، أعرج يعني ماذا؟ يعني أن الإنسان الذي جعله الله يمشي على قدمين، قامت إحدى الرجلين بالانقطاع فأصبح أعرج يمشي متعرجًا. نقول في لهجتنا المصرية: يزق.
إن الذي يذهب إلى كتاب الله المسطور ويترك الكون يكون أعرج. والذي يغلق على نفسه العالم أو الكون، نعم، ويجلس فقط مع الكتاب فقط، نعم، يكون أعرج.
ورأينا أناسًا هنا داخل الإسلام يقولون لك إن الشمس هي التي تدور حول الأرض. لماذا يا سيد؟ يقول: قال تعالى؟ طيب، وقال تعالى: لا بد أن تفهمها بالواقع المحسوس:
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]
قال أم لم يقل؟ قال في سورة يس، لكن ليس معناها هكذا. والشمس تجري، هذه عندما يراها البدوي، ها هي الشمس تجري من الشرق إلى الغرب.
العلم الحديث أثبت دوران الأرض ومن أنكر ذلك وقع في العرج المعرفي
بعد أن عرفنا حجم الأرض وحجم الشمس والبعد بينهما، عرفنا أنه هذا مستحيل وأنه لابد أن الأرض هي التي تدور. وعندما نظرنا بالتلسكوبات والمجهر الكبير عرفنا فعلًا حقيقة هذا، وعندما أجرينا [فحوصات ودراسات] توصلنا إلى حقائق أوصلت الإنسان إلى القمر.
فيأتي إليَّ شخص ويقول لي: لا، ويؤلف كتابًا اسمه استحالة وصول الإنسان إلى القمر. طيب، والثاني ألّف لي كتابًا اسمه الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة، والثالث ذيّل الصواعق المحرقة على أهل الهيئة المتزندقة.
يا حلاوة! ما هذا؟ هذا عرج. لماذا؟ عرج لماذا؟ لأنه أنكر الإدراك من الكون.
منهج الشيخ بخيت في التوفيق بين آيات القرآن وآيات الأكوان
لكن الثاني، سيدنا الشيخ بخيت [المطيعي] ماذا فعل؟ ألّف كتابًا اسمه ماذا؟ إنها ليست الكتب العجيبة التي فيها غرابة هذه، إنما ألّف كتاب توفيق الرحمن بين آيات القرآن وآيات الأكوان.
سبحان الله، انظر كيف ينظر إلى التكامل، إلى التكامل وليس التنافر، ما بين الكتاب المسطور والمنظور. متى فعل ذلك؟ عام ألف وتسعمائة وعشرين، مبكرًا.
إنه هو الذي قال لي في كتاب الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي وقال لهم: يا إخواننا هذا احتباس ظل. وإخواننا استمروا يحرمون التصوير الفوتوغرافي حتى أصبح حلالًا عندهم الآن.
العرج المعرفي يصيب من يقتصر على الكون فقط ويرفض الوحي
إذن أريد أن أقول لك إنها عرج؛ تمشي في الناحية الأخرى وستذهب أيضًا. الذي يتمسك بالكون فقط ويرفض الوحي سيمشي بالعرج [أيضًا].
سؤال عن مخاطبة الفرق الضالة وبيان أن النبي تركنا على المحجة البيضاء
[المذيع]: حسنًا مولانا، الحديث إن شاء الله مستمر على دور العقل في هداية هذه الفرق. كيف يمكن أن نخاطب عقول هذه الفرق للعودة إلى الطريق الصواب إن شاء الله، ولكن بعد الفاصل. ابقوا معنا.
مرة أخرى مولانا، هذه الفرق التي ضلت، كيف يمكن أن نخاطب عقولهم مرة أخرى وكيف يمكن صياغة هذه الرسالة لكي يعودوا إلى طريق الحق؟
[الشيخ]: بالنسبة للإسلام، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام تركنا على المحجة البيضاء. ولذلك فهذا الذي اقتصر على الوحي أو اقتصر على بعض الوحي؛ لأن لدينا أصبحت الفرق كثيرة:
- •فرقة أنكرت القرآن وتمسكت بالسنة.
- •وفرقة أنكرت السنة وتمسكت بالقرآن.
- •وفرقة أنكرت اللغة العربية.
- •وفرقة ثانية أنكرت إدراك الواقع وأن هذا الواقع ليس ضروريًّا أن تتحقق فيه مصالح أو أي شيء، فأنا أعتقد أن ما في عقلي لابد أن يتم.
- •فرقة لم تميز بين إدراك النص وفهم النص.
أصناف غير المسلمين في موقفهم من الدين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
وغير المسلمين منهم من أنكر النبوة المحمدية، ومنهم من أنكر تلك النصوص، ومنهم من أقام الشبهات، ومنهم من رفض الدين بالكلية، ومنهم من جعل هذا الأمر ليس محلًّا للنقاش؛ يعني: وما شأني أنا؟ دعوكم من هذا الكلام كله.
﴿وَقَالُوا مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24]
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
فالناس كثيرة. فيمن لم يتخذ هذا الأسلوب، ربنا سبحانه وتعالى قال:
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
سندعو كل الناس.
رسول الله هو الباب بيننا وبين الملاحدة وداعش على حد سواء
ما الذي بيننا وبين العالمين، سواء ما بيننا وبين الملاحدة أو ما بيننا وبين داعش التي تفسد في الأرض بالقتل والنهب وما إلى ذلك؟ ما الذي بيننا وبينهم؟ الذي بيننا وبينهم رسول الله ﷺ.
ما القضية؟ إنها أن هذا الرسول الذي آمنا به وصدقناه، وترتب هذا من التفكير المستقيم المستمر، أيده ربه عبر القرون. هو الذي بيني وبين داعش، وهو الذي بيني وبين الملاحدة.
يعني انظروا طبعًا، داعش هؤلاء يعني ماذا؟ هؤلاء خوارج؛ يعني متمسكون تمسكًا عظيمًا لدرجة أنهم يفجرون أنفسهم وما إلى ذلك فيما يعتقدون. والشخص الملحد الذي يقول لا يوجد إله.
لا شك أن الذي بيني وبين الجميع هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو بابنا إلى هذه الدعوة.
﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]
معنى الحكمة في الدعوة وقول سيدنا علي في مراعاة الحال والوقت
الدعوة مهمة بالحكمة، والحكمة معناها وضع الشيء المناسب في الزمان المناسب عند الشخص المناسب في المكان المناسب. وهكذا.
ولذلك كان سيدنا علي [بن أبي طالب] يتكلم عن هذه الحكمة يقول: ليس كل أمر جاء وقته، وليس كل ما جاء وقته حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله صح قوله.
يعني حتى أي شخص يتكلم إلى الناس بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم.
«نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم»
فيبقى إذن هناك حكمة وموعظة، وهذه الموعظة تكون حسنة.
﴿وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]
يعني شيئًا يخرج من القلب فيصل إلى القلب، فما خرج من القلب وصل إلى القلب، وما خرج من اللسان وقف عند الآذان.
ثلاث طرق لإيصال الدعوة والبيان هو المنهج القرآني الأمثل
الذي بيننا وبين الخلق رسول الله ﷺ، وسنرى كيف ترك لنا محجة بيضاء وكيف شكلها. كيف نبلغها للناس؟ كيف نزيل شبهة كل ذي شبهته؟ كيف نقوم مقام البيان؟
هناك ثلاث طرق لإيصال الدعوة:
- إما الرد بقيل وقال.
- وإما الهجوم والبدء.
- وإما البيان.
والله سبحانه وتعالى عندما وصف كتابه وصفه بالبيان، هل تنتبه؟ وعندما أمر العلماء أمرهم:
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 187]
فهو أمرٌ بالبيان، ما آمرُ لا بالردود التي تستغرق الأعمار، ولا بالهجوم الذي قد يُساء فهمه، ولا شيء من هذا القبيل.
البيان يتم على قدر العقل والحال والحكمة ورسول الله هو المدخل الرئيسي
هذا البيان يتم على قدر العقل، وعلى قدر الحال الذي هو عليه، وعلى قدر أيضًا الحكمة والموعظة الحسنة، وعلى قدر المدخل وهو الباب الرئيسي: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بهذا نستطيع أن نخاطب العالمين ونقول لهم:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
نحن لا نريد أن نكثر من طبقة المنافقين أصلًا، نحن نريد أن نبلغ عن الله سبحانه وتعالى.
«بلغوا عني ولو آية»
بالإيضاح والحكمة والموعظة والبيان نفعل هذا، والأمر لله؛ لأننا لسنا أصحاب أن نخلق الهداية ولا التوفيق، خالق الهداية والتوفيق هو رب العالمين، ليس شأني أنا هذا الكلام، إنما شأني هو البيان.
العرج المعرفي الثاني من يدرس الدنيا وينفع الناس لكنه غافل عن الآخرة
[المذيع]: طيب مولانا، في مسألة استخدام العقل للوصول للنتائج الصحيحة، يعني هناك من البشر من يستخدم العقل ويصل إلى نتائج صحيحة ولكن دون تخلية أو تحلية، يعني ولكن في النهاية وصل إلى نتيجة صحيحة سواء اقتنع بها أم لم يقتنع بها، ما هو الأعرج [الثاني]؟
[الشيخ]: الأعرج الثاني هو الذي يدرس الحياة الدنيا وزينتها ويؤدي إلى نفع كبير جدًّا، لكنه عن الآخرة هو غافل.
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
وهذا نوع من أنواع العرج [المعرفي]؛ فيذهب ويكتشف الدواء المناسب، أهلًا وسهلًا، وله أجره عند الله سبحانه وتعالى على هذا الاكتشاف. لكنه مع ذلك لا يأبه بالأخلاق مثلًا، أو يُنكر الله سبحانه وتعالى، أو يُنكر الديانات، فهذا الإنسان هو عنده نوع من أنواع العرج المعرفي.
لا نقطع الرجل الصحيحة بل نحافظ عليها ونضيف عمارة الآخرة إلى عمارة الدنيا
ليس معنى هذا أن نقطع رجله الثانية [أي نُبطل ما عنده من علم دنيوي]، الرجل التي معه هذه رجل صحيحة، ورجل نريده أن يحافظ عليها؛ لأنه لو قُطعت الرجلان لن يصبح إنسانًا، بل سيصبح كتلة هكذا، مكونًا غير مفيد.
فينبغي إذن علينا أن نفهم هذا الكلام، نفهم أننا نقول: شخص يشرب الخمر ويصلي، نأمره بالمعروف ونقول له: استمر في الصلاة، لا نقول له: أنت تشرب الخمر فلماذا تصلي؟ فهذا سيكون أمرًا بالمنكر ونهيًا عن المعروف.
دائمًا نحن مع الإيجاب لا مع السلب، نحن مع البناء لا مع الهدم. فالشخص الذي توغل في الدنيا وفي عمارتها، نحن لسنا ضده، أهلًا وسهلًا، ولكن نضيف إلى هذا عمارة الآخرة.
خاتمة الحلقة والدعاء للمشاهدين
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا، أهلًا وسهلًا، شكرًا للمشاهدة.
