شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم | مشاركة أ د علي جمعة بمؤتمر الأسرة الدندراوية 1440 هـ
- •الشفاعة هي النصرة والتأييد، وتشتمل على أربعة أركان: الإحسان، والعدل مع الرحمة، والشهادة بالحق، وإظهار الحب.
- •الشفاعة المحمدية ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع الأمة، وهي منوطة بإذن الله تعالى.
- •للنبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى يوم القيامة للعالمين جميعاً من آدم إلى يوم الدين.
- •تتعدد أنواع شفاعته لتشمل: شفاعته لأهل الكبائر والصغائر، وشفاعته في عدم دخول النار، وشفاعته للإخراج من النار، والشفاعة لعلو الدرجة في الجنة.
- •الشفاعة لا تتنافى مع العدل الإلهي، بل هي عين العدل لأنها تكون في انتفاء الوعيد وليس في انتقاص الوعد.
- •الشفاعة تؤثر على المؤمنين في الدنيا بالالتزام، وفي الآخرة تكون سنداً في يوم الحساب.
- •إنكار الشفاعة هدفه قطع العلاقة بين المسلمين ورسولهم صلى الله عليه وسلم.
- •منكرو الشفاعة يتخذون ذلك وسيلة للطعن في السنة النبوية ثم الهجوم على القرآن الكريم.
افتتاح اللقاء بالدعاء والسلام وتحية الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم نوِّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسِّر أمورنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، ويا غياث المستغيثين أغثنا.
أحييكم أولًا بتحية الإسلام، وتحية الإسلام هي السلام، والسلام كلمة جميلة فيما بيننا وبين الله، وبيننا وبين أنفسنا، وبيننا وبين الأكوان من حولنا، وبيننا وبين الآخرين. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل عام وأنتم بخير.
اختيار محور شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في المؤتمر
كنت أود أن أكون معكم في هذا المؤتمر الحافل الذي يتقدم سنة بعد سنة، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، إلا أن الشواغل والمشاغل تحول دون تحقيق الرغبات والمرادات.
في هذا اللقاء الطيب، وفي تلك المحاور، اخترتُ محورًا من هذه المحاور وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وشفاعة النبي ستأتي للعالمين من آدم إلى يوم الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
وليس فقط لمن آمن به من المسلمين، لا لأمة الإجابة فقط ولا لأمة الدعوة فقط، بل إنها للعالمين.
شمول شفاعة النبي لجميع العالمين يوم القيامة
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
فثبت بذلك أن هناك شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم ستنال العالمين، كل أحد وكل فرد ممن خلقهم الله سبحانه وتعالى، سوى من حكم عليهم بالهلاك وبالعذاب وبالطرد وباللعن.
كل أحد سيستفيد في يوم الحساب من شفاعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. وبرهان ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في حديث الشفاعة الكبير الطويل، الذي يذهب فيه الخلق بعدما ملّوا وتعبت أجسادهم من وقوف ومن حساب ومن ذهول.
﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2]
ذهاب الخلق إلى آدم عليه السلام طلباً للشفاعة واعتذاره
كل أولئك يذهبون إلى آدم [عليه السلام]، وذهابهم إلى آدم أولًا لأنه أصل البشرية، ولأن الله سبحانه وتعالى خلقه بيديه، ولأنه وهو أصل البشرية هناك نسب الأبوة بينه وبين أولئك الخلق؛ فهناك ما يبرر أن يتقدم إلى ربه بالشفاعة لتخفيف ذلك اليوم.
وهذا يوم طوله عند الله ألف سنة:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]
بعد خمسمائة سنة من الوقوف ومن المحاسبة ومن الأخذ ومن الرد ومن أهوال يوم القيامة، يذهبون مستشفعين بآدم. فآدم يذكرهم بما ارتكبه من خطأ؛ لأن هذا الخطأ كان قبل التكليف الأرضي، إنما كان هو مخالفة وعصيان للأمر الإلهي في دار التشريف وليس في دار التكليف [الجنة].
اعتذار الأنبياء عن الشفاعة حتى يحيلوا الأمر إلى النبي محمد
ولذلك فهو [آدم عليه السلام] معصوم بعد ما نزل [إلى الأرض]، أصبح نبيًا وأصبح معصومًا من الخطايا عليه السلام. فيعتذر بما وقع فيه من خطأ وهو في حال وجوده في الجنة.
فيذهبون إلى نوح فيعتذر لهذه الهفوة التي صدرت منه بأن يتجاوز الله سبحانه وتعالى عن ابنه. فيذهبون وهو يحيلهم إلى إبراهيم فموسى فعيسى، وكل واحد يذكر ما يعتذر به، في حديث طويل.
إلى أن يحيلهم سيدنا عيسى عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، فيقول: أنا لها، أنا لها. فيذهب فيسجد عند العرش، ويلهمه الله حينئذ محامد كثيرة لم يلهمها أحد من قبله، حتى يقول الله له:
«يا محمد، ارفع وقل تُسمع، واشفع تُشفَّع»
فيشفع للخلق أجمعين.
الشفاعة العظمى وتفرد النبي بها ومعرفة الخلق لفضله
ومن هنا يعرف القاصي والداني، والذي كفر به والذي آذاه، والذي أيده ونصره وآمن به، الكل يعرف فضل النبي المصطفى على كل من خُلق من العالمين.
وهذه تسمى بالشفاعة الكبرى العظمى، وهو متفرد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعدّ العلماء شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حتى أوصلها بعضهم إلى عشر.
وهذه الشفاعات منها شفاعات لأهل البيت، ومنها شفاعات للصحابة الكرام، ومنها شفاعات للأمة في عمومها.
أنواع الشفاعات المتعلقة بالعقاب والدرجات والحساب يوم القيامة
وهذه الشفاعة التي معنا وهي الشفاعة العظمى، منها شفاعات تتعلق بنفي العقاب، ومنها شفاعات تتعلق بدرجات في الجنة، ومنها شفاعات تتعلق بإدخال الناس بلا حساب فتتعلق بالحساب، ومنها شفاعات تتعلق بزيادة الدرجات وهكذا.
فكل ذلك من شفاعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. نفعنا الله بشفاعته في الدنيا وفي الآخرة.
أثر الشفاعة على المؤمنين في الدنيا وخطورة إنكارها
في الدنيا لأن الشفاعة تؤثر على المؤمنين في الالتزام؛ لما يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سند لهم، ويقول:
«كل سبب ونسب مقطوع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»
فإنه يطمئن ويظن بالله ظنًا حسنًا، والله يقول:
«أنا عند ظن عبدي بي»
وهذا الظن يجعل هناك همة في قلوب الناس. ومن أجل ذلك فإن إنكار الشفاعة أمر خبيث؛ لأنه يريد أن يقطعنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وجوب الصلاة على النبي وجزاؤها بالشفاعة يوم القيامة
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل المنة من أحد، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالصلاة عليه. وفي مقابل هذه الصلاة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى علينا، حتى قال العلماء أنها واجبة عند ذكره دائمًا صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه يجازينا بها تلك الشفاعات وتلك الشفاعة العظمى.
فهذه الشفاعات التي هي دون العظمى إنما هي جزاء للمصلين على سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
خطورة إنكار الشفاعة وأثره في قطع العلاقة بالنبي المصطفى
ومن هنا كان إنكار الشفاعة وراءه ما وراءه في التتابع لإنكار العلاقة بيننا وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم. وصل الله حبل الود والحب والشفاعة بيننا وبينه في الدنيا والآخرة.
أما الآخرة، ففي هذا اليوم العجيب الذي وصف الله أهواله وأحواله، نحتاج إلى سند نلجأ إليه. من هذا السند إذا لم يكن هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
توسل آدم بمحمد صلى الله عليه وسلم عند خروجه من الجنة
وأخرج الحاكم في مستدركه أن آدم عندما خرج من الجنة توسل إلى الله سبحانه وتعالى وسأله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد العالمين.
فقال الله وهو أعلم بما هنالك: «وما أدراك بمحمد؟» قال: «رأيتك قد قرنت اسمه باسمك على قوائم العرش، فعرفت أنه حبيبك.» قال: «يا آدم، لولا محمد ما خلقتك ولا خلقت الدنيا.»
وهذا هو الذي أخذه العوام حتى قالوا: "لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك". هذا هو الذي صاغوه في هذه الصيغة، وإن لم تكن حديثًا وإن لم تُذكر بهذه الصيغة، إلا أنها مأخوذة من حديث الحاكم الذي صححه وجعله على شرط الشيخين.
علو قدر النبي واقتران اسمه باسم الله وجواز الحلف به عند الإمام أحمد
أمرٌ أوضح من الواضحات أن الله سبحانه وتعالى قد أعلى قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو أفضل العالمين. وهذا الاقتران بين اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين اسم الله سبحانه وتعالى جل جلال الله، هو الذي دعا الإمام أحمد إلى أن يقول أنه يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه أحد ركني الشهادتين.
فيجوز أن نقول "والله" وأن ينعقد اليمين، ويجوز أن نقول "والنبي" وينعقد اليمين. والحالف بالمخلوقات الأصل فيه أنه مكروه، إلا في سيدنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الإمام أحمد، وذلك لهذه المقارنة [بين اسمه واسم الله في الشهادتين].
الرد على المتطرفين في تبديع الشفاعة والحلف بالنبي وبيان موقف الجمهور
من هذه الأحكام يتبين لنا أن ما عليه المتطرفون من كل جانب بالإنكار أو بالاعتراض أو بالتبديع أو بتحويل الأمر من كونه جائزًا إلى كونه شركًا، كل ذلك يبين لك أن ما عليه جماهير المسلمين قد وفقهم الله تعالى في اختيارهم إياه والحفاظ عليه.
حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا وجدتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار»
نعم، في مسألة الشفاعة وفي مسألة الحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل ما تعود عليه الناس إنما هو اختيار فقهي صحيح، يلزمنا بهذه المسألة وهو أن نلتزم بما عليه سواد الأمة الأعظم ونترك تلك الترهات.
الرد على من يستدل بحديث الحلف بغير الله وبيان التخصيص الفقهي
يستدل أحدهم فيقول:
«من حلف بغير الله فقد أشرك»
وهو حديث ضعيف. والحديث الصحيح:
«من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»
واستثناء النبي صلى الله عليه وسلم جاء من أن كل عموم يمكن أن يُخصَّص. ولذلك فلا يجوز الحلف بالمخلوقات، حتى قال الإمام الجويني: وهو مكروه قطعًا.
فالإمام أحمد يجيزه [الحلف بالنبي]، والإمام الجويني يتكلم عن المخلوقات فيقول: مكروه قطعًا. وهؤلاء [المتطرفون] يحولونها إلى شرك! هذا الحال من التطرف هو نوع من أنواع تغيير ما ورثناه وهو صحيح من أمور الديانة ومن أحكام الديانة.
الدعاء بالتوفيق والختام بالصلاة على النبي وأمر التبليغ
بالتوفيق في مؤتمركم وفي سعيكم وفي تبليغكم، تمتثلون فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«بلِّغوا عني ولو آية»
بالتوفيق والسداد والعلو والترقي دائمًا، نفع الله بكم. وندعو الله أن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا، ونسأله أن يجازي عنا النبي المصطفى والحبيب المجتبى خير ما جازى نبيًا عن أمته ورسولًا عن قومه.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
مقدمة المقدم حول الشفاعة المحمدية ومحورية شخص النبي في العقيدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على درة الأنبياء وتاج المرسلين سيدنا محمد رحمة الله للعالمين، وعلى والديه وآله الطاهرين. وبعد:
الحضور الكريم، إن الشفاعة المحمدية في الدنيا والآخرة هي واحدة من القضايا المحمدية التي تشكل مكونًا أساسيًا صلبًا من مكونات العقيدة الحقة في شخص سيد البشر محمد رسول الله عليه صلوات الله.
ولقد أدرك أعداء الوحدانية محورية شخصه صلوات الله عليه، وحاولوا تقزيمه في أعين الناس والانتقاص من قيمته؛ بغية فك ارتباط المسلم الإيماني والانتمائي بشخصه صلوات الله عليه.
دفاع علماء الأمة عن النبي وخطر الفوضى المعرفية على عقائد الناس
وقد تبارى علماء الأمة في الدفاع عن نبيهم كل بأدوات عصره وعلى تعاقب القرون. والعامة تسلم للعلماء أمور دينها وشؤون دنياها؛ ثقة منهم بأن من يعتلي سدة العلم هو صحيح العقيدة في الله تعالى وفي رسوله المصطفى صلوات الله عليه.
ولكن باختلاط العلماء بالأدعياء في زمن الفوضى المعرفية، وانطلاق طوفان الكتب والمجلات والبرامج التلفزيونية والنصوص المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، جعل الكثير من الناس نتيجة لذلك يحتكمون إلى عقولهم الشخصية.
فأصبح كل منهم مكشوفًا لكل قادر على اختراق عقله من أفراد ينتسبون إلى مجموعات أو تيارات فكرية تهدم الضوابط وتنكر الحقائق.
إنكار الشفاعة المحمدية حلقة في سلسلة الإقلال من شخص النبي
كما هو الحال مع موضوع مؤتمرنا، فإنكار الشفاعة المحمدية في الدنيا والآخرة لا يزيد عن كونه حلقة في سلسلة مطولة الغرض منها الإقلال من شخص سيد البشر محمد رسول الله عليه صلوات الله.
مستهدفين النيل من علياء الإسلام وعلاء المسلمين، إذ كيف يكون للإسلام علياء وللمسلمين علاء إلا بإعلائنا لقدر من صلى الإله عليه وسلم، الرسول الخاتم للإسلام والزعيم الجامع للمسلمين.
تقديم الجلسة الحوارية الأولى حول الشفاعة في القرآن الكريم
الحضور الكريم، تأتي أولى جلساتنا الحوارية مع أول محور من موضوع المؤتمر بعنوان: الشفاعة في القرآن الكريم: إثباتها، ماهيتها، شروطها، ضوابطها.
وتتكون دائرة الحوار من سماحة الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق، وسيكون موجودًا عبر الإنترنت. ويدير الحوار أخونا الدندراوي أسامة سليمان من مركز دندرا بالسودان. الله أكبر.
ترحيب المقدم بالحضور والدعاء بشفاعة النبي في الدنيا والآخرة
نحن المحمديون ولله الحمد، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، حبه وارزقنا اللهم شفاعته في الدنيا والآخرة، وبارك اللهم لنا بحبه في كل نعمة أنعمت بها علينا، إنك أنت ولي ذلك والقادر عليه.
سمو الأمير هاشم، السادة العلماء الأجلاء، الحضور الكريم، المؤتمرون، لكم مني التحية في هذه الجلسة الحوارية، والتي أسعد سعادة غامرة أن أكون الشريفة فيها.
بيان أهداف اللقاء في كشف حقائق الشفاعة من القرآن والرد على الشبهات
ونحن في هذا اللقاء المبارك الذي نبين ونكشف فيه الحقائق عن شفاعته صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم، والتي كذلك ترد على كثير من الشبهات التي علقت في أذهان كثير من غير العالمين.
فنسأل الله التوفيق، مستعينًا بالله ومتوكلًا عليه أقول:
وما شربتُ لذيذ الماء من ظمأ ... إلا رأيتُ خيالًا منك في الكأسِ وما جلستُ إلى قومٍ أحدثهم ... إلا وكنتَ حديثي بين جُلّاسي والله ما شرقت شمسٌ ولا غربت ... إلا وذكرُك مقرونٌ بأنفاسي
صلى عليك العرش في الكتب، فأنت يا حبيبي سيد الناس. صلوا على النبي.
موضوع الشفاعة يسلم به كل صاحب فطرة سليمة وعقل راجح
الشفاعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم: لا شك أن موضوع الشفاعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمور التي يسلم بها كل صاحب فطرة سليمة وعقل راجح، وأنه يزن كل الأدلة العقلية والنقلية بميزان الشريعة السمحة؛ إذ لا إفراط ولا تفريط.
غير أن بعض المنكرين قديمًا وحديثًا لهم شبهات وأدلة نحتاج من علمائنا الأجلاء العارفين وأصحاب الفضيلة والسماحة إزالة هذا اللبس والبحث والتدقيق؛ لتمضي المسيرة القاصدة إليه صلى الله عليه وآله وسلم.
تقديم الدكتور علي جمعة والتعريف بمكانته العلمية وإسهاماته
ونحن نقدم في هذا اللقاء الطيب المبارك سماحة الشيخ الأستاذ الدكتور علي جمعة، والمعروف أحبتي في الله - المعروف لا يُعرَّف - فكلكم يعرف فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة. ولكن من باب التأدب في حضرة علمائنا ورثة الأنبياء، نقول عنه قليلًا في حقه.
ففضيلة الدكتور هو عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وعالم إسلامي معروف بوسطية طرحه وسماحة خلقه وسعة مداركه ورجاحة فكره. له العديد من الفتاوى الدينية والآراء المجددة، اتسمت بأسلوب سهل راقٍ في توصيل الأفكار الإسلامية وتصحيح صورة الإسلام في العالم.
فهو رائد من رواد العمل الاجتماعي في مصر، حصل على العديد من الدرجات العلمية العالمية الفخرية بعد حصوله على الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر، وشغل كذلك مناصب مختلفة وشارك في العديد من المؤتمرات.
إسهامات الدكتور علي جمعة في الفتاوى المعاصرة والتجديد الفقهي
له العديد من الفتاوى المعاصرة التي شغلت وأرهقت كثيرًا من علماء العالم الإسلامي بحثًا وتدقيقًا، فوفقه الله تعالى للبحث فيها وأبرزها للعالم الإسلامي الذي أخذ بناصيتها. حصل على أوسمة ودروع، نسأل الله أن يُعلي شأنه في الدنيا والآخرة.
فضيلة الدكتور علي جمعة دعا إلى التجديد في قضايا مهمة، منها دراسة وسمات العصر والصناعة والصياغة العلمية والتوثيق بما يتلاءم مع الثقافة المعاصرة. كما دعا إلى إحياء علم مقاصد الشريعة وتقسيمه إلى مستويات، ودعا إلى مكافحة الإرهاب والقضايا المتعلقة به.
له حقيقةً العديد من المؤلفات، حفظه الله وحفظ لنا علمه، وجعلنا بإذنه سبحانه وتعالى من الذين يأخذون بعلم علمائنا ورثة الأنبياء.
الترحيب بالدكتور علي جمعة عبر السكايب وشكر الاستضافة
إذا دعوتموني وأنا عبر السكايب مباشرةً، أرحب بفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي جمعة. السلام عليكم ورحمة الله، دكتور.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. سُعِدنا بك في هذا اللقاء الطيب المبارك، وكل الأسرة الدندروية نتقدم بالشكر لسموه الأمير هاشم على هذه الاستضافة عبر السكايب، ونشكر إدارتك لهذه الحوارية.
كما نحيي جميع الحاضرين ونحييهم أولًا بتحية الإسلام فنقول: السلام عليكم ورحمة الله، وأهلًا وسهلًا بكم.
سؤال عن تعريف الشفاعة وأركانها الأربعة: الإحسان والعدل والشهادة والحب
طيب، فضيلة الدكتور أمد الله في أيامك وبارك الله فيك، نحن نتحدث عن الشفاعة المحمدية من القرآن الكريم. دعني فضيلتكم وأستسمحكم في أن تعرِّفوا هذا الجمع الكريم المبارك في هذا اللقاء الحواري: ما هي الشفاعة وعلام تدل؟
أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، الشفاعة تشتمل على أربعة أمور:
- الأمر الأول هو الإحسان.
- والأمر الثاني هو العدل مع الرحمة.
- والأمر الثالث هو الشهادة بالحق.
- والأمر الرابع هو إظهار الحب.
فهذه الأربعة هي التي تتكون منها الشفاعة.
معنى الشفاعة في اللغة وحقيقتها كنصرة وتأييد بدوافع الحب والصحبة
الشفاعة معناها في اللغة النصرة والتأييد، وهذه النصرة والتأييد تتأتى بهذه الأركان الأربعة التي ذكرناها: إحسان، وشهادة حق، ورحمة مع عدل، وحب.
هذه هي الشفاعة: أن يأتي شخص فيطلب من آخر شيئًا من أجل ثالث. فهذا الإتيان دفعته الصحبة، دفعته الصداقة، دفعه الانتماء، دفعته العلاقة والود.
هذه هي الشفاعة سببًا وأركانًا.
من هم الشفعاء وهل شفاعتهم مشروطة بإذن الله سبحانه وتعالى
جزاك الله خيرًا وبارك الله في فضيلة الشيخ. فضيلة الشيخ، يعني كثير من الناس يسألون: من هم الشفعاء؟ وفي ماذا يشفعون؟ وهل شفاعتهم مشروطة متعلقة بإذن؟
القرآن نصّ في كل مواطن الشفاعة أنها بإذن الله سبحانه وتعالى:
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن شَفِيعٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنبياء: 28]
﴿إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 255]
فسبحانه وتعالى هو الذي يقبل الشفاعة، وهو الذي يوفق للشفاعة، وهو الذي يرضى بالشفاعة، وهو الذي ينفذ الشفاعة أو يردها. فالله سبحانه وتعالى غالب على أمره وهو القاهر فوق عباده.
أصناف الشفعاء يوم القيامة وأعظمهم النبي صلى الله عليه وسلم
فالشفاعة التي نتوجه بها إلى الله يوم القيامة قد يقوم بها الأنبياء، وقد يقوم بها الشهداء، وقد يقوم بها الآباء، وقد يقوم بها الصالحون والأولياء، وقد يقوم بها الملائكة الكرام.
وأعظم هؤلاء الشفعاء هو سيد الخلق وسند الوجود، الذي هو المثال الأتم صلى الله عليه وآله وسلم، والإنسان الكامل الذي ارتضى الله سبحانه وتعالى حاله ليكون أسوة حسنة للمؤمنين إلى يوم الدين.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
فهذا هو الشفيع الأكبر وهو الشفيع الأتم وهو الشفيع الأكمل صلى الله عليه وآله وسلم.
تنوع الشفعاء بنص القرآن من الملائكة والأصدقاء والوالدين والأبناء
ولكن الشفعاء بنص القرآن يختلفون: فالملائكة تشفع، والأصدقاء يشفعون، والوالدان يشفعون، والأبناء يشفعون لآبائهم، وهكذا.
وهي نوع من أنواع شهادة الحق التي يؤدونها للمشفَع له، وهي أيضًا نوع من أنواع الصلة والحب، وهي أيضًا نوع من أنواع الدعاء، وهي أيضًا رحمة مع عدل، وهي أيضًا إحسان.
الرد على الحداثيين والعلمانيين الذين ينكرون أهمية الشفاعة في هذا العصر
جزاك الله خيرًا فضيلتك، بارك الله فيك على هذه الإفادة والإجادة سيدي. هناك الحداثيون والعلمانيون وغيرهم من يقولون: والله إن الشفاعة ليست بالذات في هذه الآونة وفي هذا العصر ليست من الأمور الملحة.
هؤلاء، الحقيقة لهم غرض تبين لنا من كثرة قراءاتنا لترهاتهم ولكثرة اطلاعنا على مآلاتهم. لهم غرض واحد، وهذا الغرض لم ينالوه في أكثر من مائة سنة الآن. هذا الغرض هو نقض القرآن الكريم.
لم يستطيعوا، فالتفوا حول ذلك بالهجوم على السنة المشرفة. فمن هاجم السُّنَّة المُشَرَّفة وبيَّن للناس أنها تشتمل على أمور تخالف الفطرة السليمة أو تخالف العقل القويم أو التفكير المستقيم، فإنه يترسخ في نفسه ضدية وكراهية لهذه المعاني، حتى لو كانت راقية وحتى لو كانت سامية.
خطة الحداثيين في الهجوم على القرآن عبر إنكار السنة على مرحلتين
ثم في الخطوة الثانية والتي يدبرونها في خفاء ويكتمونها ويصرحون بها في مجالسهم بعيدًا عن العموم وعن عامة الناس، هو أنهم يُظهِرون للناس بعد أن تستقر في وجدانهم تلك الكراهية أن هذه الأمور كلها موجودة في القرآن، فيبتعد الناس عن القرآن الكريم.
حينئذٍ لم يستطيعوا الهجوم على القرآن مباشرة، فأرادوا أن يهجموا عليه بوسيلتين.
بيان الإمام الشافعي لعلاقة السنة بالقرآن على ثلاثة أنحاء
الإمام الشافعي نصَّ في الرسالة على أن علاقة السنة بالقرآن على ثلاثة أنحاء:
أولًا: النص، فهناك نص في الكتاب يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسيره.
والثاني: المجمل، فيكون في القرآن أمر مجمل ثم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفصله، كما هو الحال في الصلاة وفي الزكاة وفي الحج. ويقول صلى الله عليه وسلم:
«خذوا عني مناسككم»
أو يقول:
«صلوا كما رأيتموني أصلي»
والثالث ما نسميه بلغة العصر التطبيق، فإن هناك أمورًا سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه الأمور التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يوجد لها نص صريح في القرآن، بل فيها عدم مخالفة للقرآن أو فيها نص عام في القرآن، وتأتي السنة فتبرز هذا المعنى وتطبق هذا الحال. وهذا ما نسميه بالتطبيق.
كل حديث نبوي له أصل في القرآن نصاً أو إجمالاً أو عموماً
فهناك نص وهناك إجمال وهناك تطبيق. هذه الثلاثة نص عليها الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرسالة.
وبيّن أن بذلك ذهب قوم إلى أن ما من حديث إلا وله أصل في القرآن: إما نصًا، وإما إجمالًا، وإما عمومًا يندرج في التطبيق المعصوم الوحيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكتاب ربنا، الذي هو نبي مقيم والذي هو معجزة الرسالة تتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
فهذا هو الحال، فهم عندما يهاجمون السنة وينكرون ما فيها مما هو مذكور في القرآن، فهذه خطة للهجوم على القرآن على خطوتين، بعدما فشل الهجوم عليه على خطوة واحدة، وازداد الناس تعلقًا بكتاب الله وازداد الناس انبهارًا بكتاب الله وعرفوا ما فيه من معجزة.
حقيقة منكري السنة والشفاعة أنهم لا يؤمنون بالتكليف الإلهي
هذه هي خطة أولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون، ولكنني أظنهم قد قصدوا الشر وقصدوا هذه النية الخبيثة. وذلك أنهم لا يؤمنون بالكتاب ولا يؤمنون بسنة، بل ولا يؤمنون بإله.
وهم يفعلون هذا تغليبًا لشهواتهم؛ لا يريدون التكليف، لا يريدون "افعل" ولا "لا تفعل"، لا يريدون الالتزام بحدود الحلال والحرام وبحدود الله. هذا ثقيل على أذهانهم.
حتى سمعت أحدهم يقول: إنه ما من شيء يتمتع به في حياته إلا ويرى الله قد حرمه! هذه الفِطَر المعكوسة هي التي دفعت هؤلاء إلى هذا الوضع.
المقصود الحقيقي من إنكار الشفاعة هو الاعتراض على الله ذاته
فإنهم في الحقيقة لا يعنيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر ما يعترضون على الله في حد ذاته. يعني هو الله سبحانه وتعالى هو المقصود بهذا الهراء وبهذه الحرب التي يعلنون فيها الحرب على الله ورسوله.
ولكن في الحقيقة هذا نوع من أنواع الانحراف الشديد. فهذه مقدمة لكل ما هنالك ممن ينكر سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رأينا فيها الخير كله على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والعالم، على مستوى الحرب وعلى مستوى السلام، على مستوى كل علاقات الدنيا.
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعلًا نبراسًا وأسوة حسنة، وما أرسله الله سبحانه وتعالى إلا رحمة للعالمين.
سؤال عن منكري الشفاعة من بني جلدتنا وبيان أن الشفاعة ثابتة بالنص القرآني
شكرًا معالي الشيخ على هذا الرد الذي شفى غليل كثير من الإخوة الآن بحضرتكم، بارك الله فيكم. هل في الإمكان أن تحدثنا كذلك عن من هم من بني جلدتنا وهم أيضًا ينكرون أن هناك شفاعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل هناك مقاربة بينهم وبين أولئك النفر؟
عندما نسمع قوله تعالى الذي هو نص وتصريح:
﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُٓ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]
هذا نص يبين أن هناك شفاعة وأنها بإذن الله؛ لأنه هو القاهر فوق عباده.
الشفاعة ثابتة في حياة النبي وبعد انتقاله بنص القرآن الكريم
وهذا هو الذي كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنه موجود بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]
ولذلك يقول [الله تعالى في شأن المنافقين]:
﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]
فالله هو الذي يجعل الإنسان يستغفر لوالديه أو يجعل النبي يستغفر لأمته، ثم بعد ذلك يقبل أو لا يقبل؛ لأنه هو القاهر فوق عباده.
الحاجة الدائمة للشفاعة في الدنيا والآخرة وزيارة قبر النبي الشريف
فأنا لا أعرف من الذي ينكر الشفاعة! يقولون: ما حاجتنا إليها في هذا العصر؟ إننا دائمًا نحتاج إليها في الدنيا والآخرة؛ لأنه ليس مما نُسخ قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾ [النساء: 64]
فما زلنا نذهب إلى قبره الطاهر صلى الله عليه وآله وسلم، ونقف أمامه، ونسأله أن يستغفر لنا ربنا.
والنبي صلى الله عليه فيما أخرجه البيهقي وصححه يقول:
«تُعرَضُ عليَّ أعمالكم، فإن وجدتُ خيرًا حمدتُ الله، وإن وجدتُ غير ذلك استغفرتُ لكم»
فما زال إلى الآن يذهب المؤمنون إلى القبر الوحيد في العالم الذي يتأكد الجن والإنس والمؤمن والكافر أن هذا هو قبر النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، تطبيقًا لتلك الآية التي لم تُنسخ ولم تتغير.
المؤمنون يطلبون الدعاء من النبي والله هو الذي يستجيب أو يرد
لأنه ما زال المؤمنون يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلبون منه الدعاء وهو يدعو، ثم بعد ذلك الذي يستجيب أو يرد هو الله سبحانه وتعالى.
وورد فيما أخرجه البخاري أن النبي سيكون فَرَطَنا على الحوض، أي أنه سيكون أول الناس ذهابًا إلى الحوض، ثم إننا نذهب لنأخذ منه فنشرب. وندعو الله سبحانه وتعالى أن يسقينا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.
فيأتي بعضهم ويمد يديه فيُحال بينه وبين رسول الله، فيقول:
«يا رب، أصحابي أصحابي»
فيقول [الله تعالى]:
«صه يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»
الشفاعة فيها دعاء ورحمة وكل سبب ونسب مقطوع إلا سبب النبي
نعم، الشفاعة فيها نوع من أنواع الدعاء ونوع من أنواع الرحمة.
«كل سبب ونسب مقطوع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»
دعاء نوح لابنه والله لم يستجب له، لكنه دعا من فرط حبه فيه.
الرد على من يظن أن الشفاعة محسوبية وبيان أنها حب وشهادة حق
لما ظهرت النابتة من ناحية وظهر أولئك الناس من ناحية أخرى، وهما وجهان لعملة واحدة، كلاهما يصفون الإسلام بما ليس فيه. من أرادوا أن يقدحوا في هذه القضية [الشفاعة] قياسًا للغائب على الشاهد، وظنوا أن الشفاعة محسوبية أو نوع من أنواع عدم العدل أو نوع من أنواع الفساد.
حاشاه، فإن الله سبحانه وتعالى لا يُظلم عنده أحد، والظلم ظلمات يوم القيامة. إنما هو الحب الذي افتقدوه. ولذلك تكلمنا في "حاكموا الحب"؛ هؤلاء الناس لا يعرفون معنى الحب، فيعترضون على كثير من النصوص لأنهم لا يعرفون أن هؤلاء الناس أحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من أنفسهم، وأكثر من أولادهم، وأكثر من أموالهم، وأكثر من دنياهم، وملأ صلى الله عليه وآله وسلم وجدانهم.
المنكرون محجوبون عن حقيقة الحب النبوي ويعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا
هم لا يفهمون هذا. لماذا يفعل هؤلاء الناس هذه الأشياء وليست هناك مصالح واضحة بينهم؟ وذلك لأنهم:
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
ولا يعرفون أننا نحيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه فينا، وأنه صلى الله عليه وسلم:
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]
إذن هؤلاء الناس قد حُجبوا، سواء أولئك تلك النابتة التي شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو أولئك الذين يدبرون في الخفاء ما يدبرون.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]
الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع حتى المعتزلة والخوارج أثبتوها
فهذه الشفاعة ثابتة بالكتاب، ثابتة بالسنة، ثابتة بإجماع الأمة. حتى المعتزلة والخوارج أثبتوا الشفاعة، لكنهم اختلفوا في أمر آخر فوق الشفاعة وهو: لمن الشفاعة؟
إذن هذا أمر منصوص عليه.
أنواع شفاعة النبي لأهل الكبائر والصغائر والخروج من النار وعلو الدرجات
وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم [في الشفاعة أنه] يشفع لأهل الكبائر ويشفع لأهل الصغائر، ويشفع للخروج من النار، ويشفع في علو درجة المؤمنين في الجنة، ويشفع للعالمين في المشهد العظيم لكل خلق الله ممن سبقه وممن أتى بعده، وأيضًا ممن آمن به وممن كفر به.
يوم القيامة هو يوم عند الله:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]
هذا اليوم الطويل يصعب على الناس فيه الموقف العظيم ويصعب على الناس فيه الحساب، فيتدخل رسول الله كما في البخاري، بعدما ذهب الناس إلى آدم وإلى نوح وإلى إبراهيم وإلى موسى وعيسى وكلهم يعتذر عن هذا، حتى يؤول الأمر إلى سيد المرسلين فيقوم فيشفع في العالمين.
شفاعة النبي تسبب الخجل لمن أساء إليه وأنواع الشفاعات المتعددة
في كل الناس، في من أساء إليه، وهذا يسبب له خجلًا وحرجًا. لذلك الذي لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أو اعتدى عليه بالكلام أو اعتدى عليه بالفعل، كل ذلك سيكون يوم القيامة.
فالشفاعة أنواع وليست نوعًا واحدًا:
- •منها شفاعته لأهل الكبائر من الأمة.
- •ومنها الشفاعة لأهل الصغائر من الأمة.
- •ومنها الشفاعة في عدم دخول النار للمحكوم عليه فيها.
- •ومنها الشفاعة للإخراج من النار لأنه من الموحدين.
- •ومنها الشفاعة لعلو الدرجة في الجنة.
- •ومنها الشفاعة [العظمى للعالمين].
فالشفاعات مختلفة ومتعددة، وكلها حتى عدّها بعض العلماء عشرة أنواع من الشفاعات. فالكبائر هي نوع من أنواع الشفاعة، وستكون لهذا ولغير هذا يوم القيامة لسيد المرسلين.
صورة الشفاعة يوم القيامة بالسجود والثناء على الله والطلب
الشفاعة تكون في صورة طلب، قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: فاذهب فاسجد تحت العرش، فيلهمني الله بمحامد كثيرة لم يلهمها أحد من قبلي، حتى يقول:
«يا محمد، ارفع واشفع تُشفَّع، وقل تُسمع»
إذن فهو نوع من أنواع الثناء على الله، نوع من أنواع الدعاء والطلب، نوع من أنواع بيان مكانة النبي بين الأمم، نوع من أنواع تحقيق وعد الله سبحانه وتعالى أن يكون رحمة للعالمين.
نوع من أنواع العدل، نوع من أنواع الرحمة، هو نوع من أنواع الحب، هو نوع من أنواع الإحسان، هو نوع أيضًا من أنواع شهادة الحق.
فكل هذه المعاني الجليلة تؤديها الشفاعة بأنواعها المختلفة وبدرجاتها المتعددة.
هل الشفاعة تتنافى مع عدل الله وبيان أنها في انتفاء الوعيد لا الوعد
شكرًا شكرًا معالي الدكتور على هذه الإجابة. ودعنا أن ننتقل إلى محور آخر معك: هل الشفاعة تتنافى مع عدل الله سبحانه وتعالى؟
الشفاعة لا تتعارض مع قول الله تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]
فهناك من ربنا وعد ووعيد. فالشفاعة تكون في انتفاء الوعيد وليس في انتقاص الوعد. بل إنه فعلًا ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره، ثم يأتي الشفيع فيقول: يا رب، إنه أخلص النية، وإنه فعل كذا وكذا وكذا من الأمور، وإنه كان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى في الدنيا.
فمن أجل هذه الأعمال الصالحات، ومن أجل حب الآخرين له، وتهدئةً وتلطيفًا لقلب أمه وأبيه وأخيه وزوجته وغيرهم إلى آخره. يعني هذا هو عين العدل، هذا هو عين الحب.
الشفاعة عين العدل لأنها في ترك الوعيد وهو مأمول من الكريم سبحانه
نعم، أظن يا بني يجب أن تغلق الآن، يجب أن نغلق. خلاص لا يوجد... ها نحن نسمعك الآن مع دكتور. الآن تسمعونني؟ نعم، نعم، تفضل.
فأنا أقول إن الشفاعة هي عين العدل، وإن الشفاعة العدل جزء منها؛ لأنها حب ورحمة مع عدل، هي تُعرَّف هكذا. وهي فيها شهادة حق.
يعني بدون الشفاعة يكون هناك ظلم! الشفاعة ليست محسوبية حتى تكون قادحة في العدل. والعدل إنما هو في عدم تنفيذ الوعيد وليس عدم تنفيذ الوعد.
فالله سبحانه وتعالى - قل صدق الله - هو سيوفي وعده على أحسن ما يكون. ولكن نتشفع له سبحانه وتعالى أن يترك وعيده. وترك الوعيد هو مأمول من الكريم.
فترك الوعيد عدل، وترك الوعيد مسامحة، وترك الوعيد حب، وترك الوعيد إحسان. والله سبحانه وتعالى أهل لذلك.
شفاعة النبي في تخفيف الصلاة ليلة الإسراء والمعراج وعلاقة الأنبياء بالله
شكرًا شكرًا يا معالي الدكتور. طيب، هل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعة فيما ينزل به الوحي من تخفيف أو تعديل؟ في حديث الإسراء والمعراج طلب التخفيف [في الصلاة]، والذي نصحه في ذلك هو سيدنا موسى [عليه السلام].
علاقة الأنبياء وأهل الله والعارفين بالله هكذا؛ نحن لنا أمل ورجاء في الله سبحانه وتعالى. فالذي ينكر هذه الأشياء يظن أنه يتعامل مع مدير شركة من شركات المياه الغازية!
الأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك. هذا رب العالمين، هذا المتصف بالجلال والجمال والكمال، فله قواعد وله أحكام غير هذه التي لرؤساء الشركات عابرة القارات.
الختام بالشكر والدعاء والصلاة على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم
ونشكر لك هذا الوقت الذي تفضلت به علينا وعلى هذه الجمعة الطيبة المباركة، نسألكم الدعاء.
ونسأل الله سبحانه وتعالى لكم التوفيق والسداد، بارك الله فيكم. وصلى الله وسلم على سيدنا النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم.
شكرًا لكم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
