طريق الجنة | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •يروي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه: من أصبح صائماً؟ من تبع جنازة؟ من أطعم مسكيناً؟ من عاد مريضاً؟ فأجاب أبو بكر بأنه فعل كل ذلك، فقال النبي: ما اجتمعت هذه الخصال في امرئ إلا دخل الجنة.
- •نهى النبي النساء المسلمات عن احتقار هدايا جاراتهن ولو كانت صغيرة كفرسن شاة، فلا ينبغي استصغار أي معروف.
- •روت زينب زوجة عبد الله بن مسعود أنها سألت النبي إن كان يجزئها أن تنفق على زوجها وأيتامها من صدقتها، فأجابها بأن لها أجرين: أجر القرابة وأجر الصدقة.
- •كان عبد الله بن مسعود فقيراً مع كونه عالماً وقارئاً للقرآن، وكانت زوجته تنفق عليه.
- •يحثنا الدين على التعاون والإنفاق بنية خالصة دون منّ أو أذى.
افتتاح الحلقة بالبسملة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.
دعاء افتتاحي بالمغفرة والثبات على الإيمان وقبول الصيام والقيام
اللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، وأقمنا في الحق وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصادقين.
اللهم تقبّل منا صيامنا وقيامنا، وأعنّا على أنفسنا، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا.
اللهم يا ربنا اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
حديث أبي بكر الصديق في اجتماع خصال الخير التي تدخل الجنة
مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه:
قال صلى الله عليه وسلم وهو مجتمع مع صحابته: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن» -يعني هذه الخصال، هذه الأفعال- «في امرئ إلا دخل الجنة».
إذن هذا هو طريق الجنة.
تحليل خصال أبي بكر الصديق من صيام وتعاون وإطعام ومواساة
انظر إلى ماذا يفعل أبو بكر رضي الله عنه: كان عابدًا؛ «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» كان صائمًا. «من تبع منكم اليوم جنازة؟» يتعاون مع الحالة الاجتماعية. «من أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» إذن هذا يقوم بشيء متعدٍّ؛ لا يقوم بالصيام والصلاة فقط، بل بشيء يتعدى خيره إلى الآخرين.
قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» في مواساة [للمرضى]. «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة.» فطريق الجنة واضح، ولكن بعض الناس يحاول أن يجعله صعبًا، وهو سهل على من سهّله الله عليه.
حديث النبي في النهي عن احتقار المعروف ولو كان قليلًا كفرسن شاة
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«يا نساء المسلمات، لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فِرْسِن شاة».
يعني ولو كان فِرْسِن شاة. وفِرْسِن الشاة هذا يعني رِجْل الماعز، ورِجْل الماعز هذه شيء ليس فيها لحم؛ ولذلك ليست شيئًا مهمًّا. ولكن لا يحقرنّ أحد من المعروف شيئًا، وهو نفس معنى:
«اتقي الله ولو بشقّ تمرة».
طبعًا شقّ التمرة هذا يعني نصف تمرة، يعني ماذا ستفعل؟ لا تُسمن ولا تُغني من جوع، لكن لا تحقرنّ من المعروف شيئًا.
حسن استقبال الهدية من الجار والنهي عن التكلف والأمر بالبساطة والتعاون
فإذا أعطاني الجار هدية لا أستقلّها، بل أقابلها بحسن استقبال ولو كانت رِجْل معزة؛ لأنه نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التكلّف وأمرنا بالبساطة، ولكن أمرنا أيضًا بالتعاون.
ولذلك ما دامت الأخلاق شكلها هكذا، إذن لا يحقرنّ أحدنا من المعروف شيئًا عن أخيه. مرة يتهمون الناس بالبخل، ومرة يتهمونهم بالسَّرَف، ومرة يتهمونهم بالترف، ومرة يتهمونهم بالقبض، وهكذا من غير شيء يُعَدّ إليه. وهذا هو الاحتقار [الذي] نُهينا عنه.
الفرق بين المعاني الجيدة والسيئة كالشجاعة والتهور والكرم والإسراف
لكن لم نُنْهَ عن الأمر بالمعروف وعن النهي عن المنكر، وعن أن ندرك الفرق بين المعاني المختلفة:
- •الشجاعة والتهور.
- •الكرم والإسراف.
- •الحرص والبخل.
ما بين المعاني الجيدة والمعاني السيئة بينهم خط فاصل، وهذا الخط يرجع إلى النية، ويرجع إلى العُرف، ويرجع إلى العادة، ويرجع إلى أمور كثيرة في الحقيقة.
التعريف بزينب زوجة عبد الله بن مسعود وصفاته العلمية والمعيشية
والنبي صلى الله عليه وسلم، انظروا هذا الحديث الجميل: عن زينب زوجة عبد الله [بن مسعود]. زينب هذه كانت زوجة لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وعبد الله بن مسعود من فقهاء الصحابة الكبار ومن القرّاء؛ لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إذا أردتم أن تسمعوا القرآن كما أُنزل فاسمعوه بقراءة ابن أمّ عبد».
وكان عبد الله بن مسعود أيضًا ضعيف البنية، وكان ساقه رفيعة، وكان عبد الله بن مسعود فقيرًا ليس من أغنياء المسلمين. هذه كانت صفات عبد الله بن مسعود: العالم التقي النقي، القارئ الفقيه، الذي كان أيضًا في الوقت نفسه ضيّق الحال، أو أن الدنيا ضيقة عليه؛ أي لم يكن من الأغنياء.
زينب تسأل عن حكم إنفاق الزكاة على زوجها وأيتامها في حجرها
فزوجته اسمها زينب. فزينب امرأة عبد الله رضي الله تعالى عنها قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم. النساء يقفن في الصلاة خلفًا والرجال يقفون أمامًا؛ لأن المرأة قد تداهمها الحيضة فتنصرف وتنسحب من الصلاة، ولكن لو كانوا مختلطين الرجال مع النساء يصبح عندها حرج ويكون هناك قطع للصفوف وهكذا.
فالتنظيم ولأن المرأة تحيض والرجل لا يحيض، فجُعل الرجال في الأمام والنساء في الخلف. والآن هم يُشنّعون على الإسلام ويقولون إن الإسلام يحتقر المرأة، بل بالعكس هو يُعلي من شأنها ويُنظّم من شأنها ويجعلها في مكان هو أليق بها وأكثر راحة.
حكمة جعل النساء في الصفوف الخلفية إكرامًا لهن ومراعاة لخصوصيتهن
المرأة أيضًا كانت تصطحب الأطفال معها في حضانتها. المرأة أيضًا صلاتنا فيها سجود، ولا يسجد لله رب العالمين اليوم في العالم كله في صلاتهم إلا المسلمون. المسلمون فقط هم الذين يسجدون لله.
فالمرأة عندما تسجد كانت تستحي أن يراها الرجال لو كانت متقدمة. ولذلك كله وإكرامًا للمرأة وعملًا بخصائصها ووظائفها كانت في الصفوف الخلفية.
زينب تنفق على زوجها عبد الله بن مسعود وعلى أيتام في حجرها
فرأت [زينب] النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه بعيد هكذا، فقال وهو في الدرس وهي في الخلف:
«تصدّقن ولو من حُلِيّكُنّ».
كانت زينب تنفق على عبد الله [بن مسعود]؛ يعني الزوجة هي التي تنفق على الزوج، لأن عبد الله بن مسعود كان فقيرًا. فزينب تنفق عليه وعلى أيتام في حِجرها؛ في حِجرها يعني كانت تنفق على سيدنا عبد الله بن مسعود، وكانت تنفق أيضًا على الأيتام الذين هي متكفّلة بهم، الذين نحن عنهم الآن نقول الأسرة الكفيلة وكفالة الطفل.
سؤال زينب للنبي عن جواز إنفاق الزكاة على زوجها وأيتامها عبر بلال
قال: فقالت [زينب] لعبد الله: سَلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حِجري من الصدقة؟ يعني هل أُخرج الزكاة ويحلّ لي أن أعطيها لك وأنت زوجي وأصرف على هؤلاء الأولاد منها؟
فقال [عبد الله بن مسعود]: اسألي أنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. يبدو أن سيدنا عبد الله بن مسعود يعني كان متحرّجًا من أن يُتّهم أو يسأل السؤال بطريقة معينة فيأخذ الإجابة. فقال لها: لا، اسألي أنتِ، أنا لا شأن لي بهذه الحكاية.
زينب والأنصارية تطلبان من بلال سؤال النبي دون الإفصاح عن هويتهما
قالت: فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي؛ تريد أن تسأل أيضًا. فمرّ علينا بلال فقلنا له: سَلِ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حِجري؟
وقلنا: لا تُخبر بنا، يعني لا تقل له من نحن. زينب زوجة عبد الله بن مسعود وهذه الأنصارية تقول له: لا تُخبر بنا يا بلال.
النبي يسأل بلالًا عن هوية السائلتين ويجيب بأن لزينب أجرين
فدخل [بلال] فسأله [النبي صلى الله عليه وسلم]، فقال: من هما؟ نعم، انتهى؛ لا يستطيع بلال بعد ذلك [أن يكتم]، ما دام سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم سأله مباشرة.
قال: زينب. أيضًا [النبي صلى الله عليه وسلم] يريد أن يفي بما أرادته زينب. قال: زينب. قال: أيّ الزيانب؟ أيّ الزيانب؟ فزينب [اسم] كثير، هناك ناس كثيرون بنات كثيرات اسمهن زينب. فقال: امرأة عبد الله [بن مسعود]. فعرفها صلى الله عليه وسلم.
فقال:
«نعم، لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة».
ستحصل على أجرين بذلك: أجر القرابة وأجر كونها زوجته، وأجر الصدقة لأنها أخرجتها.
حكمة سؤال النبي عن هوية السائلة للتحقق من استحقاق الزكاة
ولماذا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم [عن هويتها]؟ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعلم مدى احتياج السائل من عدمه؛ لأنه لو كانت زينب زوجة رجل آخر وهو يعلم منه الغنى، فإنه لا يجوز له الصدقة.
فالصدقة لا تجوز لغني ولا لذي مِرّة قوي؛ يعني القادر على الكسب والعمل وكذا إلى آخره، لا تجوز له الزكاة.
إنما الزكاة للفقراء والمساكين [إلى آخره].
إذن فسأل من أجل أن يُحقّق الواقعة.
حرص زينب على الستر وموقف النبي في مقام الإفتاء والتعليم
زينب لم ترد أن تُخبر حتى تستر على عبد الله [بن مسعود] أنها تنفق عليه أو كذلك إلى آخره، وتأخذ السؤال مجرّدًا. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مقام الإفتاء، وهو في مقام التعليم، وهو في مقام الوالدية -«أنا منكم مثل الوالد للولد»- كان لا بدّ عليه أن يسأل: من؟
فقال: زينب. قال: أيّ الزيانب؟ قال: زينب امرأة عبد الله بن مسعود.
هل يكون بلال بذلك قد أخلّ بالوصية التي أوصته زينب؟ لا؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلب لا بدّ أن نُجيب، ولا بدّ على زينب نفسها أن تُظهر هذا. ولذلك من أدب بلال الذي يُعلّمه لنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا قضى أمرًا لا تكون لنا الخيرة في أمرنا هذا.
معاني التعاون في الحديث وتحذير الزوجة من المنّ بالإنفاق على زوجها
الحديث فيه معانٍ كثيرة جدًّا من التعاون، وتركه كثير من الناس. والزوجة الآن التي تنفق على زوجها لا تجعل ذلك في سبيل الله، بل تجعله مِنّة، وهذا يُذهب ثوابها ويُذهب أجرها.
في حين أن لها أجرين إذا هي أخلصت، وإذا هي أعطت هذا من قلبها عند الحاجة وعند الفقر.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
