عدم التكلف | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التكلف، كما ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نهينا عن التكلف".
- •التكلف أصبح عادة متبعة في حياتنا اليومية في الملبس والمأكل والزواج والمعيشة، مما يؤدي إلى الإسراف والتكبر.
- •أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا نتكلف للضيف ما ليس عندنا وأن نقدم ما حضر.
- •قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما".
- •البساطة قيمة مهمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت وسادته من جلد حشوها ليف.
- •كان طعامه بسيطاً حتى أن الشهر يمر ولا توقد في بيته نار، وإنما يعيش على التمر والماء.
- •وضع النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة للتعايش في مختلف المجتمعات، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة.
- •البساطة والتواضع من القيم العالمية المهمة التي دعا إليها الإسلام.
افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين في رمضان
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا وأهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان الكريم.
حديث عمر بن الخطاب في النهي عن التكلف وحكمه المرفوع
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«كنا عند عمر فقال: نُهينا عن التكلف»
ولما الصحابة الكرام يقولون "نُهينا" فإن الناهي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقولون عن مثل هذه الأحاديث إنها في حكم المرفوع؛ لأن الصحابي لم يصرّح ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قال: "نُهينا".
إنما إذا صدرت من كبار الصحابة كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأبي بكر وعلي وأمثال هؤلاء، فمن الذي ينهاهم ومن الذي يأمرهم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك عدّوا ذلك في حكم المرفوع إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كراهية النبي للتكلف وانتشاره في حياتنا المعاصرة
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التكلف، والتكلف قد وقعنا فيه منذ زمن طويل حتى أصبح عادة متّبعة، وحتى أصبح الآن وكأنه هو الأصل.
تكلّفنا في ملابسنا، وتكلّفنا في أكلنا، وتكلّفنا في زواجنا، وتكلّفنا في معيشتنا، وتكلّفنا في كل شيء.
التكلف يؤدي إلى الإسراف والتكبر المنهي عنهما شرعًا
والتكلف يؤدي إلى الإسراف، والله سبحانه وتعالى نهى عن الإسراف، ويؤدي إلى التكبر، وربنا سبحانه وتعالى قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث القدسي يقول إن ربنا سبحانه وتعالى يقول:
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما أخذته ولا أبالي»
انظروا إلى حبة الخردل؛ حبة الخردل الجرام الواحد يزن ستة آلاف حبة خردل، فحبة الخردل تعني واحدًا من ستة آلاف من الجرام. تصوروا لو أن في قلب أحدنا كِبر بهذا القدر البسيط جدًّا فإنه لا يدخل الجنة.
وطبعًا هذا يعني أن فيه ترهيبًا شديدًا ضد الكبر، وفي الوقت نفسه هو ضد التكلف؛ فالشخص المتكلف مسرف ومتكبر وليس لديه رضا.
جمع صفات التكلف في خلق البساطة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم
وكل هذه الصفات يمكن أن نجمعها كما ذكرنا من قبل في خُلُق البساطة التي ضربنا لها أمثلة ومواقف في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسلمان الفارسي كان يقول: أمرنا - هو هنا بوضوح أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمر رضي الله عنه يقول: "نُهينا عن التكلف"، من الذي نهى؟ نحن نقول إنه رسول الله، لكن هنا سلمان صرّح وقال:
قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألّا نتكلف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدم ما حضر»
أخلاق المشايخ في زيارة الإخوان دون تكلف وتطبيق حديث سلمان
من الأخلاق التي أدركناها على مشايخنا الكرام أنهم كانوا إذا زاروا أخًا لهم في الله زاروه من غير ترتيب ومن غير موعد، خاصة إذا كان الوقت وقت الطعام؛ حتى لا يتكلف لهم ويُحضر لهم ويكلّف نفسه ما لا يطيق، [بل يقدّم] الحاضر.
ومرة من المرات ذهبنا إلى أحد الشيوخ الكرام رحمهم الله جميعًا بهذه الطريقة، وكان الوقت هو وقت الغداء بعد الظهر - والمصريون يعتادون أن يأكلوا وجبة الغداء ما بين الظهر والعصر - فأمر أهله بأن يُحضروا ما عندهم، لا زيادة ولا نقصان، من غير تكلف.
[فعل ذلك] لينفّذ ذلك الحديث الشريف الذي أخرجه البيهقي عن سلمان رضي الله تعالى عنه وهو يقول:
«أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدم له ما حضر»
فانظر إلى حياتهم التي طبّقوا فيها هذا المعنى.
قصة الملبن عند الشيخ المبارك وبركة البساطة في الضيافة
فلما أكلنا قال لهم [الشيخ] بعد الأكل: كان مقررًا هكذا الطعام، وبعد ذلك الحلوى، وبعد ذلك الشاي والقهوة - والحلوى يكون فاكهة أو يمكن أن يكون أي شيء.
فقال لأهل بيته: أريد حلوى، فقالوا له: والله ما عندنا حلوى، ما صنعنا اليوم مهلبية ولا صنعنا كنافة ولا صنعنا شيئًا، ما يوجد حلوى. قال: لا، يوجد! أنا وضعت في الخزانة علبة ملبن.
وقام وأتى بالملبن، فوالله ما وجدت أحلى منه في فمي إلى يومنا هذا! الملبن الخاص بهذا الشيخ المبارك رضي الله تعالى عنه.
هذا من بركة البساطة؛ هذه البساطة لم يتكلف الرجل، وما عنده أدّاه وهكذا. فلما جاءت قضية الحلوى هذه فعلى الفور ما عنده قدّم، ما حضر فقدّم ما حضر، فكان ما ألذّه وما أطعمه!
التوازن بين الكرم وعدم الإسراف في ضوء الآية الكريمة
الآن ندخل في موائد وفي تكلفة وفي كذا إلى آخره، ولا بأس من الكرم ولكن بدون سَرَف، ونحن مواردنا في هذا العالم محدودة.
ولذلك [قال الله تعالى]:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
حديث عائشة في اختيار النبي لأيسر الأمرين وعدم انتقامه لنفسه
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:
«ما خُيِّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يُؤتى إليه قط حتى تُنتهك حرمات الله»
فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ينتقم لنفسه أبدًا، ولم يكن يغضب [لنفسه]، وكان يقول:
«لا تغضب ولك الجنة»
وكان صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه التسامح، ويعلّمهم العفو عند المقدرة، ويعلّمهم هذه المعاني.
قاعدة اختيار أيسر الأمرين أساس في الاختيار الفقهي وحل المشكلات
ولكن الأهم هو أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وهذا أساس كبير حتى في الاختيار الفقهي؛ فإن دين الله يدعونا في الاختيار الفقهي أن نختار أيسر الأمرين، أكثرهما تحقيقًا للمصالح، أكثرهما تحقيقًا للمقاصد الشرعية.
ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما - لو جلسنا وكتبناها هكذا كشعار لنا في حياتنا الدنيا، لحللنا مشكلات كثيرة نفسية في ذات الإنسان واجتماعية في علاقاته مع الآخرين، لأصبحنا أكثر فهمًا للدين، ولاستوعبنا ما ندعو إليه من التعايش.
أمثلة النبي في التعايش مع غير المسلمين في مختلف البيئات
قد تكون هناك معاصٍ كثيرة حولنا، وقد تكون هناك فتن كثيرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش وسط المشركين في مكة، فكيف عاش؟ والصحابة الكرام توجهوا إلى الحبشة فعاشوا مع أهل الكتاب، فكيف عاشوا؟ وهو [صلى الله عليه وسلم] في المدينة عندما وصل إليها كان هناك من المدنيين من هو مشرك، وكان هناك اليهود، فكيف عاشوا؟
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب لنا كل الأمثلة:
- •ضرب لنا مثلًا حين الغربة في الحبشة.
- •وضرب لنا مثلًا حين القيام في مجتمع غير إسلامي بالمرة.
- •وضرب لنا مثلًا عندما يكون المجتمع مسلمًا لكن فيه غير المسلمين.
- •وضرب لنا مثلًا عندما يكون المجتمع ليس فيه إلا المسلمون.
ضرب لنا كل الأمثلة؛ لأنه دين ذو نسق مفتوح، والمسلم موجود في كل مكان وزمان، موجود هنا وهناك، موجود في كل الدور.
القاعدة الذهبية في اختيار الأيسر تتناسب مع طبيعة الدين الإسلامي
ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضع لنا هذه القاعدة الذهبية تتناسب مع طبيعة هذا الدين وما نحن عليه:
«ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما»
قيمة البساطة قيمة مهمة، وهي من القيم العالمية ومن الأخلاق النشطة الحية التي يدعو إليها حتى اليونسكو كما قدّمنا في بدايات رمضان.
بساطة فراش النبي ووسادته من الجلد والليف
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت ضِجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أَدَم [جلد] حشوها ليف - جلد ومحشو بالليف - هذه وسادته.
الضِّجعة تعني الشيء الذي يضطجع عليه صلى الله عليه وسلم، من جلد ومملوءة بالليف، ليس ريش نعام ولا قطن مثلًا، مسألة شديدة قليلًا.
وأيضًا كانت [عائشة رضي الله عنها] تقول: كانت وسادة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ينام عليها بالليل من جلد حشوها ليف.
بساطة عيش النبي وطعامه التمر والماء فقط
فبساطة عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكّرنا بأنها [عائشة رضي الله عنها] كانت تقول: إن الشهر يمضي ولا يُوقد في بيته نار، إن هو إلا التمر والماء.
وكانت العرب تسمّي التمر والماء بالأسودين. صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله!
دعوة النبي إلى البساطة والتعاون والدعاء الختامي في رمضان
إنه [صلى الله عليه وسلم] وهو يعلّمنا البساطة يعلّمنا أيضًا أن نتعاون جميعًا على هذه الأخلاق، والتعاون قيمة أخرى في حزمة أخرى سوف نعالجها في حلقاتنا القادمة إن شاء الله تعالى.
إنما لا بد لنا أن ندعو ونحن في شهر رمضان: اللهم اجعلنا نتخلّق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعنّا على أنفسنا، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا رب العالمين.
اللهم اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم، تقبّل منّا فارحمنا واغفر لنا واختم لنا بخاتمة السعادة جميعًا.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
