علاقة التصوف بالبدعة | رب لترضى جـ 1 | حـ 12 | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

علاقة التصوف بالبدعة | رب لترضى جـ 1 | حـ 12 | أ.د علي جمعة

24 دقيقة
  • البدعة عند جمهور العلماء هي الحادث المخالف للدين وليس كل حادث، فالمسلمون أحدثوا أموراً كثيرة بعد عصر التشريع.
  • نشهد في المساجد ثلاثين أو أربعين أمراً محدثاً مثل فرش السجاد، وخلع النعال، وتجويف المحراب، والمنبر ذي الدرجات الكثيرة.
  • الصحابة كتبوا المصحف دون نقط أو شكل، ثم أضيفت هذه العلامات لاحقاً، وقُسم القرآن إلى أجزاء وأحزاب للتيسير.
  • استخدم المسلمون السبحة للعد في الذكر، ورأينا أمثلة ذلك عند الصحابة كأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص.
  • حديث افتراق الأمة فيه اضطراب في رواياته، وقوله "ما أنا عليه وأصحابي" يُقصد به المنهج وليس العصر.
  • يريد البعض العودة لعصر النبي حرفياً، وهذا يتناقض مع عالمية الإسلام وشموليته.
  • البدعة المذمومة هي المخالفة لأصول الدين وفروعه، أما ما يخدم الدين فمقبول.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالضيوف للحوار حول قضايا التصوف

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات "رب لترضى" مع مجموعة من الشباب الطيبين، الأخ محمد والأخ بلال والأخ أحمد، فأهلًا ومرحبًا بهم. نتحاور حول قضايا التصوف وما يثيره بعضهم حول هذا المعنى الجليل.

سؤال عن الأذكار التي يعطيها الشيخ للمريد ولم ترد عن النبي بهذه الهيئة

[السائل]: بارك الله فيك يا سيدي، أستأذن حضرتك يا مولانا، كان حضرتك تحدثت لنا عن موضوع الأذكار التي يمكن أن يعطيها الشيخ للمريد، وفكرة أنها يمكن أن تكون هذه الأذكار لم ترد عن سيدنا النبي، أو لم يرد أن سيدنا النبي أعطاها للصحابة بالهيئة هذه أو بهذه الطريقة، فما رأي حضرتك؟

[الشيخ]: نحن كنا قد حررنا معنى البدعة وقلنا إن جمهور العلماء على أن البدعة هي الحادث المخالف للدين وليس كل حادث. وضربنا لذلك مثالًا بالرجل الذي دعا عند الرفع من الركوع، وضربنا لذلك مثالًا أن بلالًا قد صلى ركعتين عند الوضوء.

اجتهاد الصحابة كان قبل إقرار النبي وليس بعده

وهناك كثير من المواقف كانت فيها هذه القضية، وهي قضية تشبه اجتهاد الصحابة. اجتهاد الصحابة اجتهدوا، ليست القضية هي أن النبي قد أقر اجتهادهم من عدمه؛ لأنهم فعلوا اجتهادهم قبل إقرار النبي، إقرار النبي هذا جاء بعد ذلك.

لكن هم صدر منهم الاجتهاد قبل إقرار النبي.

الاجتهاد بعد انتهاء فترة التشريع وأمثلة من عصر الصحابة

[السائل]: لكن هم يا سيدي، فإن هذا كله فترة التشريع.

[الشيخ]: فهذا كله كان يحدث لأن النبي بعد ذلك يُقِرّ فيكون بذلك أكمل الدين وأتمه. أبدًا، بعد التشريع رأينا التراويح [صلاة التراويح التي جمع عليها عمر بن الخطاب الناس]، نعم، رأينا جمع المسلمين على كتاب واحد [جمع القرآن في مصحف واحد].

ورأينا ما لا يُحصى من التصرفات من جيل الصحابة فمن بعدهم، ومن ضمنها أن المساجد تُفرش بالسجاد وكان هو حصباء [حصى].

خلع النعال في المساجد بعد دخول السجاجيد وعلاقته بالطهارة

ولذلك كانت الصحابة يصلون في نعالهم. المجوس كانوا يمشون على السجاجيد بالنعال، فاستكبروا هذا، أي جعلوه عظيمًا في أنفسهم أن يقلدوا المجوس، فبدؤوا في خلع النعال. خلعوا النعال مع دخول السجاجيد إلى المساجد.

وثانيًا لو دخلنا بالنعال المتربة المُطيّنة التي تحمل من أقذار الطريق، فإن السجاد يحتفظ بهذه الأقذار، ونحن ديننا دين طهارة: طهارة مكان، طهارة ثياب، طهارة بدن. ولذلك لا يتناسب معه أن نصلي في نعالنا وإن كان الحال النبوي أنه كان يصلي في نعاله، بل أمر المسلمين أن يصلوا في نعالهم.

تطور المنبر والمحراب في المساجد استجابة لتوسع المسجد

حدث أن اتسع المسجد ولم يكن على هذا الحد من الروضة الشريفة التي يضعون فيها الآن سجادًا مميزًا، مميز في اللون ومميز للروضة، ما فيها يعني يمكن أن تتسع لثلاثمائة أو نحو ذلك. فالمسجد أصبح فيه ألف، فبَعُد المصلي عن الخطيب.

فذهبوا بدلًا من أن يجعلوا المنبر ثلاث درجات على الهيئة النبوية، ذهبوا فجعلوه اثنتي عشرة درجة حتى يصل الصوت إلى منتهاه. إذن أنا أفهم الآن الدين وأريد تطبيقه.

وقفت [الإمام] في المحراب فانقطع الناس [عن الصف]، فجوّفوا المحراب حتى يستقل الإمام فيتصل الصف.

تغير حكم الصلاة بين العمودين بعد تنظيف المساجد وفرشها

لما أن كانت السجاجيد [غير موجودة]، كان الأول ما بين الأعمدة أماكن لوضع المهملات، فنهى رسول الله عن الصلاة بين العمودين. فلما نُظّفت المساجد وفُرشت، أصبحت الصلاة بين العمودين ليست مكروهة كما كانت مكروهة؛ لأنه [النهي كان بسبب] مظنة التلوث أو عدم النظافة التامة أو نحو ذلك.

وبدأ الفقهاء يكتبون هذا بالتفصيل. فإذا أنا أمام ثلاثين أو أربعين بدعة موجودة في المسجد فقط، لم أخرج بعد من المسجد.

الفرق بين البدعة المخالفة للدين والمحدثات التي تخدمه

وأصبحت المسائل يعني لو أنني وصفت هذا بالبدعية التي هي «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، لم يكن المقصود بها ما كان من الدين، بل ما كان ما ليس منه.

قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو مردود عليه»

لكن من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه، وأحدث في أمرنا هذا خدمة له، فهو مقبول.

كتابة المصحف ونقطه وتطوره عبر العصور لم يكن بدعة

ومن هنا كتب الصحابة المصحف على قدر ما تعلموه من الكتابة، ولم تكن الكتابة حينئذ منقوطة ولا مشكولة، فكتبوها من غير نقط ولا شكل.

ثم بعد ذلك لما جاء الحجاج حاول نقط المصحف، وانتُدب لذلك — قبل ذلك من عصر علي بن أبي طالب — انتُدب رجل من أتباعه، أبو الأسود الدؤلي. وأبو الأسود الدؤلي نقط بطريقة معينة، ثم طوّر الحجاج النقط، ولم يكن ذلك بدعة.

ثم دخلنا بعد ذلك بقرون عهد المطبعة، وبدأنا نطبع المصحف ونتفنن في طباعته وفي كتابته وفي طريقة هذه الكتابة، ولم يكن ذلك بدعة.

تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءًا وأحزاب لم يكن في عصر النبي

حتى إننا ارتكبنا شيئًا قد يكون محل نظر، وهو أننا قسمنا القرآن ثلاثين جزءًا طبقًا للحروف، حتى يقرأ كل واحد جزئه في يومه فينتهي في شهر.

[السائل]: يعني أنه لم يكن مولانا مقسمًا جدًّا في عصر [النبي] ولا يعرفونه ولا شاهدوه، هذا حدث بعد حتى الخلفاء أيضًا طبعًا.

[الشيخ]: هذا بعد المائة الأولى يعني. هو بعد ذلك أيضًا قسموا الجزء. مجاهد هو الذي قسم القرآن إلى ثلاثين بهذا الشكل، والأحزاب وهذه الأشياء هذا بعد ذلك.

تفاصيل تقسيم الأجزاء والأحزاب والأرباع في المصحف

فنحن لا نعرف من الذي فعلها، يعني أن أبا بكر بن عياش هو الذي قسمه بهذا الشكل. ثم من الذي عمل الجزء اثنين؟ لا نعرف. ومن الذي عمل الحزب أربع أرباع؟ لا نعرف. لا نعرف، حدث وانتهى الأمر.

وقُبل هذا، لماذا؟ لأنه يعينك في أمر دينك، يساعدك. كيف يساعدك؟ بأنك أنت بعد كل صلاة تقرأ ربعًا، فيكون قد قرأت أربعة أرباع، وتأتي بعد العشاء تقرأ الأربعة أرباع الأخرى. تقسيمة كذلك: حزب بالنهار وحزب بالليل، أوراد النهار والمساء، وعمل اليوم والليلة يساعدك.

اعتراض الإمام النووي على تقسيم الأرباع وطريقة الهنود في تقسيم القرآن

والإمام النووي يأتي ويقول لك: والله أنا لا يعجبني هذه الأربعة [الأرباع]. لماذا فضيلة الإمام؟ قال: لأنها لا تقف عند معنى تام، هذه تأتي في النص وتقف. نحن نريد أن نعيد النظر فيها. حسنًا، سنعيد النظر فيها.

انظر يعني إلى أي درجة! دخل الإسلام الهند، والهنود قالوا لك: لا، أنا لي طريقة أخرى، خطة أخرى. قلنا لهم: ما الخطة الأخرى؟ قال: سأسمي كل عشر آيات عين. قلنا لهم: ما معنى العين؟ العين تعني الركوع.

حساب ختم القرآن في شهر من خلال تقسيم الآيات على الصلوات اليومية

حسنًا، وبعد ذلك قال: تصلي وتكون عارفًا أن الركوع هنا، تصلي بعشر آيات وتركع، بعشر آيات وتركع. نحن لدينا كم ركعة في الصلوات التي فيها قراءة؟ اثنتان في كل صلاة، في خمس صلوات تصبح عشر ركعات.

عشرة في عشرة تصبح مئة. والسنة؟ هذه الفريضة. السنة مائة مثلهم؛ لأن هم أيضًا سبع عشرة ركعة فرض وسبع عشرة ركعة سنة، فيهم أيضًا عشرة، فتصبح مائة أيضًا. فيصبحون كم؟ يصبحون مائتين.

في ثلاثين يومًا فيصبح ستة آلاف، التي هي عدد آيات القرآن ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية. فيصبح في أمانة الله أنهينا القرآن في الشهر أيضًا، ولم يقل لي أحد إن هذه بدعة، ولم يتكلم أحد، ولم يتحرك أحد، ولم يحدث أي شيء.

سؤال عن حديث الافتراق ووجوب التمسك بما كان عليه النبي وأصحابه

[السائل]: تفضل تحرك أنت. تفضل، حديث الافتراق: «افترقت اليهود على بضع وسبعين شعبة، وافترقت النصارى...» إلى آخر الحديث، «الذين هم على ما أنا عليه أنا اليوم أنا وأصحابي». بعض الإخوة يعني يستشهدون بهذا الحديث أنه يجب أن نكون نحن اليوم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالضبط في كل شيء احتجاجًا بهذا الحديث، فما رأي فضيلتك حضرتك؟

[الشيخ]: نحن قلنا من قبل أنهم يريدون أن نعيش عصر النبي، وعلى فكرة هم لا يعيشونه! يركبون السيارة ويلبسون الساعة.

تحريم بعض الجماعات للسيارة والميكروفون والتعليم باسم اتباع السنة

طبعًا هم في وقت من الأوقات كان الأئمة الخاصون بهم لا يركبون السيارة ويحرمونها. أجل، وإلا ماذا؟ جاء إليهم شخص بالسيارة ودخل عليهم، فقدموا له بِرسيمًا [علفًا] للسيارة!

وقالوا: الساعة بدعة، والمنبه سحر، والراديو لا يجوز، وهكذا. فعلى فكرة ماذا يعني؟ إنهم يسلّمون شيئًا فشيئًا، العصر لا يمكن [مقاومته].

حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ووصفه بالاضطراب

كما نحن جالسون نصفها الآن، بعد الفاصل سنرى حال حديث الفرق الثلاث والسبعين بعد الفاصل.

بسم الله الرحمن الرحيم. كنا قبل الفاصل نتحدث عن حديث «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». هذا الحديث في الحقيقة عندما نأخذه بكل رواياته بكماله يكون من جنس الحديث المضطرب، ولذلك الأئمة الأعلام وصفوه بالاضطراب.

[السائل]: فما معنى اضطراب يا مولانا؟

[الشيخ]: يعني أنه آتٍ من مصادر تتناقض بعضها مع بعض، لدرجة أن في رواية: «كلها في الجنة إلا واحدة»، وروايات أخرى: «كلها في النار إلا واحدة».

بيان موضع الاضطراب في حديث الافتراق وتناقض رواياته

بداية الحديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة» — متفق عليه، يعني هذا الجزء ليس به اضطراب.

لكن بعد ذلك يوجد اضطراب، يوجد اضطراب أي خلط، أي أن في الرواية تناقضات. في الرواية تناقضات، كل رواية تأتي تزيد أو تنقص بما يُخِلّ بالرواية الأخرى.

انتقاد من يأخذون من الحديث ما يوافق هواهم ويردون ما يخالفه

والعجب كل العجب من هؤلاء الذين يدّعون المعرفة بالحديث وأنهم يقفون عند الحديث، أنهم يردون ما لم يكن على هواهم ويأخذون ما كان على هواهم أو على ما فيه تفريق الأمة.

هذا يُشعرهم بأنهم الفرقة الناجية. لا، هم ليسوا الفرقة الناجية ولا شيء.

معنى ما أنا عليه وأصحابي هل هو المنهج أم المعيشة

والقضية هي على فرض الصحة — دع الفقهاء يقولون هكذا — لن نناقش، لن نناقش هل هو مضطرب أم غير مضطرب، دعه صحيحًا. «ما أنا عليه وأصحابي»: من المنهج أو من المعيشة؟ هذا هو الكلام.

كل السلف وكل الخلف وكل العلماء على أنه ما كان عليه في حياته لا في عصره. الذي سيقول في عصره لن يعرف أن يُكمل، الذي سيقول في عصره يصبح كل شيء حرامًا فحرام.

جماعة بوكو حرام نموذج لتحريم كل شيء باسم اتباع عصر النبي

وهذا الذي وجدنا بعض الدوائر المتبنية لهذا الفكر وصلت إليه، مثل «بوكو حرام» في نيجيريا. قالوا ما لم يقله أصولهم من النابتة، قالوا بالذي نحن نقول عليه هذا هو.

قالوا: نعم، الميكروفون حرام، من قال إن الميكروفون هذا حلال ومن هذا؟ التعليم حرام، والمدارس القائمة هذه حرام، وكل شيء «بوكو حرام».

هؤلاء عندما تأتي لتطّلع على سلسلة الحرام التي هم فيها، ستجد أنهم يريدون أن يعيشوا عصر النبي.

من يريد العيش في عصر النبي يهدم عالمية الإسلام وشموله

والذي يريد أن يعيش عصر النبي، لماذا هو يهدم الإسلام؟ لأن نحن ندّعي ونقول أن دعوتنا عالمية وأنها شاملة، وأن زبائننا السبعة مليارات، وأن دعوتنا إلى الله سبحانه وتعالى تجاوزت الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

فهو يقول لي: لا، هذه هي خاصة النبي فقط. طيب أغلب البشر ماذا سيقولون؟ يقول لك: انتهى، عِش مع النبي فقط في الجبل، لا شأن لك بي.

انتبه! كيف؟ النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل هذا، ولا الأئمة الأعلام، ولا الصحابة، ولا أي أحد.

الدعوة إلى منهج واحد واضح في فهم البدعة والحياة النبوية

ولذلك حل التناقضات وأن نسير بمنهج واحد واضح هو ما ندعو إليه، ونقول: يا جماعة تعالوا إلى منهج واضح: احفظوا وافهموا.

هل البدعة كل حادثة أم كل حادثة مخالفة؟ هذه احفظوها. هل أنت تعيش حياة النبي أم تعيش عصر النبي؟ أنا أعيش حياة النبي في مواقفه وفي طريقة تعامله وفي علاقاته.

وهكذا نحفظ هذه الأشياء؛ لأنها هي التي ستجيب عنا في جميع الأشياء.

السبحة من البدع البديعة وحديث السيدة صفية في العد بالحصى

من ضمن البدع أيضًا التي حدثت فكانت بديعة ولم تكن خطيئة: السبحة. فرأينا السيدة صفية في الحديث وهي تعدّ بالحصى. يبقى في أولًا: رقم واحد العدّ، رقم اثنين أن هذا العد الذي عملت به ماذا جعلته؟ في خيط، في نظام، يعني وضعته عقدًا في نظام.

فسيدنا النبي جاء وقال لها: ماذا تفعلين؟ قالت له: سبّحت أربعة آلاف وحمدت أربعة آلاف. قال: لا، حسنًا، ما كان بإمكاني أن أقول لك شيئًا آخر. فتحدث في المضمون ولم ينهها عن أن تعدّ بالحصى، ولم ينهها، ولم يقل لها إن الذي تفعلينه خطأ.

إرشاد النبي للسيدة صفية بصيغة ذكر تغني عن العد الكثير

وإنما أعطاها شيئًا من فضل الله، فقال لها:

قال رسول الله ﷺ: «تقولي: الحمد لله زِنة عرشه، ورضا نفسه، ومِداد كلماته، وعدد خلقه»

فتأخذي شيئًا مما فعلتيه هذا وأكثر. آه، إذن هذا الكلام يؤثر.

يعني عندما نقول هكذا: يا رب أسبحك بكل قطرة أنزلتها من السماء من يوم ما خلقت الأرض إلى يوم الدين، أهذا الكلام يكون كأنني سبّحت بنفس العدد؟ من فضل الله، ربنا واسع.

صياغة أذكار الصلاة على النبي مستوحاة من إرشاد النبي للسيدة صفية

ولذلك هذا الحديث فهم منه الذاكرون هكذا، فذهبوا وصنعوا الصيغ هكذا. عندما تقرأ «كنوز الأسرار» وعندما تقرأ الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، ستجد فيها أشياء مثل هذه:

يا رب أنا أسألك بكل نَفَس، وبكل همسة، وبكل لمسة، وبكل قطرة، وبكل ورقة شجر، وبكل تغريدة عصفور، أن تصلي على النبي.

من أين جاءوا بها؟ جاءوا بها من إرشاد سيدنا [النبي ﷺ] للسيدة صفية عليها السلام، أنه المضمون. هذا هو الفهم: أن المضمون يؤثر في الثواب، لكن العدد مقبول.

أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص كانا يعدان الذكر بالحبال والنوى

ولذلك رأينا سيدنا أبا هريرة وهو عنده حبل عقدة ألفي عقدة، ويضعه على عمود السرير، ولا ينام إلا إذا أنهاه، مثل السبحة.

مثل السبحة، كان سيدنا سعد بن أبي وقاص عنده سلّتان مقطوفتان: مقطوفة عن يمينه هكذا مملوءة نوى، ومقطوفة عن شماله فارغة. وهو نائم يأخذ قبضة هكذا: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ويرمي في المقطوفة الفارغة.

ويظل يسبّح ويذكر حتى هذه المقطوفة ما ينقل إلى هذا المقطف. هذا المقطف كان فيه كم عدد؟ وكذلك هذا شيء كثير.

سبحة السيد عبد القادر الجيلاني المصنوعة من الأماتيست

تطورت القصة، وهو جاءنا السيد عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه صانع سبحة رأيتها أنا. هذه السبحة هي في متحف سلطان بروناي، عرفوا كيف يحضرونها وكذلك إلى آخره.

ووجدتها أنها من الأماتيست — مادة هكذا اسمها الجمشت أو الأماتيست — صنعها السيد عبد القادر الجيلاني.

الله! ما هذه بدعة إذن، ما هي إلا أشياء بديعة تحدث، وكلها كما تراها تساعد [على الذكر والعبادة].

تعظيم المساجد بالتقنيات الحديثة ليس بدعة والبدعة هي المخالفة للشريعة

بعد ذلك عندما تأتيني فنطبع البخاري ونطبع المصحف، ونأتي بالسبحة، ونأتي بميكروفون في المسجد، وإضاءة وتكييف، ونجعل بيوت الله — إن الله المساجد — فنعظمها ونقدسها وننظفها وما إلى ذلك.

هل تقول لي أن هذا بدعة؟ ما هذا؟ ما هي البدعة؟ البدعة هي ما كانت تَكِرّ على الشريعة بالبطلان، هي ما كانت مخالفة لأصول الدين وفروعه، هي ما كانت حادثة مخالفة. أما التي تؤدّى [خدمة للدين] فهي ليست مخالفة.

سبب مخالفة البعض رغم وضوح الحجة والإحالة إلى مفهوم المشرب

[السائل]: طيب إذن يا مولانا، حضرتك قلت كلامًا كله مقنعًا، فكيف يسمع المرء هذا الكلام ومع ذلك يخالف؟ لماذا إذن؟ لماذا؟

[الشيخ]: المشرب. والمشرب سنتحدث عنه في الحلقة القادمة. سنبدأ بحكاية المشرب؛ لأنها تفسر نماذج كثيرة.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.