فضل الله يؤتيه من يشاء | أ.د علي جمعة | حديث الروح - حديث الروح

فضل الله يؤتيه من يشاء | أ.د علي جمعة | حديث الروح

6 دقائق
  • شكا بعضُ الصحابة الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الأغنياء يتفوقون عليهم في الأجر، إذ يصلون ويصومون مثلهم، ويزيدون بالصدقة من أموالهم.
  • أجابهم النبي أن الله جعل لهم أبواباً كثيرة للصدقة: كل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، بشرط أن يكون المنكر متفقاً عليه، وأن يكون الناهي عالماً.
  • جعل النبي العلاقة الزوجية الحلال صدقة، فاستغرب الصحابة كيف تكون شهوة أحدهم صدقة.
  • بيّن لهم أن الشهوة إن وضعت في الحرام كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعت في الحلال كان له أجر.
  • التبسم في وجه الأخ صدقة، ومساعدة المحتاج صدقة، وإرشاد السائل في الطريق صدقة.
  • هذا المفهوم الواسع للصدقة يُظهر جمال الإسلام وتناسبه مع كل العصور والأماكن.
محتويات الفيديو(6 أقسام)

مقدمة الحديث الخامس والعشرين من الأربعين النووية وشكوى الفقراء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مع الحديث الخامس والعشرين من الأحاديث الأربعين النووية، يروي أبو ذر رضي الله تعالى عنه أن ناسًا من أصحاب النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم.

أهل الدثور أي أصحاب الأموال، يصلون معهم في المسجد كما يصلي الفقراء، ويصومون كما يصوم الفقراء، لكن يتميزون عنهم بأنهم ينفقون من أموالهم. إذن فهم يفعلون ثلاثة أشياء: الصلاة والصيام وإعطاء الصدقة، ونحن ليس معنا ما نعطيه أصلًا، فهم سيأخذون ثوابًا ونُحرم نحن من هذا الثواب.

حرص الصحابة على الخير وجواب النبي بأن الله جعل لهم ما يتصدقون به

ما هذه الحالة؟ يسألون رسول الله من حرصهم على فعل الخيرات، يصلون كما نصلي، ذهب أهل الدثور -الذي هو الغنى والمال- بالأجور وحُرمنا نحن منه، يصلون كما نصلي ويصومون كما يصومون ويتصدقون بفضول أموالهم، بالزائد من أموالهم.

قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: «أوَليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؟» يعني أنتم تظنون أنه ليس لديكم شيء تتصدقون به، هذا في أشياء كثيرة جدًّا تستطيعون أن تتصدقوا بها وأنتم ليس معكم مال.

ما هذه الأشياء [التي يمكن التصدق بها دون مال]؟

«إن بكل تسبيحة صدقة»

هذا أنت عندما تقول [سبحان الله] إذن أعطيت صدقة، إذن هذه أمام الجنيه الذي سيُخرجونه [الأغنياء]؛ الغني سبِّح يا أخي.

التسبيح والتحميد والتهليل بعد الصلاة وتوسيع مفهوم الصدقة

ولذلك أُمرنا بعد ذلك -كما سنرى- أن نقول ثلاثًا وثلاثين مرة بعد الصلاة: سبحان الله، الحمد لله ثلاثًا وثلاثين، الله أكبر ثلاثًا وثلاثين. وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة -نقول لا إله إلا الله- كل واحدة صدقة.

ووسَّع [النبي صلى الله عليه وسلم] معنى الصدقة [فقال]: والأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر [صدقة]؛ إذا رأيت أحدًا يرتكب منكرًا فنهيته صدقة. إذن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه صدقة.

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضرورة كونه متفقًا عليه

ولكن يجب أن تكون عالمًا، ويجب أن يكون المنكر متفقًا عليه، أي ما معناه: أي لا ترى أحدًا يلعب الشطرنج وبعد ذلك تقول له هذا حرام؛ نعم هو حرام عند بعضهم وجائز عند بعضهم. امرأة كاشفة وجهها لا تقل هذا حرام؛ لأن بعض الناس قالوا تنتقب وبعض الناس قالوا لا ننتقب، والجمهور على أن الوجه ليس بعورة.

إذن المنكر إنما يُنكَر المتفق عليه؛ عندما تجد شخصًا يشرب خمرًا، نعم إذن هذا خطأ. هنا عندما تجد أحدًا يلعب القمار فهذا حرام قطعًا، سنقف ضده. وكلنا ما دام لا يوجد شيء [مختلف فيه]؛ أحدٌ يأكل خنزيرًا أو ميتة، أحدٌ يسب الدين، فهنا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، بشرط أن يكون متفقًا عليه.

العلاقة الزوجية صدقة واستغراب الصحابة من سعة مفهوم الصدقة

طيب، وما أيضًا من الصدقات؟ قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:

«وفي بُضع أحدكم صدقة»

يعني العلاقة بينك وبين أهلك فيها صدقة، يعني حتى العلاقة بين الرجل وزوجته فيها صدقة.

قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ مفهوم الصدقة هكذا لم يستوعبه السامعون بعد، لم يتربوا بعد على هذا المفهوم الواسع للصدقة؛ كل خير يعني صدقة.

قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».

سعة فضل الله وأمثلة على الصدقات اليسيرة في الحياة اليومية

إذا هذا فضل الله الواسع يؤتيه من يشاء. أمام هذا الحديث نقول: الحمد لله الذي جعلنا مسلمين. أمام هذا الحديث -وقد رواه مسلم- نقول إن فضل الله علينا عظيم:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

فالتبسم في وجه أخيك صدقة، وأن تُعين محتاجًا ولو برفع متاعه على رأسه صدقة، وأن ترشد إنسانًا في الطريق إلى وجهته -يسألك أين هذا الشارع فتقول له هنا وتشير له إلى الشارع الصحيح- هذا أيضًا صدقة.

هذا إن شاء الله أمور تجعل هذا الدين واسعًا، وهذا الدين جميلًا، وهذا الدين يتناسب مع كل العصور وفي كل مكان. فاللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.