فقه الواقع | برنامج الرد الجميل | أ.د علي جمعة - الرد الجميل

فقه الواقع | برنامج الرد الجميل | أ.د علي جمعة

51 دقيقة
  • فقه الواقع هو فهم الواقع فهماً دقيقاً مع إدراك عناصره ومكوناته، ثم تنزيل الأحكام الشرعية المناسبة عليه.
  • الفقه لغة هو فهم الشيء الدقيق الذي يحتاج إلى تأمل ونظر، واصطلاحاً العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.
  • الواقع يتكون من عوالم متعددة: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأحداث، وعالم الأفكار، وعالم النظم.
  • تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع يمر بأربع مراحل: التصوير، والتكييف، والحكم، والإنزال، مع مراعاة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • العلماء المسلمون استخدموا فقه الواقع عبر التاريخ كما في نظرية الاستهلاك والاستحالة.
  • المجامع الفقهية تُحقق فقه الواقع بشكل أفضل من الاجتهادات الفردية لأنها تدرس القضايا من جميع جوانبها.
  • نهضة الأمة الإسلامية تتطلب الجدية التي تتضمن الحفاظ على الوقت، والإتقان، والمداومة على العمل.
  • وحدة الأمة هي السبيل للخروج من الأزمات والنهوض مجدداً، وفقه الواقع يدعو إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

مقدمة البرنامج وتساؤلات حول تخلف الأمة الإسلامية وفقه الواقع

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، إخوتي وأخواتي في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم معنا في لقاء جديد من برنامج الرد الجميل.

إخوتي وأخواتي، لا يمكن لعاقل أن يتجاهل واقع الأمة وما تتعرض له من أزمات طاحنة ومحن قاسية، ولسنا هنا في مجال وصف هذه المحن والمآسي التي تقع هنا وهناك؛ فما نعانيه من سلبيات وما تراه العين من بشاعة يغني عن الكلام.

ونسأل أنفسنا: لماذا تخلفنا؟ لماذا سقطنا وارتفع غيرنا وتأخرنا وتقدم غيرنا؟ ومن يمعن النظر في واقع الأمة الإسلامية الآن سيتلمس الأسباب، ومن يبحث عن سبل العلاج للخروج بالأمة من كبوتها سيجد أن الجهل بواقعنا سبب رئيسي من أسباب هذه النكبة، وقلة الوعي بمراتب الأعمال وفقه الواقع.

فما هو فقه الواقع وما آلياته وكيف تأخذ الأمة نفسها بفقه الواقع لتواجه السلبيات التي تملأ حياة شعوبها؟ فقه الواقع بين النظرية والتطبيق، هذا هو موضوع حلقتنا لهذا الأسبوع من برنامج الرد الجميل.

إخوة وأخوات، يسعدنا ويشرفنا بالحضور عالمنا الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي جمهورية مصر العربية، مرحبًا بكم فضيلة الدكتور.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا، حياكم الله وبياكم وجزاكم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء أستاذنا.

ما مفهوم فقه الواقع لغةً واصطلاحاً؟

[المذيع]: فقه الواقع هذا المصطلح قد يكون غريبًا على أذهان بعض الناس، فما مفهوم فقه الواقع؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

كلمة الفقه عند المسلمين تتردد بين معناها اللغوي ومعناها الاصطلاحي؛ أما معناها اللغوي فهو فهم الشيء الدقيق، وهذه الكلمة وهذا الفعل ورد في لغة العرب بفتح عينه - يعني القاف - وبكسره وبضمه، فقالوا: فَقِه وفِقِه وفَقُه، وفقه كـ«فهم» وزنًا ومعنى؛ فالفقه فيه الفهم، إلا أن الفقه يختلف عن الفهم بأنه فهم الشيء الدقيق الذي يحتاج إلى تأمل وإلى نظر.

ولذلك فهو لا يجوز استعماله في مثل قولنا: «فقهتُ أن السماء فوقي وفقهتُ أن الأرض تحتي»؛ لأن هذه الأشياء بديهية لا تحتاج إلى إعمال نظر، وهي من المسلَّمات لا تحتاج إلى الفقه، إنما نقول: أدركتُ، فهمتُ، علمتُ.

جائز، نعم: فَقِه - وفَقِهَ - يعني سبق غيره إلى الفهم، أما فَقُه فقد صار الفقه له سجيةً وملكةً، والاسم الفاعل من «فَقِه» فاقِه، لكن اسم الفاعل من «فَقُه» فقيه - فعيل - وفعيل هذه من صيغة المبالغة؛ لأن الفقه صار له سجية.

المعنى الاصطلاحي لفقه الواقع وعلاقته بالفهم الدقيق للواقع

هذا في اللغة، ولكن له دلالة على هذا التركيب؛ عندما نقول فقه الواقع يساعدنا في الفهم وفي الإدراك: ما فقه الواقع؟

فالفقه في اللغة العربية معناه الفهم، بل إنه فهم الشيء الدقيق، وقد يكون قد سبق غيره فنقول: فَقِه، وقد يكون قد صار له ملكة وسجية فنقول: فَقُه، ونشتق منه اسم فاعل: فقيه.

أما في الاصطلاح فهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

إذن، فمن ناحية اللغة معناه فهم الواقع فهمًا دقيقًا وليس فهمًا سطحيًا، ومعناه من ناحية الاصطلاح العلم بالأحكام الشرعية المتعلقة بذلك الواقع.

إذن، فقه الواقع هو تركيب، ولكن نعرف معناه من الدلالة اللغوية والدلالة الاصطلاحية لهذا المعنى؛ فنحن نريد أن نفهم الواقع فهمًا دقيقًا، والفهم الدقيق يقتضي أن نحلل الأشياء إلى عناصرها وأن نتتبع كل عنصر في مستوياته المختلفة، فنفهم بذلك فهمًا دقيقًا، وأن ننظر أيضًا إلى العلاقات البينية فنكوّن شبكة مفهومية حول الشيء محل الدراسة.

إذن، فنحن نريد أن نفعل هذا في الواقع، ونريد أن نحلل الواقع إلى عناصره حتى نصل إلى فهم دقيق، وحتى نستطيع أن نُسقط الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها والمكتسبة من أدلتها التفصيلية على هذا الواقع المركب والمعقد.

عوالم الواقع الخمسة عند علماء الحضارة ومالك بن نبي

إذن، ننتقل إلى الكلمة الثانية وهي الواقع، ولذلك دراسات الواقع وما هو ومجالاته ومكوناته نراها عند علماء الحضارة؛ نراها مثلًا عند شخص مثل المفكر الجزائري مالك بن نبي يهتم كثيرًا بتحليل الواقع من أجل فهمه وزيادة تأصيل القواعد الضابطة لكل عالم من عوالمه.

يقول: إن الواقع أربعة عوالم:

  1. عالم الأشياء
  2. وعالم الأشخاص
  3. وعالم الأحداث
  4. وعالم الأفكار

وبعض من كتب بعد ذلك من علماء الحضارة يضيفون إليها عالم النظم على هذه الأربعة، فتجعل الواقع مكونًا من خمسة عناصر.

عالم الأشياء هذا له منهج في إدراكه؛ نحن كمسلمين ليس بيننا وبين العلم مشكلة، ولذلك حدثت مشكلة مع المجهر في الفكر الغربي؛ المجهر - تلسكوب أو ميكروسكوب - الميكروسكوب يكتشف الأشياء الضئيلة التي لا تراها العين المجردة لصغرها كالخلية، فاكتشفنا الخلية واكتشفنا مكوناتها واكتشفنا التمثيل الضوئي في النبات واكتشفنا أشياء عجيبة غريبة بواسطة الفيروسات والميكروبات، وفتح هذا آفاقًا جديدة في الطب وفي الكيمياء وفي الفيزياء وفي علم الصوت وهكذا.

الفرق بين الظاهر والحقيقة في عالم الأشياء وأثره في الفقه الإسلامي

كان الميكروسكوب علامةً فارقةً لإدراك الإنسان الحقائق، كذلك التلسكوب هذا يُظهر لي ما لا أراه أيضًا، ولكن لكِبَره؛ الشيء عندما يكبر جدًا كثيرًا لا يستطيع الإنسان أن يراه كالمجرات والأجرام السماوية وهكذا.

هذا المجهر - سواء كان ميكروسكوبًا أو تلسكوبًا - جعلني أدخل إلى عالم الأشياء بطريقة أخرى، وجعل هناك ظاهرًا وحقيقة، التي كنا نسميها قديمًا عندنا في التراث الإسلامي: الواقع ونفس الأمر؛ فالواقع هو المدرَك بالحس.

فأنا إذا شربت الماء، فالماء هذا سائل لطيف أكثر الله من الحاجة إليه، شفاف - هذه كلها المواصفات الفيزيائية التي هي الظاهرية هكذا - ولكن سبحان الله حقيقته أنه مكوَّن من هيدروجين وأكسجين؛ الهيدروجين اثنان والأكسجين واحد، الهيدروجين هذا غاز يشتعل والأكسجين يساعد على الاشتعال، يعني كأن الماء الذي أمامي هذا نار الله الموقدة!

وهنا بدأت هناك إشكاليات في غير الدين الإسلامي؛ بدأت في المسيحية مثلًا مع البابا، هذه الأشياء قد تتعارض مع ظواهر الكتاب المقدس، ولذلك تحدث مشكلة، وهناك مشكلة بين الحداثة والعلم وما إلى ذلك، لكن في الإسلام أبدًا.

موقف الشيخ بخيت المطيعي من التصوير الفوتوغرافي مثالاً على فقه الواقع

نرى الشيخ محمد بخيت المطيعي وهو يؤلف «توفيق الرحمن في الآيات الكونية في القرآن الكريم»، الشيخ بخيت ألَّف [عام] ألف وتسعمائة وعشرين، وكان مفتي الديار المصرية، الشيخ بخيت من كبار العلماء، ولكن منذ تسعين سنة مضت يؤلف هذا ويقول: أبدًا، عندما تأتيه قضية الأشياء مثل التصوير الفوتوغرافي والصورة الفوتوغرافية.

أول ما سمع الناس أن هذه صورة قالوا: حرام! لأن هناك نهيًا واضحًا في الشريعة عن الصور، قال لهم: لا، هذه ليست حرامًا، وألَّف كتابًا سماه «الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي»، هذا الكلام سنة عشرين.

لماذا؟ لأنه ليس بينه وبين إدراك الواقع على حقيقته أي مشكلة، لكن المهم أن تدرك الواقع فقط؛ هنا نحن ندركه في عالم الأشياء، وقال: تعالوا، ما الذي يحدث في هذه الآلة العجيبة الغريبة المخترعة - آلة التصوير؟ قال: احتباس ظل؛ أنت واقف أمام المرآة وبعد ذلك المرآة حبست ظلك وأنت مضيت، في أي شيء ما لا يوجد حرمة.

التي أخذها المفهوم مرة أخرى أنه هذا يُنشئ صورة وينبذ ويسود، نعم، ابتدؤوا يقولون بالحرمة ويؤلفون مؤلفات كثيرة جدًا، في النهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أصبح الناس جميعًا يصورون، وعادوا إلى كلام الشيخ بخيت؛ وسبب ذلك أن فتواه بُنيت على إدراك الواقع، فيكون إذن هذا فقه الواقع.

نظرية الاستهلاك ونظرية الاستحالة في الفقه الإسلامي أمثلة على فقه الواقع

ولكننا نضرب مثلًا فقط في عالم الأشياء؛ عالم الأشياء إذ له حقيقة وله ظاهر وله قواعد للتعامل معه، وهذه القواعد مبنية في النهاية إلى أن ندرك الواقع.

الفقهاء نبَّهونا إلى هذا الكلام وقالوا لنا: على فكرة، يوجد شيء يسمى مثلًا الاستهلاك ونظرية الاستهلاك في الفقه الإسلامي تحتم عليَّ ألا أقول بنجاسة نهر النيل إذا بال فيه أحدهم مثلًا، أو لا أقول بنجاسته إذا صببنا فيه زجاجة خمر؛ الخمر نجس طيب والبول نجس، هذا مفهوم، فلماذا لا يتنجس النيل؟

قال: لأنه قد استُهلك فيه، فما معنى استُهلك؟ يعني لو حسبنا كمية ما أُلقي من نجاسة مقارنةً بكمية مياه النيل وأجزائه، لاختص كل جزء منه بشيء ضئيل جدًا لا يُلتفت إليه وليس له تأثير ظاهر فيزيائي، وقد تحدثوا عن هذه الفيزياء في اللون والطعم والرائحة وشيء رابع يسمونه الجرم، أن يكون للشيء جرم، كذلك فقالوا: والله إن المياه إذا لم تتغير في طعمها ولونها ورائحتها تكون طاهرة.

هذا يتحدثون هنا عن فقه الواقع، طبعًا نحن في فقه الواقع سنوسعه إلى أن نتحدث فيه في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي وهكذا، فحسب أنا أريك كيف أن علماء المسلمين أيضًا فكروا حتى في سقفهم المعرفي وحتى في أصولهم الأولى بتفكير علمي دقيق لا يختلف؛ لأنه في النهاية يتعامل مع الواقع.

نظرية الاستحالة في الفقه الإسلامي وتطبيقها على الخمر والخل والأدوية

فإذا هناك نظرية أخرى وضعوها اسمها نظرية الاستحالة، ما نظرية الاستحالة هذه؟ قالوا: نحن لاحظنا أن الخمر عندما تفسد تتحول إلى خل، والتحول من خمر إلى خل هذا نسميه استحالة.

الخمر نجس، والخل يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري:

قال رسول الله ﷺ: «نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ» رواه البخاري

يعني نعم الغموس الخل، هذا كان منذ قليل كان خمرًا، نعم كان خمرًا وتغيَّر، تحوَّل، تحوَّلت تركيبته العضوية من كربون وأكسجين تغيَّر ولم يعد مجموعة أصبحت كحولية [بل أصبحت] مجموعة حمضية تسمى حمض الخليك، وحمض الخليك هذا واقع، وأنا كفقيه يجب أن أعرف هذه الأمور، يجب أن أفهم هذا الواقع لكي أُنزِّل عليه الحكم.

وأقول: أُنزِّل الحكم الشرعي على أن هذا حرام لأن فيه مجموعة كحولية وما زال يُسكر، والقليل منه حرام والنقطة منه نجسة، وسيترتب [على ذلك حكمه]، وهذا [الخل] حلال وطاهر.

هذه النظرية في الاستحالة ستفيدني في الأدوية عندما يأتي أحدهم ويقول لي: نعم هذا الشيء كان كحولًا ثم أصبح دواءً والدواء تغيَّر في المجموعة الكحولية، وآخر يقول لي: لكن الدواء الآخر الكحول لم يتغير بل بقي كما هو كمذيب - أي في تفاعل وتغيَّر - فاحكم بطهارته على نظرية الاستحالة، وفيما لا تفعل ولا تغيَّر بل هو باقٍ كما هو ومؤثر كما هو، طيب نسأل السؤال الثاني: هل استُهلك أم بقيت بعض آثاره؟ ونسأل السؤال الثالث: هل له بديل أم ليس له بديل؟ كل هذا نوع من أنواع إدراك الواقع.

فقه الواقع ليس جديداً بل هو كامن في الفقه الموروث وسبب إبرازه

إذن، ففقه الواقع أريد أن أقول في النهاية أنه ليس فقهًا جديدًا، وإنما احتجنا لإبرازه، احتجنا لأن نتحدث فيه بأنه: يا جماعة، لا يغِب عنكم الواقع.

[المذيع]: حسنًا، اسمح لي يا أستاذنا، دون مقاطعة كلامك فضيلتك، إذا كان ليس بجديد لكن نجد البعض يجهل فقه الواقع، لماذا كان غامضًا؟ لماذا لا يُدرَّس؟

[الشيخ]: هنا تخلَّف كثير من المسلمين؛ يتخلفون عن القراءة والمتابعة، لقد أصبحنا في عصر المعلومات؛ مائة وعشرون مليون معلومة تُبَث يوميًا من وكالات الأنباء الستة، يوميًا مائة وعشرون مليون معلومة، تخيَّل أن المعلومة في سطر واحد، سيتبيَّن أنك لكي تطَّلع على يوم واحد تحتاج إلى مائتين وخمسين سنة لكي تطَّلع على يوم واحد!

نحن نسابق الزمن، ففي كثير من الناس وهذه هي الأزمة التي وَلَّدت هذا المصطلح الجديد بالرغم من أنه كامن في الفقه الموروث، كامن في الفقه الموروث، موجود يسري في الفقه الموروث سريان الماء في الورد؛ انظر إلى المياه في كل مكان في الورد.

سبب إبراز مصطلح فقه الواقع وتحذير الإمام القرافي من تطبيق الفتاوى القديمة على الواقع الجديد

لماذا نخصه ونبرزه؟ لأن الناس بدأت تعمل عملًا خطيرًا جدًا نبَّه عليه الإمام القرافي ونعاه، أنها تقرأ ما في الكتب وتطبقه على ما هو حاصل الآن دون أن تتبيَّن الفرق بين ما نزلت عليه هذه الفتاوى والأحكام في زمنها وبين الواقع الآن.

وبدأ هذا يشيع في كثير جدًا من الناس، فبعد ذلك نقول له: لا، انتبه وأدرك الواقع، وننبهه على ما نبَّه إليه القرافي في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وقال: إن من يفعل هذا ضال مضل.

يبقى إذا نحن بدأنا نخالف الفقه الموروث، ولذلك أنشأنا فقه الواقع من أجل لفت النظر للواقع وإدراكه بتفاصيله المختلفة التي تطرقنا إلى بعضها.

إخوتي أخواتي، نتوقف للفاصل القصير ونعود إليكم مباشرة، ابقوا معنا إخوتي وأخواتي.

حكم تعلم فقه الواقع هل هو فرض عين أم فرض كفاية؟

[المذيع]: فقه الواقع بين النظرية والتطبيق، هذا هو موضوعنا وتلك حلقتنا من برنامج الرد الجميل، نعود إلى ضيفنا وعالمنا الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

أستاذنا الدكتور، ما حكم تعلم فقه الواقع، هل يدخل ضمن فروض الكفاية أم فروض العين؟

[الشيخ]: فقه الواقع هذا في الحقيقة يختلف حسب المتعلِّم؛ فهناك من أجل أن يطبق شريعة الله في حياته، وهذا رجل نسميه متدينًا وأنه يريد أن يطبق الدين في حياته، هذا المقدار كان قديمًا العلماء يؤلفون فيه الكتب ويسمونها «كفاية العوام»، يعني يكفي هذا عليك أن تعرف هذا المقدار الذي تعرف به كيف تصلي وتصوم وما إلى ذلك.

ففقه الواقع المتعلق بالتدين هو فرض عين، لكن فقه الواقع المتعلق بالتنظير وبإنشاء المجتهد وبالتعليم للعلماء هذا فرض كفاية؛ إذا قام به بعضهم سقط عن الآخرين، أو إذا قام به بعض لا يقوم به من به الكفاية - يعني لنفترض أنني محتاج إلى مائة ألف عالم في البلد لكن لم يتقدم إلى طلب العلم إلا خمسون ألفًا فقط، فإنني لم أصل إلى الكفاية، يجب أن أحقق المائة ألف.

تفصيل فرض الكفاية في فقه الواقع وضرورة سد الحاجة الفعلية

افترض أنني في جهاد وأحتاج إلى نصف مليون جندي والمتقدم إليَّ مائتان وخمسون فقط أو ثلاثمائة، فإنني لم أقم بعد بفرض الكفاية، لم يكتمل بعد.

فهو فرض الكفاية ليس المقصود به أن يقوم بهم بعضهم - ما هو في مائتين وخمسين واحدة هم يعملون بالجهاد ألف مائتين وخمسين ألف - لكن لا يزال وهو المفروض في فرض الكفاية أن يقوم به من يسد الحاجة وليس البعض المطلق هكذا.

طيب، فإذا فقه الواقع قد يكون فرض كفاية على المتعلمين والمدرسين والفقهاء والمتصدرين والمفتين، وقد يكون هو فرض عين إذا ما تعلَّق الأمر بالتدين الذي هو العبادات والمعاملات اللازمة لحياة الإنسان بحيث أنه يسير على شريعة الله.

[المذيع]: نعم، أستاذنا شيخنا، الشيخ القرضاوي - أطال الله لنا في عمره وعمر فضيلتكم - يرى أن فقه الواقع مبني على دراسة الواقع المعيش دراسةً دقيقة وما يستوعبه لكل جوانب الموضوع، هل يرى فضيلة المفتي: الأمة الآن تأخذ نفسها بفقه الواقع؟ أكثر الفتاوى التي نراها معظمها لا تأخذ في اعتبارها فقه الواقع؟

دور المجامع الفقهية في تطبيق فقه الواقع مقارنةً بالاجتهادات الفردية

لكن أيضًا لا ننسى أن هناك مجامع فقهية ولديها خبراء ولديها طريقة وترتيب للبحث تهتم جدًا بإدراك الواقع من جميع الجوانب؛ فهي وهي تبحث في الطب تسأل السياسي وتسأل الاقتصادي كما أنها تسأل الطبيب، وتسأل أيضًا عن مآلات هذه الأفعال كيف تكون في القانون في العلاقات الدولية في الاتفاقيات التي موجودة عند البشر في تجارب الآخرين إلى آخره.

فالحقيقة أن المجامع تقوم بشيء كبير من الالتزام بفقه الواقع، لكن كثيرًا جدًا من الإخوة الأفراد لا يقومون بالاهتمام بهذا، ولكن أيضًا يوجد بعضهم في أفراد تقوم بالاهتمام بدراسة محل البحث ومحل الفتوى ومحل الاجتهاد دراسةً واسعة من كل جوانبها وبكل ملابساتها، وعندئذٍ ترى أنه أقرب إلى الحق وينير عليه نور كذلك من عند الله؛ لأنه فعلًا يتكلم كلامًا يعني أقرب إلى الحق لأنه أقرب إلى الواقع.

ومسائل كثيرة جدًا من المستحدثات التي حدثت ترى أنه عندما تُعالَج معالجةً مؤسسية تكون أقرب إلى الحق وأقرب إلى الحقيقة من أن تصدر من شخص واحد.

مثال نقل الأعضاء والفرق بين الاجتهاد الفردي والمؤسسي في فقه الواقع

أنا أعطيك مثالًا، مثلًا مثال قضية نقل الأعضاء؛ نقل الأعضاء كان شيخنا الشيخ عبد الله الغماري يرى حرمتها مطلقًا، أنها يحرم نقل الأعضاء مطلقًا، هكذا هو فرد، ولكنه كان عالمًا جليلًا ونحن نرى أنه وصل إلى مرتبة الاجتهاد وأكثر، وكان حافظًا ولكن كان يحفظ الأحاديث بأسانيدها وينتقدها وهكذا، وأبهر الناس شرقًا وغربًا، أصدقاؤه وأعداؤه انبهروا به من حفظه ومن علمه ومن فضله وهكذا.

لكن عندما يفتي هنا وأفتى، أفتى بالحرمة. الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى، كل الناس تحبه وكل الناس شهدت له بالفضل والعلم والتقوى والصلاح إلى آخره، وإلى الآن وهم يطلبونه ويتلذذون بالاستماع إليه وهو يفسر القرآن أو وهو يعطي موعظة أو حتى وهو يقرأ دعاءً أو حتى دعاء الأذان، صحيح يعني الحقيقة أن الناس تحب، يا أخي ألقى الله محبته في قلوب الناس، كان يرى حرمة هذا الأمر [نقل الأعضاء] أيضًا.

لما جاءت المجامع واجتمعت، منها مجمع جدة ومنها مجمع البحوث ومنها كذا وكذا، ذهبوا إلى أن نقل الأعضاء حلال وبالشروط الآتية.

لماذا يكون حكم المجمع الفقهي أقرب إلى الحق من الاجتهاد الفردي في نقل الأعضاء

لماذا؟ المجمع الذي فيه أكثر من خمسين عالمًا ويستعين بأكثر من ثلاثمائة خبير يقول: إن هذا حلال، والفرد مع تقواه وفضله وعلمه ومشيخته واجتهاده يقول: إنه حرام.

أن هذه الدول بحثتها من كل الجوانب كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي، بحثت المسألة طبيًا، المستشار طارق البشري له كلام في نقل الأعضاء وقال: إن هذه القضية ليست طبية فقط، ليست أن نعرف ننقل عضوًا أم لا ننقله، هذه قضية متعلقة بجوانب أخرى؛ منها السياسي، منها الإمكانيات الواقعية من أجل أن نفعل هذا، منها: هل سنبيع الفقراء للأغنياء حتى نجعلهم قطع غيار ويُباع ويُشترى؟ هل هذا يقبل به الشرع أو يقبل به حتى حقوق الإنسان أو الإنسانية؟

ومنها قضية الأمر المخيف أن تتحول عصابات إلى تحويل الإنسان إلى قطع غيار، وهذا وارد طبعًا وهذا وارد صحيح، ومنها فيا جماعة عندما نعالج هذا لا بد أن نجلس بهدوء حتى نكتشف الخريطة كلها ونرى ما الذي يصدر منها وما الذي لا يصدر، ونُفتي الفتوى الصحيحة.

وفعلًا لما اجتمعت المجامع فعلت هذا وذهبت إلى الشروط التي يجب توافرها عند إصدار أي قانون، وفي ثمانية عشر دولة أصدرت قوانين بناءً على الشريعة الإسلامية وبناءً على هذا الحكم، وتشعر أن هذا الحكم أقرب إلى الحقيقة من الاجتهادات الفردية.

منهجية تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع عبر أربع مراحل

[المذيع]: أستاذنا، يعني قيل إن تنزيل النصوص إنما هو ثمرة لفقه الواقع وتفاعل النص مع الواقع الذي نعيشه، كيف تكون لنا منهجية معينة وآلية تنفيذية لفقه الواقع وتعميمه على مستوى الأمة عمومًا؟

[الشيخ]: لدينا أربع مراحل ونحن نفكر في تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع:

  1. أول شيء: نحن نتصور المسألة - المسؤول عن مرحلة التصوير.
  2. ثاني شيء: نكيِّف هذه الصورة التي سمعناها الآن من أي الأبواب وتندرج تحت أي بند من بنود الشريعة بأدلتها.
  3. ثم بعد ذلك نعرف ونتوصل في المرحلة الثالثة إلى الحكم.
  4. بعد أن نصل إلى الحكم لا بد أن ندرك الواقع لكي نُنزِّله عليه.

عندما نريد أن ندرك الواقع وننزله عليه فلا بد من مراعاة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

فإذا تذكرنا كلامنا في كلمة الواقع من إدراك الأشياء والأحداث والأشخاص والأفكار والعلاقات بينها التي قد تكون نظمًا وقد تكون النظم عنصرًا مستقلًا فيها، وتذكرنا هذه الأربعة: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وتذكرنا هذه الأربعة الأخرى: التصوير والتكييف والحكم والإنزال أو الفتوى أو إيقاع الحكم على الواقع؛ عرفنا هذه الآلة التي نبحث عنها في تنزيل الحكم على الواقع مراعين المقاصد والمآلات والمصالح.

متطلبات المجتهد في فقه الواقع من علم وتربية وتدريب

كل هذه عملية مركبة تحتاج أيضًا بالإضافة إلى العلم إلى قيم أخلاقية وتربية يجب أن تكون لدى المجتهد، وتحتاج ثالثًا إلى ملكات ومهارات تتم بالتدريب.

ولذلك قلنا: إن هذا المجتهد لا بد أن يكون قد مرَّ بـالتعليم والتربية والتدريب الثلاثة، فهذه آلية معقدة ومركبة، ووعي المجتهد في كيفية تحقيق المقاصد الشرعية والمصالح المرعية والمآلات المرضية.

[المذيع]: الجليل، ننتقل ببساطة إلى نقطة مهمة جدًا والجميع يلمسها في ظل فقه الواقع، كيف لنا أن ننتقل من ساحة الكلام إلى العمل؟ الأمة الآن تعاني وتتعرض لمحن قاسية وأزمات طاحنة كما ذكرت، السلبيات التي تعاني منها الأمة الإسلامية في جميع الشعوب، المقدسات المسلوبة، الأرض المغتصبة، الأعراض التي تنتهك، حرمات الله سبحان الله تعالى، كل هذه السلبيات وكل هذه المحن ألا تستدعي منا ومن السادة العلماء وقفةً ليأخذوا بفقه الواقع، يوقظوا الأمة، ينبهوا الناس، دور العلماء في تطبيق فقه الواقع، في تطبيق فقه الواقع على وضع الأمة الراهن من وجهة نظر فضيلتكم؟

الجدية محور تقدم الأمم وتخلفها وعناصرها في الإسلام

أنا من وجهة نظري أنه مقياس تقدم الأمم وتقدمها وتخلفها وأزمتها مبنية على محور الجدية؛ فإذا كان الإنسان جادًا في حياته يكون قادرًا وفاعلًا، وإذا لم يكن جادًا فهو في الضياع.

والمطالب الآن على المستوى الفردي للإنسان مع نفسه وعلى مستوى الأسرة وعلى مستوى الجماعة - جماعة المدرسة وجماعة العمل وجماعة المسجد وجماعة الجيران في الحي الواحد - وعلى مستوى الدولة وعلى مستوى الأمة، وهذه خمسة مستويات مختلفة، أن نعود إلى جعل الجدية محورًا لحياتنا.

إذا استطعنا أن نجعل الجدية محورًا لحياتنا فإن لنا وجودًا ولنا قوة، والنبي صلى الله عليه وسلم يلخص الأمر ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير»

يعني نحن فينا خير ونحن مع ضعفنا، لكن ربنا يحب القوي ولا يحب الضعيف، هذا نقص، ولكن على كل حال هو خير من الخروج التام عن الدين أو الانحراف التام عن منهج الله سبحانه وتعالى.

ما هذه الجدية؟ الجدية لها عناصر، وبها حتى واحد كبير مثل كانون وهو يتحدث عن النمو وعن التنمية وكذلك يقول: إن مقياس التقدم والتخلف هو الجدية.

أول عناصر الجدية: الحفاظ على الوقت في التراث الإسلامي

فهل بقيت الجدية التي لها هذه العناصر موجودة في ديننا أم لا؟ وكيف نجعل الناس عن طريق مناهج التعليم وعن طريق الإعلام وعن طريق المسجد يعودون مرة أخرى إلى الجدية؟ وهي قضية الثقافة العامة السائدة يجب أن تعتمد على الجدية.

ما الجدية؟ الجدية تتمثل في أولًا: الحفاظ على الوقت؛ «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه»، سيدنا عمر بن الخطاب كان يحاسب نفسه بالأنفاس، ما من نفس يخرج إلا وهو منتبه لنفسه، وما من نفس يدخل إلا وهو يحاسب نفسه.

عندما نسير قليلًا هكذا وإذا ذهبنا إلى القرن الرابع الهجري نجد واحدًا مثل أبي الوفاء بن عقيل ألَّف كتاب «الفنون» في ثمانمائة مجلد، ثمانمائة مجلد يعني لو طُبع الآن لخرج له في أكثر من ألفي مجلد، تخيَّل أن شخصًا واحدًا ألَّف ألفي مجلد، هذا لم يحدث في تاريخ البشرية!

لماذا؟ كان ابن عقيل يحافظ على الوقت، فكان يأكل الأرز ولا يأكل الخبز، فسألوه: أفي الخبز شيء؟ فقال لهم: أكل الخبز يستغرق خمس دقائق وأكل الأرز يستغرق ثلاث دقائق وأنا لست متفرغًا، يا للعجب! إنه يحاسب نفسه بدقيقتين، أما نحن فنحاسب أنفسنا بالأيام أو بالشهور أو لا نحاسب أنفسنا أصلًا.

الإمام السيوطي نموذج في الحفاظ على الوقت والإنتاج العلمي المتواصل

الوقت يجب علينا أن نعود إلى قيمة الوقت والزمن، هذا الرجل السيوطي مثلًا ألَّف أكثر من ثلاثمائة مصنف حتى كان عمره أربعين سنة، وبعد ذلك مَلَّ من التأليف ومن العمل فألَّف كتابًا - أي انظر لما حصل له ملل قام فألَّف أيضًا كتابًا - وأسماه «تنفيس في الاعتذار عن التدريس» ويقول: إذن كفى هكذا وأنا سأعتزل.

ولما مات وجدوا أنه ألَّف سبعمائة كتاب، يعني حتى حينما مَلَّ كان قد ألَّف ثلاثمائة، وفي العشرين سنة التي بقيت له ألَّف أربعمائة، يعني لم يقدر على الاعتزال لا عن التأليف ولا عن التدريس ولا عن شيء، وهذه الملكات هي الجدية الحقيقية.

[المذيع]: الثانية: الإتقان، أحب الأعمال إلى الله، إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه، لو سمحت لي يعني نرجع إلى الإتقان بعد الفاصل.

[الشيخ]: تفضل، بارك الله فيكم.

إخوتي وأخواتي، نتوقف لفاصل قصير ونعود بعدها مباشرة، فكونوا معنا.

ثاني عناصر الجدية: الإتقان والمداومة على العمل في الشريعة والتراث

[المذيع]: إخواني ما زلنا معكم وملف فقه الواقع النظرية والتطبيق، نعود إلى أستاذنا وعالمنا الجليل فضيلة مفتي الديار المصرية فضيلة الدكتور، كنتم فضيلتكم تتفضلون عن الإتقان، عناصر الجدية، أحد العناصر الحفاظ على الوقت أولًا ثم الإتقان ثانيًا.

[الشيخ]: ونجد الإتقان عندنا في شريعتنا موجود وفي تطبيق حضارتنا أيضًا، يعني:

قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»

والحديث الآخر:

قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه»

قضية الديمومة هذه: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وكان كما تصفه السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عمله دائمًا مستديمًا.

نعم، ويقول [النبي ﷺ] لـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: «لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم ترك»، ولما كان عبد الله من العباد وكان يصوم الدهر نهاه وجلس يفاوضه في الصيام حتى قال: «صم يومًا وأفطر يومًا فهذا صيام نبي الله داود».

بعد ذلك عبد أمر عبد الله، قال: «لعل الله أن يمد في عمرك فلا تستطيع»، فهذه نافلة يمكن أن يتركها عندما يتقدم في العمر، ولكن الملكة التي تكونت من العمل وإدمان العمل وعدم ترك العمل جعلت عبد الله بن عمرو وهو كبير يقول: يا ليتني سمعت نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأتي اليوم شديد الحر ولا يستطيع أن يفطر، خلاص أصبحت جزءًا من ذاته.

أزمة ترك المداومة على العمل في الأمة ونموذج اليابان في الجدية

المداومة على العمل، هذه المداومة على العمل ربما نكون قد افتقدناها؛ أي عندما يصدر تقرير - وإن كان من سنوات، لعل الله يغير الحال الآن - بأن العامل يعمل ثمانية وعشرين دقيقة فقط من الثماني ساعات المكلَّف بها، هذا كلام لا يرضي الله.

وعندنا مثل الأمم مثلًا اليابان، العامل عندما يريد أن يُضرب فيقوم بوضع علامة سوداء هنا على كتفه على شكل «أنا حزين» يعني، ولكن مستمر في العمل، وعندما يقولون لهم: يا إخواننا هذا كثير جدًا، من نداءات الحكومة اليابانية: إنه أرجوكم خففوا قليلًا عن العمل، أرجوكم اشتروا البضائع الأجنبية! لماذا؟ لأنها عملت لديهم أزمة مع الدول وأصبح الين أكثر قوةً أمام الدولار.

أليست هذه دولة قوية بهذا الشكل؟ إذن نحن أمام قيمة تركها لنا رسول الله ونحن تخلينا عنها وغيرنا يعملون بها ونرى نتيجة هذا العمل.

ألمانيا واليابان ليس لديهما جيش بموجب اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، حسنًا، ما هي ليست قوة مسيطرة في العالم ولا شيء، هؤلاء ليس لديهم جيش، هذه اليابان التي احتلت الصين ذات مرة وضربت أمريكا، ولكن عندما تخلت عن الجيش أصبحت دولة قوية لأنها تمسكت بالجدية.

ثالث عناصر الجدية: العمل في الفريق والجماعة في الإسلام

عندما نجد العمل في الفريق نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا الجماعة في الصلاة والجماعة في الحج والجماعة، وجعل الجماعة أساسًا وقال:

قال رسول الله ﷺ: «يد الله مع الجماعة»

وعندما نقول: الدين النصيحة، هذه هي روح الجدية، والجدية لها عناصر كثيرة ضربنا لبعضها أمثلة وكلها موجودة في الشريعة.

إذن، فما الذي ينقصنا إذا كنا من الناحية النظرية نقول إن الفقه الواقع بين النظرية والتطبيق؟ من ناحية النظرية لدينا معنا، فيبقى لنا التطبيق؛ يأتي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يأتي بمناهج التعليم في المدارس، يأتي بالإعلام ودوره في الإنارة وليس للإثارة، يأتي بالمساجد ورسالتها، يأتي بكل هذا.

ونحن على مشارف هذا، أي أننا نكاد نكون على مشارف هذا، ولكن نحتاج إلى المزيد وإلى أن يكون هذا في حكامنا ومحكومينا ورؤسائنا ومرؤوسينا ورجالنا ونسائنا حتى يخرجنا الله من هذه الورطة.

من يبدأ بالتغيير وكيف نوقظ الوعي في ظل دعوات التغريب؟

[المذيع]: جميل كلام فضيلتكم، لكن من يبدأ؟ من يطلق؟

[الشيخ]: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، النبي عليه الصلاة والسلام رسم لنا هذا قال: «ابدأ بنفسك» وهذه نقطة مهمة.

[المذيع]: حسنًا أستاذنا، أحيانًا بدون مقاطعة كلام فضيلتكم، الجميع يبدأ بنفسه وأمته والشعوب ما شاء الله على قلب رجل واحد لديهم الغيرة لديهم الجدية في العمل لديهم الإتقان لديهم الحب حب التمسك بدينهم، لكن هناك دعوات التغريب في بلادنا وما أكثرها، ولا أخفي على فضيلتكم هؤلاء، أين علماؤنا من هذه الكوارث؟

[الشيخ]: يعني في الأمة خير كثير جدًا، كنتم خير أمة أخرجت للناس، الخيرية موجودة كما أخبرنا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هناك معوقات تعوق المسيرة، وهذه دعوات التغريب الذين يتصدون لهم الحمد لله العلماء تصدوا لهم والحمد لله.

أن نعد مثلًا هيا نقارن بين أمثلة موجودة، نقارن مثلًا بين مصر وبين الصومال مثلًا ومدى تأثير الاحتلال الإنجليزي في كل منهما، أو الاحتلال الفرنسي مثلًا في جيبوتي أو في جزر القمر أو غير ذلك، تجد بونًا شاسعًا، لماذا هنا؟ لأن العلماء قاموا بدورهم، لأن العلماء دافعوا عن العروبة ودافعوا عن الإسلام وجعلوا الإسلام ما يزال حيًا طريًا غضًا.

المعوقات موجودة في كل عصر لكن الإسلام ينتصر والأمة في نهضة وصحوة

أما وجود العلمانيين أو دعوة التغريب أو كذا وكذا آخره، فهذا منذ أن أرسل الله نبيه، ففي هذه المعوقات ولكن هذه المعوقات تجوَّزت وانتصر المسلمون.

نحن أصبحنا مليارًا ونصف، هذا المليار ونصف كان من الممكن ألا يوجد، كيف تجاوزت الدعوة الإسلامية المشركين في أسفل المدينة في مكة وأهل خيبر من اليهود في أعلى المدينة في خيبر الشمال، وكانوا يستطيعون أن يهاجموا من الشمال والجنوب وقد أرادوا ذلك واتفقوا على ذلك، فنزل النبي فعقد صلح الحديبية وحل هذا الأمر، ثم خرجوا فغزوا خيبر وانتهوا، ثم نزل ففتح مكة.

يا أخي إن المعوقات موجودة في كل عصر وستبقى موجودة وسيظل الصراع بين الخير والشر وبين الإيمان والكفر وبين [الحق] والباطل إلى يوم الدين، القضية هي أن نعمل.

والحمد لله أنا متفائل لأننا نعمل، يعني عندما تأتي مثلًا لترى الفضائيات هذه التي نحن نشكو منها إلا أن فيها أيضًا من الخير الكثير، صحيح يعني عندما حدث أن دخل العالم عصر الرقمي لم يتخلف المسلمون عنه.

شواهد على نهضة الأمة الإسلامية وانتشار الإسلام في العالم

نحن الآن ونحن نتكلم في سنة الألفين وعشرة قارنها بسنة ألف وثمانمائة وعشرة، تجد أنه لم يكن هناك مسلم واحد في أمريكا ولا في غرب أوروبا، والآن أصبح المسلمون هناك أكثر من سبعة وثمانية ملايين وفي غرب أوروبا عشرون مليونًا، ما هذا؟ هذا انتصار!

المسلمون في تلك الفترة كانوا محتلين، الآن تحرَّر العالم الإسلامي كله، المسلمون في هذه الفترة لم يكن لهم أي مشاركة في العلم ولا في ذلك، اليوم في خمسة من مصر وحدها وفي خمسة عشر من العالم الإسلامي حاصلون على جائزة نوبل وحصلوا عليها لأنهم شاركوا وفعلوا.

وكذلك أنا أريد أن أرى الجزء الفارغ من الكأس والجزء المملوء، لا أي أن الأصل لأننا ونحن نتحدث كأننا في أسفل السافلين، لا نحن لسنا في أسفل السفينة، لا يوجد أمل بداية، نحن في تطور ونهضة وصحوة وتمكنت هذه الصحوة وأحدثت مشاكل للناس، هذه الصحوة تسبب مشاكل عند بعض الناس أي أنك تقول علمانيين ومتغربين وهكذا وهم يشكون أيضًا أن الإسلام انتشر انتشارًا واسعًا وتمكن من قلوب الناس وهو متمكن منذ أربعة عشر قرنًا من قلوب الناس وأن الناس يدخلون في دين الله أفواجًا.

إحصائية إسلام الدنماركيين بعد الرسوم الكاريكاتورية دليل على انتشار الإسلام

يا أخي عندما جاءت الرسوم الكاريكاتورية هذه الخاصة بالدنمارك أجرينا إحصائية بسيطة في الأزهر، وقد حدثت سنة ألفين وخمسة، كان ذلك في شهر أكتوبر أظن، وبعد ذلك رأينا حتى شهر سبتمبر الألفين وخمسة، ووجدنا أنه في السنة الألفين وخمسة والألفين وأربعة والألفين وثلاثة أسلم من الدنمارك وحدها - وهي قطعة صغيرة مثل منطقة شبرا بالقاهرة، هذا لأنها أربعة ملايين - يعني ستة وخمسون شخصًا ما شاء الله في الأزهر الشريف قبل الرسوم وقبل أي شيء.

بعد الرسوم، بعد الرسوم أسلم مائة وثمانية عشر في ستة وسبعة وثمانية وتسعة، يا أخي إذن يعني نحن يعني ينبغي ألا يسمع منا الناس نبرة التشاؤم التام، لا نحن نقول هكذا: نحن الحمد لله ربنا أكرمنا لكن ندعو أن يكرمنا أكثر، نحن تمكنا في بعض المواضع لكن نحن نريد أن تكون لنا الريادة.

نحن أناس نقول: يا رب، ولكن الفلاح يلقي البذر ثم يدعو يقول: يا رب، فهيا بنا نلقي البذر ثم ندعو نقول: يا رب.

رسالة الأمل للشباب وضرورة المشاركة الفاعلة لا الانعزال واليأس

أبناؤنا يجب أن يفهموا أن القضية ليست مأساوية بل القضية فيها أمل كبير، يكلفهم لكن تكليف مع تشريف وتشريف مع تكليف، وليس انتهى الأمر، خير أمة ونبقى على هذا، أم أننا أيضًا أناس انتهى أمرنا ووُضعنا في غياهب التاريخ وينبغي عليهم أن يدفنونا لأن فينا يأسًا، أو أن ننعزل عن المشاركة.

لا، نحن سنشارك وسننجح، بعد النجاح نجاحًا آخر، وكل هذه الصور التي تحاول أن تشوهنا أو التي تحاول أن تعادينا أو هكذا موجودة طوال عمرها؛ اليهود والمشركون، بعد ذلك الفرس والرومان، وبعد ذلك التتار والصليبيون، وبعد ذلك المرحلة الاستعمارية.

حسنًا ما نتيجة الحكاية؟ نتيجة الحكاية أننا أصبحنا مليارًا ونصف، نتيجة القضية أننا أصبحنا ستًا وخمسين دولة ممتدة من طنجة إلى جاكارتا ومن غانا إلى فرغانة، نتيجة هذه العملية ما نتيجتها أن أصبحنا في أمريكا نقارب العشرة ملايين وعشرين مليونًا موجودون في غرب أوروبا.

نتيجة هذه القصة ما هي أن الإسلام دخل في كل مكان وعُرف، والآن وهكذا هذه سنة الله في خلقه، فالإسلام سيبلغ شاء أم أبى.

فقه الواقع ووحدة الأمة الإسلامية وآية الاعتصام بحبل الله

ولكن أين فقه الواقع من وحدة الصف وجمع الكلمة حتى نكون أمة القرآن كما خاطبنا ربنا تبارك وتعالى يقول:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]

أين أمة «واعتصموا» الآن في ظل ما نحن فيه في ظل الأوضاع المتردية؟ من نظر فضيلتكم، فقه الـ«واعتصموا» هذا، واعتصموا لها فقه، هذا واجب علينا ومعلق في أعناقنا جميعًا حكامًا ومحكومين وساسةً واقتصاديين واجتماعيين وعلماء ومفكرين ودعاةً وكذلك، هذا معلق في قلوبنا جميعًا.

ثانيًا يعني ينبغي علينا أن ندرك أن هذا هو الحل الوحيد، أن نعتصم بحبل الله جميعًا وأن هذا هو البوابة الوحيدة من أجل أن تكون لنا الريادة ومن أجل أن ترجع إلينا الأولوية ومن أجل أن نتقدم ونصبح من الدول الكبرى ومن أجل أن نشارك في الحضارة العالمية ومن أجل أن يقتنع بنا الآخرون.

هذا هو الطريق يسمونه حتمية الحل، يعني ليس هناك حل إلا هذا.

لماذا لا تتوحد الأمة الإسلامية رغم غياب العوائق الجغرافية والاقتصادية؟

فهل سمعت أحدًا يعني يدعو إلى الفرقة مثلًا وإلى أنه ينبغي علينا أن نتفرق حتى نفوز؟ لا، هل هناك برنامج قائم على هذا المعروض أنه يا جماعة الله يحفظكم نحن يجب علينا أن نتفرق حتى نسود؟ لم يقل أحد.

[المذيع]: أستاذنا الكريم، يعني أوروبا توحدت حتى في العملة، نحن لماذا لا نتوحد ونحن قبلتنا واحدة وإلهنا واحد؟ يجب علينا أن نتوحد، يجب علينا أن نتوحد، ولكن أنا أعيد عليك السؤال تفضل: لماذا لم نتوحد؟ أريد منك إجابة على هذا السؤال.

[الشيخ]: هذا السؤال، نعم هذا السؤال أنت محتار فيه لا تجد إجابة.

[المذيع]: نعم لا تجد إجابة، وكثير من المشاهدين وكثير من المشاهدين لا يجدون إجابة.

[الشيخ]: إذن علينا معنا الإجابة، صحيح الإجابة واضحة وضوح الشمس التي هي: لماذا التفرق؟ كل يغني على ليلاه، نحن الآن نبحث عن سبب التفرق، لماذا الفرقة؟

أعني أنني أقصد أنه في ظل فقه الواقع لا يعني ألا نلقي باللوم على الآخرين، هؤلاء أعداؤنا يخططون لنا وللنيل منا ومن أرضنا ومن مقدساتنا، ماذا يجب علينا أن نفعل؟ كيف نوقظ الوعي؟ فلماذا لا نتحد؟

لا أدري، لا تدري، حسنًا إذن هذا يكون له، لماذا لا نتحد؟ أنا سألت كبار الاقتصاديين وقلت لهم: هل هناك عوائق أساسية تمنع الوحدة؟ قالوا: أبدًا، ليس هناك عوائق جغرافية وليس هناك عوائق اقتصادية.

حتمية الوحدة الإسلامية وأن الاتحاد لن يجلب العداء بل يحقق القوة

قلت لهم: هل نخاف أن نتحد حتى لا نُضرب من الخارج؟ قالوا: أبدًا، متفق عليه في العالم أن العالم الإسلامي إذا اجتمعنا لن تتعرض لنا القوى الكبرى، أمريكا لن تأتي لتضربنا بسبب اتحادنا.

بعض الناس يقولون أنه إذا اتحدنا فإن أمريكا ستأتي لتضربنا، لا أمريكا لن تأتي لتضربنا، بل أمريكا لن تأتي لضربنا، وهذه أقوال الخبراء.

لنخض تجربتنا، إذا نحن لو اتحدنا اتحادًا فيدراليًا أو لو اتحدنا مثل الاتحاد الأوروبي، لو ابتدعوا نحن وكانت بداياته وآماله مع منظمة المؤتمر الإسلامي لن يتعرض لنا أحد.

إذا، فالقضية هي أن هناك مفهومًا ما غامض على الناس، وهذا المفهوم الذي غبَّش على الناس هو قضية:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]

إذا نختتم الحلقة بهذا التساؤل: لماذا لا تتوحد الأمة؟ الإجابة لدى فقه الواقع.

نشكر فضيلة مفتي الدار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة سائلين الله عز وجل أن يجزيه عنا وعنكم خير الجزاء، إخوة وأخوات على أمل لقاء بكم في حلقات قادمة، نستودعكم عناية الرحمن، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.