فن الدعاء | حـ #18 | صيغ الدعاء جـ1 | أ.د علي جمعة - فن الدعاء

فن الدعاء | حـ #18 | صيغ الدعاء جـ1 | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الدعاء يستند إلى ما ورد في القرآن والسنة المطهرة وأقوال الصالحين، وقد تناولنا شروطه وآدابه والأشخاص والأزمنة والأمكان والأحوال المناسبة له.
  • الشريعة أمرتنا بالدعاء والذكر على سبيل السعة وليس التضييق، فبعض العبادات محددة لا يجوز الزيادة فيها، وأخرى جاءت كنموذج يُحتذى.
  • الدعاء ولو لم يُعلِّمه الرسول صلى الله عليه وسلم مقبول ما دام من الإسلام، فقد التمس المسلمون دعاء الأولياء المخلصين وانتفعوا بالصياغات التي لم ترد في القرآن والسنة.
  • من أحدث في الدين ما ليس منه فهو مردود، لكن من أحدث ما هو من الدين فهو محمود.
  • استدل بحادثة بلال عندما كان يصلي ركعتين بعد كل وضوء، وبالصحابي الذي قال دعاءً جديداً بعد الركوع فتسابقت الملائكة لرفعه.
  • الدعاء يؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله ودعاء الصالحين، والهدف منه استحضار القلب.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج فن الدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة ولقاء متجدد مع فن الدعاء.

ملخص ما سبق تناوله من شروط الدعاء وآدابه وأحواله

طُفنا بكم في شروط الدعاء وفي آداب الدعاء، وفي الأشخاص الذين نسأل منهم الدعاء، وفي الزمان الذي نلتمس فيه الدعاء، وفي المكان الذي نترصد فيه الدعاء، وفي الأحوال التي نحرص على أن تكون من أحوال الدعاء.

وذكرنا كل هذا مسترشدين بما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خير، وهذه نسميها بكشف الأسرار.

أسرار الدعاء كنز متاح للجميع لكن قليلون من يستعملونه

ونبّهنا مرات أنها ليست أسرارًا خافية على الناس، فهي متاحة لكل أحد في العالمين، ولكن لا يعرفها كثير من الناس لأنهم لا يهتمون بها؛ فهي كنز مخفي تحت أيدينا، قليل منا من يستعمله.

الدعاء ورد في الكتاب المبارك، وورد في السنة المشرفة، وورد على ألسنة الصالحين والأئمة الكبار.

الشريعة جاءت بالسعة في الدعاء والذكر لا بالتضييق

الذين [الأئمة الكبار] رأوا أن الشريعة عندما جاءت تأمرنا بالدعاء وتأمرنا بالذكر، كان هذا الأمر على السعة وليس على التضييق.

هناك أمور أمرنا الشرع أن نعبد الله بها وأن نتعبد هكذا، فلا يجوز الزيادة فيها ولا النقصان. وهناك أمور أمرنا الشرع أن تكون نموذجًا يُحتذى به، كقوله تعالى:

﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]

وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«مَن سنَّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين، ومن سنَّ سنةً سيئةً فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين»

ولذلك رأينا أن الذكر والثناء والدعاء حتى ولو لم يعلِّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام هو من الإسلام فإنه مقبول عند الله.

حرص المسلمين على التماس دعاء الأولياء أصحاب القلوب المخلصة

حرص المسلمون على التماس دعاء الأكابر من الأولياء الذين تعلقت قلوبهم بالله، فكانت من القلوب الضارعة المخلصة الواثقة العازمة الجادة المستحضرة لعظمة مولاها.

وانتفعوا كثيرًا بمثل هذه الصياغات التي لم ترد في القرآن ولم ترد في السنة، إلا أنها من القرآن والسنة [أي مستمدة من روحهما ومعانيهما].

معنى حديث من أحدث في أمرنا ما ليس منه وضابط البدعة

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»

يعني مردود عليه، لا نقبله. من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فإن أحدثنا ما هو من الشريعة [كالوضوء والصلاة]، والوضوء من الشريعة، فإذا توضأنا لكل صلاة كانت هذه سنة حسنة خيّرة ومزيد من نور على نور.

جاء الشرع ففرض علينا صلوات، وسنَّ لنا رسولنا الكريم سننًا، فلنفرض أنني أريد أن أزيد من هذه الصلوات ومن تلك السنن، إذن فهذا محمود مطلوب عند الله سبحانه وتعالى.

وجوب إدراك سعة الشريعة في الدعاء والرد على من يضيّق واسعاً

نعم، يجب عليك وقد عرفت شيئًا من فن الدعاء أن تعلم ما الذي ستقوله في هذا الدعاء. يجب عليك أن تدرك أن الشريعة جاءت على السعة؛ فمن أراد أن يجعلك تلتزم ويبدّع ويفسّق ويخطّئ كل ما لم يرد عن رسول الله، فهو المخطئ وهو المبتدع؛ لأنه ضيّق واسعًا.

الشريعة قالت: سعة، فقال: لا، أضيّق وألتزم بما ورد عن رسول الله. يلتزم ذلك في نفسه لا بأس، وجد قلبه عندما هو وارد عن سيد الخلق لا بأس، لكنه يُلزِم بذلك الآخرين، لا؛ لأن هدف العبادة والدعاء هو استحضار القلب.

جواز الدعاء بما لم يرد نصاً ما دام من روح الشريعة ومعانيها

فإذا كان قلبك قد وجد نفسه في دعاء لم يرد [عن النبي ﷺ]، كقولك: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا، هذا دعاء جامع لكنه لم يرد.

فإذا لم يرد فهل يكون من البدعة أن نذكره وندعو به دائمًا؟ لا؛ لأنه من الشريعة [أي من معانيها ومقاصدها].

قصة بلال وصلاة ركعتين عند كل وضوء دليل على السنة الحسنة

أكّد هذا [جواز الإحداث في العبادة ما دام من الشريعة] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما وجد بلالًا فسأله:

ما بالك يا بلال؟ أراك في المنام وخشخشة نعليك قبلي في الجنة، فبماذا نلت هذا؟

قال بلال: لا أدري يا رسول الله، إلا أنني... نعم، تذكرت: إنني كلما توضأت صليت ركعتين.

رسول الله لم يأمر بلالًا أن يصلي ركعتين عند كل وضوء، بلال وجد أن الصلاة من الدين وأن الوضوء من الدين، فجمع بينهما فأنشأ صيغة أخرى لم تكن من قبل.

فإذا كان الأمر كذلك فهي ليست بدعة، بل تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:

«من سنَّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين»

قصة الصحابي الذي قال ذكراً لم يتعلمه وفرح الملائكة به

رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فيرفع أحدهم ممن خلفه رأسه من الركوع فيقول قولًا لم يسمعه رسول الله ولم يعلّمه إياه، فيجد ثلاثين ملكًا وأكثر يبتدرونها أيُّهم يصعد بها أولًا إلى السماء، يتنافسون مع بعضهم أيهم أسرع؛ لأن الملائكة فرحوا.

ففرحت الملائكة، فهي تعرف البدعة وتعرف الأحكام بإذن ربهم:

﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

سؤال النبي عن القائل وبيان أن ما قاله كان خيراً مقبولاً

فبعد أن انتهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة التفت فقال:

من الذي قال ما قال حينما رفع من الركوع؟

خاف الرجل أن يكون قد قال شيئًا خطأً؛ لأنه لم يسمعه من رسول الله ولم يتعلمه. قال [النبي ﷺ]: مَن؟ فإنه لم يقل إلا خيرًا. قال [الرجل]: أنا يا رسول الله، ما دام خيرًا إذن أنا.

قال [النبي ﷺ]: رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيُّهم يصعد بها إلى السماء.

ماذا قلت؟ قال: قلت:

«ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء»

هذا إيمان قلب متعلق بالله.

تلبية الصحابة في الحج بصيغ مختلفة وإقرار النبي لما ليس فيه شرك

وفي حديث جابر وهو يصف حال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، وكان الناس يلبّون بما تسمعون. كان النبي تلبيته:

«لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»

بعض الصحابة كان يلبّون تلبية أخرى، فكان [النبي ﷺ] يتركهم ما لم يكن فيها شرك.

سمع أعرابيًا يقول: «إلا شريكًا هو لك، ملكته وما يملكك»، أي أنه كان يعظّم ربنا قائلًا: أنت يا ربنا تملك هذا الصنم لكنه لا يملكك. فقال له: ويحك يا رجل، وعلّمه كيف يوحّد الله وكيف يخلص، فأنكر عليه ما هو خطأ.

ولكن كان من الصحابة من يقول: «لبيك لبيك حقًا حقًا، تعبدًا ورِقًّا»، فكان يتركه [النبي ﷺ ولا ينكر عليه].

خاتمة الحلقة ومصادر الدعاء من الكتاب والسنة ودعاء الصالحين

فالدعاء في هذه الساعة نأخذ فيه من كتاب الله ومن سنة رسول الله ومن دعاء الصالحين.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.