فن الدعاء | حـ #20 | صيغ الدعاء جـ 3 | أ.د علي جمعة
- •الدعاء فن له شروط وآداب متعلقة بزمانه ومكانه وحاله وأشخاصه، وصيغه متعددة مستمدة من تجارب الصالحين.
- •الأدعية التي وضعها العلماء للمناسك كالطواف وإن لم ترد بنصها في الكتاب والسنة، فهي من جنس ما أمر الله به وتحوي معانٍ عالية.
- •جمع العلماء مجموعات عديدة من الأدعية والصلوات على النبي، كدلائل الخيرات للجزولي وكنوز الأسرار للهروشي وجامع الثناء للنبهاني والصحيفة السجادية لزين العابدين.
- •دعاء الصالحين وذكرهم ملأ الأرض نوراً وحبب الناس في رسول الله واستجيب لهم الدعاء.
- •الفاتحة تعلمنا فن الدعاء: البدء بالبسملة، ثم الثناء على الله، ثم وصفه بصفاته، ثم السؤال.
- •ينبغي احترام التنوع في أدعية المسلمين وتجاربهم الروحية مع الالتزام بأصول الدعاء المشروعة.
- •الدعاء المستجاب يجمع بين الثناء على الله والتذلل بين يديه قبل المسألة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج فن الدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في لقاء جديد ومتجدد مع فن الدعاء.
ملخص ما سبق من شروط الدعاء وآدابه وصيغه وأعمال الاستجابة
طُفنا في شروط الدعاء وآدابه، في زمانه ومكانه وحاله وأشخاصه، ودخلنا في صيغ الدعاء وكيف أننا نستفيد من الصالحين فندعو بما نجد قلبنا عنده من دعاء، وما الذي ينبغي علينا أن نفعله من أعمال وأفعال تؤدي بنا إلى الاستجابة في نهاية الأمر.
فالحمد لله رب العالمين أن علّمنا كل هذه الشروط والآداب، وكشف لنا عن كل هذه الأسرار والمنح الربانية الصمدانية.
أدعية الطواف الموضوعة من قبل العباد وحكمها الشرعي
كثيرًا ما نجد أدعية مثل الأدعية التي وضعها العباد في الطواف، فتجد كتابًا موجودًا فيه أدعية الشوط الأول، أدعية الشوط الثاني، أدعية الشوط الثالث، وهكذا.
هذه الأدعية ليست واردة لا في الكتاب ولا في السنة، وبالرغم من ذلك إلا أنها من الكتاب والسنة؛ [أي من جنس ما ورد فيهما]، من جنس ما أمرنا الله سبحانه وتعالى به.
النهي عن منع الناس من أدعية الصالحين غير الواردة بنصها عن النبي
بعض الناس يريد أن يكون مثالًا تامًا بما تركه النبي [صلى الله عليه وسلم]، لا بأس، ولكن يا أخي نحن نتكلم في أنك تنهى الناس؛ فهذا الذي نهيته لا يعلم ما الذي قاله النبي [صلى الله عليه وسلم]، كما أنك حرمته مما وضعه الصالحون الأكابر الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه.
عدم ورود هذه الأدعية وهذه الأذكار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيغتها وبنفسها لا يدل على أنها ممنوعة؛ بل هي مطلوبة مقصودة لما اشتملت عليه من المعاني العالية، ولما اشتملت عليه من الصياغات الدقيقة، ولما اشتملت عليه أيضًا من استجابة الدعاء عندها.
مجاميع الصلاة على النبي عند العلماء كدلائل الخيرات وكنوز الأسرار
لذلك رأينا الناس وهم يجمعون الكتب في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كالإمام الجزولي رحمه الله تعالى في كتابه [دلائل الخيرات] في الصلاة على سيد الخلق سيدنا النبي المصطفى والحبيب المجتبى، جمع فيها الصلوات التي ذكرها الأولياء عبر القرون، ورتّبها وقسّمها حتى على الأيام؛ بحيث أن الإنسان يقرأ صفحة أو صفحتين من الدعاء للنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
من هذه المجاميع أيضًا [كنوز الأسرار] للإمام أبي عبد الله الهروشي المغربي، جمع فيها أيضًا نحو ثمانٍ وخمسين صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك الشيخ النبهاني جمع كتاب [جامع الثناء على الله]، فجمع أدعية كثيرة وردت على ألسنة الصالحين، ونظمها وجعلها في هذا الكتاب، حتى يُضاف إلى كتابه الآخر [سعادة الدارين] في الصلاة على سيد الثقلين.
أثر دعاء الصالحين وذكرهم في نشر النور واستجابة الدعاء
دعاء الصالحين وذكرهم ملأ الأرض نورًا، وحبّب الناس في رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستُجيب لهم الدعاء، فرأوا الله في كل شيء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
شعروا بوجود الله، دعوا فاستُجيب لهم، فتغيّرت حياتهم.
تطور مجاميع الدعاء والصحيفة السجادية المنسوبة لزين العابدين
هذه المجاميع التي ذكرنا بعضها تطورت، وأصبح هناك مجاميع للدعاء، حتى أنشأ بعضهم ما يُسمى بـ[مكنز الدعاء]، جمع فيه كل ما ورد في الكتب من أدعية.
هناك أيضًا دعاء منسوب إلى السيد زين العابدين بن سيدنا الحسين [رضي الله عنهما]، وزين العابدين كان سجّادًا؛ قيل أنه كان يسجد في اليوم لله ألف مرة، وحمل بعضهم هذه الألف على السجود المفرد؛ يعني الذي هو خارج الصلاة كسجود الشكر وسجود التلاوة وسجود الدعاء وكذا إلى آخره.
قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد»
فكان السجّاد رضي الله تعالى عنه وأرضاه يسجد كثيرًا ويدعو في سجوده كثيرًا، وكان منوّر الوجه، وكان عالمًا إمامًا يعترف به الجميع في إمامته وفضله وتقواه عليه السلام.
الصحيفة السجادية ومجموعات الأدعية المنسوبة للصالحين عبر القرون
زين العابدين [رضي الله عنه] له صحيفة نُسبت إليه، ترى كلها أنوار، اسمها الصحيفة السجادية، فهذه أيضًا مجموعة من الأدعية التي عرفها المسلمون منذ القدم.
مجموعات كثيرة بين أيدينا وكلها منسوبة إلى الصالحين، وفيها من الرقائق والدقائق والحقائق ما الله به عليم.
نصيحة لمن يلتزم بالوارد فقط بترك الناس مع حياتهم الروحية
فنحن نقول لإخواننا ممن يريدون أن يلتزموا الوارد فقط: التزموا، ولكن اتركوا الناس مع حياتهم الروحية، ومع دعائهم المستمر لرب العالمين، ومع قلوبهم التي يجدون أنفسهم عندها، ومع هذا الخضم الهائل من تجربة المسلمين في تنفيذ وتطبيق شرع الله، في تنفيذ وتطبيق القرآن، في تنفيذ وتطبيق:
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]
تأمل في فاتحة الكتاب وتعلم فن الدعاء من ترتيبها
لو تأملنا في فاتحة الكتاب نجد أن الله قد بدأها بالبسملة، ثم ثنّى بالحمد لله، ثم ثنّى بصفات لله سبحانه وتعالى كأنه يمدحه بها، ثم قال:
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]
وهذا يجعلنا نتعلم فن الدعاء: أبدأ بما بدأ الله به؛ بسم الله الرحمن الرحيم، اثنِ على الله: اللهم لك الحمد ولك الشكر، ثم صِف الله:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3]
يصفه: يا رب أنت القدوس وأنت السلام وأنت الكريم وأنت الحبيب.
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]
يصف الله:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]
فتقول: اللهم إني أنا العبد الذليل الضعيف المحتاج إليك، اللهم انقلني من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وأعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك — هذا وارد في الحديث —.
ادعُ الله سبحانه وتعالى بما فيه ثناء على الله سبحانه، ثم بعد ذلك اطلب منه:
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]
الفرق بين من يسأل الدنيا فقط ومن يسأل الدنيا والآخرة معاً
ومن الناس من يقول:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 200]
وما له في الآخرة من خلاق [أي نصيب].
ومنهم من يقول:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
