فن الدعاء | حـ #21 | أدعية القرآن الكريم جـ 1 | أ.د علي جمعة
- •فن الدعاء يستلزم التماس دعاء القرآن الكريم ليخاطب المرء ربه بما يرضيه.
- •يستشهد النص بقصة الحجاج الذي كان يختم القرآن كل سبعة أيام رغم كونه سفاكاً للدماء.
- •عندما قتل الحجاج سعيد بن جبير، دعا سعيد: "اللهم لا تمكنه من أحد من بعدي"، فاستجاب الله ومات الحجاج بعد ثلاثة أيام.
- •الحجاج دعا بقوله: "يا رب إن الناس تقول إنك لن تغفر للحجاج، اللهم اغفر لي"، مستخدماً أسلوباً يظهر معرفته بكيفية مخاطبة الله.
- •أكد السيوطي أن وجود المستجابي الدعاء فرض كفاية في الأمة لإثبات وجود الله وتجديد أمل الناس.
- •ينبغي للمسلم أن يتعلم من دعاء القرآن ما يدعو به ربه من طلب التوبة والعفو والمغفرة والصلاح والدعاء للوالدين والأزواج والأبناء.
- •دعاء القرآن بصياغاته المختلفة هو سبيل الوصول لدرجة الربانية واستجابة الدعاء.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج فن الدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء المتجدد مع فن الدعاء.
ضرورة التماس دعاء القرآن الكريم لمخاطبة الله بما يرضيه
إذا أردنا أن ندعو الله سبحانه وتعالى وأن نخاطبه بما يرضيه، وبما يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، فعلينا أن نلتمس دعاء القرآن الكريم.
الحجاج بن يوسف الثقفي وختمه للقرآن وإتقانه فن مخاطبة الله
الحجاج بن يوسف الثقفي وكان سفاكًا للدماء، إلا أنه كان يختم القرآن كل سبعة أيام مرة. هذا الختم وهذه العبادة وهذا الاتصال بكتاب الله جعله يتقن الحديث مع الله، يتقن فن الدعاء.
دعاء سعيد بن جبير على الحجاج قبل مقتله ظلمًا واستجابة الله له
أتى [الحجاج] بسعيد بن جبير وقتله ظلمًا، فدعا سعيد عليه وقال:
«اللهم لا تمكنه من أحد من بعدي»
سعيد دعا للأمة أن يكفيها الله شر الحجاج وما يفعل من هذه القسوة المفرطة، ومن هذه المخالفة لأوامر الشريعة. الرجل [الحجاج] مازال مسلمًا ولكنه مسلم ظالم.
لم يدعُ لنفسه سعيد بن جبير — من أفاضل التابعين وأكابر العلماء — لم يدعُ لنفسه، إنما دعا للأمة:
«اللهم لا تمكنه من أحد من بعدي»
مرض الحجاج ووفاته بعد ثلاثة أيام من دعاء سعيد بن جبير عليه
سمع الحجاج هذا [الدعاء] وقتله، وفي خلال ثلاثة أيام مرض الحجاج مرضًا شديدًا. شعر الحجاج أن هذه نهايته، وأن هذا المرض ليس ككل مرض مر به، وأن هذا من دعاء سعيد بن جبير؛ فسعيد دعا واستجاب الله له.
الحجاج شعر بأن هذا فعل إلهي، خلال ثلاثة أيام مات الحجاج.
دعاء الحجاج عند موته وكيف خاطب الله بفهمه للقرآن
ماذا كان يقول [الحجاج] لربه وهو الذي حفظ القرآن وكان يقرأ القرآن آناء الليل وأطراف النهار، ففهم كيف نخاطب الله سبحانه وتعالى؟
قال الحجاج — فيما استحسنه كثير جدًا من العلماء ممن اطلع على دعاء الحجاج هذا —:
«يا رب، إن الناس تقول إنك لن تغفر للحجاج، اللهم اغفر لي»
تحليل دعاء الحجاج وشكواه من تألي الناس على الله في المغفرة
هذا الدعاء البسيط، هذا الدعاء الذي يصدر [منه] طلب المغفرة، هذا الدعاء الذي يعني يمكر فيه الحجاج فيشكو الناس لربهم أنهم يتألون على الله. من ذا الذي يتألى على الله بأنه يغفر أو لا يغفر، وبأنه يدخل هذا الجنة ويدخل هذا النار؟ من؟ من هذا الذي بيده هذه السلطة؟
إذا كان الله سبحانه وتعالى لم يعطِ هذا لنبيه ﷺ فقال:
﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]
فلن يغفر الله لهم، أُغلق الباب. فمن ذا الذي يقول: يا رب لا تغفر للحجاج؟ أو يقول حتى لم يدَّعِ، إنما قال أن الله لا يغفر للحجاج.
براعة الحجاج في مخاطبة الله وندمه على قتل سعيد بن جبير
الحجاج ببساطة كان يضرب بمعرفة كيف يخاطب الله: إن الناس تقول إنك لا تغفر للحجاج، اللهم فاغفر لي.
وكان يقول: مالي ومال سعيد — في مرض موته — وكأنه تاب [وندم على ما فعله بسعيد بن جبير].
موقف أهل السنة من الحجاج بين إنكار ظلمه والاعتراف بإنجازاته
الحجاج سفاك للدماء لا يرضى عنه أهل السنة، إلا أنه هو الذي قضى على الخوارج، وإلا أنه هو الذي أنهى فتنة الروافض، وإلا أنه بعده استقرت الأمة وانطلقت في بناء حضارتها.
نكره فعله ونعيبه ولا نتمثل به، ولكن في نفس الوقت نتعلم منه ونقول: نريد بناء حضارة نشارك فيها الإنسانية، نريد أن نكون عبادًا ربانيين نقول للشيء يا رب فيستجيب لنا.
وجوب وجود صنف من الأمة يدعو الله فيستجاب له كفرض كفاية
ورُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. يقول الإمام السيوطي: وهذا صنف من قبيل فرض الكفاية في الأمة؛ يعني لا بد في الأمة من وجود من يدعو الله سبحانه وتعالى فيستجيب له.
لأن هذا يثبت وجود الله ويهدئ بال العوام ويجعل الناس عندها أمل، وبدون أمل فلا حياة.
ضرورة ظهور العارفين بفن الدعاء لإحياء الإيمان في الأمة
ولذلك هذا الصنف من الناس — المتبتل المنقطع للعبادة، الداعي لربه، المجرب، العارف كيف يخاطب الله سبحانه وتعالى — لا بد أن يعود مرة أخرى وأن يظهر؛ لأنه موجود في كل زمان ومكان.
«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة»
لكن يجب وينبغي أن يظهر للناس وأن يتصدر للناس وأن يدعو بالخير للناس، وتشعر الناس باستجابة الدعاء مرة أخرى حتى يعود الإيمان الراسخ الهادئ الهادي، ويعود قولنا:
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]
منهج الحلقات القادمة في تتبع آيات الدعاء واستنباط الحكم منها
الذي سنعالجه في حلقات متتالية هي محاولة الوقوف عند كثير من آيات الدعاء واستنباط الحِكَم منها. يعني دعاء القرآن لو جمعناه، فبماذا يأمرنا أن ندعو ربنا سبحانه وتعالى؟
نجد أنه يدعونا إلى أن:
- •نسأل الله سبحانه وتعالى التوبة.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى العفو.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى الصلاح.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى الجنة.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى لوالدينا.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى لأزواجنا.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى لأبنائنا.
- •نسأل الله سبحانه وتعالى بصلاح الدنيا وصلاح الأرض.
تتبع ما نسأل الله فيه من نور وتوبة وتعلم صياغات الدعاء القرآنية
نريد أن نتتبع هذا الذي نسأل فيه الله النور؛ حتى نورهم يمشي بين أيديهم. نسأل الله سبحانه وتعالى ماذا ونبدأ بماذا؟ نسأل الله التوبة.
كل هذه المعاني يجب أن نقف من القرآن عليها حتى نتعلم كيف ندعو ربنا. ما الصياغة التي نتعلمها من صياغات القرآن المختلفة حتى نصل إلى هذه الدرجة الربانية؟
نريد أن نكون من عباد الله المستجاب الدعاء، فماذا يجب علينا أن نفعل؟
خاتمة الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء للمشاهدين
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
