فن الدعاء | حـ #25 | الأذكار | أ.د علي جمعة
- •التكرار في الدعاء مقبول ومشروع، فالله سبحانه ذكر اسمه نحو سبعة آلاف مرة في القرآن الكريم.
- •النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله مائة مرة في اليوم، وكان يكرر الدعاء ثلاثاً.
- •العرب إذا أحبت شيئاً أو خافت منه أكثرت من أسمائه، وقد سمى الله نفسه بصفاته العُلى أكثر من مائة وخمسين مرة.
- •من فن الدعاء أن تصف الله بأسمائه الحسنى، سواء بالتكرار كأن تقول "يا الله يا الله" أو بالتنوع كأن تقول "يا رحمن يا عفو".
- •صلة الإنسان بربه لم تنقطع رغم انقطاع النبوة والرسالة، فهي مستمرة عبر الإلهام والواردات والرؤى الصالحة واستجابة الدعاء.
- •أسماء الله بلغت الغاية في حقه تعالى، فهو غاية في الرحمة والهيمنة والعطاء.
- •لله تسعة وتسعون اسماً، من أحصاها دخل الجنة، وقال تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها".
مقدمة اللقاء وسؤال عن الأذكار والتكرار في الدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء المتجدد مع فن الدعاء.
والسؤال الذي يسأله كثير من الناس: هل هناك أذكار نتوصل بها إلى سؤال الله سبحانه وتعالى، كما أن هذه الأذكار قد تشتمل على تكرار، فهل التكرار مما أذن فيه ربنا سبحانه وتعالى؟
الله سبحانه وتعالى أورد اسمه «الله» الذي هو لفظ الجلالة، والذي هو عَلَمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، أورده نحو سبعة آلاف مرة في القرآن الكريم أو يزيد؛ فأذِنَ لنا في التكرار.
أدلة مشروعية التكرار في الدعاء من السنة النبوية
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«إني أستغفر الله في اليوم مائة مرة»
فأذِنَ لنا بالتكرار. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيكررها ثلاثًا، يدعو لأهل بيته:
«اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا»
فهذا معناه أن التكرار في الدعاء مقبول ومسموح به ووارد.
كثرة أسماء الله وصفاته في الكتاب والسنة وسؤال النبي بها
ولأن العرب كانت إذا أحبت شيئًا أو خافت منه أكثرت من أسمائه، فإن الله قد سمى نفسه سبحانه وتعالى بصفاته العُلى أكثر من مائة وخمسين مرة في كتاب الله. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه بما لم يكن في كتاب الله، وهو يدعو فيقول:
«اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء وحزننا»
هذا الدعاء [يدل على] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ربه بأسمائه الحسنى التي نزلت في الكتاب، وأيضًا يُسأل بتلك الأسماء التي لم تَنزل في الكتاب.
توسيع دائرة العلم الإلهي إلى الصالحين والإلهام بعد النبوة
ولما لم تَنزل [تلك الأسماء] في الكتاب عَلَّمها الله أحدًا من خلقه، ولما عَلَّمها أحدًا من خلقه فإنه لم يقتصر على الأنبياء ولا المرسلين، بل أيضًا وسَّع الدائرة إلى الصالحين، عَلَّمهم ما لم يكونوا يعلمون، عَلَّمهم بطرق شتى.
فإن العلاقة لم تنتهِ بين العبد وربه؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن كان فيكم محدثون فعمر»
فإذا كان منكم [أحدٌ يُحدَّث] في الإلهام فعمر بن الخطاب كان مُلهَمًا. إذن الصلة لم تنقطع.
استمرار صلة العبد بربه بعد انقطاع النبوة بصور متعددة
ولذلك شقَّ على الصحابة أن تنقطع الصلة بانقطاع النبوة، قال [النبي ﷺ]:
«فلا نبي بعدي ولا رسول»
فشقَّ ذلك علينا [أي على الصحابة]، فقال:
«وتبقى الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرى له»
فالصلة ما زالت قائمة في صورة الإلهام، وفي صورة الإشراقات، وفي صورة الإشارات، وفي صورة الكرامات، وفي صورة الرؤى الطيبة يراها العبد الصالح أو تُرى له، وفي صورة استجابة الدعاء، وفي صورة ما ينكشف لعباد الله الصالحين من هذه العوالم التي حولنا بتلك الشفافية الراقية التي ترقى إليها أرواحهم.
إذن فصِلة الإنسان بربه لم تنقطع، إنما الذي انقطع النبوة والرسالة والتكليف، هذه هي الأمور التي انقطعت.
مشروعية الإلحاح في الدعاء وتنوع صفات الله الحسنى
نستفيد مما ذكرنا أن التكرار في الدعاء وأن الإلحاح في الدعاء أمر مطلوب. ولذلك نرى الله سبحانه وتعالى نوَّع صفات نفسه حتى نطلع عليها؛ أكثر من مائة وخمسين صفة [في القرآن]، وأكثر من مائة وستين صفة في السنة.
ولو جمعنا بينهما وحذفنا المكرر يكون لدينا نحو مائتين وعشرين صفة لله تعالى، هي أسماء سُمِّيت أسماءً لأنها بلغت الغاية في حقه تعالى. فهو غاية في الرحمة بحيث إذا ما أُطلقت كلمة الرحمن انصرف الذهن إلى الله، غاية في الهيمنة بحيث إذا أُطلقت كلمة المهيمن قلت: الله.
من الوهاب: الله، من المعطي: الله، من المانع: الله، من الضار النافع: هو الله. بلغت هذه الصفات في حقه تعالى غاية جعلتها أسماء، جعلتها إذا ما أُطلقت انصرف الذهن إليها، وهذا هو حقيقة الأسماء.
فن الدعاء بأسماء الله الحسنى والتنقل بين صفاته العليا
فنحن أمام أسماء الله التي سماها رسول الله ﷺ بأسماء الله الحسنى:
«إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
فمن فن الدعاء أن تصف الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء الحسنى العليا، فيفرح الله بك؛ لأن الله ما خلقك إلا لعبادته كما قال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
سواء بالتكرار كأن تدعو فتتنقل بين معاني الصفات، مثل: يا رحمن يا عفو، أو يا جبار يا متكبر؛ لأن هذا بالتخلق وهذا بالتعلق. وإما أن تكرر: يا الله، يا الله، يا الله مرارًا.
تحذير النبي من نسيان ذكر الله وانحدار المجتمعات في آخر الزمان
والنبي صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى ذلك [أهمية ذكر الله] ويقول:
«لا تقوم الساعة إلا على لكع بن لكع»
أي أنه عندما يقل الإيمان وينسى الناس شأن الدين، حيث لا يُذكر في الأرض: الله، الله. وقد ورد أن بعض الشباب يُعرض عليه حينئذٍ - عافانا الله - كلمة «الله»، فيقول: سمعت جدي يذكر هذا اللفظ «الله»، إذ لا يعرفون معناها! إلى هذا الحد تنحدر المجتمعات البشرية عندما تقترب من الساعة.
«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة»
التنقل بين صفات الله والتكرار والتنويع في الدعاء وختام اللقاء
فالإنسان يتقلب بين صفات الله من ناحية، ويتقلب من التكرار؛ يستغفر الله مائة مرة. وأيضًا الدعاء له علاقة بالمعنى؛ فكما أنه يكرر: يا الله، يا الله، يا الله، اغفر لي، اغفر لي، اغفر لي، ويكرر، أو يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم فينوّع، فإنه أيضًا المعنى يتعلق به.
وسنعالج ذلك [موضوع التنويع في المعاني] في لقائنا القادم إن شاء الله. فإلى لقاء، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
