فن الدعاء | حـ #26 | تجويد الدعاء | أ.د علي جمعة - فن الدعاء

فن الدعاء | حـ #26 | تجويد الدعاء | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • روى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عبد الله بن قيس يتلو القرآن ويدعو قائلاً: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"، فأخبر النبي أنه دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب.
  • وصف النبي عبد الله بأنه أوتي مزماراً من مزامير آل داود، إشارة إلى حسن صوته في التلاوة والدعاء.
  • حسن الصوت في الدعاء والذكر مما يحبه الله، فالله جميل يحب الجمال، ولكن الله ينظر إلى القلوب أولاً.
  • ينبغي عدم التكلف في الدعاء، والابتعاد عن السجع المتكلف.
  • الدعاء يحتاج إلى عزم وعدم تردد، فالعزم أحد أركان استجابة الدعاء.
  • أخفى الله اسمه الأعظم بين أسمائه الحسنى، وإذا دُعي بهذا الاسم استجاب الله الدعاء.
  • اختار النبي مؤذنيه لحسن أصواتهم، فالدعوة إلى الله تحتاج إلى كفاءات.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج فن الدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء المتجدد مع فن الدعاء.

قصة دخول النبي المسجد وسماعه لرجل يقرأ القرآن بصوت جميل

مرة دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسجد، فإذ بأحدهم يقرأ [القرآن بصوت جميل]، فقال لمن معه من الصحابة: أتراه مرائيًا؟ فسكت الصحابي وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد إخباره بأن هذا الإنسان مرائي.

لكن النبي لم يقصد هذا، وإنما هذا الذي قصده الصحابي في نفسه. الرجل كان جميل الصوت، [وهو] عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه.

دعاء عبد الله بن قيس باسم الله الأعظم وشهادة النبي له

فلما أنهى [عبد الله بن قيس] تلاوته قال:

«اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد»

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب»

وهذا يدل على أن اسم الله الأعظم مرتبط بالإجابة ارتباطًا وثيقًا.

النبي يصحح فهم الصحابي ويشهد للأشعري بحسن الصوت

ثم أتى [النبي صلى الله عليه وسلم] في اليوم الثاني فوجد الرجل وهو يصلي بصوت رخيم جميل وبصوت يسمعه الناس في جانب المسجد، فقال له: هذا صاحبك الأشعري. قال له [الصحابي]: يا رسول الله، أهو مرائي؟ من أجل الكلمة التي تراه مرائيًا، التي تكلم بها الرسول أمس.

قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: لا، بل هو عبد منيب، بل هو عبد منيب. صحح له ما فهمه خطأً من رسول الله أمس.

قال: إن صاحبك الأشعري هذا قد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود.

مزامير داود وحسن الصوت في تجويد الدعاء والتوسل

سيدنا داود كان جميل الصوت جدًا، حتى أن ما أوحى الله إليه كان مجموعة من الأدعية والتوسلات والمناجاة سُميت بالمزامير. وهذه المزامير كان يجودها داود تجويدًا حسنًا.

فنأخذ من هذا أن الله سبحانه وتعالى يحب تجويد الدعاء. ولذلك عندما قلنا إنه يُكره السجع في الدعاء، قلنا ولكن إذا وجدت قلبك فيما قد صاغه أولياء الله الصالحون بلا تكلف، فالمكروه هو التكلف.

التكلف المكروه في قراءة القرآن والدعاء وأهمية الطبيعة في الأداء

المكروه أن تقرأ القرآن بتكلف، ولكن إذا قرأت القرآن بلا تكلف كما يقول ابن الجزري في شأن التجويد أن يكون بلا تكلف، يعني لا تحاول إخراج مخارج الحروف أن تكون متكلفة فيشعر السامع بعدم الرضا.

ولكن نحتاج إلى عدم التكلف في الدعاء، هذا هو هذا. أوتي [عبد الله بن قيس الأشعري] مزمارًا من مزامير آل داود، مزمار داود هذا كان بحسن الصوت.

حسن الصوت جزء من استجابة الدعاء وليس شرطًا لقبوله

فحسن الصوت هو جزء لا يتجزأ من استجابة الدعاء. ونحن نقرأ السنة أو القرآن نقرأهما جملة واحدة؛ إن الصوت الحسن يحبه الله ورسوله، فإن الله جميل يحب الجمال.

ولكن لا يعني هذا أن من لم يُؤتَ بصوت حسن أنه لا يُقبل دعاؤه أبدًا، وإنما هذا من المبشرات ومن نِعَم الله سبحانه وتعالى عليه؛ فإن الله كما أخبرنا رسول الله:

«إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى ما في قلوبكم»

اختيار النبي لبلال وغيره من المؤذنين لحسن أصواتهم

لكن لما جاء عبد الله بن زيد وقد رأى في المنام قصة الأذان، قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:

«علّمه بلالًا فإنه أندى منك صوتًا»

وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم [يختار] من المؤذنين بلال، ومن المؤذنين رجل كان من قبيلة صداء؛ أن أخا صداء قد أذّن ومن أذّن فهو يقيم، ومن المؤذنين ابن أم مكتوم، ومن المؤذنين أبو محذورة في مكة.

فهؤلاء هم الذين أذنوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اختارهم لحسن أصواتهم.

الدعوة إلى الله تحتاج كفاءات والأدب والسكينة في مخاطبة الله

فالدعوة إلى الله تحتاج إلى كفاءات، ولكن إذا الإنسان أربع على نفسه كما قال رسول الله:

«اربعوا على أنفسكم»

فخاطب الله بطريقة فيها أدب وسكينة وضراعة، كان هذا الصوت مرضيًا عنه من الله.

حتى أنه في القراءة الشاذة أخذ بعضهم منها وهي تقول:

﴿يزيد في الحَلْق ما يشاء﴾ [فاطر:

  1. قراءة شاذة]

يعني حسن الصوت، في حين أن القراءة الصحيحة:

﴿يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ [فاطر: 1]

لكن قراءة شاذة وردت بالأحد يقول: يزيد في الحَلْق ما يشاء، يعني الصوت الحسن، والله يحب الصوت الحسن.

نصيحة لقمان لابنه بغض الصوت والنهي عن الأداء غير المهذب

في المقابل لا يحب [الله] هذه الطريقة في الأداء التي تعد طريقة سوقية، طريقة ليست مهذبة. في قوله [تعالى] في نصيحة لقمان لابنه:

﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]

لأن صوت الحمير ليس فيه تناسق، والله سبحانه وتعالى خلق الكامن في هذا الكون على التناسق.

الدعاء ينبغي ألا يكون متناقضًا والعزم ركن من أركان الاستجابة

نأخذ من هذا كله أن الدعاء ينبغي ألا يكون متناقضًا بعضه مع بعض، أوله ينقض آخره وكأن الداعي محتار. بل اعزم أمرك ولا تكن مترددًا في دعائك؛ فإن العزم أحد أركان استجابة الدعاء والإسراع في هذه الاستجابة.

كل هذا يمكن أن نقف عنده وقفات، ولكن الذي يهمنا هو اسم الله الأعظم.

اختلاف العلماء في اسم الله الأعظم وإخفاؤه في الأسماء الحسنى

واختلف العلماء [في تحديد اسم الله الأعظم]، وأخفى الله سبحانه وتعالى اسمه الأعظم في سائر أسمائه الحسنى في الكتاب والسنة. الاسم الأعظم إذا دُعيَ به الله أجاب، من مؤمن أو من غير مؤمن.

يعني كان هناك ارتباط عضوي، كان هناك ارتباطًا عضويًا بين اسم الله الأعظم وبين الإجابة. ولذلك جلس كثير من المسلمين من أجل البحث عن هذا الاسم الأعظم حتى يدعو الله به.

الإشارة إلى تفصيل اسم الله الأعظم في اللقاءات القادمة والختام

في مجاميع نشير إلى بعضها في لقاءاتنا القابلة [إن شاء الله].

إلى لقاء آخر، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.