فن الدعاء | حـ #6 | أشخاص يلتمس منها الدعاء جـ 1| أ.د. علي جمعة - فن الدعاء

فن الدعاء | حـ #6 | أشخاص يلتمس منها الدعاء جـ 1| أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الدعاء له آداب ينبغي الالتزام بها كالوضوء واستقبال القبلة وستر العورة ولبس الثياب البيضاء وتقديم العمل الصالح وعدم التعدي في الدعاء.
  • ينبغي للداعي إخلاص الدين والعبادة والثقة بما عند الله واستحضار القلب عند الدعاء.
  • الإسرار بالدعاء أفضل غالباً كما علَّم النبي أصحابه قائلاً: "إنكم لا تدعون أصم، اربعوا على أنفسكم".
  • أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فالسجود موطن مفضل للدعاء.
  • من الأشخاص الذين يستجاب دعاؤهم المظلوم، ولو كان فاجراً أو كافراً، لأن دعوته ليس بينها وبين الله حجاب.
  • العدل أساس المُلك وقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرماً بين الناس.
  • المضطر أيضاً ممن يستجاب دعاؤه، وهو من ضاقت عليه السبل وانتهت الأسباب وقارب على الهلاك.
  • ينبغي الدعاء بإزالة الظلم ورد الحقوق وهداية الظالم لا بالظلم حتى للظالم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في لقاء فن الدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، ويا أخواتي المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء المتجدد حول فن الدعاء.

مراجعة آداب الدعاء التي تعلمناها في اللقاءات السابقة

رأينا أن الدعاء له آداب، وكلما تمسكنا بهذه الآداب نحو الوضوء واستقبال القبلة وستر العورة ولبس الثياب البيضاء وتقديم العمل الصالح — ولو كان ذكرًا أو صلاة على النبي ﷺ أو ركعتين أو صدقة — وعدم التعدي في الدعاء وعدم الدعاء بظلم؛ رأينا أن هذا يكون أرجى عند الله سبحانه وتعالى.

عندما يُخلص الإنسان دينه، عندما يُخلص الإنسان عبادته، عندما يثق بما في يد الله سبحانه وتعالى، عندما يستحضر القلب، وعندما لا يتعدى في الدعاء ويجزمه جزمًا؛ كل هذه الأمور تعلمناها في لقاءاتنا المتكررة.

موضوع اليوم: الدعاء من حيث الجهات الأربعة والإسرار والجهر

اليوم نبدأ في قضية الدعاء من حيث هذه الجهات الأربعة المتعددة، بعد استكمال أمر مهم وهو الإسرار والجهر بالدعاء.

هناك دعاء بصوت جهوري عالٍ، مثل ما يتم في خطب الجمعة وفي الخطبة التي تحث الناس على الجهاد وعلى الدفاع عن الأرض والأوطان وما أمرنا الله أن نحافظ عليه من المقاصد الخمسة.

أدب الإسرار بالدعاء وتوجيه النبي ﷺ بخفض الصوت

وهناك أيضًا دعاء في السر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عندما رآهم تعلو أصواتهم وهو يعلمهم الأدب الراقي:

قال رسول الله ﷺ: «إنكم لا تدعون أصمَّ، اربَعوا على أنفسكم»

وكلمة «اربَعوا على أنفسكم» أي اذكروا الله سبحانه وتعالى وادعوه في أنفسكم بحيث إنك تُسمع نفسك. وهذا يكون أكثر إخلاصًا وكأنه سرٌّ بينك وبين ربك، فيكون أرجى بالقبول.

فضل الدعاء في السجود وقرب العبد من ربه فيه

ويأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قمة ذلك فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد»

إذن فموطن السجود حالة لِما فيها من أن أحدًا لا يسمعك؛ الذي يسمعك هو مَن توجهت إليه بالإخلاص وبالعبادة، هو الله. أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، إذن هذه حالة مرضية لله سبحانه وتعالى.

الجهات الأربعة لفن الدعاء: الأشخاص والأحوال والزمان والمكان

علمنا كثيرًا في هذه الجهات الأربعة، وهي جهات الأشخاص والأحوال والزمان والمكان، والتي سنذكر لكل حال منها عدة لقاءات لنبحث عن سر فن الدعاء فيها.

أول هذا الأمر هو الأشخاص. مَن الأشخاص الذين كتب الله استجابة دعائهم؟ والله، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان فاجرًا، وهناك حديث حتى لو كان كافرًا؛ المظلوم فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

حديث اتقاء دعوة المظلوم واستجابة الله لها ولو كان فاجرًا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «اتَّقِ دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»

فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب للمظلوم ولو كان فاجرًا.

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا»

المظلوم يبقى [مستجاب الدعوة]، إذا نحن خرجنا عن حد العدل — والعدل أمر به الله سبحانه وتعالى — أمرنا به حتى مع غير المسلمين وحتى مع غير المؤمنين أصلًا.

وجوب العدل حتى مع المخالفين والنهي عن الاعتداء على أحد

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

ربنا أمرنا:

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

سواء كان هذا العدوان على جارك أو على قريبك أو على غريب أو على أحد من البشر.

وصية علي بن أبي طالب للأشتر النخعي بالعدل في مصر

إذن في نصيحة علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] للأشتر النخعي وهو يوجهه إلى مصر: فإنك تأتي فترى فيها مَن كان أخًا لك في الدين أو شبيهًا لك في الخلق، ويأمره بأن العدل أساس الملك.

ولذلك فالظلم الذي هو ضد العدل مصيبة من المصائب تستوجب استجابة الله للدعاء حتى من غير المؤمنين؛ لأن هذا الملك هو لله وحدُه، بُنِيَ على العدل، أساس المُلك.

قول العلماء إن الكافر العادل خير من المسلم الظالم

وقال علماء الإسلام إن الكافر العادل خير من المسلم الظالم؛ لأن الكافر العادل في النهاية فَعَل ما أمَرَه الله به من عمارة الدنيا ومن العدل بين الناس، والمسلم الظالم عصى الله فيما أمره أن يعدل فلم يعدل.

ومن هنا كان من أسرار فن الدعاء أن تتقي دعوة المظلوم وألا تدعو بظلم.

نصيحة المظلوم بالدعاء بالفرج ورد الحق دون الدعاء بظلم

ولكن إذا كنت مظلومًا فادعُ الله سبحانه وتعالى بالفرج، وادعُ الله سبحانه وتعالى لا بظلم حتى لو كنت مظلومًا؛ ادعُه أن يزيل عنك الظلم، أن يرد عليك حقك، أن يهدي مَن ظلمك.

ولكن ادعُ الله في مظلمتك تكن مستجاب الدعاء؛ فدعوة المظلوم دعوته في غاية الأهمية.

دعوة المضطر شبيهة بدعوة المظلوم في استجابة الله لها

ومثل دعوة المظلوم وشبيه بها دعوة المضطر؛ عندما تضيق السبل وعندما تنتهي الأسباب وعندما تفعل كل ما أُمرت به من هذه الأسباب تصبح مضطرًا. والمضطر معناه ما لم يتناوله الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.

وفي ذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: 58]

فإذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت وقد فعلت كل الأسباب فإنك مضطر كأنك مظلوم، ولذلك يستجيب الله الدعاء للمظلوم وللمضطر.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.