فن الدعاء | حلقة #1 | المقدمة | أ.د علي جمعة
- •الدعاء في الإسلام فن له أسرار وآداب علّمها الله ورسوله للمسلمين.
- •يتخذ الدعاء معنيين رئيسيين: السؤال والعبادة، ويمكن أن يجمع بينهما.
- •قوله تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" يشمل معنى السؤال والعبادة، بدليل قوله بعدها: "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين".
- •روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة"، وفي رواية أخرى: "الدعاء مخ العبادة".
- •يعتبر الدعاء أعلى مراتب العبادة لأنه يتضمن اعتراف الإنسان بعبوديته لله سبحانه وتعالى.
- •من شروط استجابة الدعاء الإيمان بالله تعالى وتحقيق الضراعة في القلب.
- •أمرنا الله بدعائه بأسمائه الحسنى التي تمثل صفاته العليا.
- •الدعاء يكون مناجاة سرية أو مناداة علنية كالأذان.
- •ينبغي للمسلم أن يسأل خيري الدنيا والآخرة في دعائه.
مقدمة اللقاء والتعريف بموضوع فن الدعاء إلى الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في لقائنا هذا نعيش مع فن الدعاء، فن الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى؛ حتى يكون دعاءً مستجابًا، وحتى يكون في نفس الوقت عبادة خالصة واثقة بالله سبحانه وتعالى. كيف نحوّل دعاءنا إلى عبادة، وكيف نجعل دعاءنا مقبولًا عند الله مرضيًّا منه سبحانه؟
علّمنا الله ورسوله أسرارًا كثيرة حول فن الدعاء؛ فلكل صنعة سر، والدعاء له سر. والسر ليس معناه ألا يعلمه أحد، ولكن السر يختص به أهله.
كيف حفظ المسلمون أسرار الدعاء وكيف حُرم منها كثير من البشر
والمسلمون والحمد لله رب العالمين عرفوا أسرارًا كثيرة كتبوها في كتبهم، وأشاعوها في الأرض كلها، وعلّموها من أراد أن يتعلم منهم.
إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث، وحدث ما حدث فيه من فتن، وحدث ما حدث فيه من رغبة جامحة لبني البشر أن يستغلوا إخوانهم البشر، وأن يستعمروهم، وأن يأكلوا خيراتهم، وأن يظلموهم، وأن يشوّهوا فيما شوّهوا الدين كله، خاصة دين الإسلام.
أصبحت هذه الأسرار مكتوبة في الكتب، ولكن يُحرم منها أغلب البشر. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
محاور اللقاء حول آداب الدعاء وشروطه وأوقاته وأحواله
في هذا اللقاء سنعيش سويًّا نبحث عمّا علّمنا الله ورسوله حول أسرار هذا الفن، فن الدعاء، هذه الصناعة: كيف تكون عابدًا لله، مخلصًا لله، واثقًا بالله، متوكلًا على الله؟
- •ما آداب الدعاء؟
- •وما شروط الدعاء؟
- •وما أحوال الدعاء؟
- •وما أوقات الدعاء؟
- •وما أماكن الدعاء؟
- •وما أشخاص الدعاء؟
في أمور ستتضح معنا في لقاء يومي، ندعو الله سبحانه وتعالى فيه أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وأن ينقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، وأن يفتح علينا فتوح العارفين به، وأن يمنّ علينا بالسلوك إليه في طريقه غير ملتفتين لسواه. فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الدعاء في الإسلام يدور بين معنيين: السؤال والعبادة
الدعاء في دين الله يؤول بأمرين: الأمر الأول هو السؤال، والأمر الثاني هو العبادة.
فعندما يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]
معناها: لا تعبدوا مع الله أحدًا. وعندما يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
يمكن أن نجعلها للسؤال، ويمكن أن نجعلها للعبادة؛ لقوله تعالى في ذات الآية:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]
حديث أبي هريرة في أن الدعاء هو العبادة ومخ العبادة واستدلاله بالقرآن
يقول ربنا سبحانه وتعالى بالإضافة إلى ما تقدم:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
يقول أبو هريرة رضي الله عنه:
قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»
يرفع هذا [الحديث] إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان بعض الناس يروي أيضًا: «الدعاء مخ العبادة».
فأبو هريرة رضي الله عنه يعلّمنا علمًا جديدًا بأن الدعاء هو العبادة، ويقول: إن لم تصدقوني فاقرأوا قوله تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]
فكأنه يستدل بالآية على أن الله سبحانه وتعالى عدّ الدعاء من العبادة. والدعاء مخ العبادة يعني أعلى ما فيها؛ لأن فيه اعترافًا من الإنسان بعبوديته لله سبحانه وتعالى.
شروط استجابة الدعاء من خلال آية سورة البقرة: الإيمان والاستجابة لله
وقال الله تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]
يعني إذا سألني [عبدي]، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي. فبيّن [الله تعالى] شروط استجابة ربنا سبحانه وتعالى: أن نؤمن به أولًا.
عندما يكون الأمر [كذلك]، فإذا آمنّا به فقد حرّرنا القضية الكبرى لهذا الكون، وأجبنا عن كل الأسئلة التي تشغل بال الإنسان.
ومن هنا ستأتي قضية القلوب الضارعة: وما القلوب الضارعة؟ وما معنى هذه الضراعة؟ وكيف نحققها في أنفسنا؟
خلاصة أقسام الدعاء: سؤال وعبادة وما يجمع بينهما
هذا [البيان] ابتداءً يجعلنا نفهم أن الدعاء منه ما هو سؤال، ومنه ما هو عبادة، ومنه ما هو سؤال وعبادة معًا. ويجوز حمل ما ورد في هذه الآيات على السؤال، وعلى العبادة، وعلى السؤال مع العبادة.
سر من أسرار الدعاء: دعاء الله بأسمائه الحسنى مناجاةً ومناداةً
نعم، قال الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
ربنا سبحانه وتعالى أعطانا سرًّا من أسرار الدعاء، وأنزل في كتابه أسماء هي في حقيقتها صفات له سبحانه، يمكن أن تناجيه وأن تناديه بها.
المناجاة بينك وبينه في السر، والمناداة بصوت يسمعه الناس. فنحن ننادي ربنا عندما نؤذن للصلاة: الله أكبر، الله أكبر إلى آخر الأذان. ونحن نناجي ربنا عندما نرفع أيدينا إلى السماء ونسأله الرزق والقوة والمغفرة والرحمة والدنيا والآخرة:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
لا نقتصر على الدنيا وأحوالها فقط فنكون كعبد السوء، ولكننا نسأل ربنا سبحانه وتعالى، وفي ذات السؤال نوع من العبادة.
السر الأول في فن الدعاء: انقسامه إلى سؤال وعبادة وما يجمعهما معًا
هذا هو السر الأول: أن الدعاء ينقسم إلى سؤال، وإلى عبادة، وإلى ما يجمع بين السؤال والعبادة.
إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
