قداسة اللغة - درجات المعرفة #23 | د. علي جمعة
- •اللغة العربية ليست مقدسة بذاتها، بل هي لغة مقدسة لاحتوائها على النص المقدس (القرآن الكريم)، واللغة كائن حي متطور متغير في تعبيراته ودلالاته وتراكيبه.
- •توجد لغات مقدسة أخرى كالعبرية والآرامية والسنسكريتية والفارسية لأنها تحتوي على نصوص مقدسة عند أتباعها.
- •مجموع كلمات القرآن الكريم ستة وستون ألف كلمة، وجذورها ألف وثمانمائة وعشرة، تمثل نسبة قليلة من جذور اللغة العربية.
- •اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، فنهضة الأمة تبدأ بإحسان لغتها.
- •وضع اللغة أساس يسبق استعمالها من المتكلم وحملها من السامع.
- •اللغة العربية ساهمت في بناء العقلية الإسلامية وتشكيل الحضارة الإسلامية من خلال فهم القرآن والسنة واستنباط العلوم.
- •الأمم المتقدمة كاليابان والصين وألمانيا حافظت على لغاتها رغم تقليدها للاختراعات الغربية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة للحديث عن قداسة اللغة العربية
[المذيع]: أهلًا بكم، في حلقات سابقة تحدثنا مع فضيلة الدكتور حول مفهوم ومصطلح القداسة، وتعلمنا من فضيلته الكثير في هذا الأمر. اليوم نتحدث عن اللغة، وتحديدًا اللغة العربية.
اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، هي لغة الوحي، لها في نفوس المسلمين جميعًا حتى على اختلاف ألسنتهم احترام وقداسة كبيرة. نتحدث اليوم عن اللغة وقداسة اللغة المرتبطة بها.
اسمحوا لي أن أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلة مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا وسهلًا بكم.
الفرق بين اللغة المقدسة وقداسة اللغة وارتباطها بالنص المقدس
[المذيع]: مولانا، هل نستطيع أن نقول أو هل كنت مصيبًا حينما قلت بأن اللغة العربية هي لغة مقدسة؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هناك تعبيران أحدهما قد يكون أدق من الآخر، وهو اللغة المقدسة وقداسة اللغة.
كل لغة فيها نص مقدس عند أهله فهي لغة مقدسة، لكن ليس هناك قداسة للغة [ذاتها]؛ فاللغة كائن حي متطور متغير في تعبيراته، في دلالات ألفاظه، في تراكيبه. وبذلك فهي تتغير وليس لها قداسة من هذه الناحية.
فليس هناك قداسة للغة، لكن اللغة المقدسة هي اللغة العربية لأن القرآن موجود فيها ويعتقد أهلها أنه نص مقدس.
أمثلة على اللغات المقدسة عند أصحاب الديانات المختلفة
والعبرية لأن أهلها يعتقدون أن التوراة نص مقدس، والآرامية لأن عيسى عليه السلام يتكلم بالآرامية، والسنسكريتية لأن الفيدا مكتوبة بها، والفارسية لأن مصحف زرادشت بالفارسية.
وهكذا فهناك لغات يمكن أن نقول إنها لغات مقدسة باعتبار من ناحية معينة، وهي أنها تشتمل على نص مقدس في نظر أهله، أي بمعنى من المؤمنين به.
وجوب الحفاظ على النص المقدس وإحصاء كلمات القرآن الكريم وجذورها
فماذا يعني وجود نص مقدس في لغة ما؟ إنه يجب أن نحافظ على القدر الذي اشتمل عليه ذلك النص المقدس. فلو جئنا إلى اللغة العربية وإلى القرآن، وهو ما نتعلق به ونعرضه على العالمين، نجد أن القرآن فيه بالمكرر ستة وستين ألف كلمة.
هذه الستة والستون ألف كلمة فيها مكررات؛ لفظ الجلالة "الله" مثلًا ورد بالضم والفتح والجر بالآلاف، نحو ثمانية آلاف موضع في القرآن الكريم فيها لفظ جلالة. الثمانية دول من ستة وستين.
هناك ألفاظ بالمئات، وهناك ألفاظ تُعَدّ بالآلاف والمئات والعشرات، وهناك ألفاظ من الستة وستين ألفًا لم تُذكر إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، وعدد هذه الألفاظ المفردة ألف وستمائة وعشرة.
أمثلة على الألفاظ التي لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم
"قسورة" وردت مرة واحدة فقط في القرآن. "العلماء" انظر:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
وردت مرة واحدة فقط، وكذلك "علماء بني إسرائيل" بدون الألف واللام.
وفي مرة أخرى مثلًا كلمة "ضيزى" وردت مرة واحدة فقط، وقس على هذا. "نفحة" في قوله:
﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ﴾ [الأنبياء: 46]
فكلمة "نفحة" وردت مرة واحدة فقط، وفي سورة الأنبياء لا توجد "نفحة" أخرى في القرآن. وهكذا إلى آخره، ألف وستمائة وعشر لفظًا بهذه الكيفية.
جذور كلمات القرآن الكريم ونسبتها من جذور اللغة العربية الكاملة
إذا كانت لدي ألفاظ مكررة، هكذا هو وضعها: أنه توجد أشياء تكررت بالآلاف، وأشياء بالمئات، وأشياء بالعشرات، وأشياء لم تأتِ إلا مرة واحدة. مجموع كلمات القرآن ستة وستون ألف كلمة.
هذه الستة والستون ألف كلمة نريد أن نرجعها إلى جذورها، فالجذور الخاصة بها ألف وثمانمائة وعشرون جذرًا، مثل: ضرب، وأكل، وشرب.
عندما أذهب إلى كلمة الأكل سأجد:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
فسأجد في القرآن جذورًا معينة، هذه الجذور هي ألف وثمانمائة وعشرون جذرًا.
التصاريف المختلفة للجذر الواحد في القرآن وصيغ المبالغة والاشتقاق
ومن هذه الألف وثمانمائة والعشرين جذرًا تستطيع أن ترى الجذر أنتج كم كلمة تحته. فكلمة "علم" مثلًا ستجد تحتها: عالم، وعليم، وعلّام، وعلماء، وعلم، ويعلم.
وتجد منها التصاريف المختلفة: الماضي والمضارع والمصدر والجمع وهذه الأشياء، والصيغ كلها صيغ المبالغة إلى آخره.
فيكون إذا كان عندي جذور، والجذور ألف وثمانمائة وعشرون، ثم نذهب للغة [العربية كاملة]. هذا كله القرآن نبحث فيه وفيه ثلاثمائة وخمسة وسبعون ألف حرف.
نسبة جذور القرآن والسنة من إجمالي جذور اللغة العربية البالغة ثمانين ألف جذر
ماذا عن اللغة العربية؟ ثمانون ألف جذر. يعني القرآن ألف وثمانمائة واللغة العربية ثمانون ألف جذر، يعني واحد وثمانية من عشرة على ثمانين. لما تقسم واحدًا وثمانية من عشرة على ثمانين تصبح اثنين في المائة تقريبًا.
لو كانت مائة ألف جذر في اللغة العربية، منها ألفان فقط - أي اثنان في المائة - فما بال الثمانية والتسعين في المائة؟ هل الثمانية والتسعون في المائة لم يتكلم بها القرآن؟
حسنًا، إذا اعتبرنا أن السنة أيضًا مصدرًا للأحكام، واعتبرنا أنها سببًا للهداية، واعتبرنا أننا قد أُمرنا أن نتبعها، ألهمنا بحفظها فحفظت، وأنها تفسير المعصوم للقرآن الكريم، كان أصل فيها ثلاثة آلاف وستمائة [جذر].
الكتاب والسنة نقّيا اللغة العربية وجعلا أساليبها قدراً مقدساً لا يُتلاعب به
منهم الألف، منهم الألف وثمانمائة التي هنا [في القرآن]، يعني كأنها زادت ألفًا وثمانمائة أيضًا، ثلاثة آلاف وستمائة. يعني ثلاثة وستة من عشرة، عندما نقسمها على ثمانين يخرج أربعة في المائة ولا شيء.
والستة والتسعون في المائة المتبقية من اللغة لم تُذكر في الكتاب والسنة. فالكتاب والسنة عملا في اللغة العربية، وما عملاه؟ نقّياها وجعلا تلك الأساليب الموجودة في الكتاب والسنة ترقية لحال هذه اللغة.
فأصبح هذا القدر قدرًا مقدسًا لا أستطيع التلاعب به. لماذا؟ لأنني أحتاج إليه مفردًا وتركيبًا وسياقًا وسباقًا ولحاقًا وبلاغةً ودلالةً حتى أفسر كتاب الله وسنة نبيه.
سعة اللغة العربية في تعدد أسماء المسمى الواحد كالخمر والكلب
وبقية اللغة أيضًا [واسعة]، فمثلًا الخمر هي الخمر كما هو اسمها، لكن في اللغة تُسمى أيضًا: الداء، والدواء، والصفراء، والعجوز، والشامول. هناك تسعون اسمًا لها.
وكذلك:
﴿وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18]
ليس مجرد كلب، بل له أكثر من أربعين اسمًا [في لغة العرب].
قصة أبي العلاء المعري مع الرجل الذي شتمه وأسماء الكلب الأربعون
كان أبو العلاء المعري - دعني أحكي لك - كان ضريرًا، فمشى فاصطدم برجل [شخص]، فقال له الشخص الذي كان يمد رجليه هكذا: ألا تفتح عينيك يا كلب؟ يبدو أن الاصطدام آلمه قليلًا فقال هكذا.
فوقف أبو العلاء وقال له: الكلب من لا يعرف للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب. شتم ماذا؟ كل شتم الجميع هو تعريفه [للكلب]: أربعون اسمًا في لغة العرب.
أعطني إذن [الأسماء]. اختلط الأمر ودخل في المسألة العلمية. هذه قالوا: نعم، هو الكلب والواشق والواثق والزارع والجرو وكذا، عدده أربعون.
تعارف أبي العلاء المعري مع الرجل وتأليف السيوطي كتاب التبري من معرة المعري
الرواية أو القصة جاءت لنا بهذا الموقف فقط، وهو أن أبا العلاء استخف بواحد شتمه وقال له يا كلب. رُدَّ عليه، قال له: الكلب من لا يعرف للكلب أربعين اسمًا. وذكر أبو العلاء [اسمه]، فقال: والله هل أنت أبو العلاء أم ماذا؟ وتعارفا على بعضهما هكذا.
الرواية لم تذكر ما هي الأسماء الأربعون تلك. فجاء الإمام السيوطي عندما قرأها وغضب، وقال: الله، إنه يشتمنا! كيف أن الذي لا يعرف للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب يُشتم هكذا.
فذهب وألّف كتابًا أسماه "التبري من معرة المعري" وأورد فيه نحو سبعين اسمًا، وليس أربعين فقط.
التفريق بين اسم النوع واسم العلم في أسماء الكلاب وسعة اللغة العربية
من ضمنهم شيء اسمه "كساب". ما هذا كساب؟ فجاء العلماء بعده وقالوا: لا، هذا يعني أنه سيكون في حدود أربعين أو خمسين، لكن هذا ["كساب"] ليس اسم نوع الكلب، بل هو اسم خاص لكلب من الكلاب.
أعني اسم كلب معين، مثلما نقول "ركس" أو "زنجر" أو ما شابه ذلك. نحن نسمي الكلاب أسماء من هذا القبيل، فـ"كساب" هذا اسم كلب وليس اسم النوع.
[المذيع]: النوع؟
[الشيخ]: نعم، ليس اسم النوع. فاللغة واسعة.
الانتقال للحديث عن دور اللغة العربية في بناء العقلية المسلمة وعلاقة اللغة بالفكر
[المذيع]: حسنًا مولانا أستاذك، بعد الفاصل نستكمل الحديث في فكرة دور اللغة في بناء العقلية المسلمة خصوصًا في هذه الأيام، مقارنة باللغة في بناء العقلية المسلمة الأولى، إن شاء الله بعد الفاصل. ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، والحديث مع فضيلة الدكتور حول اللغة. وإلى أي مدى، وهذا هو سؤالي أو مدخلي في هذه الفقرة دكتور، إلى أي مدى ساهمت اللغة العربية في تكوين عقلية وحضارة المسلمين؟
[الشيخ]: اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وهذه قاعدة لا مفر منها. فإذا أردتَ نهضة صحيحة للأمة، أحسِنْ لغتها. إذا أردتَ تطورًا وإبداعًا وانطلاقًا في واقع حياة الناس وعمارة البشر لهذه الأرض، أحسِنْ لغتها.
إهمال اللغة يؤدي إلى ذوبان الاجتماع البشري ومفهوم الوضع والاستعمال والحمل
إذا أُهملت اللغة وتشوشت ولم نعد قادرين على التفاهم بها على قدر عالٍ من التواصل، ذاب الاجتماع البشري وضاع وضَلَّ.
ولذلك يقولون: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما. هذه العبارة لبعض الناس عندما يسمعونها الآن يظنون أننا نتحدث الألمانية، أو يظنون أننا نتحدث اليابانية. تحتاج إلى تفسير.
حسنًا، لنتناولها. هي ثلاثة: إذا وضعنا الحالة [أي الوضع] قبلهما، حسنًا، فهناك شيء يُسمى الوضع قبل الاستعمال والحمل.
شرح مفهوم الاستعمال في اللغة وكيفية توصيل المعاني من المتكلم إلى السامع
ما هو الاستعمال والحمل؟ أولًا، الاستعمال يعني أنني أستعمل اللغة. ونحن نسأل السؤال الذي يقول: ما دور اللغة في بناء الشخصية والعقلية والنفسية أولًا وأخيرًا مقارنةً بالأول؟
حسنًا، لنرَ ما الحكاية. أنا أستعمل اللغة هكذا، أصبحتُ مُستخدِمًا للألفاظ، فذهبتُ وقلتُ: السماءُ فوقنا. كان يجلسُ أمامي أحدُ أبناءِ العربِ مثل حضرتك، ففهمَ كلمةَ السماءِ في ذهنهِ على أنها القبةُ التي فوقنا ذات اللونِ الأزرق.
فَهِمَها على أنها اتجاهٌ من الاتجاهات، أنَّ هذا فوقَنا، وهذا تحتَنا، وهذا عن يميننا، وهذا عن شمالِنا، أمامنا، هذا خلفنا. واختار من ذلك فوقنا.
مفهوم الحمل في اللغة والفرق بين ما يريده المتكلم وما يفهمه السامع
ماذا فعل [السامع]؟ أصبح هناك شيء يتحدث عنه اسمه السماء، وفي وصف لها اسمه الفوقية أو الأعلى، ونسب هذا لذاك. ففي ثلاثة مواضع: أمامي، في السماء، وفي الأعلى، وفيه نسبة هذا لذاك. هذه هي الجملة المفيدة.
أنا قلت: السماء فوقنا. فشخص جالس من لغة [أخرى]، كلمة السماء هذه معناها البطيخ في لغته هكذا، وفوقنا معناها نريد أن نأكلها.
وأنا قلتُ: السماء فوقنا. فراح عقله يعمل بماذا؟ البطيخة، البطيخ تحتاج إلى أكله. لقد حملتَ سيادتك الكلام على محمل غير الذي أريده أنا، وهو حملها على شيء آخر حسب ما هو مخزن في دماغه.
الوضع اللغوي هو المرجع عند الاختلاف بين المتكلم والسامع في فهم الألفاظ
إذن، إذا فهمنا أي استعمال الألفاظ من أجل توصيل المعاني من ذهني إلى ذهن السامع، وعلى ماذا تحمل كلامي يا سامع؟ أتحمله على ما أريده أنا، أم على أكثر منه، أم على أقل منه، أم على غيره؟
حسنًا، ما المرجع في ذلك؟ حتى عندما يقول لي: أنت تحدثت عن البطيخ، أقول له: لا لم أتحدث عن البطيخ. أقلت أم لم أقل السماء؟ قلت له: نعم، السماء التي فوقنا.
لنرجع إلى أي شيء حتى نحتكم، أنا كمتحدث وأنت كمستمع، إلى الوضع [اللغوي]. لنذهب إلى اللغة، لنذهب إلى المعجم. ما معنى السماء؟ فيقول لي هناك أن السماء معناها القبة السماوية التي فوق، هذه وليست البطيخ. ومعنى [فوقنا] يقول: اتجاه من الاتجاهات.
قاعدة الاستعمال والحمل والوضع وأثرها في بناء العقليات وفهم الكتاب والسنة
فتكون السماء فوقنا، ويكون الحامل الأول الذي حمل هذه الألفاظ على ما قد وُضعت له هو الصحيح. نرجع مرة أخرى للعبارة: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما. قبل أن نُخلق أنا وأنت كانت موضوعة هكذا.
هذا ما بنى العقليات. فلما جاء كتاب الله وسنة رسوله، قالوا: أول شيء لكي نفهم يجب أن نفهم دلالات الألفاظ، فقاموا بتأليف المعاجم.
ويجب أن نفهم ماهية هذه التراكيب، فحفظوا الشعر. ويجب أن نفهم ما وراء هذا الكلام، فأنشأوا علم التراكيب وعلم البلاغة.
علوم اللغة أساس لتحقيق الكلمة والوضع اللغوي أساس رئيسي لضبط الاستعمال والحمل
وبدأت علوم اللغة تصبح أساسًا لتحقيق الكلمة، والوضع قبلهما أساس رئيسي محترم.
طيب، وبدأ الاستعمال يتقيد بما وُضع لكي نسير بشكل صحيح، وبدأ الحمل يذهب إلى ما وُضع أيضًا.
فماذا بنوا بذلك؟ بنوا بذلك المقياس الذي نقيس به، المتر الذي نقيس به. بنوه لكي نفهم الكلام الوارد إلينا، فجعلوا القرآن والسنة محورًا لحضارتهم.
اللغة هي المفتاح الذي لا يمكن بدونه فهم القرآن والسنة وبناء الحضارة الإسلامية
وما كان يمكن أن يجعلوه كذلك [محورًا] إلا باللغة. ما كان يمكن أن يتأملوا فيه فينبهروا بعظمته إلا إذا كانوا فاهمين. ما كان يمكن أن يستنبطوا منه كل هذا الذي بنى الحضارة إلا إذا كانت معهم الأداة التي تفكه والمفتاح الذي يدخلون به، وهو اللغة.
إذن هذه اللغة قد صنعت شيئًا قويًا جدًا، وهو أنها أفهمت الإنسان وصححت من تفكيره، وجعلته قادرًا على الاستنباط، قادرًا على القياس، قياس الأمور، فمعرفة الحق من الباطل. وبذلك كله أصبح رجل حضارة أو إنسان حضارة.
إتقان قواعد اللغة مفتاح الحضارة وجعل القرآن والسنة محوراً للحضارة الإسلامية
فبالتالي كانت حضارة المسلمين أو هذا الازدهار الذي حدث نتيجة لما أتقنوه من قواعد اللغة أو من مفاتيح اللغة.
[المذيع]: تجد مفتاح الحضارة.
[الشيخ]: نعم، وجعلوا من أجل هذا - بعد أن فهموا فانبهروا بالكتاب والسنة - خلوها المحور. يعني عامل مثل الإكس هكذا، يعني مثل هذه العصا.
ما الذي يدور حول المحور؟ منه المنطلق وإليه العودة، وله الخدمة وبه التقويم. هذا هو محور الحضارة.
الكتاب والسنة محور الحضارة واللغة أداة فهمهما وغضب العلماء على طه حسين
معناه هكذا: عندما يأتي ليصنع خطًا، عندما يأتي ليشيد عمارة، عندما يأتي ليبدع فنونًا، عندما تأتي الآداب لتعمل أي شيء للمحور. وما هو هذا المحور؟ إنه الكتاب والسنة.
كيف نفهم الكتاب والسنة؟ باللغة. وما هي اللغة؟ وذهب مقدمًا له، اللغة جاهزة ومُعدة.
ولذلك هاجت الدنيا على طه حسين رحمه الله عندما جاء وقال إن الشعر الجاهلي غير موجود وليس موجودًا. كيف أنت! أنت [تنكر] المعيار نفسه، تقول المتر غير موجود. قال: أصل مرة كلمة هنا وكلمة هناك.
سبب الهجوم على طه حسين ومحاولات إنكار لغة القرآن كما حدث مع الكتب المقدسة السابقة
هاجموا عليه. لماذا هاجموا عليه؟ لأنه ينكر المتر [أي المعيار اللغوي]. يعني انتبه: أنت ذهبت لتشتري قطعة قماش فقال لك ثلاثة أمتار، وبعدها قلت له: هذا المتر ليس مترًا، هذا نصف متر.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أنت تريد أن تسرق منه، والثلاثة أمتار يعطيك إياها ستة. فأحسوا أن طه حسين سيسرق منهم هذا المعيار.
مَن الذي رأى ذلك؟ يقول لك هذا مرجليوس الذي كان يقول هكذا. حسنًا، ومن أين جاءت هذه [الفكرة]؟ جاءت من الكتب المقدسة السابقة عندما قالوا عنها أنها ليس لها لغة، فيريد أن يجعل هذه [اللغة العربية] أيضًا ليس لها لغة.
صحة الشعر الجاهلي وتميز اللغة العربية وثباتها أمام التشكيكات
لكنها تمتلك لغة متميزة، ولغتها موجودة في الشعر الجاهلي، وهذا الشعر الجاهلي صحيح. لماذا؟ لأننا إذا قارناه بالشعر الأموي أو العباسي، نجد فرقًا كبيرًا في الغاية والألفاظ والتراكيب والسياق والأغراض، وهذا صحيح.
إذن نحن أمام لغة وأمامنا لغة ثابتة أقوى من هذه التشكيكات.
التفريط في قدسية اللغة يعرض هوية الأمة للخطر وأهمية الحفاظ على اللغة لبناء الحضارة
[المذيع]: هل حينما تفرط أمة من الأمم في قدسية لغتها أو نصوص لغتها، هل بالتالي تعرّض هوية الأمة للخطر؟
[الشيخ]: بدون شك؛ لأن الحقيقة أن اللغة المقدسة تساعد على بناء الحضارة، وبناء الحضارة هو في النهاية عمارة الدنيا. فإذا اختلت اللغة فإنه لا يوجد بناء.
ولذلك نجد أن كل من تقدموا مثل الألمان والصينيين واليابانيين، جميعهم حتى وإن قلدوا الأوضاع الغربية والاختراعات الغربية، إلا أنهم حافظوا على لغتهم حتى يحافظوا على حضاراتهم وتقدمهم المادي. الحضارة المادية لا بد فيها من الحفاظ على اللغة.
ختام الحلقة والتمهيد للحديث عن واقع اللغة العربية في المجتمعات المعاصرة
[المذيع]: حسنًا، إن شاء الله فضيلة الدكتور، في الحلقة في المرة القادمة بإذن الله سنتحدث مع فضيلتكم حول اللغة العربية في مجتمعاتنا العربية في عصرنا المعاصر.
كيف تقيِّم هذا الأمر فضيلة الدكتور، خاصة في ظل الحملات التي نراها ونتابعها هذه الأيام التي تنتقص من مقدار اللغة العربية وقدر اللغة العربية، سواء في الاستخدامات العادية اليومية أو حتى في الأمور العلمية والبحثية.
أشكرك شكرًا جزيلًا فضيلة الدكتور، شكرًا جزيلًا لحضرتك. الشكر موصول لكم مشاهدينا الكرام، إلى اللقاء.
