قواعد التوثيق بين السنة والسيرة أ.د/ علي جمعة | أفيقوا يرحمكم الله |
- •قواعد النقل واحدة في السنة والسيرة والقرآن، تعتمد على فحص الأسانيد والمتون.
- •السيرة تحكي مواقف وأحداثًا متكاملة، بينما تتطلب السنة جمع الروايات وربطها وفهم أسباب ورودها.
- •السيرة تفسر كثيرًا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن فهم الحديث بمعزل عنها.
- •بعض الأحاديث الصحيحة تركها الأئمة الأربعة عند التطبيق لتعارضها مع أحاديث أخرى أو مع القرآن.
- •هناك تساهل في قبول روايات الفضائل والمناقب والمعجزات إذا لم تتعلق بأحكام الحلال والحرام.
- •الحديث الضعيف يُقبل في فضائل الأعمال بشروط محددة كألا يخالف أصول الدين.
- •العلماء يراعون المقاصد والمآلات عند استنباط الأحكام، ويجمعون الأدلة ويتفكرون في مآلاتها.
- •ظهر متطرفون ومتشددون يريدون هدم الدين أو تشويهه، وهم يمثلون وجهين لعملة واحدة.
- •الإسلام دين واسع يراعي أحوال الناس ومصالحهم، ويهتم بتصحيح صورته في العالم.
المقدمة وطرح سؤال الاختلاف بين منهجي السيرة والحديث في التوثيق
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
بناءً على أنهم قالوا هذه الرواية لا تثبت بقواعد المحدثين، هل هناك اختلاف بين المنهجين في السيرة والحديث في تناول الغاية أو الاحتجاج في أمور السيرة؟
ظهر في ماليزيا في الأيام الأخيرة بعض الناس ما يردون الروايات التي تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد وُلد مختونًا ومسرورًا، وذلك بدعوى أن هذا لم يثبت.
قواعد النقل واحدة في القرآن والسنة والسيرة النبوية
ما يُسأل عنه إنما يسأل عن توثيق السنة وتوثيق السيرة، وهل هناك فارق بينهما؟ إن قواعد النقل واحدة، سواء كان المنقول هو القرآن الكريم أو كان المنقول هو السيرة النبوية الشريفة.
إلا أننا لاحظنا أن السيرة وكأنها تحكي مواقف وتحكي أحداثًا وتحكي حياة، بخلاف السنة التي تحتاج عندما نقرأ الحديث أن نجمع رواياته وأن نتأمل في راويه متى أسلم، وأن نربط بعضها ببعض، وأن نبحث عن أسباب ورود هذه الأحاديث. وهذا أمر شاق تدرَّب عليه الكبار من المحدثين كالنووي وابن حجر والسيوطي وأمثالهم، والذي كرّس نفسه للسنة المشرفة بكليته وجلس يدرسها.
السيرة النبوية تفسر كثيرًا مما في الحديث وتوضح مراد النبي
لاحظ [من كرّس نفسه لدراسة السنة] أن السيرة تفسر كثيرًا مما في الحديث، وأن الحديث بمفرده وحده قد لا يُفهم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبتغاه.
ومثال ذلك مثلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأتيه النساء يشكين الرجال في قسوتهم أو شدتهم على النساء، فكان النبي يأمر الرجال بأن يعاملوا النساء بالحسنى وبالرفق وباللين، فكانوا يلتزمون بذلك، فتتمرد النساء على الرجال حتى يأتي الرجال يشكون من النساء أنهن قد غلبنَ الرجال في الحياة، ولم يعد الرجل يستطيع أن يقود البيت أو يأمر المرأة بشيء.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين للنساء فضل الرجال وفضل الزوج والأب وهكذا ليصنع توازنًا في النهاية.
التوازن القرآني في العلاقة بين الرجل والمرأة وقوامة المسؤولية
موجود هذا التوازن في القرآن:
﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]
هذا هو الأساس.
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
فإذا نظرت إلى القرآن:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]
إذا نظرت إلى القرآن:
﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 34]
بـ باء السببية:
﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ [النساء: 34]
فجعلها مسببة، والتسبيب هنا جعل قوامة الرجل مسؤولية، فهو لا بد عليه أن يكون هو الأفضل.
﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]
قال رسول الله ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى»
فالمجموع يظهر منه شيئًا طيبًا يرتضيه بنو الإنسان كلهم عبر العصور.
خطورة انتزاع الحديث من سياقه وأثره في تشويه فهم الإسلام
ولو أننا أخذنا حديثًا واحدًا ونزعناه من سياقه لوجدنا:
قال رسول الله ﷺ: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»
فإذا سمعت هذا الكلام امرأة من كندا فإنها تنفر؛ لأنها لم تعلم بقية المنظومة، وأن هذا قيل في سياق وسباق، وأن المقصود هو إحداث السكن والود والرحمة، والمقصود هو حفظ الأسرة، والمقصود هو تربية النشء، والمقصود هو راحة البال وسعادة الدارين.
لو أنها فهمت هذا في التوازن وفي السياق لا تلتفت إليه [أي لا تنفر منه]، ولو أنها قد انتزعت هذا [الحديث] انتزاعًا كما يفعل رجالنا الآن ينسون كل السنة وكل السيرة وكل القرآن، و [يقولون]: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، أتسجدين إذن؟
الفهم المختل للنصوص والإيمان ببعض الكتاب دون بعض
ما هذا؟ أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟ وهكذا الفهم المختل:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
فالسيرة قامت بدور كبير جدًا من بيان أسباب الأحاديث وبيان ربط فسيفساء - إن صح التعبير -. الفسيفساء هي الحجارة الصغيرة التي نضعها على الحائط لترسم لوحة، فنقول عنها فسيفساء. الفسيفساء هي قطع هكذا من البورسلين توضع بعضها بجانب بعض بألوان مختلفة فتكوّن لوحة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أو ترسم لوحة على هذا النحو، وهذه الفسيفساء تجدونها في المساجد المملوكية في زخرفة المحاريب.
تشبيه فهم النصوص الشرعية بالفسيفساء والبانوراما الكاملة
وكذلك إذا [نظرنا إلى معنى] فسيفساء، معناها أن القطعة الواحدة من الحجارة الصغيرة هذه لا تعني شيئًا، أو لم تعطك النتيجة النهائية، لكن كما يقولون في الإنجليزية بانوراما، فالبانوراما عندما تجتمع هكذا تعطيك شيئًا وتفهم منها أشياء.
إذن، فالسيرة النبوية والقرآن الكريم والحديث قواعد النقل فيها واحدة من النظر في الأسانيد والنظر في المتون والنظر في المفهوم العام الذي نُقل بالتواتر وبالإجماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نقد هذا كله عن طريق هذه الضوابط.
شروط صحة القراءات القرآنية ومثال سقوط التواتر بعدم النقل
ففي القراءات اشترطوا لصحة الرواية وتواترها أن تكون منقولة بسند صحيح متواتر وأن توافق وجهًا من وجوه العربية، ولا بد إذن من السند؛ لأن القراءة سنة متبعة.
ولو فرضنا أن هناك قراءة كانت متواترة ثم لم يتوفر عليها العلماء لنقلها بطريق التواتر، فإنها تخرج عن حد التواتر وتسقط، بالرغم أنها كانت في يوم من الأيام متواترة.
ويضرب ابن الجزري على هذا مثالًا، وهو مثال قراءة ابن قتيبة، وقراءة ابن قتيبة كان فيها إمالة فاحشة.
شرح الإمالة الفاحشة في قراءة ابن قتيبة وانقطاع نقلها
الإمالة كما تقول: "والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى، ولَلآخرة خير لك من الأولى"، أما الفاحشة فهي كما وردت عن ابن قتيبة وكانت متواترة إلى أن تلقاها ابن الجزري ووعد أن يقرأ بها فلم يفعل، فلا يعرفها أحد وانتهت.
وآخرنا مَن؟ سيدنا محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الجزري شمس القراء. هذه القراءة أنه كلما وجدتَ "لا إله إلا الله" في القرآن تنطقها هكذا [بالإمالة الفاحشة]، كانت واردة مقروءًا بها، تلقوها عن سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله"، ويسمونها بالإمالة الفاحشة؛ لأنها غير مطروقة للذهن. "لا إله إلا الله"، ها هي جميلة هكذا، معتادون عليها.
الأئمة الأربعة تركوا أحاديث في البخاري لإدراكهم أسبابها وتعارضها
فإذا [انتقلنا إلى] هذا، لما تأتي السنة فنبحث في الأسانيد ونبحث في المتون ويبحثون أيضًا في أسباب الأحاديث.
ولذلك نرى أن الأئمة الأربعة قد تركوا أحاديث في البخاري. لماذا؟ لأنهم قد أدركوا أسبابها وأدركوا اختلاف الناس فيها وأدركوا تعارضها مع القرآن أو مع السنة أو نحو ذلك. رووها بأسانيدها بل وصححوها، لكنهم عند الأخذ بها لم يأخذوا بها.
من ذلك أن الكلب والحمار والمرأة تقطع الصلاة وهو في البخاري، إلا أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الفضل بن العباس قد صلى وكان يجري بين يديه الكلب والحمار وتمشي المرأة، فأخذوا بهذا وتركوا ما في صحيح البخاري.
مسألة رضاع الكبير في البخاري وموقف الأئمة الأربعة منها
وفي صحيح البخاري أن رضاع الكبير يُحرّم، فأبقاه البخاري كما هو، وهو مذهب عدة من الصحابة منهم السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، إلا أن الأئمة الأربعة لم يأخذوا به وأخذوا بغيره:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الرضاعة من المجاعة»
ولذلك حصروها في السنتين من عمر الطفل، وأيضًا في القرآن تأييد لذلك:
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]
حديث قتل شارب الخمر في الرابعة ومعارضته بحديث نُعيمان
وكذلك رأينا حديثًا أخرجه الترمذي وهو حديث: «فإن شربها في الرابعة فاقتلوه». فالخمر إذا جاءنا شارب الخمر نقيم عليه الحد مرة ثم الثانية ثم الثالثة، لكنه لو جاء في الرابعة نقتله.
وهو معارض بأحاديث كثيرة، منها حديث نُعيمان أنه كان يأتي [مرارًا يُؤتى به في شرب الخمر] حتى قال عمر: دعني أقتل هذا المنافق.
فقال [النبي ﷺ]: «لا، إنه يحب الله ورسوله»
رضي الله تعالى عنه.
الجمع بين الصلاتين بدون عذر وموقف الأئمة الأربعة من حديث ابن عباس
وكذلك الجمع بين الصلاتين بدون عذر، وهو حديث ابن عباس في الصحيحين، إلا أن الأئمة الأربعة لم تأخذ بذلك، وجعلت قوله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
هي الأساس، ولم يُبح الأئمة الأربعة أن نجمع بين الظهر والعصر ولا بين المغرب والعشاء.
إذن، هناك أحاديث صحيحة لكنها عند المجتهد قد تتعارض مع آية أو مع حديث، فيوقف العمل بها ويتركها روايةً؛ لأن الإسلام أكبر منه [أي من المجتهد]، أكبر من المجتهد وأكبر من الراوي. فالإسلام أكبر من وأكبر من الناس أجمعين، أكبر من الزمان. الإسلام كلمة الله للعالمين.
تجربة الجمع بين الصلاتين في بلاد الغرب ومراعاة حال الأمة
مرّت أيام وجاءت أيام، وفهمنا كلام الأئمة وما معناه، وعندما ذهبنا إلى بلاد الأمريكيين، تبين لنا أننا لا نقيم الصلاة إلا بالجمع، وإذا أردت أن تقيم الصلاة من غير جمع تركت الصلاة.
فصلينا على النبي ﷺ كي لا يجعل على أمته من حرج، وأمته العالمون: أمة الدعوة وأمة الإجابة. كما هنا في الشرق الأوسط [و] ماليزيا مُقدور عليها، لكن هؤلاء [في بلاد الغرب] ماذا نفعل؟ هل نُلزمهم ببلادنا بجوها بطقسها بأحوالها؟ أو أننا نرشدهم إلى السنة؟
مسألة التبني في الإسلام والإرشاد إلى رضاع الكبير كحل شرعي
ووجدنا أناسًا يدخلون في دين الله وهم على عقيدتهم السابقة، يتبنون طفلًا كبر وأصبح ابنًا للمرأة في العرف والعادة وأصبح ابنًا للرجل هكذا، حتى أن اسمه هو اسمه منسوبًا إليه.
وقلنا لهم أن التبني حرام. ماذا نفعل في الولد هذا؟ أنطرده خارج البيت؟ أم أنه مع من تسمى بأمه هو ابنها؟ أم أجنبي عنها يحرم عليه الخلوة بها؟
فأرشدناهم إلى إرضاع الكبير، فجاءت إذن لها ضرورة.
حديث الذباب في البخاري وتطبيقه العملي في الصومال
وعندما دخلنا إلى الصومال وكان حالها بائسًا، الشخص منهم لم يرَ اللحم بعيني رأسه منذ سنوات، وجاء اللحم فوضعوه في الأذان أي الإناء حتى ينضج، والذباب هكذا أمم من الذباب حوله، تعف وما إلى ذلك، وبعضها سقط في الإناء.
تنجست أو لم تتنجس؟ فتذكرنا حديث البخاري:
قال رسول الله ﷺ: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه وليلقه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء»
وقلنا مرة ثانية: اللهم صل عليك يا رسول الله.
الفارق بين من يتكلم بجهل ومن يدعو إلى الله بعلم وحب
هذا هو الفارق ما بين من يتكلم بغير علم ويريد أن يشطب وأن يرفع وأن يحذف، وبين من اهتم بالدعوة إلى الله ويحب الله ورسوله ويريد لهذا الإسلام أن يكون دينًا يحبه الناس، وألا يكون صادًّا في نفس الوقت عن سبيل الله، وفي نفس الوقت لا يخرج عن القواعد ولا على ما تعوده من إسناد الأحكام إلى الأدلة.
ولذلك كلما رأينا هؤلاء الذين يقدحون مرة في البخاري ويشتمون مرة إمام الأئمة الشافعي ويفعلون ما يفعلون، نحن نعلم أنهم ليسوا على الحق. لماذا؟ لأنهم يتكلمون بجهالة، ولأنهم لا يتكلمون من منطلق حب الله ورسوله، ولأنهم لم يجربوا الدعوة والاختلاط بالناس، ولأنهم لا يحبون تصحيح صورة الإسلام في العالمين.
حرص النبي على صورة الإسلام ورفضه قتل المنافقين
وصورة الإسلام في العالمين كان حريصًا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنه رفض أن يقتل المنافقين بعد إذن الله له فيهم، وقال:
«لا يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه»
وهم منافقون. وسيأتي يوم القيامة فيراهم وهم قد أُخذوا إلى النار، فيقول:
«يا رب، أصحابي أصحابي»
فيقول [الله تعالى]:
«صه يا محمد، إنك لم تدرِ ماذا أحدثوا بعدك»
وكل هذا في الصحيح.
قواعد التوثيق واحدة وضرورة تعمق العالم في جمع شتات المسألة
فالحاصل أن قواعد التوثيق واحدة في [القرآن] وفي السيرة وفي السنة، إلا أنه لا بد للعالم من أن يتعمق وأن يجمع شتات المسألة أمامه، وأن يتفكر ويتدبر في المآلات وفي المقاصد الشرعية وفي المصالح المرعية وفي لغة العرب، ويتدبر أسباب النزول ويرى هل هي جزء من العلة أو أنها خارج هذه العلة.
وبعد ذلك كله يبدأ في إخراج الحكم ويتتبع هذا الحكم في صور مختلفة عسى أن تكون قد خفيت عليه خافية، ثم بعد ذلك كله يقول: يا رب. فإذا كان قد أخطأ حينئذ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران.
رواية الدارقطني في أجر المجتهد وفضل الله الواسع
وفي الدارقطني: إذا أخطأ فله أجران وإذا أصاب فله عشرة. نحن مع رواية الدارقطني لأجل ربنا يفتح علينا، هكذا رواية الدارقطني أنه إذا أصبنا فلنا عشرة، وهذا حسن جميل، ففضل الله واسع، وإذا أخطأنا فله أجران.
هذا هو ما تعلمناه عن مشايخنا قبل ظهور النابتة من المتطرفين المتشددين الذين خرجوا عن نهج رسول الله فسُمُّوا بالخوارج، ومن العلمانيين الليبراليين الفاسقين الفاجرين والداعرين الذين أرادوا أن يهدموا الدين وأن يزيلوا معالمه.
المتطرفون والعلمانيون وجهان لعملة واحدة في تشويه صورة الإسلام
وهما وجهان لعملة واحدة؛ لأنهما يصفان الإسلام بما ليس فيه. هذا [المتطرف] يصف الإسلام بالعنف والقتل والإفساد والدم، وذاك [العلماني] يصفه بنفس الصفات.
ولكن الأول قال: إذن فأفعل [أي أمارس العنف]، والثاني قال: إذن لا أفعل وأكفر بالإسلام. فالأول كفر لصورة مشوهة، والثاني كفر أو فسق لصورة مشوهة. هذا هو الحاصل.
منهج الشيخ الغماري في تتبع الرواية والتحذير من سيرة البكري الموضوعة
ولذلك كان الشيخ أحمد بن الصديق الغماري يقول: نتتبع الرواية ولو كانت في سيرة البكري. هكذا كان يقول: سيرة البكرية سيرة موضوعة من أولها إلى آخرها مثل القصص الشعبية.
ومثل ما نُسج على عنترة بن أبي شداد ثمانية مجلدات، وسيف بن ذي يزن وهو كان من تُبّع اليمن ثمانية، والأميرة ذات الهمة ثمانية مجلدات، وحمزة البهلوان، وهكذا. هذه قصص شعبية، هذه أساطير، والظاهر بيبرس، كل هذه أساطير.
ومنها ما نُسج على سيدنا علي الفتى الغالب علي بن أبي طالب، وما حدث مع رأس الغول المهول، وهكذا أشياء، وتجدونها في الأسواق، لكنها كلها خرافات. فكانت سيرة البكري أبي الحسن البكري كذلك كلها خرافات لا أصل لها.
التفريق بين التشدد في أسانيد الأحكام والتساهل في فضائل الأعمال والسيرة
إذن فالسند هو السند، ومن هذه الأسانيد ما يتشددون فيها لو كانت في الأحكام، في الدماء، في الفروج، في معالم الحلال والحرام. ومنها ما يتهاونون فيه إذا كانت من مكارم الأخلاق أو كانت من وصف الواقع والحال.
ومن ضمن هذا ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فضائل ومكارم ومعجزات، فإنه أهل بذلك. ولذلك لو جاء الأمر بسند ضعيف يُقبل عندهم ويكون مقبولًا للرواية وللتناقل من غير [إلزام]. لماذا؟ لأنه ليس فيه أصلًا أحكام بالحلال والحرام أو أحكام ستضيع أموال الناس أو فروجهم أو أموال [غيرهم] وهكذا.
رواية العنكبوت والحمامة في غار ثور بسند ضعيف وموقف العلماء منها
فيأتي في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل غار ثور وهو في جنوب مكة أثناء الهجرة، ذهب إليه المشركون فوجدوا عنكبوتًا قد وضع بيته حول فتحة الغار، ووجدوا حمامة قد باضت هناك أو شيئًا من هذا القبيل.
وهذا بسند ضعيف، ورد بأسانيد ضعيفة، ويذكره أصحاب المدائح وأنه من معجزات النبي ﷺ، شيء من هذا القبيل.
فالثاني [أي المتشدد] قال: لا نعمل به، أنه لا بد أن يكون - يعني ليس أنه لم يأخذ ما عليه السلف كله، إنما أخذ توثيق السند نعم. كل الناس تقول إنه ضعيف، لكن المشكلة أنه ضعيف فلا يؤخذ به ويصبح حرامًا علينا أن نتلوه وأن نذكره وأن نقول [به].
رواية الحمامة والعنكبوت لا تتعلق بأحكام شرعية ولا أثر لها على العبادات
ونقول: الحمامة باضت والعنكبوت عمل أو ما عمل. ماذا يعني؟ ما علاقة ذلك بصلاتي أو بيعي أو شرائي أو زواجي أو طلاقي أو مثلًا شهادة أمام القاضي؟ وما الذي حدث في هذا الأمر بناءً عليه في العلاقات الدولية أو العلاقات الأسرية أو الاقتصاد؟
ما الذي حدث؟ والله لم يحدث شيء، ولكنها عقلية هكذا تريد أن تحذف شيئًا ما من التاريخ، وعلى ذلك سيُحذف كثير جدًا من الأخلاق.
حديث إتقان العمل الضعيف وخطورة رد الأحاديث في فضائل الأعمال
فإنه مثلًا من الحديث الضعيف:
«إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه»
وترتيب ما في أدمغة هؤلاء أن هذا حديث ضعيف، إذن فإتقان العمل ليس مأمورًا به في الإسلام! إتقان العمل ليس مأمورًا به في الإسلام! ويتمادى جيل بعده، إذن نفعل ما نشاء من غير إتقان ولا شيء، الله هو الذي يُتقن، ويُدخلك في أحاديث لا نهاية لها.
يا بني، هذا من جانب الأخلاق أنك أنت تُتقن العمل. قال تعالى - دعنا من الحديث -:
﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]
فكيف تفعل عملًا لا إتقان فيه؟ يقول: نعم قل الآية، ولكن يقول هذا الحديث باطل، ويُحدِث نوعًا من أنواع الجدل.
شروط ابن حجر للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال
نحن نقول إن الحديث ضعيف لكنه يُؤخذ به؛ لأن الحديث الضعيف يُؤخذ به في فضائل الأعمال.
قال ابن حجر [العسقلاني]: ويُؤخذ به بشروط:
- أولًا: ألا يكون في الباب غيره [أي أن يكون له أصل يندرج تحته].
- ثانيًا: ألا يخالف أصلًا من أصول الدين.
- ثالثًا: ألا نعتقد جازمين أن [هذا الحديث] من كلام رسول الله ﷺ، [بل يكون] محتمل، لكن ليس قطعيًا.
- رابعًا: أن يكون في فضائل الأعمال وليس في الأحكام والدماء والفروج.
ونحو ذلك، وهكذا أجبنا وتوكلنا [على الله].
