كلمة أ.د علي جمعة بندوة الممارسات الاحتكارية |المعاصرة بين الشريعة والقانون
- •السوق في الشريعة يقوم على مبدأ الحرية، لكن هذه الحرية تحيطها منظومة أخلاقية بدءاً من النيات وصولاً إلى المآلات والغايات.
- •الاحتكار محرم في الإسلام وهو من الكبائر كما ذكر الهيتمي في الزواجر، فقد ورد فيه اللعن والوعيد الشديد.
- •اختلف الفقهاء في تعريف الاحتكار عبر العصور، وفي عصرنا يشمل كل سلعة تضيق على الناس معيشتهم.
- •ظهرت أشكال معاصرة للاحتكار كالملكية الفكرية والاندماج والوكلاء الوحيدين تحتاج إلى ضوابط.
- •حرمت الشريعة الشائعات إنشاءً وتداولاً وتصديقاً، فقد قال النبي ﷺ: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع".
- •الفتوى مجال نوعي متخصص يحتاج إلى علوم أساسية ومساعدة وخبرة في النصوص والواقع.
- •يجب التفريق بين الدين كعلم له قواعده وأصوله، والتدين كسلوك وممارسة.
افتتاح المجلس بالحمد والثناء والسلام على الحضور
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. شكرًا لهذه الدعوة المباركة في هذا اللقاء الذي هو من مجالس العلم التي تحفّها الملائكة وتتنزّل عليها الرحمة، ويجعلها الله في ميزان حسناتنا جميعًا يوم القيامة، اللهم آمين.
أحيّيكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مقدمة في معالجة الممارسات الاحتكارية بين الشريعة والقانون
أولًا، مقدمة ندخل منها إلى هذا الأمر في معالجة الممارسات الاحتكارية المعاصرة، سواء كانت في الشريعة وأحكامها أو كانت في القانون بإلزاماته ومبادئه وما يجيزه وما لا يجيزه.
لا بدّ أولًا أن نفرّق ما بين المبادئ التي يقوم عليها السوق وما بين أحكام التعامل؛ فالمبادئ التي يقوم عليها السوق تتجه في الشريعة إلى الحرية.
حديث النبي ﷺ في رفض التسعير وتأكيد حرية السوق
فالنبي صلى الله عليه وسلم لمّا طالبوه أن يُسعّر الأسعار قال:
قال رسول الله ﷺ: «إنّ المسعّر هو الله سبحانه وتعالى، إنّ الله هو المسعّر» أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
هذا الحديث يؤكّده حديث آخر أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري وهو يقول:
قال رسول الله ﷺ: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»
مثل هذه الأحاديث قد تكون تُكأةً لمن يحتكر؛ أنه ما دام أمر السوق مبنيًّا على الحرية فهو حرّ، حرية لا قيد عليها، أن يفعل ما يشاء.
التفريق بين حرية السوق كمبدأ وبين أحكام التعامل الشرعية
وهذا خطأ؛ إنما هذه الحرية منسوبة إلى المبادئ التي أقرّها الشرع لجريان السوق عامّة، وليست من قبيل الأحكام التي تحكم التعامل.
فالسوق تحكمها مبادئ الحرية، ولذلك استثناها الله سبحانه وتعالى في توثيق الديون التجارية. والأدلة كثيرة على أن السوق يقوم على مبدأ الحرية، لكنه أيضًا تحيط بهذه الحرية منظومة أخلاقية تبدأ من قوله تعالى ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جعله المحدّثون في أوائل كتبهم:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
فالنية أساس في التعامل وفي التصرفات وفي ما يقبله الله وما لا يقبله الله.
النظام الأخلاقي الضابط للسوق عند المسلمين وعند الغرب
والنظام الأخلاقي الضابط للسوق لاحظه كثير من المفكرين حتى أهل الغرب؛ حتى آدم سميث وله كتاب «ثروة الأمم»، لكنه ألّف كتابًا آخر اسمه «أخلاق الأمم»، كتاب أصغر من «ثروة الأمم» حجمًا وأقلّ صفحات، لكنه ألّفه بعد ذلك من أجل ضبط هذه المسألة في التمييز بين الحرية والانفلات.
فالحرية بلا قيود وبلا مسؤولية هي تفلّت، ولذلك تحتاج إلى منظومة أخلاقية، تحتاج إلى نيّات المتعاملين، تحتاج إلى ربط هذه النيّات وضبطها وربطها بالله سبحانه وتعالى.
أهمية النظر في المآلات والغايات عند تقييم الأعمال التجارية
فهذه الحرية تحتاج إلى منظومة أخلاقية، تحتاج كما قال الدكتور حسن إلى المآلات، إلى الغايات، إلى ما يؤول إليه العمل، وليس في موضوعية ضيّقة للعمل نفسه، بل لا بدّ أن ننظر إلى ما أسماه الفقهاء بالمآلات.
ما الذي يترتّب على هذا الفعل حتى لو كان صحيحًا في القانون، أو حتى إذا كان صحيحًا في الظاهر أو في بداية الأمر؟ فما الذي يترتّب عليه فيما بعد من خير أو ضرر؟
إنّ مبادئ السوق لا بدّ أن نقدّم بها هذا الموضوع؛ لأنها ستفيد في حلّ إشكالات كثيرة في تحديد معنى الاحتكار وفي تحديد المنع منه والزجر عنه.
الاحتكار من الكبائر عند ابن حجر الهيتمي وتعريف الكبيرة عند ابن فورك
ذكر الهيتمي في كتابه [الزواجر عن اقتراف الكبائر] أنّ الاحتكار من الكبائر. وهذا مبنيّ على أمر يتحدّث عنه ابن فورك الأشعري.
ما الفرق بين الكبيرة والصغيرة؟ فقال [ابن فورك]: إنّ الكبيرة هي التي ورد فيها وعيد بالنار، أو ورد فيها لعن، أو نُصّ في النصّ على أنها كبيرة. وهنا ورد اللعن في قضية الاحتكار.
الأحاديث النبوية الواردة في تحريم الاحتكار والتشديد فيه
نعم، أخرج مسلم:
قال رسول الله ﷺ: «لا يحتكر إلا خاطئ»
وكلمة «خاطئ» غير كلمة «مخطئ»؛ فـ«خاطئ» من الخطيئة، والخطيئة ما كانت عن قصد وما ترتّب عليها عقاب. أمّا كلمة «مخطئ» فهي من الخطأ، وهي ما كان عن غير قصد ولا يترتّب عليه عقاب.
وفي المستدرك:
«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُحتكر الطعام»
وفي مسند الإمام أحمد ما هو أشدّ من ذلك:
قال رسول الله ﷺ: «من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وأيّما أهل عَرْصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمّة الله»
المنظومة الأخلاقية للتكافل الاجتماعي وتحريم ترك الجائع
منظومة أخلاقية في تكافل اجتماعي نادر، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعانًا وجاره جائع وهو يعلم»
إذن هذه المنظومة الأخلاقية تُعدّ من مبادئ سير السوق في الشريعة.
لكنّ الحاكم في المستدرك روى:
«المحتكر ملعون»
وهذا الذي بنى عليه ابن حجر الهيتمي في كتابه [الزواجر] عدّ الاحتكار من الكبائر.
تعريف الاحتكار واختلاف الفقهاء في تحديد نطاقه بين الطعام وغيره
إذن ما الاحتكار؟ اختلف الفقهاء عبر العصور، وكلّ واحد طبقًا لنظرته لما يؤول إليه هذا الأمر في عصره، بل وفي مكانه أيضًا.
فتحدّثوا عن أنّ ما ورد في المسند من أنّ الاحتكار في الطعام: هل هذا خاصّ بالطعام أم أنه عامّ في كلّ ما يصيب الناس بالضيق والضرر؟ بعضهم ألحق اللباس، وبعضهم جعلها واسعة مفتوحة: ما يصيب الناس في تضييق معيشتهم.
إذا كان هذا الذي نتبنّاه في عصرنا، وهو أنّ كلّ سلعة — وليس الطعام واللباس فقط — تُضيّق على الناس معيشتهم، تكون من قبيل الاحتكار.
شرط الشراء في الاحتكار وإخراج الحاصد والوارث من التعريف
ويشترطون [أي الفقهاء] أن يكون [المحتكِر] قد اشتراها [السلعة]، وذلك حتى يُخرج الحاصد الذي حصد محصوله.
ولمّا نزلنا إلى السوق في هذه الأيام وجدنا أنّ الحاصد الذي حصد يمكن أن يُسبّب أزمة كبيرة تُضيّق على الناس أحوالهم، لا من أجل استهلاكه الشخصي الذي هو من حقّه ابتداءً — فالواحد الذي يزرع الأرز يأخذ ما يكفيه وأهله لمدة سنة ريثما يزرع مرة أخرى — ولكن [يحبسه عن السوق] بل في السوق كلّه حتى ترتفع الأسعار، ويخرج من التعامل بهذه السلعة التي من الأقوات أقوام كثيرون، ويصل الأمر إلى الضرر والخطر والمجاعة.
سقوط شرط الشراء والإرث في الاحتكار وشرط وقت الغلاء في عصرنا
ولذلك هذا الشرط الذي اشترطه بعض الفقهاء لا نراه قائمًا الآن: أن يكون [المحتكِر] ليس وارثًا له ولا حاصلًا له ولا موهوبًا له، بل ينبغي أن يكون مشترى.
وقالوا [أيضًا]: أن يكون ذلك وقت الغلاء. ونحن بعدما خرجنا من قاعدة الذهب وحدث ما حدث ممّا يُسمّى بالتضخم — والتضخم قرين عدم التعامل بين الناس بالذهب — في سنة ألف وتسعمائة وسبعين قطع نيكسون العلاقة بين الورق وبين الذهب، وأصبح الورق لا علاقة له بالمعادن أصلًا ولا بغيرها، وأهلك العالم بالتضخم.
التضخم وأثر النقود الورقية على مفهوم الغلاء عند الفقهاء
زيادة أسعار تترتّب على عناصر وأسباب، منها أن أطبع [النقود] من غير أن يكون هناك رصيد من الذهب أو إنتاج موجود.
فنحن في عصر الغلاء فيه أصيل؛ لأنّ التعامل بأوراق البنكنوت وليس بما كان في عصور الخير من الذهب والفضة أو الدينار والدرهم. فكلمة «وقت الغلاء» التي عند الفقهاء لم تعد تُميّز وقتًا عن وقت في عصرنا، بل صارت سائدة لجريان العمل بالنقود الورقية.
أساليب الاحتكار المعاصرة كالملكية الفكرية والاندماج والوكلاء الوحيدين
قال [الفقهاء إنّ الاحتكار يكون] بهدف رفع السعر، وهذا موجود إلى الآن. هناك — كما أشار الدكتور حسن — أساليب مختلفة تحتاج إلى بحث عميق وإلى وضع الشروط لها حتى لا تتحوّل إلى احتكار:
- •كالملكية الفكرية
- •وكقضية الاندماج
- •والوكلاء الوحيدون
- •ونحو هذا من أسماء جديدة
لكنها في النهاية تؤول إلى التضييق على الناس من أجل رفع السعر. يجب أن تُوضع له شروط وتُحدّد له أزمان — كما في الملكية الفكرية — وتُوضع له قواعد نتعامل بها حتى نُيسّر على الناس أمر معيشتهم.
قاعدة لا ضرر ولا ضرار كأساس لمنع الاحتكار وخاتمة المقدمة
وبالجملة فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن الضرر إيجادًا لأنفسنا أو لغيرنا، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»
والضرر يُزال. فهذه مقدمة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا بما يفتح، وأن نستطيع أن نعرفه.
منّة الله على المسلمين بالتوثيق ونقل القرآن بالأسانيد المتواترة
أمّا بالنسبة للشائعات، فمن الله سبحانه وتعالى على المسلمين بالتوثيق، ولذلك نرى القرآن الكريم قد نُقل بأسانيد متكاثرة حتى وصلت إلى ما فوق التواتر، آلاف الأسانيد نُقل بها القرآن تحقيقًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
حديث كفى بالمرء كذبًا ودلالته على حرمة الشائعات إنشاءً وتداولًا
فلمّا جاء مسلم بن الحجّاج النيسابوري يؤلّف صحيحه، نصّ في مقدمته على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكّد هذا التوثيق وضرورة هذا التوثيق وحكم هذا التوثيق، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكلّ ما سمع»
وهذا دليل على حرمة الشائعات إنشاءً وتداولًا وتصديقًا. «كفى بالمرء كذبًا»، والكذب في الإسلام كبيرة.
حديث أبي ذر في خطورة الكذب وأنه أشد من السرقة والزنا
حتى سأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أيسرق المؤمن؟ قال: نعم — يعني يمكن أن يسرق —. أيزني المؤمن؟ قال: نعم. أيكذب المؤمن؟ قال: لا. أخرجه مالك في الموطأ.
لا، بالرغم من أنّ السرقة والزنا في ذاتهما حدود، ولكنّ الكذب مصيبة كبيرة؛ فلو كانت [الكذبة] أمام القاضي تكون من أكبر الكبائر التي تُسمّى بشهادة الزور، ولو كانت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّ مقعده في النار:
قال رسول الله ﷺ: «من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار»
الشائعات بلاء يتعلق بعقلية الإنسان ووجوب صون النفس منها
الشائعات بلاء ومصيبة، وتتعلّق بعقلية الإنسان وبنفسيّته وبشخصيّته. ولذلك الله يكون في عون الناس؛ لأنهم في وسط بحار من الشائعات الكاذبة.
ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منك أن تصمّ أذنك عن هذه الأكاذيب وتلك المفتريات، وذلك الإفك الذي يجب أن تُنزّه قلبك وعقلك وروحك منه.
فهذه قضية محسومة؛ حتى إنك مكلّف ألّا تسمع هذه الشائعات باعتبارها سيئة من السيئات ومصيبة من المصائب.
النهي عن القول بغير علم وآية مسؤولية السمع والبصر والفؤاد
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكلّ ما سمع»
وهذا مبنيّ على ألّا نهرف بما لا نعرف:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
المجال النوعي للفتوى وعدم جواز الكلام فيه إلا للمتخصصين
وهذا يدخل بنا إلى احتكار الفتوى كما طلب الأستاذ الدكتور حسن. في الحقيقة هناك مجال يُسمّى بالمجال النوعي، والمجال النوعي لا يُقبل فيه إلا الخبير؛ لأنه يحتاج إلى دراسة علوم أساسية وعلوم مساعدة حتى تُهيّئه للتعامل مع هذا المجال.
فليس هناك ما يُسمّى بعدم جواز احتكار الطبيب للطب! هذا كلام تضحك منه الثكلى وتسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع! هذا كلام مخالف لقواعد التفكير المستقيم.
لا يمكن أن نتحدّث في مجال الطب، لا يمكن أن يتكلّم فيه إلا الأطباء الذين يدرسون العلوم الأساسية والعلوم المساعدة، ويتدرّبون سنة الامتياز، ويمارسون بعدما أجهدوا أنفسهم في طلب القواعد التي يستطيعون بها أن يتعاملوا مع هذا المجال.
الفتوى مجال نوعي يحتاج إلى علوم وتربية وإدراك للواقع والنص
والفتوى مجال نوعي، لا يجوز أن يقول لك: كن أنت وما تريده فافعله! هذا نوع من أنواع المضحكات المبكيات؛ لأنّ الفتوى تحصيل حكم شرعي لفعل بشري.
والحكم الشرعي يحتاج في تحصيله إلى علوم وعلوم مساعدة وتربة وإدراك للواقع وإدراك للنصّ وكيفية الوصل بينهما، شيء يحتاج إلى سنين وسنين.
قصة النساء في الحج وخطورة الإفتاء بغير علم على الناس
مرة كنت في الحج فأتاني المنظّم وقال: أدرك النساء فإنهنّ في انهيار تامّ وبكاء مستمر. ما الخبر؟ دخلت ووجدت النساء فعلًا في انهيار وبكاء مستمر.
قلت لهم: حسنًا، أريد أن أعرف ما القضية. قال [قالت إحداهنّ]: دخل علينا أحدهم فأباح لنا كلّ شيء في الحج، ونحن لا نطمئنّ لهذا، ومعنى هذا أنّ الله يغضب علينا وأنّ الحجّة مرفوضة.
ودخلت، قلت له: حسنًا، اسأله [اسألوني]. فسألوا نحو عشرين سؤالًا، وأجبت بالتحديد من غير متاهة ومن غير [الدخول في] الخلاف الفقهي والترجيح المبدئي، فسكنوا وقالوا: الله! طيّب، لمّا الحكاية واضحة هكذا فلماذا أُضلِلنا؟ هذه هي الحكاية، والله تعالى أعلم.
التوكل على الله والفرق بين الخطاب العام والخطاب المتخصص
لا يسعنا في النهاية إلا أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم سيؤتينا الله من فضله ورسوله.
فمن الممكن أن تتعلّق المسألة بقليل من الأمية في البيان الرجالي الذي يُضيف أيّ انعكاس. هو في الحقيقة أنّ هناك فرقًا بين الخطاب العام والخطاب المتخصّص.
كثير جدًّا من الأمور نعالجها في قاعات البحث ونستعين فيها بالخبراء في المجامع ونصل فيها إلى حلّ، وهذا بخلاف الحيرة التي يُصاب بها العامّة.
العامي مذهبه مذهب مفتيه وآداب الاستفتاء والاختيار الفقهي
ولذلك قالوا: العامّي لا مذهب له، مذهبه مذهب مفتيه. ببساطة يستفتي عالمًا، ولا بدّ أن يكون عالمًا، ويختار عالمًا ويجعله مرجعًا.
ومن آداب الفتوى ألّا تتكرّر؛ يعني لا يصحّ في الفتاوى العادية العامّة أن أعرضها على عدّة مفتين، هذا لا بدّ من اختيار مفتٍ واحد.
أمّا الفتاوى التي تحتاج إلى بحث وإلى معرفة أقوال الناس فيها وأقوال الفقهاء، فنعم نفعل هذا، ثم بعد ذلك يختار المتخصّص الذي فعل هذا من هذه المذاهب.
يعني أنّ هناك قواعد كلّها مذكورة وكلّها مذكورة على أعمق ما يكون: تكلّموا في قضايا الاختيار الفقهي، وتكلّموا في قضايا التلفيق، وتكلّموا في قضايا التقليد، وتكلّموا في قضايا الاجتهاد.
خطورة الخلط بين العام والخاص وما يسببه من فوضى وشك وتردد
أمّا أن نسير هكذا بحيث إننا نخلط بين العام والخاص وبين طالب العلم وبين ما بين العامّ، فهذا يسبّب فوضى لا مثيل لها وحيرة.
وهذه الحيرة ستؤدّي في النهاية إلى ما لا تُحمد عقباه من الشكّ ومن التردّد ومن عدم التديّن.
الفرق الجوهري بين الدين كعلم والتدين كسلوك والعقلية المميزة للعلماء
وهناك فرق كبير بين الدين وهو علم، وبين التديّن وهو سلوك. ولذلك العقلية المميّزة هي التي رأيناها مع أمثال ابن حجر والنووي وسائر الأئمة عبر القرون.
رأينا ما يُسمّى بالعقلية المميّزة التي تفرّق بين المصطلحات وتعرف حكم كلّ مصطلح وما سيؤدّي إليه.
دور الدولة في حفظ الدين وإتاحة الأبواب للناس والدعوة على بصيرة
لكن بقيت قصور الدولة في ديننا تقع عندها الحياة والاهتمام بالموافقة في طبائع الدول في قضايا السماء والأصحاب، لكنّ ذلك أدّى إلى الأبواب التي تتيح للناس أن يتحوّلوا إلى القدرة في حقيقة الأمر.
السؤال لا ينتهي وليس ذلك بمشكلة، وهو مشهور كذلك في بعض الشرائح التي تحوّلت تحت مسمّياتها المعيّنة، فيقول [الله تعالى]:
﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا إِلَى ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ [يوسف: 108]
التفريق بين الدين والتدين والرد على من يخلط بينهما بدعوى الاحتكار
نعم، تريد أن توصل إليّ يا شيخ يا شيخ جابر؟ نعم. لكن فقط لا تأخذني مولانا، تريد أن توصل إلى... ولكي نتناقش. لا، هذا استفسار وليس احتكارًا ولا احتقارًا يا سيدي الفاضل.
حاضر، ولكن يا سيدي الفاضل هناك فارق كبير جدًّا بين الدين وبين التديّن. حضرتك كلّ الآيات التي ذُكرت وكلّ الأحوال التي كانت، هذا تديّن.
«بلّغوا عنّي ولو آية» هذا تديّن. صلِّ وصُم، يمكن أنه يصلّي أحسن منّي مائة مرة وسيدخل الجنة قبلي مائة مرة، ولكن أنا رجل قضيت خمسين سنة من عمري في تحصيل العلم، فلا تأتني بهذا.
الدين علم له قواعده ومصطلحاته والتدين سلوك قد ينفصل عن العلم
هذا دين والدين علم، والتديّن سلوك. ويجب أن نفرّق في أذهاننا بين التديّن والدين.
أمّا الدين فشأنه شأن كلّ مجال: له علمه وقواعده ومصطلحاته وكتبه وتدرّجاته، علم كسائر العلوم.
ولكنّ التديّن هذا سلوك، وقد نصل بالسلوك إلى أن يكون منفصلًا عن العلم، مثل الطبيب الذي يدخّن وهو يقول له: إيّاك أن تدخّن لأنّ التدخين مضرّ، وهو جالس ينفث في وجهه! ما هو طبيب وعالم، فسلوكه خاطئ لكنّ علمه صحيح.
وهكذا فيجب أن نفرّق بين العلم والسلوك، الدين والتديّن.
الدين له قواعده وأدواته ولا يجوز لأحد أن يفعل فيه ما يشاء
فلمّا تأتي وتخاطب الخلق أن يفعلوا ما يشاءون في جانب الدين، نقول لك: لا! الدين له قواعده، له أحكامه، له علوم مساعدة، له مصادره، له طريقة أدواته التي تفكّ شفرته.
أمّا التديّن: نعم، توضّأ وصلِّ واجهد نفسك في الصلاة والصيام، وافعل كلّ خير وكلّ طاعة:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
الرد على من يخلط بين الدين والتدين بدعوى الاحتكار والاحتقار
المشكلة التي نواجهها أنّ أحدهم يريد أن يخلط على الناس بين الأمرين بدعوى: أنكم تحتكرون، أنكم تحتقرون، أنكم كذا. كلّ هذا الكلام لا تهتمّوا به كثيرًا؛ لأنّ فيه تلبيسًا وتدليسًا:
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
دور الأزهر في تخريج العلماء والفرق بين الدعوة للسلوك ومعرفة الأحكام
نحن هنا في الأزهر دين، وهذا الدين يُظهر علماء فنرسلهم إلى وزارة الأوقاف لكي يدعوا الناس إلى السلوك. لا يدعون الناس إلى العلم ولا يقولون: يجب أن تذهبوا إلى الأزهر وإلا ستصبحون كذا وكذا. أبدًا، بل هم يدعون الناس للالتزام بالسلوك.
خطبة الجمعة والدرس وكلّ ذلك يجعلهم أقرب إلى الالتزام وإلى الطاعة كما أمرنا ربّنا ورسولنا.
أمّا معرفة أحكام [الدين]، هذا علم وله علماء عبر التاريخ، وله كتب وله مصطلحات وله قواعد وله علوم مساعدة. فكيف خلطوا بينهما؟
فهذه هي الإجابة على عين سؤالك يا مولانا الشيخ جابر. ومولانا الشيخ جابر معنا في مجلس النواب، فيحبّ هو قليلًا أن يناكشني كثيرًا — يعني يستفزّني — لكنني لا أُستفزّ، إنني أحبّه حقًّا.
