كلمة أ.د علي جمعة خلال المؤتمر الدولي الثاني والثلاتون للمجلس الاعلى للشئون الإسلامية
- •قدم الدكتور علي جمعة رؤيته حول المواطنة في الإسلام عبر أربعة نماذج تركها النبي صلى الله عليه وسلم.
- •النموذج الأول في مكة قبل الهجرة حيث عاش النبي مواطناً صالحاً في مجتمع يعارض دينه دون أن يصطدم بالمجتمع أو يدمر الأصنام.
- •النموذج الثاني في الحبشة عندما هاجر الصحابة إلى دولة غير مسلمة لكنها آوتهم وأكرمتهم، وشاركوا في الدفاع عنها.
- •النموذج الثالث في المدينة عند الهجرة حيث أنشأ النبي صحيفة المدينة التي أسست للمواطنة في مجتمع متعدد عرقياً ودينياً.
- •النموذج الرابع بعد فتح مكة وخيبر حين استقرت الدولة الإسلامية واعتنق أغلب الناس الإسلام.
- •يرى أن المواطنة بمفهومها الحديث تتناسب مع التطبيق الإسلامي وتؤدي مجتمعياً إلى الأمن والانتظام، واجتماعياً إلى الانتماء والرفاهية والتمكين.
- •المواطنة تدعو إلى الاستقرار والسلام وتمثل النموذج الصالح للمسلمين.
افتتاح الكلمة والترحيب بالحضور والدعاء لنجاح المؤتمر
الآن الحضور الكريم يتحدث إلينا فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، مفتي جمهورية مصر العربية السابق، ورئيس لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب، فليتفضل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. شكرًا لهذه الدعوة الكريمة من معالي الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في مصر، شرفتم البلاد والعباد.
وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المؤتمر في ميزان حسناتنا جميعًا يوم القيامة، وأن نخرج منه برؤية تدفعنا إلى الأمام لمزيد من السلام المجتمعي ومن السلام العالمي.
الأمر الإلهي بعمارة الأرض وغاية المؤتمر في تحقيقها
وأن نأتمر بأمر ربنا سبحانه وتعالى؛
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
أي طلب منكم عمارها. وهذا المؤتمر يتغيّى في النهاية عمار الأرض وعمرانها.
فمرحبًا بكم في هذا الجمع الكريم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.
المواطنة حل أمثل للعصر الحديث والنبي تركها في أربعة نماذج
المواطنة أصبحت وكأنها الحل الأمثل للعصر الحديث، وإن كانت هذه المواطنة قد تركها لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نماذج أربعة.
النموذج الأول للمواطنة: حياة النبي في مكة قبل الهجرة
عندما كان [النبي صلى الله عليه وآله وسلم] في مكة، كانت السلطة والنظام ضد هذا الدين الجديد، ورأى المؤمنون من المشركين ما رأوا من عذاب واعتراض. وعاش النبي صلى الله عليه وآله وسلم مواطنًا صالحًا آمنًا مؤمنًا، لكنه قدم الأمن على الإيمان [أي لم يصطدم بالنظام العام رغم عداوته للدين].
وهذا يمكن أن يكون حال مسلم أنه يكون في بلاد لا تريد هذا الدين، بل قد تريد هدمه ومحاربته؛ فلا يخرج عن هذا [النهج النبوي] ويتمسك بدينه وبدعوته بالطرق التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة قبل الفتح.
أربع عشرة سنة من المواطنة الصالحة في مكة دون اصطدام
أربع عشرة سنة يمكثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، هو ومن اتبعه من المؤمنين، على هيئة المواطنين الصالحين الصادقين؛ لم يصطدموا، ولم يفجروا، ولم يدمروا، بل عمروا وهم في بلاد لا تريدهم ولا تريد إسلامهم ولا دينهم ولا صلاحهم للأرض.
ظل [النبي صلى الله عليه وآله وسلم] مع المؤمنين يدعو إلى الله. تصور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، وتصور معي أن هذه الكعبة حولها ثلاث مائة وستون صنمًا تُعبد من دون الله على هيئة الشرك الذي لا يغفر الله له.
النبي لم يزل صنمًا واحدًا وفضّل المواطنة وتركها نموذجًا للأمة
لم يفكر [رسول الله صلى الله عليه وسلم] في يوم من الأيام أن يزيل صنمًا، ولا أن يصطدم بذلك المجتمع، بل فضّل المواطنة وعلّمها لنا، وترك ذلك النموذج من أجل أن نتبعه في كل حياته، وفي كل قطرة وثانية ودقيقة من عمره الشريف الذي جعله الله أسوة حسنة للمؤمنين إلى يوم الدين.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
النموذج الثاني للمواطنة: هجرة الصحابة إلى الحبشة والإقامة فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفِرّ أصحابه الكرام إلى الحبشة، فيحدثون فيها النموذج الثاني [من نماذج المواطنة]؛ دولة تأويهم ولكنها ليست مسلمة ولا تريد إسلامهم، ولكنها دولة عاقلة تؤمن بحرية العقيدة وحرية الإنسان، وتستضيف هؤلاء العصبة خير استضافة.
حتى أن جعفر رضي الله تعالى عنه يذهب إلى النجاشي من أجل أن يتم أخذ الجنسية الحبشية حينئذ، وينضم إلى الجيش عندما جاء العدو يحارب النجاشي فرفض [في المرة الأولى]؛ إذن فهم في حالة إقامة دائمة ولم يأخذوا الجنسيات بعد. وفي المرة الثانية ورأى العدوان شديدًا وافق والتحق بالجيش الحبشي [هو ومن معه من المسلمين].
رسالة حازمة لمن يريد مخالفة نهج النبي في المواطنة
كل هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا يعلمنا، وإلى يوم الدين، ما يجب علينا أن نطبقه حتى نلقاه.
فهؤلاء الذين يريدون أن نطيعهم وأن نعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، نرسل لهم برسالة واضحة حازمة جلية: خسئتم وخسئ ممشاكم، نحن سنطيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
النموذج الثالث والرابع: صحيفة المدينة وفتح مكة ودخول الناس في الإسلام
وعندما ذهب [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة أولًا ووجد فيها التعددية العرقية والقبلية والدينية، أنشأ صحيفة المدينة ودعا فيها إلى المواطنة حينما يكون البلد به تعدد.
وبعد فتح مكة، وقبلها كان فتح خيبر، استقر الأمر لهذه العصبة الجديدة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
﴿وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 2]
حتى لم يبقَ في المدينة إلا أفراد [من غير المسلمين]، فكان نموذجًا رابعًا: كيف نعيش في بلاد ليس فيها سوى المسلمين.
وجوب الاستفادة من جميع نماذج المواطنة النبوية لا الاقتصار على نموذج واحد
يختزل بعضهم حياة النبي [صلى الله عليه وسلم] في هذا الأخير [نموذج الدولة المسلمة فقط]، وهذا أمر غير سديد؛ بل إننا يجب أن نستفيد منه في نموذج مكة والحبشة والمدينة أولًا والمدينة آخرًا.
وكلها تدعو إلى المواطنة، وتدعو إلى الأمن، وتدعو إلى الاستقرار وإلى السلام، وإلى أن نكون مثالًا صالحًا يُحتذى، وإلى أن نجاهد في سبيل الله بشروطه التي أراد الله سبحانه وتعالى أن نجاهد فيها دفاعًا عن الأوطان وعن الحوزات وعن الأعراض وعن الأموال وعن الإنسان.
المواطنة بمفهومها الحديث أنسب للتطبيق الإسلامي وأثرها المجتمعي والاجتماعي
المواطنة صارت بمفهومها الحديث أنسب ما يكون للتطبيق الإسلامي، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
هذه المواطنة ستؤثر من الناحية المجتمعية والاجتماعية:
- •أما من الناحية المجتمعية فسوف تؤدي إلى الأمن والانتظام.
- •وأما من الناحية الاجتماعية فسوف تؤدي إلى الانتماء وإلى الرفاهة وإلى التمكن في الأرض.
يا رب اجعلنا مسلمين فاهمين عنك وعن رسولك الكريم، والحمد لله رب العالمين، شكرًا لكم.
