كلمة أ د علي جمعة خلال فعاليات مؤتمر "دور الفتوى في استقرار المجتمعات"
- •الإفتاء يقوم على الوصل بين فهم النص والواقع، والنص إما مقدس كالكتاب والسنة أو من نتاج المجتهدين عبر التاريخ.
- •تقوم الكليات الشرعية بتدريس علوم الوسائل والمقاصد لفهم النصوص بأنواعها.
- •إدراك الواقع ضروري للمفتي، ويتكون من عالم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار والنظم المختلفة.
- •الوصل بين النص المطلق والواقع النسبي يتطلب إدراك المقاصد والمصالح والمآلات والإجماع والتبحر في اللغة العربية.
- •تمر الفتوى بأربع مراحل: تصوير المسألة، ثم تكييفها، ثم معرفة حكم الله فيها، ثم تطبيقها وإصدارها للناس.
- •استقرار المجتمع يعتمد على الأمن الاجتماعي المتعلق بالأسرة، والأمن المجتمعي الشامل للأمن العسكري والسياسي والاقتصادي والفكري.
- •يجب على المفتي الإشراف على هذه الخريطة لمعرفة المآلات وتحقيق المصالح والالتزام بالمقاصد الشرعية.
- •أي خلل في هذه المنظومة يؤدي إلى تشويه صورة الإسلام ونبذ الناس للدين والفساد في الأرض.
افتتاح الكلمة بالشكر والتحية لمفتي الديار المصرية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أشكر غاية الشكر فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، ذلك العالم الجليل الذي يترأس هذه الأمانة العامة لدور الإفتاء وهيئاته في العالم. أحييكم أولًا بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإفتاء يقوم على الوصل بين فهم النص المقدس والنص البشري والواقع
وصلًا لما بدأ به فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي، فإن الإفتاء يقوم على الوصل بين فهم النص والواقع. وهذا النص إما أن يكون مقدسًا [أي الكتاب والسنة]، وإما أن يكون من نتاج المجتهدين الكبار العظام على مر التاريخ.
والنص المقدس والكتاب والسنة والفقه وعلوم الشريعة نصوص ظهرت من أكابر المفكرين العظام الذين قاموا بواجب وقتهم. وينبغي علينا أن نفهم هذا النص، وتقوم الكليات الشرعية بهذا المعنى من تدريس علوم الوسائل وعلوم المقاصد؛ من لغة ومن أصول ومن منطق ومن فقه ومن علوم توثيق للقراءات أو للحديث.
دور الكليات الشرعية في الوصول إلى فهم النص المقدس والبشري
بحيث تصل [هذه العلوم] بطالبها إلى فهم النص المقدس، وتصل بطالبها أيضًا إلى فهم النص البشري الذي هو نتاج ذلك الاجتهاد ونتاج هذه العقول النيرة عبر تراث المسلمين التي عبدت الله وعمرت الدنيا وزكت النفس.
فالحمد لله أن جعلنا منتمين لهؤلاء الأكابر الأفاضل الأتقياء الأنقياء الذين علمونا كيف نحصّل سعادة الدارين [الدنيا والآخرة]، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن نحصّل سعادة الآخرة.
دعوة الإمام الأكبر إلى تعليم فقه الواقع وجعله تخصصًا مستقلًا في الكليات الشرعية
القضية الثانية والتي لا تُعلَّم إلى الآن، وسمعنا الإمام الأكبر [شيخ الأزهر] في كلمته الافتتاحية يدعو إلى تعليمها في الكليات الشرعية ويجعل لها تخصصًا مستقلًا، وندعو الله سبحانه وتعالى أن ييسر هذا للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
[هذه القضية هي] إدراك الواقع. والواقع كما [يقرر] علماء الاجتماع يتكون من عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأحداث وعالم الأفكار، وينتظم هذه العوالم النُّظم بتركيبها وبدرجاتها.
شرط صحة الفتوى إدراك الواقع بعمق في عوالمه المختلفة والعلاقة بينها
ولا يمكن للمفتي أن يكون صحيحًا في فتواه إلا إذا أدرك هذا الواقع بعمق في عوالمه المختلفة، وفي محور كل عالم من هذه العوالم، وفي العلاقة بين كل عالم وكل عالم آخر من هذا الواقع الذي يتميز بأنه مركب ومتطور ومتغير.
ولكن إدراك أداة فهم عالم الأشياء وفهم عالم الأشخاص والفرق بين الشخصية الاعتبارية والشخصية الطبيعية، وفهم الأحداث وتحليلها، وفهم الأفكار وتقويمها، والمنظومة من كل هذا؛ يؤثر تأثيرًا مباشرًا في الفتوى وفي استقرار المجتمع.
العنصر الثالث الوصل بين النص المطلق والواقع النسبي وأدواته الخمسة
العنصر الثالث: الوصل بينهما [بين النص والواقع]؛ فالنص خاصة المقدس نص مطلق، والواقع المعيش واقع نسبي. ووصل المطلق بالنسبي يحتاج إلى أمور، منها:
- إدراك المقاصد [الشرعية].
- إدراك المصالح المرعية.
- إدراك المآلات المعتبرة.
- الاطلاع بدقة على الإجماع وعلى مفهومه حتى لا نخرج عن هوية الإسلام.
- التبحر في العربية التي نزل بها القرآن.
وإذا صحت العربية عند المجتهد صح فكره؛ لأن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة.
مراحل الفتوى الأربعة من تصوير المسألة إلى إصدار الحكم
إذا استطعنا أن نفهم هذه المعادلة [بين فهم النص وإدراك الواقع والوصل بينهما]؛ نفهم النص بأنواعه، والواقع بتراكيبه، ونتدرب على كيفية الوصل بينهما، ونجعل لأنفسنا سقفًا من هذه الخمسة المذكورة [المقاصد والمصالح والمآلات والإجماع والعربية]، فإن الفتوى تمر بأربع مراحل:
- تصوير المسألة.
- تكييفها [فقهيًا].
- معرفة حكم الله في مثلها.
- تطبيقها وإصدار الفتوى للناس.
مواطن الخلل في مراحل الفتوى الأربعة وأثرها في انحراف الفتوى عن الصواب
هذه المراحل الأربعة يمكن أن يحدث الخطأ في كل واحدة منها، فتصدر الفتوى على غير ما ينفع الناس.
إذا حدث خلل في فهم النص، أو حدث خلل في إدراك الواقع، أو حدث خلل في الوصل بينهما، أو حدث خلل في تصوير المسألة، أو حدث خلل في تكييفها، أو حدث خلل في معرفة حكمها، أو حدث خلل في إيقاع فتواها؛ تنحرف الفتوى عن جادة الصواب وتذهب إلى اضطراب الناس والمجتمع.
الفرق بين الأمن المجتمعي والأمن الاجتماعي ودور الأسرة كوحدة أولى للمجتمع
وهنا نبدأ في دراسة ما معنى استقرار المجتمع. ويفرق الكاتبون في هذا بين الأمن المجتمعي والأمن الاجتماعي.
فيجعلون الأمن الاجتماعي هو المتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة، وأنهما وبهما تتكون الأسرة، فيتكون الأولاد، فينشأ عمود النسب. والأسرة هي الوحدة الأولى للمجتمع.
مكونات الأمن المجتمعي من عسكري وسياسي واقتصادي وفكري
الأمن المجتمعي يتكون أيضًا من عدة أركان:
- •الأمن العسكري: ومبناه الردع.
- •الأمن السياسي: ومبناه رعاية شؤون الأمة في الداخل وفي الخارج.
- •الأمن الاقتصادي: ومبناه الرفاهة.
- •الأمن الفكري: ومبناه ومحوره النفع والعمارة.
العلاقات الثلاث الأساسية للإنسان العبادة والعمارة والتزكية وصلتها بالأمن المجتمعي
هذه الثلاثة [العلاقات] التي دائمًا نتحدث فيها:
- العلاقة بيننا وبين ربنا ومبناها العبادة.
- العلاقة بيننا وبين الكون ومبناها العمارة.
- العلاقة بيننا وبين أنفسنا ومبناها التزكية.
إذا وصلنا إلى هذا التصور فإننا نصل إلى قضية الأمن المجتمعي الذي يؤدي إلى الاستقرار.
ضرورة إشراف المفتي على خريطة المصالح والمقاصد لتحقيق استقرار المجتمع
لا بد أن يُشرف من يقوم بالإفتاء على هذه الخريطة [خريطة الأمن المجتمعي] حتى يعلم المآلات ومدى تحقق المصالح في واقع الناس، ومدى الالتزام بالمقاصد الشرعية التي تمثل النظام العام والآداب.
هذه خريطة سريعة لما نحن فيه. الخلل فيها يؤدي إلى ما نحن فيه الآن من مصائب وكوارث وتشويه لصورة الإسلام والمسلمين. الخلل فيها يؤدي إلى نبذ الناس لدين الله وإلى الخروج من دين الله أفواجًا. الخلل فيها يؤدي إلى فساد عريض في الأرض.
شكرًا لكم.
