كلمة أ د علي جمعة في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر "من أهل السنة والجماعة؟" - ندوات ومحاضرات

كلمة أ د علي جمعة في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر "من أهل السنة والجماعة؟"

31 دقيقة
  • يشكر المتحدث دولة الشيشان والحضور في حضرة شيخ الأزهر ويعرف أهل السنة والجماعة بأنهم أهل الحق وسبب العمران.
  • مقاصد الخلق ثلاثة: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
  • فرق أهل السنة بين النص وتفسيره وبين التفسير والتطبيق، ونقلوا النص الشرعي ووضعوا علوم اللغة لفهمه.
  • قسموا العلم إلى عقيدة وفقه وسلوك (إيمان وإسلام وإحسان)، وقبلوا التعددية والاختلاف في بعض المسائل.
  • اهتموا بإدراك النص والواقع وكيفية تطبيق المطلق على النسبي.
  • لم يكفروا أحداً من أهل القبلة ولم يتخذوا العنف سبيلاً.
  • الجماعات الإرهابية افتقدت فهم النص وإدراك الواقع والربط بينهما فضلت وأضلت.
  • الأزهر محضن أهل السنة والجماعة ويسعى لتصحيح صورة الإسلام وتحقيق الأهداف في العالم.
  • يدعو الحضور للتوفيق لنشر الدين الصحيح وتوضيح المحجة البيضاء التي تركها الرسول صلى الله عليه وسلم.
محتويات الفيديو(41 أقسام)

افتتاح الكلمة بالشكر لدولة الشيشان والسلام على الحضور

أتقدم إلى دولة الشيشان شعبًا وحكومةً بالشكر الجزيل، وأقول لكم جميعًا أيها الحفل الكريم، وفي حضرة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وإمام أهل السنة والجماعة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وفي هذه الليلة المباركة، وتلك الليلة المباركة التي فيها هذا الاجتماع، نرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الجلسة تحفها الملائكة، وأن تكون في ميزان حسناتنا يوم القيامة.

أهل السنة والجماعة هم أهل الحق ومقاصد الخلق الثلاثة

أهل السنة والجماعة هم أهل الحق، وهم سبب العمران. والله سبحانه وتعالى من مقاصد خلقه أن نعبده:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

وأن نعمر هذه الأرض:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلب منكم عمارتها. وأن نزكي أنفسنا ابتغاء وجه الله:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

ومقاصد الخلق الثلاثة أرادها الله سبحانه وتعالى، وبيّنها لنا رسوله الكريم.

المحجة البيضاء ونقل النص الشرعي وعلوم السند والرواية

وتركنا [رسول الله ﷺ] على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وحذّرنا من الخروج عن هذه المحجة البيضاء.

ووفّق الله المسلمين في الحفاظ على هذا الدين، فألهمهم نقل النص الشرعي كما هو، وفرّقوا في نقلهم بين القراءات المتواترة والقراءات الشاذة، وبين الحديث المقبول والحديث المردود.

وأنشؤوا لذلك علومًا سُمِّيت بـعلوم السند وعلوم الرواية. أقامهم الله سبحانه وتعالى لنقل النص الشرعي الشريف قرآنًا وسنةً.

نقل اللغة العربية ووضع العلوم لفهم النصوص الشرعية

لكنه [الله سبحانه وتعالى] ألهمهم أيضًا أن ينقلوا اللغة التي وردت به [النص الشرعي]، وهذا القرآن هو قرآن عربي مبين، وهذه السنة نطق بها أفصح العرب عليه الصلاة والسلام.

فنقلوا هذه اللغة، ووضعوا العلوم لفهم هذه النصوص. وفرّق أهل السنة والجماعة بين النص وبين تفسير النص، حتى قال بعضهم: نحن الأطباء وأنتم الصيادلة؛ فالصيدلي وُضع أمامه الدواء، والحمد لله رب العالمين.

التفريق بين تفسير النص وتطبيقه وتحقيق المناط عند أهل السنة

فرّقوا [أهل السنة والجماعة] بين تفسير النص وبين تطبيقه في تحقيق المناط وفي تخريج المناط. فخرج مذهب أهل السنة والجماعة وهم جماهير أهل السنة وجماهير المسلمين عبر العصور ومرّ الدهور.

حتى سمّاهم الآخرون المخالفون العامة والجمهور؛ لأن أكثر من تسعين بالمائة من المسلمين عبر القرون كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

نقل النص وتفصيله وتطبيقه في عمارة الأرض عند أهل السنة

نقلوا النص فأحسنوا، وفصّلوا النص وفصّلوا المجمل، وطبّقوا النص في الحياة الدنيا حتى عمروا الأرض بما فيها.

أهل السنة والجماعة هم الذين اتخذوا حديث جبريل الذي صدّر به مسلم صحيحه، والذي جاء فيه:

«جاء جبريل ليعلمنا أمر ديننا»

فقسموا العلم إلى الإيمان والإسلام والإحسان، إلى العقيدة والفقه والسلوك. وقام كل إمام عبر التاريخ بما أقامه الله فيه.

تسمية القراءات والعقيدة بأسماء أئمتها من أهل السنة

فسُمِّيت القراءات بأسماء أئمتها: هذه قراءة عاصم، وهذه قراءة نافع، وهذه قراءة حمزة، إلى آخره من القراءات العشر المتواترة.

وسُمِّيت العقيدة بأسماء المتصدرين الذين حفظوا المنهج عن الصحابة الكرام: فهذا أبو منصور الماتريدي، وهذا أبو الحسن الأشعري. وبينهما خلاف في نيّف وعشرين مسألة، كلها أعادها العلماء إلى الخلاف اللفظي، ولكن بقي منها ثمانية على الرغم من الخلاف المعنوي.

تحمّلها أهل الإسلام، وقبلوا بالتعدد، وقبلوا باختلاف الآراء.

تعدد المجتهدين في الفقه وضرورة إدراك النص والواقع معًا

وتعدد أهل الفقه؛ معظم الفقه متفق عليه، إلا أنه في نحو الربع منه خلاف بين الأئمة. أكثر من خمسة وثمانين مجتهدًا عبر التاريخ انتموا إلى أهل السنة والجماعة.

لم يكتفوا بإدراك النص، بل طالبوا بإدراك الواقع. والنص الطرفي في تمييز الأحكام: لا بد علينا أن ندرك الواقع، وإلا إذا جئنا بما في الكتب فألقيناه في أي واقع كان دون تحقيق لذلك المناط، نكون قد أضللنا العباد.

إدراك النص من جهة، وإدراك الواقع من جهة أخرى.

كيفية تطبيق النص المطلق على الواقع النسبي عند أهل السنة

أضاف إليها أهل السنة والجماعة عنصرًا آخر، وهو كيفية تطبيق هذا المطلق على ذلك النسبي، وهذا النص على ذلك الواقع. وكل ذلك منصوص بعباراتهم، وهو معمول به إلى يومنا هذا، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

افتقدت تلك الجماعات الإرهابية فهم النص، واعتقدوا أن كل ما يرد في أذهانهم إنما هو صحيح، ويجب عليهم أن يسيروا خلفه. افتقدوا إدراك الواقع، وافتقدوا أيضًا الوصل بينهما، فضلّوا وأضلّوا، كما يقول الإمام القرافي رحمه الله تعالى.

أهل السنة لم يكفروا أحدًا من أهل القبلة واحتاطوا في الدماء

أهل السنة لم يُكفِّروا أحدًا إلا من اعترف بأنه كافر، وإلا من أراد أن يخرج عن جماعة المسلمين. لم يُكفِّروا أحدًا من أهل القبلة أبدًا.

ولم يُدخلوا الناس في طلب الحكم، ولا في الدماء، ولا في الفروج. وقالوا: الاحتياط إنما هو في الدماء والفروج.

قبلت [أهل السنة والجماعة] الخلاف وأقامت عليه الدليل، وقبلت التعددية سواء في الاعتقاد أو في الفقه أو في السلوك.

وصف أهل السنة بالوقوف عند المحجة البيضاء والأمر بالمعروف

وكلهم من رسول الله ملتمسٌ غُرَفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيَم، وواقفون لديه عند حدّهم من نقطة العلم أو من شكلة الحكم، فهو الذي تمّ معناه وصورته، ثمّ اصطفاه حبيبًا بارئُ النَّسَم.

إنهم وقفوا عند المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، واحتاطوا في دينهم، لم يتخذوا العنف سبيلًا.

حديث النبي ﷺ في التحذير من الفتن وسلب العقول في آخر الزمان

وفي حديث أبي موسى الأشعري:

قال رسول الله ﷺ: «حتى إنّ أحدهم يقتل أباه وأخاه وجاره»

قالوا: أومعهم عقولهم يومئذٍ يا رسول الله؟

قال ﷺ: «يسلب الله عقول أهل هذا الزمان، يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء»

ويقول ﷺ:

«من خرج على أمتي لا يفرّق بين برّها وفاجرها فليس مني ولست منه»

تبرؤ النبي ﷺ من الخوارج ووصفهم بكلاب أهل النار

وكفى أن يكون هذا الحال الذي عليه تلك الجماعات [الإرهابية]، وقد تراكم عبر السنين والأعوام. يكفي أن يتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يسميهم بـالخوارج، وأن يقول في شأنهم:

«خوارج كلاب أهل النار»

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فهم بسم الله الرحمن الرحيم ودلالتها على رحمة الله وجماله

فهموا [أهل السنة والجماعة] الشرع من بدايته؛ فهموا بسم الله الرحمن الرحيم، وأن الله سبحانه وتعالى أورد الرحمن الرحيم ولم يقل: بسم الله الرحمن المنتقم، ولم يقل: بسم الله المنتقم الجبار.

ذلك يخوّف الله به عباده:

﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]

لكنه صرّح لهم بـجمال في جمال، ولم يواجههم بالجلال سبحانه وتعالى.

منهج علماء الأزهر في تدريس بسم الله الرحمن الرحيم من جميع العلوم

فهم الناس، وتعلمنا في الأزهر الشريف بسم الله الرحمن الرحيم. وكان علماؤنا يمرّون بها على كل علم: ما أحكامها في الفقه، ما قضاياها في المنطق، ما أوضاعها في العقيدة، ما دلالاتها في السلوك؟ ما أوضاعها في علم البلاغة؟

يدرسون ويدرسون في بسم الله الرحمن الرحيم حتى نظن أنهم لن ينتهوا من هذا الدرس.

بناء الهرم العلمي الصحيح عند أهل السنة مقابل انهيار منهج الجماعات الإرهابية

ثم ظهر لنا عندما جاء هذا البلاء [بلاء الجماعات الإرهابية] أنهم [علماء الأزهر] كانوا على حق، وأنهم كانوا يبنون الهرم بشكل صحيح: قاعدته تحت، وقائمته وقمته فوق.

أما هؤلاء [الجماعات الإرهابية] فقد قلبوا الهرم على أنفسهم، فانهار على رؤوسهم أبدًا.

أهل السنة لم ينكروا العقل وتعايشوا مع الآخر وفتوى الليث بن سعد

لم ينكر أهل السنة والجماعة العقل، ووفّقوا بين العقل والنقل، وتعايشوا مع الآخر.

أفتى الليث بن سعد أن كل الكنائس في مصر حادثة بعد الإسلام، وهو إمام من أئمة أهل السنة والجماعة. لم يُنشئوا قضايا وهمية، ولم يصطدموا مع أحد من العالمين، وفتحوا قلوبهم ونفوسهم للناس، فدخل الناس في دين الله أفواجًا.

واجب كل عصر في إدراك النص والواقع ومراعاة جهات الاختلاف الأربعة

قاموا بواجب عصرهم، وكل عصر له واجب. وعلينا كما قاموا بواجبهم أن نقوم بواجبنا: وأن ندرك النص، وأن ندرك الواقع، وأن نتعلم كيف نصل بينهما.

راعوا جهات الاختلاف الأربعة: الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال. ويؤلف القرافي كتابه الماتع "الفروق" ليبيّن كيف تحدث عندنا الملكة التي بها هذا التمييز.

أهمية صحة البدايات في العلم والفرق بين العلم النافع واتباع الهوى

إذا صحّ في البدايات صحّ في النهايات. ولذلك من تعلّم الأبجدية عندهم خاطئة، فإنه سوف يقرأ خطأً، ثم يفهم خطأً، ثم يطبّق خطأً، ثم يصدّ عن سبيل الله بغير علم.

وهذا هو الحاصل بين من تعلّم العلم النافع — وعلى رأس هذه المدارس الأزهر الشريف — وبين من اتبع هواه، وبين من أفسد في الأرض، وبين من شوّه صورة الإسلام والمسلمين.

رسالة إلى الداخل والخارج بأن الأزهر محضن أهل السنة ولن يُخترق

رسالتي إلى الخارج وإلى الداخل: اعلموا أن الأزهر هو محضن أهل السنة والجماعة، وأن هذه الجماعات [الإرهابية] تشير ظلمًا وكذبًا وخطأً أنه قد اختُرق، وذلك حتى تُشكّك الناس في مرجعهم وفي العودة إلى الأزهر والاحتماء به.

إن الأزهر قائم بعون الله تعالى وبقيادة فضيلة الإمام [الأكبر]، وهو كل يوم يسعى إلى تحقيق الأهداف وإلى كسب الأرض في عموم العالم.

هذا البلد [الأزهر] الذي حلّ به لم يُخترق أبدًا، ولن يُخترق إلى يوم الدين؛ لأن الله هو الذي أقامه، والله هو الذي يحافظ عليه، والله هو الذي يخصّص له مَن يقوم بمنهج أهل السنة والجماعة ولو كره الفاسقون.

الدعاء بالتوفيق لنشر الدين الصحيح وتوضيح المحجة البيضاء

ادعوا الله لنا أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى. ادعوا الله لنا أن ننشر الدين الصحيح، الفهم الصحيح والتطبيق الصحيح، وأن نوضح للناس المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ادعوا الله لنا أن يوفقنا في هذا المؤتمر وفي غيره، أن يكون بداية تصحيح لصورة الإسلام عند من خوّفوهم من الإسلام ومن المسلمين. شكرًا لحسن استماعكم.

شكر المنظمين والإعلان عن استراحة قبل المحاضرة الأولى

نشكر مولانا نور الدين علي جمعة على هذه الكلمة التفصيلية المباركة، وبهذا التوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة، جزاكم الله خيرًا.

أودّ قبل أن نختم هذه الجلسة الافتتاحية بالدعاء أن أنبّهكم أنه بعد الاستراحة لمدة عشر دقائق، ستُقدَّم المحاضرة الأولى لفضيلة الشيخ الدكتور سعيد فودة.

فالآن نرجو من العلامة المربي الشيخ حبيب عمر بن حفيظ أن يختم هذه الجلسة الافتتاحية.

دعاء الافتتاح والحمد لله والصلاة على النبي محمد ﷺ

اللهم لك الحمد يا رب العالمين، اللهم لك الحمد يا أول الأولين ويا آخر الآخرين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين.

لك الحمد يا من أرسلت عبدك المجتبى المصطفى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بالهدى والهدى، جامعًا لأسرار أهل النبوة والرسالة الذين نابوا عنه قبل أن يبرز في هذا العالم، ومقيمًا لمن يأتي من بعده ممن يرثه حوائج التوجه إليك والدلالة عليك، منوّرًا لهم درب الفهم والعمل والتطبيق والتوجه والنية والمقاصد والإفادة والاستفادة.

الصلاة على النبي ﷺ وآله وأصحابه والتابعين بإحسان

أَدِمْ صلواتك على الذي بعثته بالرحمة، عبدك المكرّم المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار بُرهانَيِ البرهان، لن يتفرّقا حتى يَرِدا عليه الحوض يوم القيامة.

وعلى أصحابه الغُرّ الميامين الذين بلّغوا علم الكتاب والسنة على أتمّ الوعي والفطنة، فكانوا الحرز من الفتنة. وعلى من تبعهم واهتدى بهديهم بإحسان.

وعلى أنبيائك ورسلك أجمعين، وآلهم وصحبهم، وملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء بأن يجعل الله هذا الاجتماع في ميزان إحياء السنة النبوية

اللهم إنك قد جمعتنا ثلّة من أمة هذا الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، من فيهم من أرباب العلم والحجاب والتوجه إليك والصفاء والاتباع، ومن اجتمعنا بهم في هذه البلدة المباركة.

وكل ما يُقدَّم منها من تقدّم ومن تأخّر، من جهد أو يُبذل من وسيلة، إنما يضعها بين يديك يا فعّالًا لما تريد، ليصدر من حضرتك التجلي بالفضل حتى ينجح الناجحون، ويفوز الفائزون، ويربح الرابحون.

وليس لهم بمجرد أعمالهم ووجهاتهم وعلومهم وصول إلى غاية دون تأييدك وتوفيقك وإسعادك وتفضّلك العظيم.

التضرع إلى الله بالقبول وإحياء السنة في مشارق الأرض ومغاربها

اللهم فهذه أيدينا إليك متوجهة، إلى حضرتك العلية سائلين منك يا رب البرية، يا من بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله، يا خالق السماوات والأرضين، يا من جعلتنا في أمة الحبيب الأمين خير أمة أُخرجت للناس.

وجمعتنا مع هؤلاء الأحباب في هذه الرحاب وهذه البلدة المباركة، متهيئين لإدراك واجب عظيم علينا في النداء الذي وجّهته إلينا على يد حبيبك المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ومستشعرين أنك ستسألنا عمّا وعينا من سرّ هذا الخطاب والنداء، وعمّا فهمنا، وعمّا قمنا به تجاهه، وعمّا وجّهناه إليك استجابة للنداء.

الدعاء بالاستجابة للنداء الإلهي والقبول ونصرة الحق

اللهم وإنه للألباب في كل زمان يجعلون في ندائهم إياك وفي توجههم إليك:

﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193]

فنسألك يا صاحب القدرة التي أمامه الأمر كله، جهره وسره، أن تنظر إلينا في مجمعنا هذا نظرة قبول، تُدخلنا بها في دوائر من أردت أن تحييهم بسنة نبيك، وتحييها فيهم، وتحييها بهم في مشارق الأرض ومغاربها.

الدعاء بكشف الغموم وتثبيت الأقدام ونصرة النبي ﷺ

فإن لك من السنة الرحمانية الربانية ما إذا أدبر الناس وتكاثرت الفتن وأقبلت الظلمات من هذا الجانب وذاك، عجائب من الألطاف والبِشر، تكشف بها الغموم، وتُجلي بها الظُّلَم، وتُثبت بها الأقدام على ما هو أحب إليك وأرضى لك.

وتنصر بها عبدك المصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم، الذي خاطبته بقولك:

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 1-3]

الدعاء للأزهر الشريف وعلمائه ولنجاح المؤتمر ونصرة الحق

فيمن جمعتنا مع هذا الرمز الخبير من رموز أهل الهدى والسنة والجماعة، الأزهر الشريف الذي مرّ عليه أكثر من ألف عام وهو ينشر سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ومع شيخ الأزهر والعلماء الذين تخرّجوا منه، والذين جاءوا من بقاع الأرض من شرقها وغربها وشامها ويمنها.

نسألك اللهم يا من كتبت هذا الاجتماع، أن تكتب يا مولانا لنا فيه عظيم الانتفاع، وتجعل له من النجاح والفوز ما تختارنا به فيمن تنصرهم بالحق وتنصر الحق بهم.

اللهم إنا نسألك القبول من عندك، وأن تتدارك هذه الأمة في مُجتاحها وما نزل بساحاتها وما حلّ بها في العبد في الاعتقاد والإيمان، وفي الشرائع والإسلام، وفي الوجهة إليك والذوق والإحسان.

الدعاء بتحويل الحال وذكر وصول الإسلام إلى الشيشان منذ عهد عمر بن الخطاب

اللهم يا محوّل الأحوال، حوّلت حالنا إلى أحسن حال. أوصلت كلمة الحق والهدى من العهد الأول والقرن الأول في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حتى نطق في هذه الساحات بـلا إله إلا الله محمد رسول الله.

ومرّت تلك القرون بكل ما فيها، حتى رأت أعيننا اليوم آثار البقاء، وآثار الدوام، وآثار الاستمرار، وآثار النصر منك لهذه الكلمة وأهلها. فشهدناها في مشاهد واسعة فيمن أكرمتنا بذلك.

التضرع إلى الله بالسؤال عمن يقوم بحق العلم والعمل والتعليم

من لنا ولحاضرنا؟ من لنا ولواقعنا وواقع الأمة؟ من لنا وللعلم فيها؟ من لنا وللعمل فيها؟ من لنا وللقيام بحق التعليم والإرشاد على الوجه الأرضي؟

يا كاشف الغمم، يا جالي الظُّلَم، يا من بعثت إلينا حبيبك الأكرم، لا تصرفنا من هذا المجمع إلا بـقبول من عندك، تُظهر به يا مولانا في العالم الأعلى رايات التوفيق للحاضرين وللمجتمعين، ولما يصدر في هذه الليالي والأيام في اجتماعاتهم ووجهاتهم.

الدعاء بأن يجعل الله الحاضرين أنصارًا للحق سالمين من شوائب النفوس

تجعل به قرة عين لمن بعثته بالحق والهدى، وتجعل به الحاضرين ومن وراءهم من أهاليهم وأهل معاهدهم وأهل الأخذ عنهم وأهل التلقي منهم هنا وهناك، تجعل منهم أنصارًا في حقيقة النصرة لك ولرسلك.

بنصرة مقبولة عندك، سالمة من شوائب النفوس الأمّارة، ومن شوائب الأهواء، ومن شوائب الالتفات إلى ما سواك، وتعلّقٍ بمن عداك.

الدعاء بجمع القلوب على الله وتحقيق الخيرات في هذا المجمع

اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، اجمع قلوبنا هذه عليك جمعًا، واجمع لنا في مجمعنا هذا الخيرات من جميع الجوانب والجهات.

اجعل بها مسعانا في خير مسعى، فالمسعى المشكور عندك فيمن تُقدِّر سعيهم، يا عزيز يا غفور.

اللهم يا من بيده الأمر كله، ارحم أيادي الفقراء التي امتدت إليك، مُبيّنة أن الأمر كله لك وبيدك، ولا يملكون لأنفسهم ولا لأحد من الخلق، ولا يملك لهم من الخلق غيرهم أحدًا لهم موتًا ولا حياةً ولا نفعًا ولا ضرًّا ولا نشورًا.

الدعاء بصدق اليقين والتوكل على الله وتحويل الأحوال بالفضل الإلهي

فيا حيّ يا قوي يا متين، ربطت قلوب الأدرياء، وربطت قلوب الصالحين بصدق اليقين وتمام اليقين وبالتوكل عليك وثقتي بك، فحوّلت بهم ولهم الأحوال إلى ما لم يخطر على بال، ولم يتخيّل بخيال، على مختلف الأيام والليالي.

فلم يزل جودك الهطّال، ويُحدث فيهم عجائب من الإفضال، يُبصر عنه كل مُغانٍ، وينصر به حبيبك المصطفى ذا القدر العالي والمقام الشريف في المراتب العوالي.

الصلاة على النبي ﷺ والدعاء بالصدق في التوجه والقبول عند الله

اللهم فصلِّ أفضل الصلوات على خير البرية، صلوات تجمعنا بها على الصدق في التوجه إليك والقبول لديك.

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 10]

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]

الدعاء بالوفاء بأمانة الدين وتنوير القلوب وتبييض الوجوه يوم القيامة

اللهم إنها أمانة كبرى ما استطاعت حملها السماوات ولا الأرض، طُوِيَت بها أعناق من آمن ومن توجّه إليك ومن أقبل عليك ومن وصلت إليه الدعوة، وترتّبوا في مراتب وواجبات حملها.

وإننا من بين هؤلاء المداومة لأهل الأمة وسراج الأمة من أهل العلم. اللهم فحقّق فينا وفيهم حقائق الوفاء بالأمانة وأدائها على الوجه الأحبّ الأرضى إليك.

حتى تنير قلوبنا ووجوهنا في هذه الحياة، وتثبّتنا في خواصك:

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]

ووجوه ناضرة هي إليك ناظرة، يا رب الدنيا والآخرة، يا حيّ يا قيّوم يا الله.

الدعاء للمسلمين في المشارق والمغارب والتعوذ بما تعوذ به النبي ﷺ

نسألك لنا ولهذا المجمع وهذه البلدة والمسلمين في المشارق والمغارب، ونسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد.

وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز العظيم.

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]

وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

الدعاء للعلماء الراسخين ولذكرى الشهيد ولمن يقوم بأمانة العلم

واغفر لمن مضى في هذه البلدة ممن قام بحق هذه الأمانة من العلماء العاملين والراسخين.

ونحن في ذكرانا بهذا الشهيد الذي اجتمعنا في مصادفة ذكرى ميلاده، وخذ بيد ولده الذي قام من بعده، ومن يقوم معه من أهل العلم والفتوى، وأهل النبوة وأهل الإمامة في هذه البلدان.

وخذ بأيدينا وأيديهم والمسلمين إلى ما به تكشف الغمم عنا وعن أهل لا إله إلا الله أجمعين. فإننا نشكو إليك أمرنا وحالنا، ونعتمد عليك في جميع أحوالنا، موقنين أنه لا ملجأ ولا منجى لنا منك إلا إليك، لا إله إلا أنت سبحانك.

ختام الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ وطلب نصرة راية الإسلام في الآفاق

آفات النفوس وجميع الشرور في جميع الأمور، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلِّ وسلّم على عبدك المكتوب المختار وأهله وأصحابه، ولحضرة اغترابه من أحبابه.

وأشرق شموس الهداية في جميع مشارق الأرض ومغاربها، وأرنا راية حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم منصورة في جميع الآفاق.

يا من بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله، يا من أرسلته ليُظهره على الدين كله بالحق والهدى ولو كره المشركون. آمنّا بك وبما جاء عنك، فثبّتنا على الحق فيما نقول، وثبّتنا على الحق فيما نفعل، وثبّتنا على الحق فيما نعتقد.

واختم لنا أجمعين بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنّا، برحمتك يا أرحم الراحمين، وبسرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ختام الجلسة الافتتاحية وشكر الإمام الأكبر والإعلان عن الاستراحة

وبهذا الدعاء نختم هذه الجلسة الافتتاحية من مزايا الحياة المشتركة.

أشكر فضيلة الشيخ مولانا الإمام الأكبر والوفد المفضّل المرافق له حضوره هذا المؤتمر التاريخي العظيم، فجزاكم الله كل خير من ساداتنا العلماء الأجلاء.

لنا استراحة لمدة عشر دقائق ثم نتابع أمرنا، بارك الله فيكم.

الإشارة إلى الجزء الثاني والصلاة على نبي الإسلام ﷺ

هذا هو الجزء الثاني من القرن العشرين، وهو يوم القيامة.

عيد سيد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وهو يوم القيامة. عيد سيد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.