كلمة أ د علي جمعة في ختام مؤتمر من أهل السنة والجماعة؟ بدولة الشيشان - ندوات ومحاضرات

كلمة أ د علي جمعة في ختام مؤتمر من أهل السنة والجماعة؟ بدولة الشيشان

18 دقيقة
  • الدين الذي تعلمناه طهر جوانبنا الروحية والعلمية والفكرية، وحبب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والإنسان الكامل.
  • الفرق بين أهل السنة والجماعة والنابتة أن أهل السنة تعلموا بمنظومة علمية متكاملة تقبل التعددية، بينما النابتة يكفرون ويتبعون الهوى بانتقائية.
  • أهل السنة يميزون بين النص وتفسيره وتطبيقه، ويراعون المصالح والمقاصد والمآلات، بينما النابتة يقفون عند ظواهر النصوص.
  • تميز الأشاعرة بحرية الفكر المنضبطة واحترام الآراء المدللة القابلة للمناقشة دون تعصب.
  • أدى انحراف النابتة لتشويه صورة الإسلام والصد عن سبيل الله وضياع مصالح المسلمين وإراقة الدماء.
  • الدين الموازي الذي يدعو إليه النابتة لا علاقة له بالإسلام رغم استخدامهم مصطلحاته.
  • كل جيل من المتطرفين يزداد غلواً وتشدداً عن سابقه مما أدى لذهاب الأمن من العالم.
  • مشايخنا علمونا أن الأمن قبل الإيمان، فإذا ذهب الأمن ذهب الإيمان.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة التعقيب على المؤتمر وثقل المسؤولية الملقاة على المتحدث

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

شكرًا لهذه المحاضرة الممتعة، وقد طُلب مني أن لا أعقب على السيد علي فقط، ولكن أن أعقب على نهاية المؤتمر بأكمله، وهذا عبءٌ ثقيلٌ عليّ، ولكن في العشر دقائق التي سمح بها الرئيس، نتوكل على الله سبحانه وتعالى.

الدين الذي تعلمناه من مشايخنا وحبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ونقول إن الدين الذي تعلمناه والذي أخذناه عن آبائنا ومن شيخنا، والذي طهرنا في الجانب الروحي والعلمي والفكري والحياتي، والذي أحببناه من قلوبنا وحبب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أصبحنا لا نستطيع أن نعيش إلا من خلال سنته الشريفة المنيفة، بحب الله له وبحب الناس له.

فقد كان الأسوة الحسنة، وقد كان المثال الأتم والإنسان الكامل صلى الله عليه وآله وسلم.

الاصطدام مع النابتة والفرق في منهج التعلم بين أهل السنة وخوارج العصر

الذي تلقيناه [من الدين] اصطدم ما عليه [أهل السنة] مع ما عليه النابتة [أي: الجماعات المتشددة]، وكنت أبحث: ما الفرق بيننا وبينهم؟

ونحن عندما تعلمنا، تعلمنا بما يرضي الله، تعلمنا الأبجدية أولًا في كل العلوم، تعلمنا بمنظومة العلم المتكاملة من شيخ ومن كتاب ومن منهج ومن تدرج ومن جو علمي.

وجلسنا نترقى في مجالس العلم وفي درجات المعرفة، حتى منَّ الله علينا بما منَّ به سبحانه وتعالى.

الفرق بين أهل السنة والجماعة وخوارج العصر في التعددية والمنهج

ما الفرق الذي بيننا كأهل السنة والجماعة وبين ما ننعى عليهم من النابتة؟ ممن أسميتهم بـخوارج العصر، ولم أكن أنا أول من سماهم بذلك، وهناك كتاب ماتع ألَّفه أحد الباحثين حسين القاضي، جمع فيه من أوائل القرن العشرين أئمة الهدى في وصف هذه الجماعات بخوارج العصر، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ما الفرق الذي بيننا وبينهم؟ رأينا فيما تعلمناه مظلة تقبل التعددية، ورأينا عند النابتة أحاديث في التفكير أدت إلى التكفير.

صفات النابتة من اتباع الهوى والوقوف عند ظاهر النصوص وجهل اللغة والمقاصد

رأيناهم أصحاب هوى يختارون بانتقاء وليس بمنهج علمي وقواعد مرعية. رأيناهم يقفون عند النصوص، وقد علمنا علماؤنا أن هناك فارقًا بين النص وبين تفسير النص وبين تطبيق النص.

رأيناهم يتبعون خيالهم ولا يدركون الواقع. رأيناهم يجهلون اللغة العربية، ويجهلون المصالح المرعية، ويجهلون المقاصد الشرعية، ويجهلون المآلات المعتبرة.

سعة مذهب الأشاعرة وتعدد الأقوال والمناظرات بين أئمة أهل السنة

في حين أننا نظرنا مرة أخرى إلى أهل السنة والجماعة ممن عُرفوا بالأشعرية، فوجدنا أن الأشعري نفسه له قولان. ورأينا أن المذهب من بعده قد يتبع قولًا منصوصًا وآخر مخرَّجًا، وأصبح التخريج له أصول.

رأينا هذه المناقشات الماتعة والمناظرات المستفيضة بين سعد الدين التفتازاني وبين الشريف الجرجاني. رأينا كلام المنتقدين على العضد الإيجي: هذه نزغة من نزغات الفلاسفة سرت إلى العقل، هذه من نزغات العضد [الإيجي] سرت إليه من الفلاسفة.

النقد لا يُخرج العالم من أهل السنة كما في حال العضد الإيجي والشيخ بخيت المطيعي

إلى هذا الحد، وهو [العضد الإيجي] إمام أهل السنة والجماعة، ولكن ليس هناك نهاية للأخذ والرد والكلام، ولم يخرجه هذا إطلاقًا من كونه من أهل السنة والجماعة، بل من أئمتهم، بل المتصدر فيهم، ولو نزغات سرت إليه من الفلاسفة.

كتلك التي سرت لسيدنا الشيخ محمد بخيت المطيعي في إنكاره للتسلسل وإنكاره للدور، وهذا لم يخرجه عن كونه إمام الأئمة وعالم الأمة، وأنه هو المتصدر الذي كان الناس يلجؤون إليه.

حرية الفكر المنضبط عند أهل السنة وضياع أغلب كتب الأشعري

رأينا فيما تعلمناه من مشايخنا حرية الفكر على أبدع صورها، ما يكون أنها ليست انفلاتًا وليست تعصبًا وليست انتقاءً، بل هي احترام للآراء المدللة عند صاحبها، وهي قابلة للمناقشة.

أغلب كتب الأشعري ضاعت، ولولا مجرد أقوال الأشعري في الدكتوراه ما وصلنا منها إلا النذر اليسير. أين البقية؟ نحن نتكلم عن أمة ولا نتكلم عن فرد.

صحيح البخاري كتاب أمة وليس تأليف فرد والرد على منتقديه

عندما نتمسك بالبخاري هذا التمسك الذي يتعجب به غير المتخصصين، نقول لهم أن صحيح البخاري ليس من تأليفه فقط، بل هو كتاب أمة اشتغلت عليه وخرجت المستخرجات، وشرحت تلك المتون، وتتبعت تلك المعاني إلى آخر ما هنالك، هو كتاب أمة.

وكل ما في البخاري مما ينتقده المنتقدون هو موجود في القرآن، ولذلك فهي خطوة أولى لضرب القرآن بعد ما احتمى هذا الناقد بالاعتراض على الإمام البخاري.

مذهب الأشاعرة ترجمة صحيحة للكتاب والسنة ومن خالف يبقى تحت مظلة أهل السنة

كل ما ذهب إليه الأشاعرة إنما هو ترجمة صحيحة لما في الكتاب والسنة، ولذلك رأينا هذا [الاتساق بين المذهب الأشعري والنصوص الشرعية].

فإذا غاب هذا المعنى عن أحدهم وغفل عنه واتبع المذهب الفلاني أو العلاني، فإنه يكون تحت مظلة أهل السنة والجماعة، إلا أنه قد خالف ما عليه العلماء.

منهج الأشعري يُواكب الوقت ويتدرب عليه. منهج الأشعري هو الذي به العمارة والحضارة، وأنا ألخص ما ذُكر في هذه المنصة الكريمة عبر تلك الأيام.

فقدان النابتة للسند وقصة السند الملفق وأهمية بركة السند عند أهل العلم

أما جهالة النابتة فقد فقدوا أيضًا السند، وكان من المضحكات أن أحدهم حاول أن يجعل سندًا ملفقًا بالنابتة، ثم بعد ذلك لما اكتُشف الحال ورُدَّ عليه أن هذا سند لا وجود له في الواقع، أخفاه.

الآن، السند فيه بركة، هكذا علمنا مشايخنا، وأن البركة تنساب من خلال السند. وأنا أتذكر أن ناصر الدين الألباني تكلم عن سند فاتخذه من الشيخ راغب الطباخ في مكتبته بحلب، ثم إنه مزقه؛ لأن هذه تمثيلية! السند الذي فيه سريان البركة أصبح تمثيلية [عنده].

الفارق الكبير بين أهل السنة أهل حرية الفكر المنضبط وأصحاب الأهواء والبدع

إذا هذا هو الفارق الكبير بين أهل العلم، أهل السنة والجماعة، أهل حرية الفكر المنضبط الذي مصدره الكتاب والسنة، وبين أصحاب الأهواء والبدع.

الحمد لله جماهير الأمة وحتى الآن ما زالت على معتقد أهل السنة والجماعة، يرفضون ما عليه النابتة وهؤلاء المتشددون وخوارج العصر.

خطر التواصل الاجتماعي في نشر فكر النابتة وضرورة العمل لحماية الأجيال

ولكن قضية التواصل الاجتماعي على خطر عظيم، فإنهم بهذا الإغراق الذي يتم قد يستطيعون أن يؤثروا في جيل بحاله، فالأمر خطير والعمل كثير.

ويجب علينا أن نعمل ليلًا نهارًا من أجل أن نترك لأبنائنا وأحفادنا ديننا كما علمه لنا مشايخنا وآباؤنا.

نتائج الانحراف عن المنهج الصحيح من سفك الدماء وتشويه صورة الإسلام

ماذا حدث؟ وهل هذا الكلام كلام نظري؟ أبدًا، كما سمعنا الآن وكما سمعنا عبر اليومين الماضيين:

  • أدى هذا الانحراف عن الجادة وعن المنهج الصحيح إلى العُرف والدم [أي: سفك الدماء وانتهاك الأعراف].
  • أدى هذا الانحراف إلى تشويه صورة الإسلام في أذهان العالمين.
  • أدى هذا الانحراف إلى الصد عن سبيل الله حتى ولو كان ذلك بغير علم.

وهناك فرق بين تشويه الصورة وبين الصد عن سبيل الله، وقد نتج الأمران معًا.

ضياع مصالح المسلمين والفشل في معالجة الحياة الدنيا نتيجة الانحراف

أدى ذلك [الانحراف] إلى ضياع مصلحة المسلمين في أموالهم وفي دمائهم وفي أعراضهم وفي أوطانهم، ضياع المصلحة.

أدى هذا إلى الفشل في معالجة الحياة الدنيا. هذا نؤكده في أن هذا النمط من أنماط التعليم والاعتقاد يمثل الهرم المقلوب، والهرم المقلوب قاعدته فوق ورأسه تحت، والقاعدة أثقل بكثير من الطرف والقمة، فينهار على رأس صاحبه.

الدين الموازي الذي يدعو إليه الخوارج لا علاقة له بالإسلام الحقيقي

احفظوا أن هؤلاء يدعون إلى الدين الموازي، والدين الموازي دين لا علاقة له بالإسلام. ولذلك فهمتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «الخوارج كلاب أهل النار»

وكنت أسأل نفسي وأنا صغير: كيف هم مسلمون وكلاب أهل النار؟ نعم، إنهم يستعملون المصطلحات الإسلامية ويتكلمون بألسنتنا، ولكنهم ينقلون دينًا آخر ليس هو الدين الذي أنزله الله على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

تصاعد الغلو والتشدد في كل جيل من الخوارج وذهاب الأمن من العالم

كل جيل منهم يأتي ليلعن الجيل الذي قبله، ويزداد في الغلو والتشدد والجهالة والفشل والدماء. كل جيل يأتي بأشد مما كان عليه آباؤه الذين لم يعلموه، وإنما تركوه مع منهج معوج.

كل ذلك أدى إلى ذهاب الأمن من العالم، وذهاب الأمن يعني خوف الناس. كل الناس الآن تخاف بعضها من بعض، سواء في الداخل الإسلامي، أو بين المسلمين وغيرهم، أو حتى بين غير المسلمين أنفسهم. الناس خائفة.

أهل السنة طمأنوا الناس وقاعدة الأمن قبل الإيمان التي علمها المشايخ

أهل السنة والجماعة طمأنوا الناس عبر القلوب، وأعادوا الأمن:

قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]

وبالأمن جاء الإيمان. وكان مشايخنا يقولون لنا قاعدة غريبة ما فهمناها حق فهمها إلا عندما رأينا هؤلاء النابتة، كانوا يقولون لنا في الدرس: الأمن قبل الإيمان.

ولقد رأيناها بأعيننا أنه إذا ذهب الأمن ذهب الإيمان قطعًا، ولكن إذا جاء الأمن كانت هناك فرصة للإنسان أن يُدعى إلى الإيمان، وأن يُدعى إلى عمارة الأرض وإلى تزكية النفس من خلال عبادة الله.

بلاء التكفير والشرذمة وضرورة العمل الدؤوب لمواجهة النابتة

هذا البلاء أدى إلى التكفير وإلى الشرذمة، وإلى أن كل شخص يكفر من حوله حتى كفروا أنفسهم. بلاء شديد هو التساؤل: أهذا حلال أم حرام؟

ويعمل [المرء] ليلًا نهارًا؛ لأننا ليس معنا ما معهم من أموال، ولا معنا ما معهم من أوقات، وهم قد سبقونا إلى التواصل الاجتماعي سبقًا يقتضي منا العمل.

يا رب افتح علينا فتوح العارفين بك.