كلمة حق | أ.د علي جمعة | التعايش في الإسلام بتاريخ 2011 - 05 - 13 - كلمة حق

كلمة حق | أ.د علي جمعة | التعايش في الإسلام بتاريخ 2011 - 05 - 13

47 دقيقة
  • التعايش بين المسلمين والمسيحيين في مصر تجربة فريدة عبر التاريخ، تواجه حالياً تحديات بسبب سلسلة من الاحتقانات الطائفية.
  • التعايش في الإسلام مفهوم أصيل قائم على التفاعل المتبادل بين أطراف مختلفة مع احتفاظ كل طرف بخصوصيته، وهو سنة إلهية للدفع والتنوع.
  • قدم النبي محمد ﷺ نماذج مختلفة للتعايش في مكة والمدينة والحبشة، وكتب صحيفة المدينة لتنظيم التعايش بين المسلمين وغيرهم.
  • الاحتقان الطائفي في مصر ليس وليد الثورة بل يمتد لأربعين عاماً، وتساهم عوامل مختلفة في تأجيجه منها: ضعف دولة القانون، والعصبية، والجهل، ونقص التعليم والثقافة.
  • حماية الأقليات في المجتمع المسلم واجب شرعي، والنبي ﷺ قال "من آذى ذمياً فقد آذاني".
  • المطلوب التصارح المباشر، وتفعيل دور بيت العائلة، ومعالجة أسباب الفتنة بدل مظاهرها، وإعلاء قيمة الأمن على الإيمان.
محتويات الفيديو(46 أقسام)

مقدمة الحلقة حول أزمة الفتنة الطائفية والتعايش في مصر

[المذيع]: طعنة غائرة الحقيقة وُجِّهت إلى صميم وقلب المجتمع المصري في الآونة الأخيرة، من خلال مجموعة من الحوادث المتلاحقة فيما يُعرف بالاحتقان أو الفتنة الطائفية، على الرغم من أن التاريخ يذكر لأبناء هذا الوطن مسلمين ومسيحيين أنهم عاشوا في حالة ولا أعظم من التسامح والتعاون والتكافل على مر التاريخ.

يا ترى هل العيش المشترك في أزمة أم في امتحان أم في ابتلاء؟ وما أسباب هذه الأزمة التي نعيشها؟ وكيف يكون التعايش؟

أرحب بضيوفي: فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا وسهلًا ومرحبًا. سيادة المستشار رجائي عطية المحامي الكبير والقانوني القدير، أهلًا بحضرتك. الداعية الإسلامي فضيلة الشيخ أحمد حماية إمام وخطيب مسجد السلطان حسن، أهلًا بكم شيخ أحمد.

مفهوم التعايش في اللغة العربية ودلالة وزن التفاعل

[المذيع]: ونبدأ بفضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة. التعايش كلمة نسمعها كثيرًا وندعو إلى أن يكون هناك تعايش دائمًا، يعني ما هو مفهوم التعايش في الإسلام فضيلتكم؟ وكيف دعا الإسلام إلى التعايش؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللغة العربية عبقرية، نعم، ومن أوزانها التفاعل، والتفاعل يكون من جهتين؛ فعندما نقول تفاعل يعني أن هناك أمرين كل منهما أثَّر في الآخر وتفاعل معه.

تعامَل: هناك اثنان كل منهما عامَل الآخر، ولا نستعمل هذا الوزن للدلالة على طرف واحد. تعايش: فلا بد من أن هناك طرفين، وأن كل طرف قد عاش مع الآخر.

تعريف التعايش ومعناه المرتبط بالحياة بين أطراف مختلفة

[الشيخ]: نعم، هذا الوزن العبقري أو هذه الجزالة تذهب بنا إلى تعريف هذا التعايش؛ إذ لا بد من أطراف متعددة على الأقل طرفين. يكون الأمر في طرفين على الأقل، على الأقل أو ثلاثة أو أربعة، يحدث هذا التعايش.

ثانيًا: الأمر مرده إلى العيش، والعيش معناه الحياة، عاش يعيش فهو عائش. نعم، فالأمر مرده إلى أن نعيش، ونعيش يعني نحيا.

إذا تعايشنا معناها أن سير الحياة يسير بين أطراف مختلفة وأقلها اثنان، وأن هناك تفاعلًا وتعاملًا، وأن هناك حياة سائرة، نعم، مع احتفاظ كل واحد من الطرفين بأنه طرف مستقل، وإلا لم يكن هناك تعايش ولم يكن هناك اختلاف ولم يكن هناك إلا الأحادية.

الاختلاف سنة إلهية كونية والتعايش مراد الله في خلقه

[الشيخ]: نحن قد أُمرنا أن نتعايش؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد خلق الكون على أطراف ولم يخلق الكون على طرف واحد.

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]

المفسرون لهم في كلمة "ولذلك" مذهبان: مذهب يقول ولذلك الاختلاف خلقهم، أي أن الله سبحانه وتعالى من حكمته وبليغ مراده في هذه الأكوان، وحتى يكون هناك دفع لبعض الناس ببعض، حدث هذا الاختلاف سنة كونية إلهية خلقها الله سبحانه وتعالى.

ولذلك خلقهم، وهذا الذي يفسر الآية التي تقول:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]

نعم، يبقى إذن وهنا عبرة، ليس بالقتال وليس بالحرب التي قد يفسر بها بعضهم كما هو في التفسير، لكن هنا الدفع، والدفع سنة إلهية يتدافع بعض الناس في هذه الحياة مع بعض.

التعايش مراد الله والاعتراض عليه اعتراض على أمر الله

[الشيخ]: ولذلك يجب أن يختلفوا، هذا خلق الله، هذا مراد الله سبحانه وتعالى من هذه الحياة الدنيا. إذن فالتعايش هذا يعني كما يكون مراد الله، إذن فالاعتراض عليه أصلًا اعتراض على أمر الله سبحانه وتعالى في هذا الكون.

التعايش يقتضي أن المختلفين قد كانوا في مكان واحد، فهل عرف الإسلام ذلك؟ عرف الإسلام من بدايته ذلك، عندما صدع النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجر: 94]

فأعرض عن الجاهلين وصدع فبلَّغ، فكان هو في وادٍ وكل المشركين في وادٍ آخر، فنشأت هذه الثنائية.

نماذج التعايش النبوي في مكة والحبشة والمدينة

[الشيخ]: ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ومدى حياته في مكة علَّمنا كيف نتعايش. نموذج التعايش في مكة نموذج بديع يحتاج إليه المسلم حتى يعيش في جميع الأوساط عبر القرون؛ لأن له في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، نموذجًا ومثالًا فيما فعله النبي، يستطيع أن يكرره هو في حياته عندما يعيش في وسط أناس يكرهون الإسلام ويحاربون الإسلام ويعملون على القضاء على الإسلام. هذه حالة النبي وحالة أصحابه في مكة مع المشركين.

وظل هكذا يعطينا المثال. نموذجًا آخر تراه للتعايش في الحبشة، عندما ملَّ المسلمون من أذى المشركين أذن لهم النبي بالذهاب إلى الحبشة، فذهبوا إليها وكانت دولة غير مسلمة وأهلها كانوا غير مسلمين، لكنهم لا يحاربون الإسلام بل يحبون هذا الوافد الجديد ويرعونه وتحت الحماية يعترفون به: فاعبدوا الله كما شئتم، لكن نحن نختلف معكم. فعاش المسلمون في هذا الجو الآخر غير جو مكة بنموذج آخر نسميه نموذج الحبشة.

التعايش في المدينة المنورة وصحيفة المدينة وانتقال التعايش إلى الدائرة الكبرى

[الشيخ]: تعايش عرف المسلمون هذا عندما ذهبوا إلى المدينة مهاجرين، فآمن بعض الأوس والخزرج ولم يؤمن بعضهم، فأصبحت المدينة تشتمل على المسلم واليهودي والمشرك. آمن بعضهم في الظاهر ولم يؤمن في الباطن فأصبحت تشتمل على المنافق.

والنبي صلى الله عليه وسلم يضع لهم صحيفة المدينة للتعايش في هذا، حتى ما حدث ما حدث في تاريخ المدينة وآلت المدينة إلى الإسلام المطلق، وآلت مكة إلى الإسلام المطلق.

فأصبح المسلم يعيش في بلاد ليس فيها إلا المسلم، ومع ذلك فهو يتعايش مع غيره من الخارج، عندما يرسل النبي الرسل والرسائل إلى الآفاق، يتعامل مع غير المسلم. فما زال التعايش باقيًا ولكن انتقل من الدائرة الصغرى إلى الدائرة الكبرى. هذا هو معنى التعايش.

التعايش بين الدول وقانون الغابة في المجتمع الدولي

[المذيع]: نعم فضيلتكم، بالتأكيد سنستطلع رأيكم في أمور عدة، لكن أنتقل إلى الأستاذ رجائي عطية. لكم كتابات عدة أستاذ رجائي خاصة التاريخية، يعني أود أن أستطلع رأي حضرتكم فيما يتعلق بكيف حافظ هذا الوطن على وحدته وتعايشه عبر التاريخ؟

[الشيخ رجائي عطية]: ما يجعلنا نتأمل في حكاية التعايش، ويجب أن ننظر أولًا إلى التعايش بين الدول وسنجده محكومًا بقوانين يجب أن نتأمل فيها، والتعايش داخل المجتمع الواحد.

في التعايش بين الدول، دعنا نقر أن الدول ككل لا تزال محكومة بقانون الغابة، يعني أن الدول الكبار ودول القوى العظمى تجور دائمًا على الكيانات الأصغر وعلى الدول الأصغر إلى آخره.

نعم، ولا يزال رغم كل المحاولات التي بُذلت في الإنسانية: أمريكا، مجلس الأمن، الأمم المتحدة، المواثيق الدولية إلى آخره، كل هذه المنظومات التي يتم بها محاولة إصلاح الخلل ورأب الصدع في المجتمع الدولي، إلا أنه لا يزال محكومًا بقدرة القوي على الضعيف.

التنوع داخل المجتمع الواحد وضرورة أن يكون الفرد للجميع

[الشيخ رجائي عطية]: داخل المجتمع كل أمثلة ونماذج كثيرة، إنما داخل المجتمع الواحد وهذا الذي يهمنا اليوم. صحيح، مهم جدًا على سنن الاختلاف التي تحدث فيها فضيلة المفتي، أن نكون فاهمين أنه داخل هذا المجتمع الذي نعيش فيه أمر بديهي أن يكون هناك المسلم وأن يكون هناك المسيحي وأن يكون هناك اليهودي وإن كانوا قد أصبحوا قلة الآن، وإن كان هناك بهائيون، وإن كان هناك من يُضمر في نفسه عدم الإيمان بدين من الأديان.

داخل هذا المجتمع ففيه الغني والفقير، وفيه العالم والجاهل، وفيه القوي والضعيف، وفيه صاحب النفوذ وفيه من لا قوة له. هذا التنوع الذي ينتج هذا الاختلاف، هل للإنسان قدرة بالفهم والعقل على أن يتعامل مع هذه الاختلافات وهذه التنوعات واختلاف الرغبات والمطالب وما ينشده كل نوع من هذه الأنواع وكل شخص؟ الجماعة والفرد، هل الفرد في خدمة الجماعة أم الجماعة تكفل الفرد؟

قصة أبي عبيدة بن الجراح نموذجًا للإيثار وتقديم المصلحة العامة

[الشيخ رجائي عطية]: هذه المسائل كلها مطروحة وهي لا يمكن أن تسير في سنن الحياة إلا إذا اقتنع كل فرد داخل المجتمع أنه للجميع، وإن لم يفهم ذلك فسيتحول المجتمع الإنساني إلى غابة.

وأنا دائمًا أستشهد على حكاية "الواحد للجميع" هذه بقصة أبي عبيدة بن الجراح، له قصص عديدة جدًا لافتة للنظر في كيف كان أبو عبيدة للكل، بمعنى أن ذاته قد توارت وكان كل همه للجماعة.

وله قصص كثيرة تُروى، أيٌّ من القصص التي تُروى: موقفه في سقيفة بني ساعدة يوم أن بدأ عمر بن الخطاب وقال له: امدد يدك أبايعك. فقال له: ما رأيت لك فَهَّةً قبلها قط، أتبايعني وفيكم

﴿ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ﴾ [التوبة: 40]

أنت تبايعني وأبو بكر موجود؟! واحد تُعرض عليه الخلافة ويأباها.

موقف أبي عبيدة في غزوة ذات السلاسل وتنازله عن القيادة لعمرو بن العاص

[الشيخ رجائي عطية]: وهؤلاء لا، ما تمضي. في موقف له في غزوة ذات السلاسل لما أُرسل على رأس عدد من المهاجرين وفيهم كبار المهاجرين وسادات المهاجرين مددًا في ذات السلاسل، وكان الذي موجود أصلًا عمرو بن العاص.

وطبعًا أبو عبيدة من العشرة المبشرين بالجنة وأسبقهم إسلامًا إلى آخره، فطبعًا جميع المهاجرين الذين يذهبون مددًا تحت قيادة أبي عبيدة، الرغبة كلها لديهم أن يتولى القيادة أبو عبيدة بن الجراح.

ولكن عمرو بن العاص أصر على أن تبقى له القيادة، وحدث خلاف شديد في الآراء، وإذ بأبي عبيدة هو الذي يقول: إن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد أمرني ألا تختلفا وتطاوعا، وأنت إن عصيتني فها أنا قد أطعتك. وترك له القيادة.

موقف أبي عبيدة في غزوة اليرموك وإخفاء رسالة عزل خالد بن الوليد

[الشيخ رجائي عطية]: وهذا موقف ثالث وهو في غزوة اليرموك، وخالد بن الوليد يقود المعركة ويحقق فيها انتصارات، فيأتي كتاب من عمر بن الخطاب يفيده بأن أبا بكر قد توفي إلى رحمة الله، وأنه قد آلت إليه القيادة أو إمارة المسلمين، ويأمره بأن يعزل خالدًا.

فيقوم ويُنسي ذاته ويُخفي الرسالة ويترك خالدًا يقود المعركة. وهذه صورة من صور التعايش: أن الإنسان لا تهمه المسألة الشخصية بل المصلحة العامة على ذاته والذي هو يريده.

وترك خالدًا حتى أنجز النصر، ولما أعلمه قال له: سامحك الله يا أبا عبيدة، يعني لماذا أخفيت هذا عني؟ قال له ماذا؟ قال له: لم أشأ أن أكسر عليك حربك، ما الدنيا نريد ولا للدنيا نسعى.

قدرة الإنسانية على استخراج ما يتناسب مع الجماعة وأدب الاختلاف

[الشيخ رجائي عطية]: أنا أقول الكلام هذا لماذا؟ لأنه من الطبيعي أن أكون مسلمًا وأدين بالإسلام، وفلان مسيحي من الطبيعي أن يدين بالمسيحية. صحيح أن لكل واحد ما يعتقده وما يراه، ولكن المسألة هي قدرة الإنسانية على أن تستخرج من داخل الفرد ما يتناسب مع الجماعة، ليتعايش الجميع أفرادًا وجماعات في إطار قائم على التآلف والتساند والتكافل والتعاون والتفاهم.

هذا، ومع حتى الاختلاف نعرف أن هناك شيئًا يسمى أدب الاختلاف، ونسمع أن هناك شيئًا يسمى أدب الحوار. صحيح، وأنه ليس مع كوني مختلفًا معك وكونك مختلفًا معي أن نتحول إلى ديوك نتصارع ونتقاتل، ويكون مؤدى هذا أننا نجر المجتمع كله برمته إلى أن تسوده قوانين الغابة، إن كان يجوز أن تُطلق على الغابات أن لها قوانين.

هل التعايش في العصر الحالي في خطر ومصر نموذج مضيء للتعايش

[المذيع]: شكرًا جزيلًا والأستاذ رجائي. الحقيقة يعني بعد هذه النماذج فضيلة الشيخ أحمد التي قدمها لنا أجملها لنا فضيلة مفتي الديار المصرية، وأيضًا بعض الأمثال التي ساقها الأستاذ رجائي. هل ترى أنه العيش المشترك أو التعايش في هذا العصر الحالي في خطر؟ ورؤيتك له فضيلة الشيخ أحمد في مجتمعنا، في مجتمعاتنا، في المجتمعات الإسلامية عمومًا؟

[الشيخ أحمد حماية]: ومصر هي نموذج مضيء لهذا التعايش. هذه التجربة تجربة فريدة وتجربة ناجحة وتجربة لم تتكرر في مكان آخر في العالم خارج العالم الإسلامي. هذه الحضارة الإسلامية أفرزت نوعًا من التعايش الناجح الصادق الحقيقي.

التشويش على التعايش ظروف طارئة والتعايش الحقيقي في مصر منذ أربعة عشر قرنًا

[الشيخ أحمد حماية]: حسنًا، بالطبع هذا التعايش توجد أمور مشوشة عليه، أراها غير حقيقية، غير حقيقية بمعنى أنها غير متأصلة. التشويش على التعايش هذه ظروف معينة لأحداث طارئة يمكن تجاوزها.

لكن أريد أقدم لحضرتك مثالًا بسيطًا: نحن لا ننسى أننا هنا في مصر منذ أكثر من ألف وأربعة عشر قرنًا نعيش معًا في سلام اجتماعي حقيقي. الكنائس طوال عمرها هنا يصلي فيها المسيحيون ولم يتعرض لها أحد.

بل إن نمط التعايش هذا وصل في درجة التسامح إلى أن الدول الإسلامية عندما كانت لها القيادة والشريعة الإسلامية كانت هي المطبقة عمليًا، ولم نفرض القوانين الإسلامية على إخواننا المسيحيين الذين يعيشون معنا.

تجربة التسامح الإسلامي الفريدة وعدم فرض القوانين على غير المسلمين

[الشيخ أحمد حماية]: وهذه تجربة لا وجود لها في العالم، أن تكون أنت القوي وليس الضعيف، أنت القوي تقول له: انظر، أنا لن أفرض عليك قوانين تخالف دينك. وطوال التاريخ وإخواننا المسيحيون يعيشون في الأحوال الشخصية بقوانين مستمدة من دينهم وليس مستمدة من الشريعة الإسلامية.

فرأينا أنه في العصور الوسطى، في الوقت الذي تمت فيه عمليات إبادة لجميع المخالفين دينيًا، كل منطقة كان يحكمها تيار كنسي معين كان يضطهد الآخر. في هذه المدة وجدنا العالم الإسلامي وخصوصًا مصر كان هو المكان الآمن الذي استطاع الإنسان أن يأتي إليه.

جاءنا كثير من اليهود من الأندلس ومن أوروبا، وجاءنا كثير من المسيحيين الذين استطاعوا أن يعيشوا هنا كالواحد منا، قد يعيش كإنسان وجد مكانًا يُحترم فيه دينه وعقيدته.

تقبل الآخر في مصر مقارنة بالتجربة الغربية وثقافة التعايش الحقيقية

[الشيخ أحمد حماية]: أتعلم يا سيدي، الآن نحن في هذا القرن الجديد الذي نحن فيه، نرى أنفسنا منحدرين حضاريًا وفي الوقت نفسه نحن منبهرون بالحضارة الغربية. وكذلك تعرف حضارتك حتى في هذه اللحظة.

في كلمة حق يجب أن نقولها: أن حتى الآن ما زالت تجربتنا في التعايش تجربة فريدة. نحن لدينا داخليًا تقبل الآخر؛ أنا كمسلم عندما أرى مسيحيًا معي بجانبي ذاهبًا إلى الكنيسة وذاهبًا [أنا] إلى الجامع، لا يصبح في حالة اكتئاب ولا انزعاج ولا يقول ما هذا وما إلى ذلك، بل يتقبل الآخر.

أما أنا فكنت أحيانًا في بعض الأيام أنزل بهذا الزي في شوارع ألمانيا، وكنت أرى العجب العجاب من نظرات الناس، وحتى مررت مرة وكاد الناس يهاجمونني سواء بالكلام أو بالأفعال، فمشيت فعلًا بعدها في زي عادي لا يجعلهم كذلك. فنحن لدينا هنا ثقافة حقيقية فعلًا في تقبل الآخر وتقبل وجوده وتقبل العيش معه.

تقييم ما يحدث في مصر من مشاكل طائفية وجذورها في غياب القانون

[المذيع]: أما الذي يحدث الآن فما تقييمك له يا فضيلة الشيخ؟ كيف نراه من نظرة الإسلام؟

[الشيخ أحمد حماية]: أقول لحضرتك إن الذي يحدث الآن في مصر وفي مشاكل موجودة، أرى أن المشكلة هي في أساسها من بقايا النظام الماضي. نحن عشنا مدة طويلة في مصر لم يكن للقانون فيها الكلمة العليا، بمعنى أن كل واحد يقول لك: سآخذ حقي بالقوة.

وهذه الفكرة في جزء منها تعني بلطجة وعنفًا، ولكنها تخفي وراءها أن الإنسان هذا محبط، يشعر أنه لن يأخذ حقه في المحكمة، يرى أنه سيذهب ليكافح سنوات في المحاكم وفي النهاية يصدر الحكم ضعيفًا بعد أن يكون قد أنفق وقته وأمواله.

فالمشاكل التي نحن فيها سببها أنه كان يوجد نظام يدير البلد، يدير القضايا الجنائية بعقلية سياسية. كل شيء هكذا، المشكلة كانت لدينا كانت تُدار بأسلوب بعقلية أمنية بعقلية جنائية.

فشل المصالحات بسبب غياب القانون وضرورة تحرك القضاء فورًا

[الشيخ أحمد حماية]: ولهذا فشلت المصالحة الفلسطينية، ولهذا جاءت هذه المشاكل؛ لأننا لم نكن نعرف كيف نتعامل كدولة قانون، ولم يكن الإنسان يعرف كيف يأخذ حقه.

فكما هو موجود في جميع نواحي الحياة عندنا، هذه الفكرة ما زالت قائمة، والناس كل واحد يشعر بالظلم يلجأ إلى أخذ حقه بيده. وهذا موجود أيضًا في علاقة الفئات التي تكوِّن مجتمعنا المصري المتآلف هذا.

هذه العلاقة معرضة للاهتزاز الآن بسبب ضعف القانون، بل أقول غياب القانون. لماذا لا تفعل؟ ونجد كثيرًا من الناس حتى بنية حسنة، وأعتقد أن أكثرهم حتى بنية حسنة، كلما حدثت مشكلة بين المسيحيين والمسلمين يحاولون أن يقولوا: لا، هذا لا توجد به مشكلة إطلاقًا، بل نحن نحاول أن نتكتم عليها وهكذا.

ضرورة التعامل بموضوعية مع المشاكل الطائفية وعدم التصرف كالنعامة

[الشيخ أحمد حماية]: ونقول هذا نحن شيء واحد ونحن هكذا ونحن فعلنا شيئًا واحدًا فقط، نحن هكذا لم نحل مشكلة. أعتقد أننا في وضع خطر، نحن يجب أن نتعامل مع المشكلة بموضوعية وواقعية.

وعندما نجد أن بعض الفئات موجودة في المجتمع تقول: هذه هي في حالة قتل هنا، قتل واحدة وبناتها، وتوجد حالتين اختطاف وحالات كذلك. هذه قضايا جنائية من المفروض أن القانون والجهات تتحرك فورًا بغير تأخير، وليس هناك أحد له حصانة فوق القانون.

كلنا هنا مصريون مسيحيون ومسلمون نخضع لسلطة القانون. كان في العصر السابق مجاملات سواء لأغراض سياسية أو لأغراض دينية أو لأغراض عرقية. المفروض لا يحدث هذا الكلام الآن لكي نخرج من هذه المرحلة.

ما سيحل مشاكلنا هذه أن لا نتصرف مثل النعامة ونضع رؤوسنا في الأرض ونقول لا توجد مشكلة.

ضرورة تحقيق القضاء الفوري وعدم ترك الأمور للفوضى

[الشيخ أحمد حماية]: لا، أن نرى ما هي الادعاءات، عندما يدعي أحد أن هناك من اختطف، هل هو صادق؟ فقد يكون كاذبًا. يجب أن يفصل القضاء في الموضوع ويحقق فيه فورًا بلا تأخير.

وإلا سنجد أن هذا يحدث: واحد يذهب فيقتل والآخر يذهب فيضرب بالنار، والنيابة تقول هذا ضرب من كنيسة أم ضرب لا أعرف ماذا، فيموت ثلاثون شخصًا، والآخر يذهب ويحرق الكنيسة، وكأننا في مقديشو، شيء غريب.

فتقول أين القانون؟ لماذا مقديشو؟ لأن هذه هي الأماكن التي كان بها مشاكل. ما أعنيه هو حرب عالمية، أعني مرت في بعض المراحل كان كل واحد معه سلاح ويأخذ حقه بيده بشكل ما.

فنحن هنا الموضوع أصبح، أنا أعتقد أن حل مشكلتنا هذه لن يكون بالكلام الناعم أو تبويس اللحى كما نقول.

المشاكل بين الأقباط والمسلمين ليست كلها دينية بل لها خلفيات اجتماعية

[الشيخ أحمد حماية]: نعم بالضبط، بالكلام الناعم قالوا يا أخي نحن شيء واحد ونحن إخوة. نحن صحيح شيء واحد ونحن إخوة، هذا معروف، هذا لا يحتاج أن نبينه أصلًا. لا يحتاج، أن نحن في مشكلة.

هذه المشكلة بالمناسبة ليست دائمًا دينية، يعني مشاكل بين الأقباط والمسلمين ليست كلها دينية. هذه المشاكل لها خلفيات اجتماعية، لها خلفيات أعراف الصعيد وثأر وما شابه ذلك، سواء أكان هذا مسيحيًا أم مسلمًا، من فعل هذا كان سيُقتل.

فليس من المناسب أن يتدخل الإعلام في هذا الأمر. وفقًا للقانون يجب ألا يتدخل الإعلام من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن يتحرك القضاء بأقصى سرعة. يجب أن يكون في خلال أربع وعشرين ساعة لا بد للناس أن يسمعوا كلامًا مقنعًا وأن يتأكدوا أن حقهم سوف يُسترد.

تقييم التعايش في مصر في ظل الفتن المتلاحقة بعد ثورة يناير

[المذيع]: وعمومًا القانون هذا موضوع مهم جدًا وسيادة دولة القانون سنتعرض له بالتفصيل ربما في حلقة قادمة. فضيلة الشيخ أحمد، ولكنني سآخذ من فضيلتكم هذا الملمح وأطرحه على فضيلة مفتي الديار المصرية، والحقيقة كان له مجموعة من الآراء في هذه المشكلة التي نحن بصددها الآن.

الفتنة الحادثة في مصر يعني كانت أكثر وضوحًا وصراحة: أن الأمة في خطر، أن هذه الفتنة داخلية، أنه لا بد من حل جذري لها. يعني كيف تقيِّم التعايش في مصر الآن في ظل مجموعة الفتن المتلاحقة خلال الشهور القليلة الماضية فضيلة المفتي؟ خاصة التي أعقبت ثورة يناير والتعامل معها سواء إعلاميًا أم قانونيًا من الجهات الرسمية في الدولة، فضيلتكم كيف ترون هذا الأمر؟

[الشيخ]: إن مصر لها ثقل سواء في الحضارة أم في العدد أم في المكان أم في المكانة.

الاحتقان الطائفي في مصر مستمر منذ أربعين سنة وثورة يناير بريئة منه

[الشيخ]: ولذلك فإن قضية أن علامة فارقة في التاريخ تغير كل شيء، هذا ليس صحيحًا. مصر في حالة احتقان طائفي منذ أكثر من أربعين سنة.

نعم، إن ثورة الخامس والعشرين من يناير بريئة من هذا. ثورة الخامس والعشرين من يناير عندما جاءت طالبت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنهاء الفساد والعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد بصورة عادلة وإنهاء البطالة، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر في محاولة لبناء مصر جديدة من أجل أن تشارك في الحضارة العالمية. كل هذه أمور مشروعة.

إذا فأنا عندما أنظر إلى المائة يوم هذه أو أكثر من الثورة إلى الآن، لا، نحن نبحث عن واحد وثلاثين ديسمبر في كنيسة القديسين، هناك انفجار، كيف هذا؟ أبحث عما حدث في صول وما حدث في إمبابة.

الفرق بين إنشاء الاحتقان واستغلاله والخطر الخارجي على الفتنة الطائفية

[الشيخ]: ما حدث إذا كان هناك احتقان، هذا الاحتقان هو داخلي. هناك فرق كبير بين إنشاء الاحتقان واستغلال الاحتقان.

لا تأتِ لتقول لي إذن أن الخارج ينشئ هذا، الخارج غير قادر أصلًا على أن ينشئ هذا. بالتأكيد هذا، لكي ينشئه هذا يحتاج ينفق مليارات والموضوع يأخذ وقته أيضًا. ولكن هذا نحن الذين ننشئه ونقدمه على طبق من ذهب للآخر حتى يستغله، والمناخ مؤاتٍ كما ننشئ نحن هذا المناخ مجانًا.

أي أن هذه هي الفتنة وهذا هو الأسى وهذه مأساة. في الخارج، في القناة الثانية الإسرائيلية أحضروا مسؤولًا فيقولون له: ماذا ستفعل العصر الجديد ومصر متجهة هكذا وكأن فيها شيئًا حول المصالح الإسرائيلية وقضايا التطبيع والناس رفضت هذا وبدأوا يصرحون بهذا الرفض.

البركة في الفتنة الطائفية واستغلال العدو لها وخطر الحرب الأهلية

[الشيخ]: فتبسم وقال: البركة في الفتنة الطائفية، ومر عليها. البركة في الفتنة الطائفية ليس معناه أنه هو الذي صنع الفتنة الطائفية، فهو ليس له هذا الشرف، وإنما البركة في الفتنة الطائفية لأنه سوف يستغل الفتنة الطائفية لمصلحته، وسوف يشعل النار ويصب عليها الزيت حتى تزداد اشتعالًا، وسوف يرتب هذه البركة في الفتنة الطائفية.

إذن نحن في خطر داهم؛ لأن المرض استمر لمدة أربعين سنة. إذا وصلنا إلى الزمانة كما يقولون بمعنى المرض المزمن، لا بد لنا أن نتصارح.

يقول سيدنا عمر [بن الخطاب]:

«أفيضوا بينكم مجالسكم واجلسوا معًا، فإن ذلك آلَفُ لقلوبكم وأهيَبُ لكم عند عدوكم»

هيا نجلس مع بعضنا البعض، هيا نتصارح ونحاول أن نترجم ما نتفق عليه وما يخرج من مشكلات في صورة إعلام، في صورة مناهج تربية وتعليم، في صورة قوانين أيضًا.

ضرورة معرفة المشاكل بالتفصيل ومعالجتها واتقاء الفتن التي تقود إلى حرب أهلية

[الشيخ]: إذا فنحن نحتاج إلى الجلوس معًا وإلى [المصارحة]، والذي كشف ما توارى عن الأنظار في البلد. عندنا يقولون ماذا؟ المدارية تكسر المحراث، المدارية تكسر الحجر، المدارية تحت الأرض تكسر نصل المحراث. فلما تكون ظاهرة حتى لو لم أستطع أن أرفعها وأزيلها أحاول أن أتفاداها.

وكذلك إذا ما عرفنا مشاكلنا بالتفصيل وعالجناها من غير وجود هذا الاحتقان الذي لا معنى له ولا طعم ولا لون، نستطيع أن نتفاداها إذا لم نستطع أن نحلها، نستطيع أن نتعامل معها ونقلل من آثارها ونلتف حولها ونحيط بها حتى تنتهي وتزول.

ولكن نستطيع أن نتقي هذه الفتن التي هي بداية حرب أهلية. صحيح.

أمثلة على الحروب الأهلية المدمرة ووجوب الوعي والعقل لتجنبها

[الشيخ]: لنتخيل معًا أن حربًا أهلية والعياذ بالله تعالى قامت عندنا. حسنًا، لقد قامت في لبنان وبقيت نحو خمسة عشر عامًا وبدأنا من المربع الأول. لقد بدأت في الصومال ودمرت كل شيء. لقد استمرت في السودان خمسين عامًا وفي النهاية حدث الانفصال.

هذا ما حدث مما نراه الآن من دماء بريئة تُسفك على أرض العراق أو أفغانستان أو غيرهما. ما حدث هذا في رواندا وبوروندي وما إلى ذلك.

أي حرب أهلية أدت إلى الخير؟ ليس هناك حرب أهلية أدت إلى الخير. إذن يجب علينا أن نعي هذا وأن نكون عقلاء جميعًا، نخاطب المسلمين ونخاطب المسيحيين.

التعصب أصبح ثقافة سائدة تمنع وصول صوت العقل إلى الناس

[الشيخ]: لكن المشكلة أن التعصب أصبح ثقافة سائدة، هذه مصيبة تمنع من وصول صوتي هذا إلى الناس. أن التعصب أصبح في طائفة من المصريين المسلمين والمسيحيين هو الثقافة السائدة.

كل فرد لديه رأي متمسك به ولا يريد أن يسمع، ويمنع السمع، أي يكون حائلًا بيني وبين سمعه وحائلًا بيني وبين قلبه، غير راضٍ أن يصل الكلام إلى قلبه.

يقول لي: ليست دعوة، كل هذا أن الفتاة قد أسلمت وهؤلاء خطفوها وبعد ذلك أطلقوا علينا النار، فيجب علينا أن نموت ونقتل ونفعل وهكذا إلى آخره. هذا ليس عقلًا وهذا ليس تصرفًا نبويًا.

التصرف النبوي عند الأذى وحديث خباب بن الأرت مع النبي صلى الله عليه وسلم

[المذيع]: فما التصرف النبوي في مثل هذه الحالة يا فضيلة؟

[الشيخ]: نعم تفضل، شخص يسألني اليوم يقول: أي نفعل ماذا؟ أي نتركهم يضربوننا؟ أي نتركها هكذا؟ قلت له: لا، هذا أنت يجب أن تذهب تشكو إلى النيابة وتترك النيابة تقوم بواجبها.

هيا بنا نذهب إلى رسول الله، ويأتي خباب بن الأرت ويقول: يا رسول الله استعرض بنا هذا الوادي ونحن نملأه لك دمًا.

فتمعَّر وجهه [أي غضب سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام]

هذا يُغضب النبي. أتعلمون ما معنى يُغضب النبي؟ غضبه سيُغضب ربنا. الذي تفعلونه هذا سيُغضب ربنا، سوء التصرف هذا يُغضب الله ويُغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حديث النبي لخباب عن الصبر ونصر الله وقصة من كان قبلنا

[الشيخ]: فتمعَّر وجهه غضبًا وقال:

قال النبي ﷺ: «ألا إني رسول الله ولينصرني الله حتى تسير الظعينة - والظعينة هي المسافرة - من مكة إلى الحيرة لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها، وإن الرجل ممن كان قبلكم كان يُؤتى به فيُوضع المنشار في مفرق رأسه فيُنشر ما بين لحمه وعظمه، لا يصده هذا عن دين الله شيء»

حسنًا، وهذا التعذيب كله وهذه الإهانة والموت، ألم يكن يجعله يتحرك ويمسك شيئًا يضرب به الذي أمامه الذي ينشره؟ هذا صحيح.

إذا النبي عليه الصلاة والسلام قال لنا إن التعايش هذا قبل كل شيء فرض.

وجوب حماية المسيحيين شرعًا على الأغلبية المسلمة في مصر

[الشيخ]: نحن اليوم في مصر هذه الأغلبية مسلمة، وأغلبية تعني كبيرة. صحيح، كذلك. طيب، إذن وجب عليها شرعًا، وجب عليها شرعًا، وجب عليها شرعًا، يعني من عند الله ورسوله ليس من عند أي شيء آخر، عليها شرعًا حماية المسيحيين حماية تامة.

حماية الأقليات في بلد مسلم هو واجب شرعي. واجب شرعي يجب على هؤلاء المسلمين شرعًا حماية إخوانهم المسيحيين.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال النبي ﷺ: «من آذى ذميًا فقد آذاني»

يعني لو مددت يدي هكذا عليه فكأنني أضرب النبي. يا له من خبر عظيم! هذا كلام الذي يجلس أمامه فقط ليعقله ويسمعه ويعقله ويسمعه.

معنى أهل الذمة في الإسلام ووجوب الدفاع عن المسيحيين كالدفاع عن النفس

[الشيخ]: ولذلك تجد أهل التعصب يفسدون عقول الناس بأشياء أخرى. يقول لك: لا، هؤلاء ليسوا أهل ذمة، بل هم يقولون حتى إننا لسنا أهل ذمة.

أتعرف ما معنى ذمة هذه؟ يعني أنزلته منزلة نفسي. تقول: هذا أنا قدمت الذمة المالية الخاصة بي، هي ذمتي أي نفسي. أي أننا لا نسب المسيحيين عندما نقول عنهم أهل ذمة يا فضيلة.

هذا أهل ذمة معناها أنه أنا. الناس لا يفهمون هذا، هو معناه أنني أنزلته محل نفسي، فأدافع عن عرضه كما أدافع عن عرضي، وعن ماله كما أدافع عن مالي، وعن نفسه كما أدافع عن نفسي.

إذا يا جماعة، المسيحيون هؤلاء يجب أن نحميهم عندنا هنا، وإلا فقد آذينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا لا أتحمل أن آذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي من رضي وغضب من غضب وانحرف بذهنه عن رسول الله من انحرف.

وجوب حماية المسيحيين ومبادرة بيت العائلة بين الأزهر والكنيسة

[الشيخ]: لكن هذا الكلام هو الحق، وهؤلاء الناس يجب أن نحميهم. فلا تأويلات بعد الآن ولا هكذا.

فإذن أول شيء أن نفيض مجالسنا بيننا، نتكلم ونطرح بصراحة. ولذلك المبادرة الجميلة الحسنة التي قام بها فضيلة الإمام الأكبر [شيخ الأزهر] واستجاب لها البابا شنودة واجتمعا في بيت العائلة.

فبيت العائلة هذا عليه مسؤولية كبيرة في تفتيح الأمور في الكلام؛ لأنه أيضًا يضم جميع الطوائف المسيحية: البروتستانتية والأسقفية والكاثوليكية وما إلى ذلك.

فهذا وطننا ويجب علينا أن:

﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]

فهذا القرآن وهذه السنة وهذا فعل النبي.

الفتنة مصدرها العصبية الجاهلية والتخلف والجهل ووجوب سد موارد الفتنة

[الشيخ]: لا أعرف إذن هذه الفتنة ألا تكون آتية من هذا الطرف [طرف الإسلام الصحيح]، بل تكون آتية من عصبية جاهلية، تبقى آتية من تخلف، تبقى آتية من جهل.

ولذلك لا بد أن نسد موارد الفتنة.

حسنًا، أشكر فضيلتكم على هذه الأطروحات فضيلة الدكتور علي جمعة، وسنتوقف في فاصل قصير مشاهدينا الكرام، نعود لاستكمال معنى التعايش في الإسلام والعيش المشترك أيضًا في هذا المقام.

جذور أزمة الاحتقان الطائفي ونقص التعليم والثقافة في المجتمع المصري

[المذيع]: استشارة آتية، أي كيف تنظر إزاء هذه الأزمة التي يعيشها الوطن؟

[الشيخ رجائي عطية]: أنا أنظر من النقطة التي قال فيها فضيلة المفتي أن الأسماع مغلقة والقلوب مغلقة، وأزيد عليها والعقول والأفهام مغلقة، وأنه يوجد اشتباه في كل ما يُقال.

وأنا أريد، أجل طبعًا، أريد أن أدخل في جذر المشكلة كي نفهم لماذا نحن منذ أربعين سنة حسب التقدير الذي قاله فضيلة المفتي نحن في حالة احتقان مستمر، أي ولماذا نحن في الأيام الأخيرة زاد هذا الاحتقان. انتهى.

نعم، أنا لدي وأنا معني بهذه القضية من أكثر من عشر سنوات، صحيح، وأكتب فيها باستمرار. لدي أن لدينا مشكلة نقص التعليم، وأنه زاد عليها وهو أشر وأمر: نقص ثقافة.

التعصب ينتشر حيث ينضب العلم والثقافة وأزمة التعليم في مصر

[الشيخ رجائي عطية]: وأنت تستطيع حينما ترصد المجتمع المصري أن تجد أن التعصب نادر بين من لديهم العقل والعلم والثقافة، وأن التعصب موجود حين ينضب في بعض البيئات والأماكن والثقافة والعقل.

وهذه المشكلة مشكلة مجتمعية كبيرة جدًا. دعنا نقر بأننا كمجتمع حكومة ومحكومين قد قصَّرنا على مدار عشرات السنين في أن نعطي التعليم حقه، مع أن طه حسين ابن الأزهر أساسًا منذ اثنين وخمسين عامًا وهو يقول: التعليم كالماء والهواء.

ولكننا قد اهتممنا بالتوسع الأفقي دون أن نلتفت إلى أهمية التعمق الرأسي، وبقي التعليم أصبح شكلًا دون مضمون. وأنه تزامن وتوازى مع هذا غياب الثقافة.

أزمة الثقافة في مصر وإفرازات عصر التقصير في التعليم والثقافة

[الشيخ رجائي عطية]: ودليلي على هذا أن مصر التي كان فيها طه حسين وأحمد لطفي السيد وعباس العقاد وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وغيرهم ولويس عوض، أذكر لك أسماء كثيرة جدًا.

الآن ورقة الشجرة التي تسقط نادرًا ما ينبت مكانها غيرها. نحن أيضًا نعاني من أزمة الثقافة. هذا أدى إلى أنه إفرازات عصر، إفرازات عصر الأربعين سنة.

هو الحقيقة هم أكثر من أربعين سنة. آه يعني هم بالتأكيد أكثر. حسنًا، ما نحن ما اختلفنا يا مولانا. حسنًا.

فشل الإدارة المصرية في معالجة المشاكل قبل تفاقمها وأهمية بيت العائلة

[الشيخ رجائي عطية]: هذه نقطة مهمة جدًا، تفضل. رقم اثنين: أن نحن أيضًا الإدارة المصرية بعامة لم تكن موفقة في معالجة المشاكل التي كان يجب أن تُعالج قبل أن تطفح.

صحيح، لماذا إذن؟ لأن هناك من المشاكل ما يحسن أن تُعالج في الغرف المغلقة ولا تُعالج على المستوى العام؛ لأنه على المستوى العام هناك من يدرك ويفهم، وهناك من يتظنن ويأخذ الأمور على غير محملها.

ولهذا أنا فكرة بيت العائلة هذه، أنا منذ عام ألفين وخمسة كتبت في الأهرام مرة واثنتين وثلاثًا أن علينا واجب أن نتفق على وضع آلية ترعى الوحدة الوطنية.

وقلت إننا نسير على منطق رد الفعل: ننتظر حتى تحدث حالة تؤدي إلى احتقانات، نحاول بالمشاعر والعواطف وهذا شيء جميل أن نحتوي الحدث، ولكننا لا نتعمق في جذورها وبالتالي لا نعالج الأسباب.

التعامل بمنطق رد الفعل مع الأزمات الطائفية وتصاعد الاحتقانات

[الشيخ رجائي عطية]: نحن نتكتم ونتجاهل الأزمة ونحاول أن نتخلص من الأزمة. هذا التعامل هو موقف رد الفعل للتعامل مع الأزمات التي تحدث دون أن نعطي أنفسنا الفرصة لندرس الأسباب الحقيقية، مما يجعل أسباب الاحتقانات مستمرة وتتصاعد وتعلو دون أن تواجه علاجًا.

وهذا الكلام طفح من قبل الثورة، يعني أن لديك الحادثة الخاصة بنجع حمادي، لديك الحادثة الخاصة بفرشوط. فما المانع أن يكون هذا المغتصب مسلمًا؟ يعني من الممكن أن تكون الصورة عكسية.

صحيح، ولكن لأن العقول تحجرت والتعصب جعل الرؤية ضريرة إن جاز أن توصف الرؤية بأنها ضريرة، بسبب الجهل وغياب الثقافة وغياب الآن التعايش انتهى.

مطالب الأقباط المشروعة والخلط بين دور الكنيسة الروحي والسياسي

[الشيخ رجائي عطية]: يعني عليَّ أن أقول أيضًا أن الإخوة الأقباط لديهم بعض المطالب المشروعة، الإدارة المصرية لم تعطها حقها من العناية.

ولك أن تعرف أنه في بعض الأقسام في كليات الطب ولن أسمي كلية بعينها، تجد القسم كله مسيحيين أو القسم كله مسلمين. وهذا معناه أن هذه العصبية دخلت حتى لدى العلماء، وهذه مسألة تدل على أن هناك مشكلة.

وأيضًا هناك أيضًا، أرجو أن يسامحني الإخوة الأقباط، في مشكلة ظهر أيضًا أن هناك خلطًا بين دور الكنيسة كسلطة روحية إن جاز التعبير وبين الخطوط السياسية. وهذا أدى إلى حساسيات نشأت وازدادت عند هؤلاء الذين لديهم مشكلة في نظرتهم للأمور.

وهذه الأمور كلها، هو مواطن له حقوق المواطنة، لا تجد الحل المناسب.

دور الإعلام في زيادة الاحتقانات وأهمية بيت العائلة في معالجة المشاكل

[الشيخ رجائي عطية]: الحل المناسب، أنا سعيد جدًا بأنه أُنشئ بيت العائلة؛ لأنه كما قلت توجد مشاكل لا تستطيع أن تناقشها علنًا.

ودعني أقول إن الإعلام المصري بعامة المقروء والمسموع والمرئي ساهم بقدر أو بآخر في زيادة الاحتقانات والإثارة؛ لأنه أصبح معنيًا بالإعلانات وأصبح معنيًا بالتوزيع وأصبح معنيًا بالعرض دون أن يراعي المصالح الوطنية العليا، فزاد هذا من جذور المشكلة.

ثورة يناير ذات قيمة عليا والانتهازية هي التي أنتجت الفتنة الطائفية

[الشيخ رجائي عطية]: ولهذا النقطة الثانية التي أريد أن أقولها، تفضل: إن ثورة الخامس والعشرين من يناير هذه الثورة ذات قيمة عليا جدًا في التجربة للجميع، بمعنى أن الذين قاموا بالثورة قاموا لصالح المجتمع، قاموا لصالح الجميع.

لم يكن القائمون بالثورة منحصرين في ذواتهم إطلاقًا ولا في أهداف أو مآرب أو أغراض شخصية. تجسدت الوحدة في أروع معانيها خلال الثورة ولا تمام.

وبالتالي ما نراه الآن لا ينتمي لثورة يناير، وإنما ينتمي للأجندات الطارئة التي تدخلت وتقاطعت واعترضت خط الثورة وأخذتها الانتهازية.

نحن إذن نعيش الآن انتهازية تظهر في بلطجة، تظهر في طائفية، تظهر في فئوية، تظهر في مظاهر عديدة جدًا، استغلال لمناخ وجو الثورة على غير غايات وأهداف الثورة. وللأسف كل هذه الممارسات ممارسات جانحة هي التي أدت بنا إلى ما نحن فيه.

إمكانية احتواء الفتنة الطائفية بمعالجة أسبابها الجذرية

[المذيع]: فضيلة الشيخ أحمد حماية، يعني في دقيقتين، ماذا تقول عن الفتنة الطائفية وكيف يمكن احتواؤها؟ وهذا الغلو والتطرف هل هو من الإسلام إذا كانت بعض الجماعات تتخذه؟ وبالتالي يكون هناك فعل أم رد فعل كما ذكر مولانا؟

[الشيخ أحمد حماية]: أعتقد أن يمكن جدًا احتواء هذه المشكلة إذا عالجنا أسبابها؛ لأن ما يحدث هذا إنما هو متعلق بالحوادث التي تحدث، هذه مجرد مظاهر لمشاكل موجودة.

فدائمًا نحن نجري وراء هذه المظاهر ونعالجها واحدة تلو الأخرى، لكننا نُفاجأ بأنها ستنفجر مرة أخرى. فيجب أن نعالج أصل المشكلة، وهذا ممكن جدًا؛ لأن هذا الشعب لديه استعداد حضاري طويل للتعايش، عاشه وسيعيشه وهو يعيشه.

رسالة المفتي الختامية الأمن قبل الإيمان شعار الإسلام للتعايش

[المذيع]: شكرًا لفضيلتكم وكلمات حق. مع فضيلة المفتي، الرسالة التي تريدون أن ترسلوها أيضًا في ختام هذه الحلقة للمحافظة على التعايش؟

[الشيخ]: رسالتي إلى جميع المصريين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أقباطًا أو أيًا من الطوائف الأخرى: أن الإسلام يجعل الأمن قبل الإيمان، كما رأينا في حديث خباب الذي ذكرناه آنفًا.

نعم، لأنه إذا فُقد الأمن فكيف أصلي وكيف أعيش وكيف أفعل ذلك؟ كثير من الناس لا يعرفون هذه الحقيقة أو لا يؤمنون بها: أن الأمن قبل الإيمان.

فليكن هذا شعارنا: الأمن قبل الإيمان؛ لأن الإسلام يدعو إلى ذلك. وهذه دعوة من أسرة البرنامج.

ختام الحلقة والتحذير من مخاطر الفتن المصطنعة على وحدة الوطن

[المذيع]: أشكر فضيلتكم الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الطرح ووجود فضيلتكم الدائم معنا، شكرًا جزيلًا شكرًا لكم. أشكر أيضًا سعادة المستشار رجائي عطية القانوني القدير وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وفضيلة الشيخ أحمد حماية إمام وخطيب مسجد السلطان الحسن، شكرًا لحضراتكم.

إذا كانت هذه محاولة منا في كلمة حق لمشاهدينا الكرام بأن نطرق أو نقرع جرس الإنذار حول المخاطر التي تهدد وحدة ونسيج هذا الوطن بهذه الفتن المصطنعة التي تحتاج إلى تضافر جميع جهود أبنائه لمواجهة هذه الأخطار المحدقة به.

ولن ينهض الوطن إلا بوحدة أبنائه مسلمين ومسيحيين. وكنا نتحدث عن التعايش في الإسلام، نشكركم مرة أخرى على حسن المتابعة، ونراكم دائمًا على خير في أمان الله. اشتركوا في [القناة].