كلمة حق | أ.د علي جمعة | العلمانية بتاريخ 2011 - 05 - 27
- •العلمانية بفتح العين مصطلح يعني عزل السماء عن الأرض والدين عن الحياة، وهي رؤية تجعل العقل والتجربة مصدر التشريع وليس الشريعة الإلهية.
- •تنقسم العلمانية إلى نوعين: علمانية متطرفة تعزل الدين عن كل مناحي الحياة، وعلمانية أقل تطرفاً تفصل الدين عن السياسة والدولة فقط.
- •في الرؤية الإسلامية الإنسان خليفة لله وليس سيد الكون، والأمة مصدر السلطات شرط ألا تحل حراماً أو تحرم حلالاً.
- •الدين في الإسلام ثلاثة أمور متكاملة: عبادة، وعمارة للأرض، وتزكية للنفس، وتفكيك هذه المناطق ينتج فكرة العلمانية.
- •العقل في الإسلام يخدم النص الشرعي ويتمازج معه، بينما في العلمانية يحاول تنحية الشرع وإخراجه من منظومة الحياة.
- •الدولة المدنية تختلف عن العلمانية، فهي دولة المؤسسات والدستور والانتخابات، ويمكن أن تكون ذات مرجعية إسلامية تحفظ النفس والعقل والدين والكرامة.
- •سبب التقدم ليس تبني العلمانية بل الجدية والتزام عناصر النجاح كالمحافظة على الوقت والعلم والإتقان والنظام.
تقديم المذيع للضيوف وسؤال عن تعريف العلمانية ونطقها الصحيح
[المذيع]: شكرًا، معنا أيضًا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء والمفكر الإسلامي، ونرحب بفضيلتك دكتور عمارة، أهلًا بك ومرحبًا بكم. ومعنا الداعية الإسلامي الدكتور أسامة الأزهري عضو هيئة تدريس كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ونرحب بك أهلًا وسهلًا.
فضيلة الدكتور، كالمعتاد كما طلبت مني أن نبدأ بالدكتور عمارة، فأستاذنا الكريم الأستاذ الدكتور محمد عمارة، هل هي عَلمانية أم عِلمانية؟ وتعريفها يعني كمقدمة لبداية هذا الحوار، نحن نتحدث عن العلمانية والتيارات الدينية، فهل لك أن تُطلعنا بداية على مفهوم العلمانية؟
[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين. أولًا هي بفتح العين العَلَمانية وليست العِلمانية؛ لأن العِلمانية تكون من العلم وهذا ليس صحيحًا، إنما هي العَلَمانية من العالَم، وهي مصدر غير قياسي، كان المفترض أنها تكون العالَمانية نسبة إلى العالم.
تعريف العلمانية بأنها عزل السماء عن الأرض وجعل العالم مستقلًا بذاته
[الشيخ محمد عمارة]: لماذا [سُميت بالعَلَمانية]؟ لأن العَلَمانية لو أردنا تعريفًا شديد الإيجاز هي عزل السماء عن الأرض، عزل السماء عن الأرض؛ لأنها تُترجم أيضًا بالدنيوية، أي جعل العقل والتجربة والعالم والواقع هو المصدر وليس الشريعة وليست السماء.
بمعنى أن يصبح الإنسان مستقلًا بذاته، والعالم مستقلًا بذاته، والمجتمع مستقلًا بذاته، يُدار بالقوة المودعة في هذا العالم دون تدبير إلهي ودون شريعة سماوية.
الفلسفة الأرسطية وأثرها في نشأة العلمانية الغربية وتشبيه صانع الساعة
[الشيخ محمد عمارة]: وأنا أريد أن ألقي نظرة ولو بشكل سريع على فلسفة هذه العلمانية.
[المذيع]: تفضل يا دكتور.
[الشيخ محمد عمارة]: في الحضارة الغربية، في الرؤية الأرسطية عند أرسطو، الله مجرد خالق للعالم، خلق العالم وحرّكه، ولذلك يُسمى المحرك الأول. فالعالم يُدار بالقوة المودعة فيه دون تدخل ورعاية وتدبير إلهي. المجتمع يُدار بالقوة المودعة فيه دون تدخل شرعي ودون تدبير إلهي.
بالضبط مثل الذي صنع الساعة، جعل في داخلها ما يديرها دون أن يكون صانع الساعة موجودًا فيها. إذ هي عزل السماء، عزل الشريعة، عزل الدين عن المجتمع وعن الإنسان.
نوعا العلمانية المتطرفة والمعتدلة وأثرهما على عزل الدين عن الحياة
[الشيخ محمد عمارة]: وهذا طبعًا في التصور المغالي والمتطرف للعلمانية؛ لأن العلمانية فيها نوعان: نوع يعزل السماء عن الأرض، يعزل الدين عن الحياة بما فيها حتى منظومة القيم، ونوع آخر أقل تطرفًا يعزل الدين عن السياسة والدولة والمجتمع ويُترك التدين في المجتمع.
طبعًا هذه الرؤية التي تجعل السماء معزولة، والدين والشريعة معزولين عن تدبير المجتمع، هي تجعل الإنسان سيدًا للكون، ولذلك فإن إرادة الأمة وسلطة الأمة يمكن أن تُحِلّ الحرام أو تُحرِّم الحلال. إذن هي دنيوية، إذن هي جعل الواقع هو المصدر هو المرجع، جعل العقل والتجربة، العقل المجرد عن الشريعة، وعزل الشريعة عن الحياة.
الماركسية كعلمانية متطرفة والتيارات المادية في المجتمعات الإسلامية
[الشيخ محمد عمارة]: والمنادون بدولة علمانية يريدون الأكثر تطرفًا أم الأقل تطرفًا؟ يعني نحن عرفنا على نطاق العالم أن الماركسية علمانية متطرفة؛ لأنها مادية، تريد أن تعزل الدين عن الحياة وعن المجتمع.
في المجتمعات الإسلامية، التيارات المادية التي هي التيارات - يعني - ملحدة زنادقة منافقون، هؤلاء أيضًا غلاة من العلمانيين يريدون عزل الدين عن الحياة. يعني مثلًا الناس الذين يريدون تنظيم قوانين الأسرة وقوانين الحياة كل هذا بعيدًا عن الشرع، هذه محاولة لعزل الدين عن الحياة.
لكن هناك أناس أقل تطرفًا يقولون: لا يوجد دين في السياسة ولا توجد سياسة في الدين، لكن يتركون ويقفون موقفًا محايدًا إزاء التدين. يعني نحن للإنصاف نقول إن العلمانية فيها علمانية مغالية متطرفة، علمانية مادية من الناحية الفلسفية، وفيها مجرد أنهم يريدون فصل الدين عن السياسة وعن الدولة، وهؤلاء أقل تطرفًا.
مبررات العلمانية في الغرب بين الفلسفة الأرسطية والنصرانية الرومانية
[الشيخ محمد عمارة]: لكنني أريد أن أشير إلى أن هذه الرؤية قد تكون مبررة في الغرب الذي نشأت فيه العلمانية. أولًا: الفلسفة الأرسطية لا تجعل هناك تدخلًا إلهيًا في إدارة العالم وفي تدبير العالم.
وأيضًا في النصرانية الرومانية كانوا يقولون أن المسيح قال: مملكتي ليست في هذا العالم، ما لقيصر لقيصر. إذن هي أيضًا تُخرج الذات الإلهية والتدبير الإلهي عن المجتمع وتترك تدبير المجتمع لقيصر.
الرؤية الإسلامية المناقضة للعلمانية والفارق بين الخالق والمدبر
[الشيخ محمد عمارة]: بالنسبة للرؤية الإسلامية، فهي على العكس من ذلك تمامًا.
[المذيع]: يعني فضيلتك ترى أن العلمانية مبررة في الغرب الذي نشأت فيه؟
[الشيخ محمد عمارة]: بالنظر إلى طبيعتها، يمكن أن تكون مبررة - ولو أنها أحدثت كارثة في الغرب - يمكن أن نتحدث عن موقفها، أي ماذا صنعت بالمسيحية في الغرب. لكن في الرؤية الإسلامية، الله سبحانه وتعالى ونطاق عمل الذات الإلهية ليس مجرد خالق.
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]
﴿إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]
إذن الرؤية الإسلامية - وأنا أريد أن أشير إلى أن الفارق بين دين ودين، فلسفة وفلسفة، حضارة وحضارة هي الرؤية للكون. يعني إذا كانت الحضارة الغربية رؤيتها للكون أن نطاق عمل الذات الإلهية ينتهي عند الخلق وأن التدبير من داخل هذا المجتمع، مجتمع مستقل بذاته، الإنسان مستقل بذاته، فإذا هذه رؤية للكون، وأن الإنسان سيد الكون تمامًا، يستطيع أن يحل الحرام وأن يحرم الحلال دون سقف شرعي.
نظرية الاستخلاف في الإسلام والإنسان خليفة مقيد بالشريعة لا سيد مطلق
[الشيخ محمد عمارة]: الرؤية الإسلامية: الذات الإلهية ليست مجرد خالق، بل خالق ومدبر، هذه واحدة. الإنسان ليس سيد الكون إنما هو خليفة لسيد الكون، ونظرية الاستخلاف تجعل الإنسان وكيلًا نائبًا خليفة.
إذن هو حر قادر مستطيع مدبر لذاته ولمجتمعه ولكونه، لكن كخليفة ووكيل. إذن هو مقيد في سلطاته؛ الأمة مصدر السلطات شرط ألا تُحِلَّ حرامًا أو تُحَرِّم حلالًا، فالشريعة الإسلامية هي بنود عقد وعهد الاستخلاف.
إذن هذه هي الرؤية الفلسفية الإسلامية للكون، تجعل الإنسان ليس سيد الكون وإنما كما قال الشيخ محمد عبده: الإنسان عبد لله وحده وسيد لكل شيء بعده. إذن هذه رؤية الإسلام التي تجعل هذه الرؤية الفلسفية ترفض العلمانية التي تحرر الكون والدولة والمجتمع والإنسان من التدبير الإلهي ومن الشريعة الإلهية.
سؤال المذيع عن التضاد بين العلمانية والشريعة وبداية إجابة الشيخ علي جمعة
[المذيع]: فضيلة مفتي الديار الأستاذ الدكتور علي جمعة، أفهم أن هناك تضادًا بين مفهوم العلمانية والشريعة الإسلامية، أم أن لكم رؤية تكمل رؤية الدكتور عمارة أو توضحها؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذه كلمة جديدة وافدة علينا، إذن فلا بد من الرجوع إلى الأصل المستعمل في الغرب.
هذه الكلمة عندما أردنا أن نترجمها، حدث كما أشار الدكتور عمارة هذا الخلاف بين كونها عَلمانية أو عِلمانية أو عالَمانية، ومعنى هذا أنها ليست من إنتاجنا وليست من حضارتنا وليست من اشتقاقاتنا.
ضرورة فهم المصطلح العلماني من مصادره الغربية وكتاب المسيري
[الشيخ]: نعم، هذا إذن مصطلح بإزاء مفهوم وارد إلينا، فلا بد علينا أن نفهم ماذا يريدون. من أبدع ما كُتِب في هذا - حتى نحكم إذا كان هذا موافقًا للإسلام أو مخالفًا للإسلام أو موافقًا لحضارتنا وتاريخنا وهويتنا أو مخالفًا لذلك - كتاب «العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية» للمرحوم عبد الوهاب المسيري، وهو كتاب في جزأين يشرح فيه بالتفصيل ما معنى العلمانية الشاملة وما معنى العلمانية الجزئية التي أشار إلى بعضها الدكتور عمارة.
الأسئلة الكبرى الثلاثة التي تشغل البشرية وإجابات الأديان والفلسفات عليها
[الشيخ]: القضية أن كل إنسان من الستة مليارات في الأرض يتشوف للإجابة على هذه الأسئلة: سؤال متعلق بالماضي، وسؤال متعلق بالحاضر، وسؤال متعلق بالمستقبل.
وهنا تأتي الأديان السماوية وتأتي الفلسفات الوضعية لتجيب بطرق معينة ومختلفة على هذه الأسئلة الثلاثة، ولذلك نسميها في حضارتنا بالأسئلة الكبرى؛ لأنها أسئلة شاملة لكل البشر، لأنها هي التي حيّرت الإنسان، لأنها هي التي إذا ما تأمل الإنسان في وجوده وفي الكون حوله فإنه يسأل هذه الأسئلة.
[المذيع]: ما الأسئلة هذه الثلاثة الكبيرة التي حيّرت الناس وأجاب عنها كل دين؟
[الشيخ]: من أين أتينا؟ مِمّا نحن؟ من أين أتينا؟ الماضي الخاص بالإسلام واضح أن الله خلقنا.
[المذيع]: نعم، وكذلك الدين واضح.
[الشيخ]: المسيحية تقول إن الله خلقنا، واليهودية تقول إن الله خلقنا.
السؤال الثاني عن معنى الحياة وإجابة الإسلام بالتكليف والأوامر والنواهي
[الشيخ]: إذن ماذا نفعل هنا؟ وما معنى هذه الحياة؟ يعني لماذا أنا موجود هنا؟ فهذا السؤال متعلق بالحاضر، بواقعه الآن.
هذا السؤال أجاب عنه الإسلام وقال له: أنت مكلّف، ومكلّف معناه أن هناك أمرًا ونهيًا من الإله يقول لك: صلِّ وصُم، إياك أن تسرق، إياك أن تنهب، إياك أن ترتشي، حُجَّ، وأوامر ونواهٍ وأوامر ونواهٍ.
حسنًا، وما فائدة كل هذا التعب؟ العبد وأقوم أتوضأ للفجر وأصلي وأعمل وما إلى ذلك؟
السؤال الثالث عن المصير بعد الموت وإجابة الإسلام باليوم الآخر والحساب
[الشيخ]: فيجيبني [الإسلام] على السؤال الثالث: ماذا سيكون غدًا؟ وأنا أرى الناس تموت وتولد، ورأيته هو يولد ونصبح فرحون غاية الفرح وهو يولد، ثم بعد ذلك تمر الحياة، ثم يموت، ويموت في أي مرحلة كانت: وهو طفل، وهو شاب، وهو شيخ، سبحان الله.
حسنًا، إلى أين نذهب؟ فتأتي الإجابة الثالثة أن هناك يومًا آخر فيه جنة، فيه نار، فيه حساب، فيه عقاب، فيه ثواب. ويرسم لنا الدين وبالتفصيل - دين الإسلام - هذا الحال في هذا اليوم.
وفي صلاتنا في كل ركعة نقول:
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 4-5]
فهنا الإجابة على الأسئلة الثلاثة واضحة عندي وفي ذهني ومستقرة في يقيني وفي هويتي وأنا نشأت على هذا.
الفلسفة العلمانية ترفض الإجابات الدينية وتسمي الأسئلة الكبرى بالنهائية
[الشيخ]: فوجدت هذه الفلسفة [العلمانية] التي جاءت لي تقول لي: لماذا تدخل أنت المدخل هذا ونحن لم نعرف بالحكاية هذه التي تقول أن الله خلقنا؟ لا، أنا لي مدخل آخر. قلت له: لك مدخل آخر غير أنك تؤمن بأن الله هو الذي خلق، وبأن الله هو الذي كلّف، وبأن الله هو الذي إليه المرجع والمآب، لك إجابات أخرى؟
قال لي: نعم. إذن هذا أول خلاف بيني وبينك؛ لأنك الآن تسألني هل هذا مخالف أم غير مخالف، يعني مختلف أم لا، صحيح؟
[المذيع]: نعم هكذا.
[الشيخ]: إذن هو مختلف بين العلمانية والحضارة الإسلامية والإسلام. إنه هنا يقول لي: بالنسبة للسؤال الأول، أنا لا أرغب في جعل اسمه الأسئلة الكبرى، أريد أن أجعل اسمها الأسئلة النهائية. قلت له: ماذا تعني؟
المنهج العلماني في البحث عن وجود الله بالعلوم التجريبية وتسمية العلمانية
[الشيخ]: قال لي: سأجلس أبحث وأبحث في الفلك وفي الجيولوجيا وفي الأرض وفي السماء لكي أجيب على هذه المسألة. قلت له: تجيب على ماذا؟ قال لي: أجيب إذا كان هناك الله أم لا، وأجيب على إذا كان الله قد خلق هذا الخلق أم لا، وأجيب على ما إذا كان ربنا أوحى إلينا لنفعل أو لا نفعل كما تقول أم لا.
ومن هنا ذهبوا فألبسوا قضية العلم في هذا الأمر ليسموها عِلمانية، وكأن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى علم، حتى لأنها أسئلة نهائية.
الإيمان بالله فطري لا يحتاج إلى علوم تجريبية واستدلال الأعرابي البسيط
[الشيخ]: قلت له: لكنني بدون العلم هذا - الجيولوجيا والفلك وغير ذلك إلى آخره والفيزياء والكيمياء والطب وكل شيء - وأنا مؤمن به يعني، لكن أنا حتى التأمل في هذا الكون العظيم الذي حولنا وببساطة هكذا، كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، يعني فنهار ساجٍ وليل داجٍ وبحار ذات أمواج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فهذه شيء يشبه الفطرة في الإنسان، ستة مليارات، عالمهم وجاهلهم، يقولون إن هناك إلهًا؛ لأن القصور الذاتي مخالف لفطرة الإنسان وعقله وأصل الخلقة. فلماذا تريدني أن أربط بين هذه العلوم الجميلة التي تُعمِّر الكون وبين الإجابة على السؤال؟
تنحية الله عن الإجابة على الأسئلة الكبرى وموقف العلمانية من التكليف
[الشيخ]: أولًا، أنا مختلف معك حتى في هذا الأسلوب، ولكن هذه الإجابة الأولى هي إجابة فطرية. ثانيًا، ما دمت قد قلت إن أنا انتظر حتى أعرف هل يوجد رب أم لا، فهذا يعني أننا نحّيناه وليس أنكرناه؛ لأننا كلما قلنا نحّيناه يفهم بعضهم ويقول: لا، نحن لا ننكر ربنا، وأنا أعرف ذلك أنك أنت لا تنكر ربنا، لكن من ناحيته أخرجته عن الإجابة.
لن أجيب [على سؤال وجود الله الآن]، حسنًا، فبماذا أكون مكلفًا الآن؟ قال: بلا شيء، أنت عليك أن تكون محسنًا مع الناس وأن تعمر الأرض. كيف؟ قال: فكر وتدبر وقل واعمل. وهنا تأتي نقطة الحرية: دعه يعمل، دعه يمر.
إجابات العلمانية المختلفة على الأسئلة الثلاثة وتسميتها بالعَلَمانية
[الشيخ]: فهذه هي الإجابة على الأسئلة الثلاثة مختلفة [عن إجابات الإسلام]. وبعد ذلك يقول لي: حسنًا، وما بعد الموت؟ فأقول له: ومن سيعيش أيضًا؟ أنا لن أجيب عليه، سأهتم بحياتي الدنيا، ولذلك سموها عَلَمانية، أي أنني أريد أن أُعمِّر هذا العالم.
إذن، إذا كنا نريد أن نناقش، فلنناقش بهذه الصراحة. هذه هي الإجابة على الأسئلة الكبرى التي يسمونها الأسئلة النهائية. هم يريدون أن يجعلوها إيمانية، أي أن كل واحد منا يصنع الكون كما تراه.
المطلق والنسبي في العلمانية واستحالة الجمع بين الإسلام والعلمانية
[الشيخ]: وهنا ننتقل إلى نقطة أخرى وهي المطلق والنسبي: هل يوجد مطلق أم أن كل شيء نسبي؟ فالذي يظهر في العلمانية أن النسبية هذه شيء مهم جدًا، خاصة في العلمانية الشاملة، وهذه النسبية هي كل شيء، لكن المهم هو الكم والإنتاج والعقد والاستهلاك ومبادئ كثيرة تكوِّن ما نسميه بالنموذج المعرفي.
لكن القضية - لماذا - وهذا وُجِد في الصحافة وفي الإعلام وما شابه - لا يوجد مسلم علماني؟ يريدون أن يجعلوني مسلمًا علمانيًا، فنقول لا يمكن. لماذا؟ لأن هذا نموذج معرفي وذاك نموذج معرفي آخر مختلفان.
عندما نأتي إلى النموذج المعرفي ونضع عناصره نجدها ثلاثين عنصرًا مختلفين، الإجابات مختلفة، فهو مختلف، فكيف يكون مسلمًا علمانيًا؟ لا يمكن ذلك، لا يستوي الأمر، لا يستوي الأمر.
سؤال المذيع للدكتور أسامة الأزهري عن فض الاشتباك بين الإسلام والعلمانية
[المذيع]: حسنًا، إذا الأمر واضحًا وجليًا. ضيفي العزيز فضيلة الدكتور أسامة الأزهري، كما أوضح فضيلة المفتي وفضيلة الدكتور عمارة، هناك اختلاف جذري بين الإسلام كدين وشريعة وبين العلمانية. كيف نفضّ الاشتباك وهناك تيارات والبعض يتحدث عن أننا نريد دولة علمانية أو أن هناك تيارات علمانية؟ كيف ترى هذا الاشتباك وكيف يمكننا توضيح الصورة لهؤلاء؟
[الشيخ أسامة الأزهري]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه. أما بعد، علماء القرآن وعلماء التفسير قالوا إن قصص الأنبياء التي تحدثتنا عن سيدنا موسى وحواره مع قومه وتحدثتنا عن سيدنا شعيب وكيف تعامل مع قومه لم تأتِ لمجرد الموعظة والعبرة.
قصص الأنبياء تعالج الفلسفات المتكررة وفكرة العلمانية عند قوم شعيب
[الشيخ أسامة الأزهري]: لا، فكل نبي من الأنبياء كان يناقش فكرة وفلسفة كبرى من الفلسفات المتكررة في أطوار البشرية. ففكرة العلمانية وُجد لها نموذج قديم في الفكر البشري عالجها نبي من الأنبياء. فكرة قصر مصادر المعرفة على التجربة أو الحس، ووُجد لها نموذجًا قديمًا في التجارب البشرية المتكررة، عالجها نبي من الأنبياء.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ أسامة الأزهري]: والقرآن الكريم هو ينقل لي حوار الأنبياء مع أقوامهم، فهو في الحقيقة ينقل لنا مجموعة معالجات قرآنية لرؤوس النظريات الفلسفية المتكررة في أطوار التاريخ البشري.
خذ عندك مثالًا على ذلك: فكرة العلمانية بهذه المفاهيم وبهذه الرؤية وُجدت قديمًا في تجربة وحضارة وثقافة بشرية قديمة في قوم سيدنا شعيب.
قوم شعيب يفصلون الصلاة عن إدارة الأموال كنموذج علماني قديم
[الشيخ أسامة الأزهري]: فسيدنا شعيب يقول:
﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 84]
ثم حدّث قومه قائلًا: لا تنقصوا المكيال والميزان ولا تعثوا في الأرض مفسدين. فبدأ قوم شعيب يبرز في كلامهم عرض عجيب وغريب لمفهوم العلمانية في تلك التجربة البشرية القديمة.
قالوا:
﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 87]
يقولون له: ما هو الرابط بين الصلاة والتعبد وبين إدارة الأسواق وإدارة الحركة المالية وإقامة المجمعات الاستهلاكية وإقامة محافظ الاستثمار؟ ما هي العلاقة بين الصلاة والتدين وبين إدارة الأموال؟
تفكيك سيدنا شعيب للفكر العلماني بتثبيت فكرة الربانية والبينة من الله
[الشيخ أسامة الأزهري]: انظر، انظر إلى المفهوم العلماني القديم عند قوم شعيب، قالوا:
﴿قَالُوا يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]
فانظر أول إجابة لسيدنا شعيب وهي النقاش القرآني والتفكيك القرآني لفكرة العلمانية:
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 88]
إذن، المرتكز القرآني في تفكيك الفكر العلماني الذي يعزل إدارة الحياة وحركة الأموال ونمط الإدارة والنظم الإدارية للبلاد والعباد، النظام الذي يفصل هذه المهام عن فكرة الدين وعن التشريع الإلهي الحاكم، أول نقطة لتفكيكه ومناقشته: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من الرب، بتثبيت فكرة الربانية والإيمان بالغيب والاحتكام إلى معيار إلهي جاء إلينا عن طريق الوحي المعصوم المحفوظ المنقول نقلًا منضبطًا ودقيقًا.
مناقشة الفكرة العلمانية بالعلوم اليقينية وثبوت الألوهية والنبوة والوحي
[الشيخ أسامة الأزهري]: فيناقشون الفكرة العلمية بهذا المدخل:
﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 88]
أنا عندي يقين وعلوم يقينية ومناهج بحثية وطرق علمية دقيقة نقلت لي التكليف الإلهي، وثبتت قبلها فكرة الألوهية، وثبتت فكرة الغيب، وثبتت فكرة النبوة، وثبتت فكرة الوحي، حتى برزت هذه النتيجة:
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]
خريطة الدين الثلاثية العبادة والعمارة والتزكية وخطر الاختلال بينها
[الشيخ أسامة الأزهري]: وفي فكرة ثانية صغيرة جدًا، أن خريطة الدين في الحقيقة أنه مكون من ثلاث مناطق شديدة الأهمية: العبادة، العمارة، والتزكية.
صحيح أن كثيرًا من الناس يتصور الدين مجموعة من الشعائر والعبادات وقيام الليل وكثرة الذكر فقط، بينما الخريطة الواضحة التي لا بد من إعادة بنائها في العقول وفي الثقافة العامة أن التصور الكلي للدين أنه مكون من ثلاثة أشياء: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
بعض الناس يتمسك في قضية العبادة فقط وتبالغ فيها فتُنتج لدي أنماطًا من التدين المتطرف المتشدد. بعض الأنماط من الناس تتمسك في قضية التزكية وذكر الله والمنظومة الأخلاقية فقط فتنتج لدي أنماطًا من الرهبنة والعزلة. بعض الأنماط من الناس تتمسك في قضية عمارة الأرض فقط بمعزل عن العبادة والتزكية فتُنتج الفكرة العلمانية.
آية الجمعة تجمع بين العبادة والتزكية والعمارة كعلاج للعلمانية
[الشيخ أسامة الأزهري]: فكيف نعيد بناء العقلية على نحو يوازن بين الأمور الثلاثة: أن دين الله تعالى عبادة، وعمارة للأرض، وتزكية للنفس؟ وانظر إلى آية واحدة من القرآن جمعت الثلاثة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الجمعة: 9]
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، هذه عبادة. فاسعوا إلى ذكر الله، تزكية نفس. وذروا البيع، حركة العمران في المجتمع.
ثم قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]
إذا قُضيت الصلاة تمت العبادة، فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله حتى تدور حركة الإنتاج والعمل في المجتمع، واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون. فجمع الله تعالى هذه المفاهيم الثلاثة.
الخلاصة أن الدين عبادة وعمارة وتزكية. تفكيك هذه المناطق هو الذي ينتج منه فكرة العلمانية. العلاج هو جمع هذه الخريطة مرة أخرى في بناء الثقافة العامة، وفي بناء الأجيال، وفي تنشئة الإنسان، وفي تصحيح التصور عن الدين في الفكرة العامة.
خطورة تطبيق العلمانية في مجتمع مسلم والوثنية الجاهلية كنموذج علماني قديم
[المذيع]: حسنًا، خطورة حدوث عدم توازن في المجتمع طبقًا لما ذكر الدكتور أسامة وفضيلة الدكتور عمارة وتأثيرهما على المجتمع، أي أن الذين ينادون بأن تكون الدولة علمانية في مجتمع مسلم، إذا طُبق هذا المفهوم، ما هي الانعكاسات السلبية على المجتمع وعلى السلام الاجتماعي فيه وعلى الشريعة؟
[الشيخ محمد عمارة]: حتى إن الدكتور أسامة أشار إلى بُعد تاريخي في رسالات النبوات، سيدنا شعيب يعني القوم يتحدثون بمنطق علماني، منطق دنيوي، يعني نعم نصلي ونعبد ويكون هناك عقيدة، لكن ما علاقة ذلك بالاقتصاد وبإدارة حركة المجتمع؟ هم هنا يريدون أن يقولوا إن المجتمع مستقل بذاته وأن الإنسان في هذا المجتمع مستقل.
الوثنية الجاهلية تعترف بالخالق لكنها تعزل التدبير الإلهي عن الحياة
[الشيخ محمد عمارة]: أريد أن أشير إلى بُعد شبيه بهذه الوثنية الجاهلية، تكلم بمنطق علماني. يعني انظر، نحن قلنا إن أرسطو كان يرى أن الله مجرد خالق، والمسيحية الرومانية ترى أن الله مجرد خالق لأن مملكته ليست في هذا العالم، وإنما التدبير متروك لقيصر، فقيصر هذا ليس هناك سلطان ديني على تدبيره.
انظر، الوثنية الجاهلية لم تكن تنكر أن الله خالق:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [لقمان: 25]
لكن التدبير، عندما يريد الوثني أن يسافر أو لا يسافر، يتزوج أو لا يتزوج، يحارب أو يسالم، يسأل من؟ لا يسأل الذات الإلهية، يسأل الصنم. إذن هو جعل التدبير في العالم وفي الدنيا ليس للذات الإلهية؛ لأنه وقف بالذات الإلهية عند مجرد الخلق.
الإسلام عقيدة وشريعة والعلمانية تقطع إحدى رئتي الإسلام
[الشيخ محمد عمارة]: نحن في الإسلام لا يختلف اثنان على أن الإسلام عقيدة وشريعة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ محمد عمارة]: لو أردت أن تكون هناك دولة علمانية ومجتمع علماني، معنى ذلك أنك تعزل الشريعة وتكتفي في العلمانية المؤمنة بأن يكون هناك مجرد اعتقاد ومجرد عبادات ومجرد شعائر. إذن أنت تقطع إحدى رئتي الإسلام.
كون العلمانية تجعل الإنسان سيد الكون والتدبير في الدولة والمجتمع والسياسة للعقل والتجربة، هذا أيضًا فلسفة وضعية غربية التي هي تؤلّه العقل، بينما في الإسلام للعقل مقام عالٍ وعظيم، لكن العقل مع الشرع.
رفاعة الطهطاوي يصف باريس بشموس العلم وليل الكفر ويرفض الفلسفة الوضعية
[الشيخ محمد عمارة]: وذلك يعني حتى الطهطاوي عندما ذهب إلى باريس سنة ألف وثمانمائة وستة وعشرين، ورأى الحياة في باريس وفي المدن الإفرنجية الكبرى، قال: هنا في علم العلوم، علوم التمدن المدني التي لها دخل في العمران وفي عمران المجتمع، لكن هؤلاء الناس عندهم فلسفة وضعية تحتكم للعقل فقط ولا تؤمن بما في الكتب السماوية.
وذكر معادلة شديدة الغرابة: في علوم وتقدم في علوم مدنية وطبيعية وتجريبية وغيرها، لكن هنا فلسفة وضعية تحتكم إلى الواقع فقط ولا علاقة لها بالدين. فتكلّم عن أن هذه الفلسفة وصفها الطهطاوي قائلًا: ولهم في الفلسفة حشوات ضلالية مخالفة لكل الكتب السماوية.
وبعد ذلك صاغ المعادلة التي شاهدها في باريس وفي الغرب في بيتين من الشعر فيهما ظرافة، حيث يقول:
أيوجد مثل باريس ديارٌ ... شموسُ العلمِ فيها لا تغيبُ وليلُ الكفرِ ليس له صباحٌ ... أما هذا وحقكم عجيبُ!
مكانة العقل في الإسلام وضرورة اقترانه بالشرع لا الاستقلال عنه
[الشيخ محمد عمارة]: يبقى إذا عُزِل الدين عن المجتمع وأصبح العقل وحده هو المتحكم وهو المدير؟ العقل له مقام عالٍ في الإسلام، وفي تسع وأربعين آية في القرآن كلام بشكل مباشر عن العقل، في التدبر والتفكر والتذكر واللبّ والنُّهى، يعني حوالي مئات الآيات تتحدث عن العقل.
لكن الطهطاوي قال أنه لا عبرة بالتحسين والتقبيح بالعقل وحده، وإنما لا بد من الشرع مع العقل. لماذا؟ لأن العلماني يقول لك: العقل وفقط.
حسنًا، العقل ملكة من ملكات الإنسان، وكل ملكات الإنسان نسبية الإدراك، هناك ما يعلو على العقل. وكما قال علماؤنا مثل الشيخ محمد عبده والأفغاني وغيرهما وغيرهم من العلماء يقولون: إن الدين لا يأتي بما يخالف العقل، لكن قد يأتي بما هو فوق العقل.
عالم الغيب يفوق إدراك العقل والوحي ضرورة لاستكمال المعرفة البشرية
[الشيخ محمد عمارة]: يعني عالم الغيب الذي فيه:
قال النبي ﷺ: «ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر»
حقائق كُنه الذات الإلهية وصفات الجلال والكمال والجمال للذات الإلهية، الكُنه والحقيقة لا يستطيع العقل أن يدرك هذا الكون وهذه الحقيقة.
إذا وطالما أن العقل نسبي الإدراك، لا بد أن يأتي الوحي. ومن هنا، العلمانيون يريدون إدارة المجتمع بالعقل وحده، فنقول لهم: إن العقل على عظمته، هناك مناطق - كما كان يقول الأفغاني - يقف عندها أمام سرادق عزة الذات الإلهية.
إذن الشرع مع العقل، والشريعة مع التجربة ومع الخبرة ومع كل هذه الأمور في إدارة المجتمع. أما إذا عُزِلت الشريعة بالعلمانية فهذا كما قلت هو قطع إحدى رئتَي الإسلام.
موقف الطهطاوي وعلماء الإسلام من تسرب القانون العلماني إلى المجتمعات المسلمة
[الشيخ محمد عمارة]: إذا أردت أن أقول: منذ إطلالة تسرب هذا القانون العلماني عندما زادت الجاليات الأجنبية والنفوذ الأجنبي وشركة قناة السويس، فكان هناك موقف من علمائنا وعلى رأسهم وفي مقدمتهم رفاعة الطهطاوي لرفض هذا؛ لأنه لا يمكن أن نكون مجرد مقلدين للمجتمعات العلمانية ونعزل شريعتنا.
لأنه كما قلت: الإنسان ليس سيد الكون، وكما قال فضيلة المفتي هو سيد في الكون وليس سيدًا للكون؛ لأن سيد الكون هو الذات الإلهية. الإنسان في الإسلام خليفة ووكيل ونائب، فعندما أوكّل المحامي في قضية أعطيه الحرية لكن في حدود التوكيل. الإنسان نائب خليفة ووكيل لله سبحانه وتعالى، حر لكن في حدود عقد التوكيل الذي هو الشريعة الإسلامية.
فاصل البرنامج والعودة بسؤال عن تقدم الغرب العلماني وعلاقته بالعلمانية
[المذيع]: مجموعة من التساؤلات سنطرحها بعد هذا الفاصل إن سمحت دكتور عمارة، مجموعة من التساؤلات بعد الفاصل.
وسلِّم دائمًا أبدًا على حبيبك خيرُ الخلقِ كلِهم، مولاي صلِّ.
[المذيع]: يقول قائل: العالم الغربي وهؤلاء الذين صدّروا لنا هذا المفهوم في حالة تقدم كبيرة، ولديهم حرية وديمقراطية وما إلى ذلك من الأمور التي نتطلع أو نتشوق لها نحن كمجتمعات آخذة في النمو، بماذا تردّ عليهم إذا كان هناك اختلاف جذري ما بين الإسلام وبين العلمانية؟ الذين يروجون لهذا المذهب، كيف نقول لهم أن هذا مخالف فعلًا للشريعة الإسلامية وأنه ليس سبب تقدم؟ ربما يكون العيب فينا.
معيار التقدم والتخلف هو الجدية وليس تبني العلمانية أو الإسلام
[الشيخ]: القضية أن التقدم والتخلف له معيار آخر غير تبني العلمانية أو تبني الإسلام. التقدم والنمو والتخلف وازدياد التخلف مقياسه الجدية وليس مقياسه تبني هذه الأفكار باسمها.
مجموعة القواعد والضوابط التي وضعوها على اعتبار أنهم - يعني - هذا أكبروا العلم أكثر من إفراز، ولكن عندما يتقدم البشر - أي بشر - سواء على المستوى الفردي أو سواء على مستوى الجماعة الصغيرة كالأسرة أو المدرسة أو المؤسسة أو المجتمع أو الأمة، بماذا تتقدم البشرية؟
تتقدم إذا ما التزم الإنسان بما يسمى بالجدية. الجدية لها عناصر، من التزم بها استطاع أن ينجح نجاحًا مقيسًا مدركًا له معيار نقيس به، وتقدم فعلًا، ويخرج من حالة التنمية إلى حالة النمو.
عناصر الجدية السبعة من المحافظة على الوقت إلى النظام والإتقان
[الشيخ]: الفرق بين التنمية والنمو أن التنمية تحتاج إلى خطة، لكن النمو يسير بآلية مثل كرة الثلج عندما تنزل من العلو إلى السفل فإنها تزداد دائمًا وحدها بقوة الجاذبية. فإذا كان النمو يحدث فيه، يحدث فيه من غير وضع خطة.
ما الجدية؟ الجدية عناصرها هي:
- أولًا: المحافظة على الوقت.
- ثانيًا: الصدور عن علم.
- ثالثًا: الديمومة والاستمرار.
- رابعًا: الإتقان.
- خامسًا: العمل في نظام الفريق.
- سادسًا: النظام.
- سابعًا: وهكذا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: السؤال الآن هو أن هذه العناصر يقرها الإسلام.
[المذيع]: لا يقر هذا [أي العلمانية].
[الشيخ]: نعم، هذا هو الحاكم، هذا هو الحاكم، وليس الحاكم أن هذا علماني وهذا إسلامي. العلماني إذا اتخذ هذه الجدية سوف يتقدم، والإسلامي إذا اتخذ هذه الجدية سوف يتقدم.
نموذج أبي الوفاء بن عقيل في المحافظة على الوقت وتأليف ثمانمائة مجلد
[الشيخ]: إذا حافظت على وقتي سأتقدم، وقد حدث ذلك؛ فالصحابة فعلوا هكذا، والحضارة الإسلامية فعلت هكذا. وكان لدينا أحد علماء الحضارة الإسلامية اسمه أبو الوفاء بن عقيل، كان يحافظ على وقته جدًا لدرجة أنه كان يلتهم الأرز جافًا، فيجعل وجبته عبارة عن التهام الأرز هكذا ولا يأكل الخبز.
فسألوه: هل في الخبز شيء؟ فقال: لا، لكن أكل الأرز يستغرق ثلاث دقائق وأكل الخبز يستغرق خمس دقائق وأنا لست متفرغًا، يعني يوفر دقيقتين.
ماذا فعل أبو الوفاء بن عقيل؟ ألّف كتابًا لم يؤلف مثله أحد في العالمين.
[المذيع]: ألّف كتابًا اسمه، أي الذي هو شرح ابن عقيل؟
[الشيخ]: لا لا، هذا ابن عقيل [آخر]، هذا قريب لكن ابن عقيل هذا كان في القرن الرابع أربعمائة وقليل يصبح الخامس. لكن ابن عقيل الحنبلي أبو الوفاء الحنبلي ألّف كتابًا اسمه «الفنون» في ثمانمائة مجلد، ثمانمائة مجلد! يعني لو طُرح الآن لأصبح في ألفي مجلد. هل يستطيع شخص، هل تستطيع منظمة أو مؤسسة أن تؤلف كتابًا في ألفي مجلد؟
التخلف سببه ترك العمل والجدية لا الالتزام بالدين والعلمانية تجمع الخسارتين
[الشيخ]: فإذا جاءت أمة مهما كانت مسلمة أو تمسكت بالعبادة ثم إنها لا تعمل إلا ثمانية وعشرين دقيقة في اليوم، فهذا لا يُرضي الله وسنتخلف، سنتخلف.
وحتى على فكرة لو كنا علمانيين، يعني لو كنا علمانيين فسنكون قد جمعنا بين الخسارتين، أي خسرنا الدنيا والدين. إذا كان هذا المسلم الذي يعمل ثمانية وعشرين دقيقة في اليوم وهو غير راضٍ أن يعمل الثماني ساعات الخاصة به، فإنه سيفشل.
إذن القضية ليست قضية إسلام وعلمانية، بل هي قضية عناصر النجاح، وعناصر النجاح التي تجتمع في كلمة الجدية.
الإسلام يأمر بالمحافظة على الوقت ومحاسبة النفس كأساس للحضارة والتقدم
[الشيخ]: ولو جلسنا لنرى كيف يحافظ الإسلام على [عناصر الجدية]، طبعًا انظر، انظر، انظر إلى الفعل وانظر إلى التطبيق وانظر إلى النظر:
قال النبي ﷺ: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه»
أو الأمر كذلك، فإنه لا بد أن يُسأل عن الزمن الذي أمضاه. والإمام سيدنا عمر يقول: والله ما يدخل نَفَس وأرجو أن يخرج، ولا يخرج نَفَس - كان يحاسب نفسه محاسبة الأنفاس.
وعُرف في التربية الإسلامية ما يسمى بمحاسبة الأنفاس. تخيل أنك تنتبه إلى نفسك في كل لحظة، تخيل أنك تراقب نفسك وتحاسبها مع كل نَفَس، وتأخذ مع كل نَفَس يدخل وتقول: ما هذا؟ ما هذا؟ ما هذه الهمة؟ ما هذا الوضع؟ لا، هؤلاء هم أناس كانوا أبناء الحضارة.
أحاديث نبوية تؤسس للجدية والإتقان والديمومة في العمل كمعيار للتقدم
[الشيخ]: عندما يأتي [النبي ﷺ] ليقول لك:
قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّت»
وكان عمله دائمًا أي مستمرًا هكذا. وعندما يأتي ويقول:
قال النبي ﷺ: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه»
وعندما يأتي ويقول: لينوا في أيدي إخوانكم. وعندما يأتي ويقول: الدين النصيحة. وعندما يأتي ويقول: عندما نمسك هكذا [بالتعاون والعمل الجماعي].
فإن الله في ديننا يأمرنا بالجدية والنجاح المقيس الذي عندما نقيسه نقول: نعم هذا تقدم، فتكون هذه دول متقدمة لأنها تمكنت من تحقيق ذلك. فالعمل هو المقياس هنا.
الفرق بين إعمال العقل في الإسلام وبين العلمانية التي تنحي الشرع
[المذيع]: حسنًا دكتور أسامة، قد يقول قائل إن الإسلام يدعو إلى إعمال العقل وهذا ما تدعو إليه العلمانية، وبالتالي ربما يكون هناك نوع من التضاد بين هذا وذاك.
[الشيخ أسامة الأزهري]: هذه المقولة تتناول أعمال العقل وعلاقته بما يأمر به الإسلام. يعني الإمام الكبير حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في أول كتابه [المستصفى] في أصول الفقه يقول: أن العقل يعمل حول النص الشرعي فيقيم الأدلة على أنه حجة من عند الله، ثم يفكر في كيفية فهمه وتحليله، ثم يفكر في مجالاته، أعمال النص الإلهي، ثم بعد ذلك يلقي بقياده إلى ذلك النص مستسلمًا ومؤمنًا ومقرًا ومذعنًا.
فعلاقة العقل بالشرع الشريف علاقة مركبة، والشرع الشريف يحيطه العقل من كل جانب على وجه الخدمة له؛ لأن هذا الشرع الشريف وحي إلهي، فالعقل يخدمه ويقرره وينشئ منظومات من العلوم الخادمة له، فهذه علاقة تمازجية متداخلة.
الفرق بين العقل الذي يخدم الشرع طلبًا والعقل العلماني الذي ينحيه هربًا
[الشيخ أسامة الأزهري]: بينما هناك [في الفكر العلماني] العقل يريد أن ينحي فكرة الشرع من المنظومة، يريد أن يحيّدها، أن يجعلها فكرة يبادر فيقول: أنا لا أرفضها ابتداءً، لكن لا أصر على الأخذ بها، ويدعو إلى جعلها قضية شخصية فردية نسبية.
فهذا شتان ما بين هذا وذاك، شتان ما بين عقل يحيّد الدين ويرفضه وينتهي في النهاية إلى إخراجه من منظومة الحياة، وفيما بين العقل [الذي يخدم الشرع].
كان مولانا فضيلة المفتي يعلمنا الفارق بين عمل الإنسان للشيء طلبًا وبين عمل الإنسان للشيء نفسه هربًا. الشرع الشريف يُعمِل العقل في فهم الشرع طلبًا لتمديده وإيجاده في حياة الناس، بينما الفكر العلماني يُعمِل الشرع مع العقل هربًا منه وتفلتًا من معانيه. الشريعة في إجازة [أي في راحة عند العلمانيين].
العلمانية ليست شرطًا للديمقراطية والنازية والشيوعية أكبر دليل على ذلك
[المذيع]: الخلاصة فضيلة المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة عن العلمانية: نريد للمواطن البسيط أن يطمئن ويفهم هذا المفهوم، يعني عندما يقال من العلمانيين إنه كي تكون هناك ديمقراطية لا بد أن تكون الدولة علمانية؟
[الشيخ محمد عمارة]: نقول لهم: النازية والفاشية هي قمة العلمانية وكانت دكتاتورية لا علاقة لها بالديمقراطية. فالدول الشيوعية والماركسية هي قمة العلمانية المتطرفة ولا علاقة لها بالديمقراطية.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ محمد عمارة]: أنهم يقولون إن العلمانية لا تجور على الدين وأنها محايدة بالنسبة للدين، نقول لهم: دعونا نرى تجربة أوروبا. إن الذين يؤمنون بوجود إله، مجرد وجود إله حتى ولو لم يعبدوه، في أوروبا أربعة عشر في المائة. في فرنسا التي هي أكبر بلاد الكاثوليكية، بِنْت الكاثوليكية، الذي يذهب للقداس مرة في الأسبوع ثلاثة ملايين، يعني أقل من خمسة في المائة، يعني نصف عدد المسلمين الذين يصلون الجمعة في فرنسا.
التقدم الحقيقي منظومة قيم وليس مجرد اقتصاد والجمع بين الدين والدنيا ضرورة
[الشيخ محمد عمارة]: لا يجب أن نستعير من أوروبا هذا الذي أدى إلى هذا البلاء في أوروبا. وموضوع التقدم ليس بورصة فقط، ليس مجرد حسابات وأموال، فالتقدم هو منظومة قيم.
وذلك أنك ترى كل تقارير التنمية البشرية في العالم كلها تتحدث عن الاقتصاد فقط، لا يتحدث أحد عن منظومة القيم والأخلاق. الإنسان ليس حيوانًا يأكل في سبعة أمعاء، كما جاء في الحديث النبوي:
قال النبي ﷺ: «المؤمن يأكل في مِعًى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء»
إذا الجمع بين الدين والدنيا، بين الشريعة وبين العقل، وكما قال الدكتور أسامة، أبو حامد الغزالي يقول: العقل مثل البصر، والشرع مثل الضياء. من لديه عقل بلا شرع يكون كمن له عينان سليمتان لكنه يمشي في الظلمة، فلا قيمة للبصر. أما من لديه شرع بدون عقل فهو كالمغمض العينين وأمشي في النهار، لا قيمة لهذا الدين.
ويختم العبارة قائلًا: فالشرع مع العقل نورٌ على نور.
الفرق بين الدولة المدنية بمرجعية إسلامية والدولة العلمانية
[المذيع]: لا، فضيلة الدكتور عمارة، الختام مع فضيلة المفتي. وكنت أريد أيضًا مع الخلاصة استيضاح أو أن أستوضح الفرق بين العلمانية والدولة المدنية. فضيلة الدكتور علي، كان لدينا حلقة حدثنا فيها عن الدولة المدنية وفضيلتك أوضحت أنها دولة مدنية بمرجعية إسلامية، يعني هل هناك شروط في قضية المرجعية؟
[الشيخ]: الدولة المدنية معناها أن لدي برلمانًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لدي فصلًا بين السلطات الثلاث، لدي دولة مؤسسات، أنا لدي هنا ثلاثة آلاف مؤسسة، الدولة فيها ثلاثة آلاف مؤسسة. لدي دولة فيها دستور، فيها قانون، هذه هي الدولة المدنية. فيها انتخابات نزيهة، فيها تداول للسلطات، فيها إلى آخره، كل هذا دولة مدنية، هذه هي دولة مدنية.
الدولة المدنية تعمل تحت سقف النظام العام والشريعة الإسلامية دون تناقض
[الشيخ]: هذا لا علاقة له بأن تكون هذه القضية كلها تدور تحت سقف لا يمكن أن تتعداه اسمه النظام العام والآداب. نحفظ فيه النفس، نحفظ فيه العقل، نحفظ فيه الدين، نحفظ فيه كرامة الإنسان، نحفظ فيه ملك الإنسان ورفاهة الإنسان وعمارة الأرض والتزكية والعبادة وكذا.
ما هذا؟ هذا لا تناقض إطلاقًا. ولذلك فنحن دولتنا مدنية وطوال عمرها مدنية، وسقفنا هو هذه الحضارة الإسلامية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أما العلمانية فلا، العلمانية مسألة أخرى.
العلمانية غريبة عن الهوية المصرية والإسلامية ولا تصلح لمجتمعاتنا
[الشيخ]: يعني أولًا اختلاف جذري بدون ما بين الشركاء، لم تكن منا ولا نعرف ماهياتها. ولذلك الدعوة إلى العلمانية كما تفضل الدكتور عمارة الآن وبيّن أنها بدأت سنة ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين، فالكلمة دخلت مع هذا المعجم الفرنسي منذ ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين إلى الآن والناس لا يفهمونها، لا يفهمونها.
حسنًا، إذن هذه نخبة تتحدث إلى نفسها وتدعي لنفسها وضعًا معينًا بعيدًا عن الخلق.
رقم اثنين: المصري سواء كان مسلمًا أو مسيحيًا هو يريد أن يكون له دين يرجع إليه ولا يخرج عنه.
رقم ثلاثة: نحن لنا هوية، الهوية متمثلة في التراث، في الحاضر، في تركيبة الشخصية المكونة من العقلية والنفسية، في الأمل الفسيح والعمل الصحيح الذي يأتي. وكل هذه المكونات في النهاية لا علاقة لها بالعلمانية وتأبى العلمانية.
خاتمة الحلقة وتلخيص الاختلاف الجذري بين الإسلام والعلمانية
[الشيخ]: وفطرة هذا الإنسان، فكيف آخذ منه ديمومة العمل؟ وكيف آخذ منه هذا وذاك؟ كيف أفعل هذا وأحوّله إلى إله في بيئة غريبة؟ ولذلك فالعلمانية لا تصلح لنا، ولا يكون تقدمنا إلا بالرجوع إلى ذاتنا وإلى الثقة بأنفسنا وإلى التأصيل الذي يرى الغد أفضل.
[المذيع]: وهذا أفضل ما نختم به. أنا أشكر فضيلتك فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية، شكرًا جزيلًا. أعتقد أن الأمر أصبح واضحًا وجليًا، وفهمت وكثير من المشاهدين أن هذا المفهوم الذي يروج له البعض عن العلمانية وخلافه مع الإسلام.
أشكر ضيوفي الكرام فضيلة المفتي الدكتور علي جمعة، شكرًا للمفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، وأيضًا الداعية فضيلة الدكتور أسامة الأزهري عضو هيئة التدريس في كلية أصول الدين.
ونشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. ويُسمح لي أن ألخّص ما فهمته من ضيوفي الكرام: أن هناك اختلافًا جذريًا ما بين الإسلام وما بين العلمانية، ليس هناك مسلم علماني كما يدعو البعض، وهي عَلمانية بفتح العين كما أوضح ضيفنا، وليست عِلمانية أي التي يحاول أن ينسبها إلى العلم. نشكركم مرة أخرى على حسن المتابعة، ودائمًا نلقاكم في كلمات.
