كلمة حق | أ.د علي جمعة | قيمة العمل في الإسلام بتاريخ 2011 - 06 - 03

المذيع (الأستاذ شريف فؤاد): هناك قول مأثور يقول: العمل عبادة. والحقيقة أن هذا القول يعظم ويُعلي من قيمة العمل، لكن الأهم من ذلك أن هناك كثيراً جداً من الآيات القرآنية والأحاديث التي تُظهر قيمة العمل في الإسلام، ليس العمل فحسب، بل الإتقان والإخلاص فيه طبقاً
للحديث الصحيح عن رسولنا المصطفى صلى الله. عليه وسلم الذي يقول فيه- أو ما معناه-: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". ما من مجتمع ولا دولة ولا أمة نهضت في الدنيا إلا بالعمل والإتقان في العمل عن قيمة العمل في الإسلام نتحدث في كلمة حق. في رحاب الجامع الأزهر الشريف أرحب بضيوفي الكرام كوكبة من علمائنا: بالطبع العلامة فضيلة مفتي الديار المصرية، الأستاذ الدكتور علي جمعة. أرحب بفضيلتك، أهلاً بك. أهلاً وسهلاً معنا لأول مرة أيضاً العالم الجليل الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بمجمع البحوث الإسلامية. نرحب بفضيلتكم. أهلاً بك. الدكتور الأحمدي أبو النور: أهلا وسهلا. وأهلاً بك دكتور أسامة الأزهري عضو هيئة تدريس كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، أهلاً وسهلاً بك. الشيخ أسامة الأزهري: أهلا وسهلا. فضيلة الدكتور. علي،
يعني لو بدأنا- ونحن نتحدث عن حاجتنا للعمل أو قيمة العمل- كيف نظر الإسلام إلى هذه القيمة المهمة في حياتنا؟ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ابتداءً، كل مشكلتنا تُحل في الوقت الراهن بالعمل، مشكلتنا هي إننا حينما لم يعد العمل ثقافة سائدة وشائعة بين الناس لم تعد له تلك القداسة، كانوا قديماً يطلقون عليه "أكل العيش"، وهذا صحيح. وكلمة "عيش" تعني الحياة، أي لا حياة بدون عمل.
عندما جاء الإسلام، علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمنتهى البساطة، ليصل هذا المفهوم إلى قلب كل إنسان، أن الله سبحانه وتعالى يحب العمل ويحب عمارة الأرض. أفهمنا هذا من جانب العقيدة، ومن جانب السلوك والحياة، ومن جانب الأخلاق. لم يرد الإيمان في كتاب الله سبحانه وتعالى إلا وهو قرين للعمل الصالح "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، لا يوجد "الَّذِينَ آمَنُوا" فقط. النبي صلى الله عليه وسلم علمنا مجموعة من القيم الأخلاقية البديعة، إذ يقول: "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه"، ولذلك حوّل المسلمون هذا القيم عبر حياتهم وعصورهم إلى برنامج واقعي
يعيشونه، فعاشوا قيمة الإتقان. ترى الإتقان في جانب العمارة، ترى الإتقان في تخطيط المدن، ترى الإتقان في العلوم وإنشائها العلوم وترى الإنتاج عندهم قائمًا على الإتقان في جميع مناحي الإنتاج بجميع صورها عبر العصور حتى بُنيت ما يسمى بالحضارة الإسلامية التي نحيا في ظلها إلى يومنا هذا. إذاً فالعمل لا بد أن يتوفر فيه- في نظر الإسلام- الإتقان. السيدة عائشة رضي الله عنها تصف عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: "كان عمله ديمة"، ديمة يعني دائمًا ومستمرًا، فهذا من جانب العقيدة، وهذه من جانب الأخلاق المتصلة بالعقيدة. عندما يقول ﷺ:
لينوا في أيدي إخوانكم، يأمرنا ﷺ بروح الفريق، وعندما يأمرنا ﷺ بالمحافظة على الوقت. ويقول ﷺ: "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه…"، حوّل ذلك سيدنا عمر رضي الله عنه إلى مراقبة الأنفاس، وحولها الإمام السيوطي إلى أن أنتج في تخصصه أكثر من سبعمائة كتاب. فكرة عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس كانت فكرة واضحة عندهم، وكان العمل أحد العناصر المهمة في هذا المجال. النبي صلى الله عليه وسلم عندما سلَّم على أحدهم، فوجد يده خشنة فسأله، فقال هذا من العمل فقال ﷺ: "هذه يد يحبها الله ورسوله". وعندما نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن السؤال وأمرهم بالعمل؛
إن العمل مهم للغاية ولذلك قُدِّم على العبادة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا قد لازم المسجد قال ﷺ: "من يقوم بهذا؟" قالوا: أخوه يعمل ويقوم بهذا. قال ﷺ: "أخوه أعبد منه". ولما رأى ﷺ شخصاً قد تفرغ للعلم، أصبح العلم مُقدَّماً، فأتاه أخوه وشكاه قال ﷺ: "هذا أخي يلازم المسجد من أجل العلم"، نعم، يتعلم. قال ﷺ: "لعل الله أن يرزقك بأخيك"، يعني قدَّم العلم باعتباره قمة العمل. لا نهرف بما لا نعرف، لا بد أن نتعلم أولاً. وأيضاً هذا من أسباب ترك الناس للعمل واستهانتهم به أنهم لم
يتعلموا كيف يتقنون وكيف يعملون. لا بد علينا أولاً أن نتعلم ثم بعد ذلك أن نعمل بموجب هذا، وبذلك نستطيع أن نقول: إن نظرة الإسلام إلى العمل، أنه جعله مرتبطاً بالعقيدة، وبالشريعة، بالأخلاق وفي كل مجال من هذه المجالات جعله في المقام الأول وقرن وبين الإيمان وجعله مما يرضي الله سبحانه وتعالى ورسوله والمؤمنين مما تُعمر به الأرض. وضد التعمير التدمير وضد الإصلاح الإفساد والله سبحانه وتعالى لا يحب الفساد، ثم ربط العمل بمجموعة من الأخلاق تجعله ملكة في قلوب الناس، لو عرف المسلمون هذا بحق، والله ما باتوا أبدًا إلا من كدهم في عملهم. المذيع: نعم، فضيلة الدكتور الأحمدي أبو النور، يعني هذه إطلالة أو نظرة الإسلام إلى العمل قدمها
لنا فضيلة المفتي. هل من إضافة لفضيلتك على نظرة بالنسبة لنظرة الإسلام إلى العمل؟ ولماذا التخلف الذي بات فيه المسلمون الآن؟ د. الأحمدي أبو النور: استطيع أن أقول- في ضوء ما استمعنا إليه من فضيلة الدكتور المفتي(الشيخ علي جمعة)، جزاه الله خيراً- إن العمل قيمة لم تعرف الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي؛ فعندما نصلي مطلوب منا أن نحسن الصلاة، وعندما نزرع مطلوب منا أن نحسن الزراعة، والإحسان في العمل جاء الحديث عنه في القرآن في أكثر من آية، منها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿الكهف:٣٠﴾. ولعل البعض يستغرب ويظن أن الإحسان في العبادة وفي النواحي الدينية فقط، لا، لقد كان
الإسلام عظيماً حينما اعتبر كل خطوة يخطوها المرء في حياته عبادة، إذا ابتغى بها وجه الله، أو نفع الناس، أو تطوير المجتمع، أو تنمية هذا المجتمع، فكل ما ابتغيت به وجه الله، وكل ما راقبت فيه ربك، وكل ما أحسنت خوض غمراته وخطواته، فأنت في عبادة. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. كن ما تشاء، فنحن لا نستطيع أن نستغني عن العمل، نعم، وخصوصاً في هذه الفترة. صحيح إننا أحوج ما نكون إلى الأطباء؛ والمهندسين؛ ورجال القانون؛ والمخترعين؛ والمبتكرين؛ والزُّرَّاع، وإلى كل يد تبني. نحن أحوج ما نكون إليهم. لكن فيما يتعلق بالمنظور القرآني والمنظور النبوي أيضاً، فإن المرء ينبغي وهو يأخذ طريقه
نحو العمل أن يبتغي المرء من خطوته وجه الله، لا المكانة بين الناس، ولا مدحهم، ولا أن إعجابهم، وإنما هو تعامله مع الله عز وجل. وماذا أيضاً؟ هذا الشعور أن أعتبر نفسي كأنني أرى الله عز وجل؛ لأن العمل يجب أن يكون صلة بالحق، أو صلة بالخلق، وبالتالي في كلتا الصلتين ينبغي أن أراقب الله عز وجل حتى أتمكن من إتقان عملي. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. فلماذا قال صلى الله عليه وسلم: "كأنك تراه"؟ لأن المرء الفاني لا يمكن أن يرى الباقي في هذه الحياة، وإنما إذا لم يره بالفعل فعليه أن يستيقن أنه سبحانه يراه، وإذا استيقن المرء من أن الله عز وجل يراه،
علمه بأن الله يراه يقوم في وجدانه مقام رؤيته لله عز وجل، فلا يسرق؛ ولا يغش؛ ولا يخون؛ ولا يتواطأ على سرقة؛ ولا يتواطأ على غش أو خيانة، وبالتالي يكون العمل مقبولاً عند الله ومقبولاً عند الخلق. وانظر إلى أمرٍ هامٍ جداً: أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام لم يرَ بأساً في أن يقبل الاختراع والابتكار، ففي غزوة الخندق ابتكر سلمان الفارسي الخندق، ولم يكن للعرب عهدٌ به ولا علمٌ سابق، ومع ذلك رحب النبي صلى الله عليه وسلم بالفكرة، وشارك في نجاحها. لماذا؟ لأن المرء ينبغي أن يعي جيدًا أن كل مرحلة لها ما يقتضيها، وأنا لا يزال لا ينقضي عجبي من أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها حين يروي عنها البخاري في صحيحه أنها قالت عن الصحابة: "كانوا عمال أنفسهم"؛ أي لا يتركون أحدا يقوم بعملهم. المذيع: كانوا يقومون بكل شيء بأنفسهم. البناء، النجارة، والصناعة، الصناعة، والزراعة، لا يسمحون لأحد أن يمتن عليهم حقاً. وعندما هاجر المسلمون إلى المدينة وكانت الأخوة بينهم وبين الأنصار كافية، لماذا؟ لأن الأنصار بدخولهم الدين الجديد اعتقدوا أو اعتبروا... أن إخواننا المهاجرين فرصة للتقرب إلى الله بحسن التعامل معهم. فكان أحدهم يملك أرضاً زراعية فيقسمها فوراً ويقول لأخيه المهاجر: اختر ما شئت. بل ولدرجة أن قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف: إن شئت طلقت لك إحدى
امرأتي، وعندما تحل لك تتزوجها. قال له عبدالرحمن ابن عوف: "لا، لا، لا، نحن تعلمنا شيئاً آخر". فقال له سعد بن الربيع: " وما هو؟" قال عبدالرحمن: "تعلمنا أمراً هاماً جداً: هناك روايتان: "ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ" صحيح، "وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ" في رواية." ثانية من أجمل ما يمكن: ما كان داود النبي عليه السلام يأكل إلا من عمل يده، يا لها من فضيلة! نعم، وهو ملك وهو لا يحتاج إلى أن يعمل. وهنا الغرض تعظيم قيمة العلم والعمل، وهذا يثير الإعجاب أيضاً في أن سيدنا أبا مسعود البدري حين سمع قول الله تعالى: تعالى "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ( البقرة:83)" فقال بما يخص إقامة الصلاة واضحة وسأصلي، لكن ليس لدي مال أزكي به، فماذا أفعل؟ قال: لا بد أن أعمل. وكان دخله
بالكاد يكفيه، فقال: لا، وكيف أظل مقصراً في أداء... الزكاة وعمل، تعرف يعني فعمل حمالاً في السوق، ولم ير في ذلك بأسا، حتى رزقه الله، فقال بعد حين: "أنا الآن عندي مائة ألف فأستطيع أن أزكي كما أريد". وهذا يدل على أن هذا المجتمع لم يكن عالة على أحد من الأخوة المرحبين بهم. لكنهم قد جاءوا من مكة المكرمة ويعقدون الآمال على بناء مجتمع جديد، وهذا هو ما نريده اليوم: أن كل فرد في مصر ينبغي أن يأتي نفسه في عملٍ أو ابتكارٍ أو فكرةٍ جديدة أو إضافة لما عمله غيره. التنمية المستدامة ينبغي أن نبدأ بها الآن وأيضا لا يجوز
مطلقاً أن يعتمد الشباب على الآباء أو الدولة والنظام. ينبغي أن يعطي كل منا المثل في النشاط والابتكار وفي مساعدة الدولة. أي رشد الشباب. المذيع: بالتأكيد أن مجهود الفرد سيصب حتماً في مصلحة المجتمع والجماعة كما نقول دكتور أحمد لا شك. لا شكَّ أنَّ بناء الوطن وهذا أمرٌ مهم جداً، المذيع: سآخذ من فضيلة الدكتور الأحمدي أبو النور وأعطيك دكتور أسامة، يعني كيف ترى بناء الوطن في هذه الأيام، وكيف نُعَظِّم قيمة العمل التي غابت عن البعض تحت ذريعة أنَّ الناس الآن يتجهون للوقفات الاحتجاجية والتظاهرات والخلاف، يعني الحقيقة أننا على عتبات مرحلة فارقة في تاريخ مصر، وأن التاريخ الذي سيقرؤه من يأتي بعدنا يُصنع الآن بأيدينا، وأننا نُبقي ذكرى للأجيال التالية من بعدنا. فإما أن هذا الجيل يسجل لنفسه
في سجل التاريخ أنه صنع وطناً، وبنى حضارة، وأنه حوّل مسار الأمة، أو أن تُسجّل في سجل التاريخ شهادة تشهد. أن تقصيراً كبيراً قد وقع في حق وطننا وفي حق أنفسنا، والإنسان الصادق الذي يخلص لبلده ويخلص لدينه، والذي يريد أن يكون قائماً بحق الله تعالى عليه وحق وطنه عليه، يأخذ قيمة شديدة الأهمية، هذه القيمة هي أنه يقرأ القرآن الكريم، فلا يكتفي بأن يمر على آياته وكلماته وحروفه المشرفة. بل يقرأ القرآن الكريم فيحوله إلى برامج عمل وإلى مناهج تطبيق، وتحويل القرآن الكريم إلى برامج عمل معناها أن الآيات الكريمات من القرآن الكريم
تدخل إلى عقل الإنسان فتصنع جزءاً من شخصيته وتكون جانباً من قيمه ومن مفاهيمه، فهو يسمع قول الله تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا(الملك:١٥) مذللة. ميسرةٌ "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴿الملك:١٥﴾" وهو يتنعَّم ويتشرَّف بتلاوة كلام رب العالمين. ينتبه إلى أن هذا الكلام الكريم العلوي العظيم يُحفِّز في النفس باعثاً وداعياً ونشاطاً وهمةً للسعي والتعمير وصناعة الحضارة وبناء النهضة. ويقرأ قول الله تعالى: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ"(الأعراف: 10]، ثم يتصفح القرآن بعد قليل فيجد أن الله تعالى قال: "وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ"﴿الحديد:٢٥﴾، تُصنع
به الأسلحة والمعدات الحربية، ثم قال تعالى: "وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ".(الحديد:٢٥) كيف تتحقق المنافع المودعة في الحديد؟ تتحقق أولاً بحفر المناجم، واستخراج الكنوز والمعادن الكامنة في أرحام الصخور والجبال، تتحقق بصناعة التعدين. تتحقق بإنشاء المصانع للطرق والسحب وسلاسل ومنظومات من الحرف والصناعات التي تنشأ على قضية قوله تعالى: "وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسࣱ شَدِیدࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ(الحديد:٢٥) ويتصفح الإنسان القرآن فيجد أن الله تعالى قاللسيدنا نوح عليه السلام: "وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴿هود:٣٧﴾"؛ ويجد أن الله تعالى قال عن سيدنا داود عليه السلام: "وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴿الأنبياء:٨٠﴾"؛ ويجد أن الله تعالى قال: " أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴿الواقعة:٦٤﴾"؛ هذه الآيات الكريمات إذا ما دخلت في عقل الإنسان المؤمن بمحبة وإجلال
لكتاب الله تعالى، وعن فهم لمنهج الأمة وكيف تعايشت مع القرآن الكريم، يجد أن الأمة قد حولت آيات القرآن إلى برنامج عمل صنعت به الحضارة، فوجدنا في تاريخ المسلمين. الأئمة والعلماء والأكابر من المحدثين والمفسرين والفقهاء واللغويين، ووجد بجوارهم من برع في علوم اللوغاريتمات، ومن برع في علوم الهندسة؛ ومن برع في علوم الفلك، وأنشأ المراصد الفلكية التي تشبه الآن وكالة (ناسا) أو وكالات الفضاء العالمية، ووجد في تاريخهم العباقرة في الطب، حتى جمع الأستاذ زهير حميدان كتاباً في ستة مجلدات كبيرة، عن تاريخ العلوم التطبيقية عند المسلمين، وجمع أسماء المؤلفات التي كُتبت في العلوم التطبيقية من الطب والهندسة والتشريح والفلك وعلم طبقات الأرض وما شابه ذلك. إذًا هذه أمة عظيمة قرأت القرآن الكريم فتغلغل
القرآن إلى أعماق الإنسان المسلم فحوّله إلى إنسان صانع للحضارة. ووصل إلينا الميراث النبوي الكريم ووصل إلينا كتاب ربنا، ووصل إلينا تاريخ هذه الأمة بكل ما فيه من علوم وآداب وفنون وحضارة، وألقيت الكرة في حجرنا وفي ملعبنا، والتاريخ شاهد يسجل ما سنصنع، فإما أن يسجل أننا بنينا حضارة وصنعنا نهضة وأنهضنا بلداً، وإما أن يسجل عكس ذلك. ومن لطيف الأشعار: نور الكتاب القرآن الكريم أضاء فيمن قبلنا فمحى الشكوك وبدد الأوهام. صاغ الجنود على هدى من شرعه قمماً تضيء وترفع الأعلام. فتحوا البلاد ليملؤوها عزة، كسوا الوجود محبة و سلاما من فوق مئذنة الحضارة أذنوا للحق لحنا أيقظ النوام الله أكبر رددوها للورى فصحى الجميع و حققوا الأحلاما
صحيح دائما الازمات تتمخض عن كثير من الحوادث الجسام. فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة، هل الإخلاص في العمل هو حجر الزاوية إن صح التعبير؟ لنهضة الأمم يقول الفضيل بن عياض: "لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب". الإخلاص يتأتى بإخلاص النية والهمة والعزم المؤكد، ولذلك كانت هناك عبقرية للإمام البخاري عندما يجعل أول حديث في صحيحه: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى". وبالمناسبة فإنه قد ختم صحيحه بحديث: "كلمتان خفيفتان على اللسان". ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. مفتاح الدين هو الإخلاص، والإخلاص لا يكون إلا بالنية،
والصواب يكون بالعلم. فالذي نريده الآن في أعمالنا في الصانع الذي مركز الإحصاء عندنا يقول إنه هذا العامل في مصر يعمل ثمانية وعشرين دقيقة وهو كان يجب أن يعمل ثماني ساعات هذه تولد ثقافة، بل حتى تُنتج جسماً ضعيفاً غير قادر على العمل. إذا اعتاد الإنسان العمل لنصف ساعة فقط يومياً، فلن يستطيع العمل لساعة كاملة. لكن من يعمل ثماني ساعات يرغب في العمل لتسع ساعات، وجسمه يستجيب لهذا المجهود. وهكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتلكون همة عالية وكان لديهم... كانوا رهباناً بالليل فرساناً بالنهار، فكانوا يعملون
وكانوا يعمرون. هذا الكلام البديع الذي قد لا يلتفت إليه كثير من الناس، والذي نبه إليه أستاذنا الدكتور الأحمدي أبو النور. نعم هذا كلام غريب عجيب جداً، وقد يمر هكذا دون أن يلتفتوا إليه. يحتاج إلى شرح وحاشية على هذا الكلام. نحن... لدينا شيء يسمى مقدمات الواجب، فعندما لا يكون لدي مال أو ليس معي نقود، فلا تجب علي الزكاة. فهل يجب أن يكون عندي مال لكي أخرج الزكاة؟ فقالوا: لا. وإذا لم يكن معي مال لأحج، فلا يجب علي الحج، لأن الحج فريضة لمن استطاع إليه سبيلاً. فهل يجب أن أدخر المال لكي أذهب للحج؟ قالوا لا ليس من الضروري، قالوا حسناً كلام سيدنا الدكتور
الأحمدي أن الصحابي ادخر لأجل أو عمل لأجل أن يكون معه مائة ألف لكي يُخرج الزكاة، هذه مقدمة وجوب أي همة. هذه أمور قد يكون بعض الناس سمعوها ومرت عليهم هكذا. أنا أريد أن أركز عليها وأوضحها أكثر. هذا الكلام في منتهى. الأهمية أن هذا الرجل ليس مفروضاً عليه شرعاً ولا شيء مثل الوضوء بالنسبة للصلاة. الوضوء بالنسبة للصلاة فرض، لا يمكنني أن أصلي من غير وضوء صحيح، لكن هذا الرجل ليس واجباً عليه أن يفعل هكذا. فلينم ويرتاح. يقولون لك: "نم وارتح يأتيك النجاح"، لا، لن يأتيك النجاح، سيأتيك الفشل. صحيح وسيأتيك الخسران لا تنام ولا ترتاح، فالأمة تحتاج من كل فرد منا الآن أن يعمل أربعاً وعشرين ساعة ويسقط من تعبه، وإلا فإني أرى أنه آثم عند الله
سبحانه وتعالى لأننا في حالة تشبه حالة الجهاد وتشبه حالة الحرب وإن كانت من غير سلاح وإن كانت. مِنْ غير دمٍ وإنْ كان مِنْ غير صدامٍ، إلَّا أنَّنا نبني بلادنا حتى نخرج مِنْ هذه الورطة التي نحن فيها. فإنَّ القضية هنا في منتهى الأهمية، وهي قضية الهمة والإخلاص والصواب والعلم والنية. هذا الكلام الذي يراه بعض الناس أنه مجرد موعظة، وبعض الناس لا، أصبح هو الحياة وهو الذي له الأولوية، وإذا كان لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وإذا كانت هذه الأسوة قد ربت هذا الجيل الذي استمعنا إليه هنا، فلا بد علينا أن نفهم ديننا حتى نفهم حياتنا. حسناً،
هذا الرجل لم يكن عليه هذا شرعاً وفعله، فما بالك. وقد وجب شرعاً على كل عامل أن يعمل. لا بد من ترتيب الأولويات يا جماعة، لا بد من أن نرجع إلى أنفسنا، إننا في ورطة هكذا، فلا بد من الإخلاص، والإخلاص هذا فعلاً يحتاج إلى نية. فإذا أراد أحدهم أن يخرج عن الإثم وعن حساب الله يوم القيامة. ويراعي الله كما قال الشيخ أسامة في وطنه وفي ناسه وفي مستقبله، فعليه إذاً بالإخلاص لإعادة بناء الوطن. الحقيقة هذا هو الحديث الحاكم ربما في حلقة الليلة فيما تفضل به فضيلة المفتي وفضيلتك دكتور الأحمدي، وأريد أيضاً أن أعيد الحديث فيه مرة أخرى، يعني إذا كانت ثورة خمسة وعشرين يناير قد فتحت الآفاق للتغيير، والآن المصريون يريدون بناء دولة الحرية والعدالة والديمقراطية. على من تقع
مسؤولية العمل لإعادة بناء هذا الوطن الذي يمر بظروف صعبة على عاتقنا. نعم، نعم، إنها الحقيقة، شبابنا الذي نحييه صباحًا ومساءً وفي كل وقت، هذا الشباب الذي فرض على نفسه أن ينادي. بالقيم التي أجمع عليها كل فرد في مصر العدالة الاجتماعية الحرية الكفاية الإنتاجية كل ما نادى به، لكن أهم شيء أنه اتخذ السلمية أساساً للمطالبة ولم يلجأ إلى العنف، وأعطى درساً مدوياً في العالم، صحيح أنك تستطيع أن تصل إلى تحقيق ما تريد بالرزانة بالحكمة وهو الأسلوب الذي ندبنا الله إليه ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن. إخوة الأفاضل أو الصحابة الأماثل
الذين كان هذا شأنهم عبد الرحمن بن عوف الذي تحدثنا عنه، عندما جاءت غزوة العسرة وهي غزوة تبوك تبرع بمائة أوقية ذهباً سيدنا عثمان بن عفان التاجر ورجل الأعمال المشهور. كان كل عمله للمجتمع ولتنمية هذا المجتمع، سلَّح ثلث جيش العسرة. جيش العسرة كان ثلاثين ألفاً، يا سلام! يعني أرجو أن نتصور الآن شخصاً واحداً يجهز عشرة آلاف مقاتل، ما هذا! سيدنا أبو بكر كان تاجراً أيضاً ورجلاً من رجال الأعمال الكبار، وهب ماله كله للنبي صلى الله. عليه وسلم ليقيم به اعوجاج الجيش وسأله ماذا أبقيت لأهلك
قال أبقيت لهم الله ورسوله. هنا هتف عمر هو قادم أي أتى بنصف ثروته ويتصور أنه لن يجد من يسبقه، فقال وهو مغتبط أشد الاغتباط بما صنع أبو بكر: قال له بعد هذا لن أسابقك، أنت سابقنا. وقالها كلمة مدوية. لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكر بإيمان هذه الأمة لَرَجَحَ إيمانُ أبي بكر. أبو بكر ظلَّ يُقَدِّسُ العمل حتى اختير خليفة، ورآه عمر وغيره وهو يحمل الزِّكيبة أو الشوال ويتَّجه إلى السوق. فسألوه: إلى أين يا أبا بكر؟ وهو تاجر. قالوا له: لا، أنت الآن يجب أن تتفرغ ونحن نكفيك مرتبك. من أي شيء، من أي شيء، من بيت المال لأنك أصبحت عاملاً، ولذلك قال احترف للمسلمين
فيه، فيما يتعلق وهو ماذا يعني؟ أنه يأخذ كفايته فحسب، وكان يود أن يظل عاملاً حتى يأكل من عمل يده. الحقيقة أننا معجبون بشباب الثورة، ومبهورون أيضاً مع العالم بهم. ونهمس في آذانهم أن كل اعتصام الآن قد يكون معوقاً، وأنه لا مانع مطلقاً من أن يرفعوا مطالبهم إلى ذوي الشأن وإلى الحكومة، لكن دون أن يعوقوا مسيرة، ودون أن يقطعوا طريقاً، ودون أن يدمروا عامراً؛ لأن رسالة الشباب هي رسالة البناء، وبالتالي نحن نريد أن تنجح الحكومة وأن تزيد الرواتب، وأن ترفع الدخل، وأن تنهض بشعاب الصناعة والزراعة والعلم والتقنية، أي إننا نريد أن تتفرغ الدولة
لما هو أسمى وأرقى، ليعود ذلك منعكسا بالخير العميم على الشباب وعلى كل ساحات المجتمع. وأمر هام جداً: هو أنني عندما زرت اليابان زيارة سريعة علمت أن العمال والمهندسين في بعض المصانع أو في عامة المصانع يزيدون ساعة كاملة بدون أجر، لماذا؟ قالوا: ليتفوق مصنعهم على غيره. وأريد أن أهمس في أذن شبابنا من العاملين والمهندسين أن كل ساعة تزيدونها لإتقان العمل، أو لتحسين مستواه، لا تضيع هباءً. لماذا؟ لأنهم يبتغون بها فضلاً من الله ورضواناً كما كان سابقهم، واحسبوا أن الله عز وجل عندما قال: "إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿الكهف:٣٠﴾".
يُعمّقُ في وجدان شبابنا وعمالنا ومهندسينا وكل من يعمل في حقل هذا المجتمع، ليستثمر ما سخّر الله لنا فيه، كما قال تعالى: "وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ (الجاثية:١٣)"، هذا التسخير يعني: اعملوا وابتكروا، واستكشفوا، لا تدعوا غيركم يستكشفون، بل استكشفوا أنتم. وسيعود هذا الاستكشاف بالخير على الأمة أفراداً وجماعة. فنحن أحوج ما نكون إلى أن نتواصل مع الواقع الحالي، وأن نستمع إلى ما يريده شبابنا. ولكن دون أن نعوق المسيرة ودون أن نتلف زرعاً أو صنعة، إنما نريد أن يكون الشباب هم البناة لهذا المجتمع وهم الحافظون لكل مقدساته، وهم الغيورون على
كل ما يرفع شأن المجتمع ويعمق وحدته ويشيد بكل ما ينبغي أن يكون في هذه الفترة الفارقة من. حياتنا، فنحن أحوج ما نكون في هذه الأيام فضيلتك إلى العمل لإعادة بناء الوطن، وحديثنا عن قيمة العمل في الإسلام متواصل. مشاهدينا الكرام، بعد هذا الفاصل. مولاي صلِّ وسلِّم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم. مولاي صلِّ وسلِّم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم دعا إلى الله
فالمستمسكون به. مستمسكون بحبل غير منفصم، مولاي صلِّ وسلم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم، مولاي صلِّ وسلم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم. العمل هو الطريقة الوحيدة لنهضة المجتمع وإعادة بناء الوطن، الدكتور أسامة الأزهري. يعني إذا كان العمل قرين بالإيمان في كل آيات القرآن كما أوضح فضيلة العلامة الدكتور. علي جمعة ربما في بداية الحلقة، فلماذا التخاذل الآن عن العمل؟ يعني التاريخ
الإسلامي والحضارة الإسلامية، ونعرف أنك شغوف بالحضارة الإسلامية. هل هذا الصعود والانحسار كان مرتبطاً بحجم الجهد والعمل الذي كان يُبذل في هذه العصور أو في هذه القرون؟ هناك تناسب وهناك اتساق ما بين معدل إنجاز الإنسان وما... بين النتائج والثمرات التي تعود عليه صحيح الأبحاث المنشورة للدكتورة آية ماهر وغيرها من عشرات البحوث والأماكن أنه كما تفضل مولانا فضيلة المفتي أن معدل ساعات العمل ثمانية وعشرين دقيقة في اليوم بينما هو مطالب بثمان ساعات. انظر وتخيل حضرتك لو أن الثمانية والعشرين دقيقة قفزت نتيجة الإصرار والهمة والشعور بالمسؤولية ومحبة البلد والرغبة في البذل والعطاء وشيء من التعب لكي يعود الرخاء علينا جميعاً، لو تجمعت هذه القيم وهذه المعاني في نفس الإنسان، فارتفعت الثمانية والعشرون دقيقة إلى خمس ساعات أو ست ساعات
أو ثمان ساعات، تخيل حضرتك أن الأعمال المعطلة في المصانع والشركات والهيئات بدأت تتسارع وتنجز، وأن القدر. الموجود الآن من الإنتاج قد تضاعف ستة عشر مرة، إن زيادة الإنتاج التي وجدت عندنا في المصانع والهيئات والشركات صنعت فائضاً حققنا به الكفاية وتحقق فائض وبدأت تدور العجلة. الفائض معناه وجود إمكانية للتصدير، والتصدير معناه وجود عملة صعبة، والعملة الصعبة معناها ضخ الأموال في كل مؤسسات البلد لتعمل. السابقون رحمهم الله تعالى يمتلئون بهذه القيمة، وتاريخ الحضارة الإسلامية ممتلئ بهذه النماذج. سيدنا عمر بن الخطاب يقول لك: "مصر الأمصار"، "مصر الأمصار". فبحثت كثيراً عن هذه الكلمة، فوجدت أن "مصر الأمصار" يذكرون فيها مصر والشام، ويذكرون الكوفة والبصرة. مصر والشام
كانتا موجودتين قبل سيدنا عمر، كأنه أعاد تخطيط هذه. البلاد وأعاد توزيع الخريطة السكانية، إنما إنشاء مدينة جديدة وإنشاء مجتمع عمراني جديد يعني الاستعانة بعشرات الخبرات والحرف والصنائع ووجوه العمل. كانوا إذا ما أرادوا تخطيط مدينة يختارون الطقس المعتدل، ويختارون بُعد المياه الجوفية أو قربها، ويختارون المعماريين الذين يخططون المدينة، ويختارون البنائين والحرفيين والصناعيين والحدادين والنجارين. مجتمع يعمل بكامل. طاقته يذكرني في التاريخ المعاصر بالفترة التي بُني فيها السد العالي، وأنا شغوف بالتاريخ المعاصر لمصر. أيضاً من النقاط المضيئة في تاريخ البلد صناعة السد العالي. خيل إلي وأنا أتأمل هذه الفترة، أن مصر كانت مستنفرة بكامل طاقتها، وأن هناك مشروعاً قومياً، وأن كل إنسان على أرض مصر يشعر أن البلد تصنع. إنجازاً أن هناك
المهندس والعامل والحفار والحرفي وما شابه، الكل أصبح يتوجه إلى أسوان. نحن في حاجة إلى مشروع قومي تلتف حوله البلاد بأكملها، وفي حاجة كما أشار سيدي فضيلة المفتي ومولانا سيدي الشيخ الأحمدي، أننا في حاجة إلى همة. الحقيقة أنني أريد كلمة إلى شعب مصر يا شعب مصر، البلد أمانة في أيدينا. الأمر يحتاج إلى شيء مُنهك وشاق، وإلى عرق، وإلى مجهود، وإلى استنفار، وإلى أننا لا ننام ولا نستريح حتى نشعر أن عجلة هذا البلد قد بدأت تدور. هذا البلد إن كان الإنسان قد ظُلم فيه يوماً من الأيام أو تضرر من أحد. في يومٍ من الأيام كانوا قديماً يتفانون في محبة البلد وإن كانت قد جارت. بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة، وأهلي وإن جاروا عليَّ كرام. بلادٌ ألفناها
ولم تكن مألفاً، وقد يُؤلَف الشيء الذي ليس بالحسن، وقد تُؤلَف الأرض التي لم يَطِبْ بها هواءٌ ولا ماءٌ، ولكنها وطن. هنا أوجدنا الله. تعالى وألقى إلينا الأمانة التاريخية لهذا البلد العريق الكريم العظيم الذي لا مثيل له على وجه الأرض مصر التي جعلها الله تعالى مركزاً للحضارة ومهداً للأنبياء على هذه الأرض الطيبة سار سيدنا إدريس وسيدنا إبراهيم وسيدنا عيسى والعذراء البتول مريم عليها صلوات عليها سلام الله تعالى سار هنا الصحابة الكرام صناع الحضارة الأئمة والعلماء العظماء والعباقرة المؤرخون والعلماء الحرفيون المعماري العبقري الذي بنى مسجد السلطان حسن حتى صار يُعتبر الهرم الرابع في مصر ويتحير العباقرة في العلوم المعمارية من دقة هذا المعماري وهذا الحرفي. يا جماعة الخير، نحن ضربنا لكل شعوب العالم مثلاً في عبقرية
العامل المصري والإنسان المصري والمواطن. ولا بد من أن نستمر على ذلك حتى تبقى البلد في مكانتها التي تستحقها. أشكرك فضيلة الدكتور أسامة، ونعود إلى فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. يبدو أن هناك تعليقاً على الكلام الطيب الذي قاله الدكتور الأحمدي اليوم، ما شاء الله، سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه. وهو يصنع الخوص ويعطي ستة آلاف التي هي له في السنة للمحتاجين. ما الذي جعل هذا الإنسان يعمل هكذا؟ الهمة التي أشار إليها فضيلة الشيخ أسامة أنها من المهمات. الهمة، الحب، فهو لأن كلام سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم دخل في وجدانه فملأه الإيمان. ولكن
هؤلاء الناس بعد ألف... وأربعمائة سنة نذكر سيرتهم، ها هو المجد، هذا الرجل صنع مجداً بهذا الخوص ولذلك أنا أقول لشبابنا الذين يشكون من البطالة، والبطالة موجودة وبنسبة عالية طبعاً، إنه يجب عليك أن تعمل وتعمل أي شيء، لا تستكبر، كل واحد متخرج الآن من كلية يريد أن يجلس على مكتب. أو أريد وظيفة تُفصّل عليه، لا، هذا لا يصلح. فسيدنا سلمان الفارسي، هذا المفكر، كان مفكر العالم، الصحابي الجليل، أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: "سلمان منا أهل البيت". هذا الرجل بنى مجده حتى نتحدث عنه الآن بعد ألف وأربعمائة سنة
بأنه كان يصنع الخوص ويأكل من... عمل يده وجهه نظرنا مرة أخرى في قضية قيمة العمل، ويجب علينا أن نفهم، والله لو فهمنا لما شكونا من المماطلة ومن هذا الامتناع. هناك بعض الاعتراضات، في اليابان العامل إذا لم يعجبه شيء يقوم بتعليق شارة على يده يقول فيها أنني معترض، لكنه يعمل هكذا وهو لا يتوقف عن العمل. لا يستطيع، نعم لا يستطيع، أصبح العمل في دمه وأسلوب راقٍ ومتحضر يعبر في الحقيقة عن أزمته. لو أننا طالبناه بالامتناع عن العمل فسيكون ذلك عذاب الله الأليم بالنسبة إليه. نحن هكذا نعذبه، يا سلام! وهو لا يريد هذا العذاب، هو يريد أن يسعد ويتمتع وتضيفه وله شيء معين. الساعة التي أشار إليها فضيلة الدكتور الأحمدي هذه الساعة في اليابان عندما
زادوها نتج عنها ضرر سياسي فتوسلوا إلى العمال ألا يشتغلوها لأن الين كان مرتفعاً جداً مقابل الدولار فيطرحه أرضا، والناس في اليابان لم تكن راضية بشراء السلع الأجنبية، فتوسلوا إليهم وخرج لهم الإمبراطور وخاطبهم برجاء أن تشتروا السلع الأجنبية، تخيل اقتصاداً وصل إلى هذا الحد. إلى هذا الحال ينبغي أن نستحيي من أنفسنا وأن نستحيي من الله وأن نعظم نعمة الله علينا وأن لا نشتاق إلى النقم. والله سبحانه وتعالى يجعل هذه الكلمات تخرج من القلب فتصل إلى القلب، لعلها أن تهدي العاملين في هذا البلد الكريم. بالتأكيد لكم في قلوب المصريين مكانة كبيرة فضيلة المفتي وأصدق
الكلام وما خرج من القلب وصل إلى القلب، ونختتم مع فضيلة الدكتور الأحمدي أبو النور، وبالتأكيد سنستطلع رؤية دكتور أسامة. ما المطلوب من المصريين في هذا التوقيت وفي هذه الأيام الفارقة في هذا التاريخ هو التبتل في محراب العمل بكل وسيلة ممكنة واستثمار كل دقيقة تمر بالإنسان. أنا يعني بين حديثين فضيلة الأستاذ الدكتور المفتي وفضيلة ابننا العزيز الدكتور أسامة الأزهري وساعات العمل الموجودة والتي عُمِلت في إحصائية معينة صحيح وابننا العزيز الدكتور أسامة قال لو يعني ضربنا هذا في الثمانية فما الحصيلة؟ نحن عندنا يعني ليس هناك دين حاسب على الدقيقة كما إسلامنا مع الإسلام. لا لا كما يعني الحديث
الذي ذكرنا به فضيلة الدكتور المفتي: "لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع" ومنها عن شبابه فيما أفناه وعن عمره فيما أفناه. لماذا؟ لأن الشباب بالذات، يعني ألم يكن العمر كافياً أن يُسأل عنه، لكن الشباب بالذات كيف ضاعت دقائقه وساعاته. أو كيف استثمرت دقائقه وساعاته، هذه ناحية، والناحية الأخرى أنه يعني عندنا سورة في القرآن الكريم "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"، لا يمكن أن يكون هناك تواصٍ بالحق وتواصٍ بالصبر إلا إذا كان هناك عمق للإيمان راسخ في الوجدان. وإلا إذا كان هناك تعاهد بين أفراد المجتمع عن طريق التضحية ونكران الذات وطرح الأنانية والأثرة والسعي فيما يمكن أن يصلح شأننا
دينياً ودنيوياً، فهذا أمر آخر وهو في غاية الأهمية. وفيما أتصور أن يوم الجمعة عند المسلمين لم يكن يوم فراغ، بل يوم مهم. وانظر إلى قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة". من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع. إذا كان هناك عمل، طيب لماذا ستتركون العمل وتأتون؟ لأنه لا بد للقلب من شحنة، لا بد للروح من ومضة إلهية حتى تعي تمام الوعي أن العودة إلى العمل تعني مثلما نأتي بالهاتف المحمول هكذا ونشحنه. لا بدّ للمسلم أن يأتي إلى المحراب ويصلي بين يدي الله ويعاهده أن يكون سلماً للمسلمين وللناس، وابتغوا من فضل الله، أي اطلبوا من فضل الله، لماذا؟ لكي تشكروا الله، فكل نعمة ينبغي أن يشكر المؤمن ربه عليها. نحن الآن
في نعمة، نعمة الثورة على الماضي. هذه النعمة ينبغي أن يترجم شكرها إلى العمل بالإنتاج والسعي، وإلا يكون سعينا "أنا الذي أعمل" أو "أنا الذي عملت" لا ليعمل غيري، والله عز وجل هو المحاسب. ليس من صالح مصر في هذه الفترة أن يتصارع الفرقاء أو أن تتنازع أطياف. المجتمع من الذي صنع هذا ومن الذي صنع ذلك، نحن كلنا شركاء في سفينة واحدة نمخر بها عباب المرحلة الفارقة، وعسى أن يكون هدي الكتاب والسنة هو الدليل لنا إلى سواء السبيل وإلى حسن الخاتمة إن شاء الله، إن شاء الله. دكتور الأحمدي، دكتور أسامة معك الختام. ثوانٍ معدودات،
يعني وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. أتمنى، أتمنى من أعماق قلبي أن تكون شعاراً لنا جميعاً في هذه المرحلة. ننام ونقوم ونخرج وندخل وهذه الآية الكريمة تحرك هممنا: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. وكما أوضح علماؤنا وشيوخنا الأجلاء. في هذا اللقاء مشاهدينا الكرام، ما من آية ورد فيها الإيمان إلا وورد العمل قريناً له، وكل الشعوب التي نهضت وتحقق لها تنمية كبيرة ورخاء لم تنهض أيضاً إلا بالعمل. هذه دعوة للعمل لنعيش على الأقل يعني حداً أدنى من الحياة الكريمة لنا ولأبنائنا في هذا
الوطن مستقبلاً. نشكركم. على حُسن المتابعة، ودمتم في أمان الله ورعايته. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شكراً.