كلمة فضيلة أ.د علي جمعة في مؤتمر "الماتريدية مدرسة التسامح والوسطية والمعرفة" | أوزبكستان
- •يعبر المتحدث عن امتنانه للمشاركة في المؤتمر العلمي حول العقيدة في سمرقند، مدينة الإمام الماتريدي.
- •يشكر دولة أوزبكستان وقيادتها والدائرة المختصة بالشؤون الدينية والمفتي الأعلى لانعقاد هذا المؤتمر.
- •يؤكد أهمية منهج الإمام الماتريدي في الجمع بين العقل والنقل، حيث يتدبر النقل في كتاب الله المتلو والعقل في كتاب الله المنظور.
- •امتاز الإمام الماتريدي بتحرير الدليل وتهذيب العبارة وتقرير الحق بالرفق والرحمة.
- •يرى أن المدرسة الماتريدية والأشعرية كوحدة متكاملة، وليستا جناحين منفصلين.
- •يشدد على أن الماتريدية ليست مجرد مذهب جدلي، بل رؤية عقدية شاملة تحفظ التوحيد وتجمع بين النص والعقل.
- •بعث الفكر الماتريدي اليوم ضروري لحماية العقيدة وتعزيز قيم التسامح والاعتدال في عصر الشبهات والأفكار المنحرفة.
- •يؤكد ضرورة إعادة هذا الفكر إلى مدارسنا وجامعاتنا لتربية الأجيال على الإيمان والفكر الرشيد والاعتدال.
افتتاح الكلمة بالبسملة والتحية والشكر على دعوة اللقاء العلمي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أصحاب المعالي والفضيلة، السادة العلماء والمشاركون، بسم الله أحييكم بتحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من دواعي السرور وبواعث الابتهاج أن أعبر عن شكري وامتناني لدعوة هذا اللقاء العلمي الممنون، الذي التئم شمله في رحاب هذه البلدة المباركة سمرقند، البلاد المحفوظة، حاضرة العلم ومأوى الفقهاء عبر التاريخ، وهي ملجأ أنوار الإمام أبي منصور الماتريدي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شكر دولة أوزبكستان وقيادتها على انعقاد المؤتمر الدولي حول الماتريدية
أقدم الشكر إلى دولة أوزبكستان وقيادتها، وإلى حضرة رئيس اللجنة المختصة بالشؤون الدينية، وإلى حضرة المفتي الأعظم، لانعقاد هذا المؤتمر الدولي حول الماتريدية عقيدة التسامح.
[إن انعقاد هذا المؤتمر] يحمل دلالة جليلة على إدراك قاصر بأهمية هذا الموروث العقدي المتين، الذي قامت عليه معالم أهل السنة والجماعة؛ فكان من أعظم السدود في وجه البدعة، ومن أمضى الأسلحة في دحض شبهات أهل الزيف والأهواء.
العلاقة الوثيقة بين كتب الإمام الماتريدي والمنهج الأشعري
دائمًا عندما كنت أقرأ للإمام الماتريدي في تأويلات القرآن، أجد نفسي وأجد تلك العبارات التي عبّر بها الإمام تعبّر عمّا يختلج في نفسي. وهنا [أقول إنني] أشعري، أن كتب الإمام الأشعري لم يصل إلينا منها إلا النذر القليل.
وقمت أعتبره وأعدّ كتب الإمام الماتريدي وكأنها تعبّر عمّا يجول في نفس الأشعري والأشاعرة عبر القرون من بعده. كنت أعدّ الإمام الماتريدي من مصادر الأشاعرة؛ تأخر في وفاته نحو ثلاثة عشر سنة عن وفاة الإمام الأشعري، لكن الأفكار والنَّفَس الواحد كان متوافقًا بينهما، حتى امتزجا ليكونا أهل السنة والجماعة.
فرحة صدور تأويلات القرآن وامتياز منهج الإمام الماتريدي في ربط النقل بالعقل
فرحتي بصدور تأويلات القرآن وكأنني قد التقيت بالإمام أبي منصور وبالعلامة أبي الحسن الأشعري في نفس الوقت.
امتاز منهج هذا الإمام الكبير رضي الله تعالى عنه، وكان موفقًا من عند الله سبحانه وتعالى ومؤيدًا، حتى ألقى الله عليه القبول في القلوب. وقد امتاز بربط النقل بالعقل؛ لأن العقل يتدبر في كتاب الله المنظور [وهو الكون]، والعقل يتدبر في كتاب الله المسطور [وهو القرآن الكريم]، وكلاهما من عند الله.
دلالة سورة العلق على القراءة في كتاب الله المنظور والمسطور
ونرى ربنا سبحانه وتعالى في سورة العلق يقول:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]
قرّر القراءة مرتين: مرة في كتاب الله المنظور كما يعبّر الإمام الرازي، ومرة في كتاب الله المسطور وهو الوحي الذي منّ الله سبحانه وتعالى علينا به. وكلاهما من عند الله؛ هذا [القرآن] من عالم الأمر، وهذا [الكون] من عالم الخلق:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
إدراك الإمام الماتريدي للصلة بين الوحي والكون وانتفاء التعارض بينهما
أدرك الإمام الماتريدي رضي الله تعالى عنه هذه الصلة بين الوحي وبين الكون، وأنهما من معين واحد ومن مصدر واحد، وإن اختلفت دائرة إصدار الخلق والأمر، ولكن تبارك الله رب العالمين؛ فلم يكن هناك أي تعارض حتى متخيّل بين كتاب الله المسطور وبين كتابه المنظور.
جمع [الإمام الماتريدي] بين تحرير الدليل وتهذيب العبارة وتقرير الحق، لكن بامتثال الرفق والرحمة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى في بداية الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم.
وصف النبي بالرحمة وجمع الإمام الماتريدي بين خدمة المسلمين وهداية غيرهم
في وصف النبي ﷺ:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
وكان يقول عن نفسه صلى الله عليه وآله وسلم:
«إنما أنا رحمة مُهداة»
صفات قلّ أن تجتمع في غيره [أي غير الإمام الماتريدي] من أهل النظر؛ جمع بين خدمة المسلمين وهداية الحيارى والمترددين من غيرهم.
أهمية بعث مناهج الأوائل لمواجهة تحديات العصر الحديث
إن في بعث هذا الفكر المبارك اليوم، ونقصد بذلك البعث، بعث المناهج؛ حيث لا نقف عند المسائل، فالمسائل قد تتغير وتكون زمنية نحتاج إليها في عصر من دون عصر.
وبعد تلك الثورات في عالم الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة، أصبحنا في عالم سريع في أفكاره وفي عالم أشيائه وفي أحداثه وأشخاصه، مما نحتاج معه إلى إدراك مناهج هؤلاء الأوائل الطيبين حتى نستعملها مع كل وافد جديد.
بعث الفكر الماتريدي حماية للعقيدة وتعزيز لقيم التسامح والاعتدال
بعث هذا الفكر المبارك اليوم وتدارس مسائله والتعمق فيها وتأصيل مبادئه، [يمثل] حماية العقيدة من التشويش، وصيانة الدين من الغلو، وتعزيزًا لقيم التسامح والاعتدال في عصر تضاربت فيه الانحرافات وكثرت فيه الدعوات المنحرفة التي تلبس الباطل لباس الشرع وتشوّه وجه الإسلام الناصع.
أصبح [ذلك] أمرًا واجبًا، والوقوف على أهمية عقيدة الإمام الماتريدي في هذا العصر لا يُعدّ استدعاءً لثروات فكرية ماضٍ فحسب، بل هو استئناف لرسالة عقدية وروحية ما تزال قادرة على مخاطبة التحديات المعاصرة بثقة وعمق واتزان.
المنظومة الأخلاقية في المصادر الشرعية وعلاقتها بعقيدة الإمام الماتريدي
بما استطاع به الإمام الماتريدي من حفظ تلك العقيدة بمنظومة أخلاقية عميقة، رأيناها في المصادر الشرعية من الكتاب والسنة؛ حيث يتحدث نحو ثلاثة بالمائة من هذه المصادر عن كل الشريعة بكل أطرافها، وأكثر من سبعة وتسعين من المائة تتحدث عن المنظومة الأخلاقية.
قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
الماتريدية والأشعرية كيان واحد ورؤية عقدية شاملة تجمع بين النص والعقل
الماتريدية لا أعدّها أحد الجناحين مع الأشعرية، بل أعدّ الماتريدية والأشعرية كشيء واحد. لم تكن [الماتريدية] يومًا مذهبًا جدليًا محدود التأثير، بل كانت رؤية عقدية شاملة سعت إلى حفظ التوحيد من التحريف، وتقديم الإيمان في صورة تجمع بين النص والعقل، وبين التسليم والبرهان، وبين الإيمان ومنظومة الأخلاق.
إحاطة الإمام الماتريدي العقل بالنقل وتأسيسه لخطاب يحترم كرامة الإنسان
أحاط الإمام الماتريدي العقل بالنقل، وجعل العقل ومعه التكليف أداةً لفهم الخير والشر وأداةً لفعل الخير واجتناب الشر:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
فإن هذه الرؤية تؤسس لخطاب معاصر يحترم الإنسان ويكلّفه بما يليق بمقامه وكرامته:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
في زمن كثر فيه الاستضعاف باسم الدين والحداثة على حد سواء.
الماتريدية بنية عقلية وروحية صالحة لإعادة بناء الخطاب العقدي المعاصر
ليست الماتريدية مجرد تراث، بل هي بنية عقلية وروحية تصلح لإعادة بناء الخطاب العقدي في مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، مما يعيد الثقة في العقيدة الإسلامية وفي عرضها على العالمين، وفي تأثيرها في مجريات الحياة، تربّي الأجيال على الإيمان والفكر الرشيد والاعتدال في القول والعمل.
الشكر للقائمين على المؤتمر والدعاء بحفظ الأمة من الفتن
فشكر موصول للقائمين على هذا المؤتمر المبارك، والشكر موصول لجمهورية أوزبكستان قيادةً وشعبًا على هذه الدعوة الكريمة، وحسن تنظيمهم وحرصهم على إحياء علوم هذا الإمام الجليل الذي تحتاج إليه البشرية كلها، وخاصة المسلمون؛ لنربط الماضي بالحاضر في سلسلة متصلة من خدمة الوحي وحراسة الملة.
سائلين الله تعالى أن يجعل هذا الجمع جمعًا مرحومًا، وأن يبارك في الجهود ويجعلها في موازين الحسنات يوم القيامة، وأن يلهمنا الرشد والصواب، وأن يحفظ أمتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. شكرًا لكم.
