كلمة فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة إلى المؤتمر العام لمسلمي أوكرانيا - ندوات ومحاضرات

كلمة فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة إلى المؤتمر العام لمسلمي أوكرانيا

11 دقيقة
  • أرسى النبي صلى الله عليه وسلم أربعة نماذج للتعايش السلمي مع النفس والكون والآخر.
  • النموذج الأول: تعايشه في مكة مع مجتمع وثني رافض للتوحيد لمدة أربعة عشر عاماً، متحملاً الأذى دون الصدام.
  • النموذج الثاني: إرساله الصحابة إلى الحبشة ليعيشوا في بلد غير مسلم يمنحهم حرية ممارسة دينهم.
  • النموذج الثالث: تعايشه في المدينة مع مجتمع متنوع من المسلمين واليهود والمشركين والمنافقين، وإنشاؤه لوثيقة المدينة كأول دستور للتعايش.
  • النموذج الرابع: حياته في المدينة بعد أن أصبحت إسلامية خالصة.
  • تُظهر هذه النماذج كيفية العيش في أي مكان بالعالم سواء في بلد معادٍ للإسلام، أو غير مسلم، أو متعدد الأديان، أو إسلامي.
  • أوصى النبي بحسن معاملة الجار دون تحديد دينه، وشددت وصاياه على التعايش الاجتماعي.
  • هذه النماذج تحل إشكالات كثيرة للمسلمين، مع الالتزام بأحكام الإسلام الثابتة وسنة النبي والخلفاء الراشدين.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح اللقاء بالسلام والترحيب بالحضور عبر البث المرئي

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومنْ والاهُ.

أحييكم بتحيةِ الإسلامِ فأقولُ لكم أولًا: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاءِ الذي سيتجاوزُ البحارَ والقِفارَ، ونلتقي عن طريقِ الصوتِ والصورةِ عبرَ هذه الأميالِ الكثيرةِ التي كنتُ أريدُ أن أقطعها إليكم، وأن أقوم في وسطكم حتى نعالج مثل هذه القضايا المهمة للإسلام وللمسلمين بل وللعالمين.

موضوع التعايش السلمي والنبي ﷺ قدوة في ذلك

نعم، تجتمعون اليوم من أجل التعايش؛ التعايش السلمي مع النفس، والتعايش السلمي مع الكون، والتعايش السلمي مع الآخر.

والنبي صلى الله عليه وسلم وقد جعله الله أسوة حسنة كان مثالًا أتم وإنسانًا كاملًا في هذا الشأن، في شأن التعايش. وله صلى الله عليه وسلم من سيرته الشريفة المنيفة أربع نماذج تركها لنا حتى يستطيع المسلم أن يعيش في هدوء وفي سلام، كوردة في وسط المجتمع، داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى، معمرًا للأرض التي حوله، مزكيًا للنفس التي بين جنبيه.

النموذج الأول: تعايش النبي ﷺ في مكة مع مجتمع يرفض التوحيد

ترك لنا [رسول الله ﷺ] نماذج أربعة. النموذج الأول تركه لنا عندما عاش في مكة نحوًا من أربعة عشر عامًا. عاش في مكة في بيئة ومجتمع يرفض التوحيد ويرفض الإسلام، ويصر على الجاهلية الأولى التي كان فيها وأد البنات، والتي كان فيها العبودية والرق، والتي كان فيها قتل النفس بغير الحق، والتي كان فيها الظلم والتظالم، والتي كان فيها الربا الفاحش الذي فيه خراب الدنيا، وغير ذلك من المفاسد.

إلا أنه صلى الله عليه وسلم صبر وتعايش مع هذا كله.

صبر النبي ﷺ على أذى المشركين ورفضه الصدام المسلح في مكة

كان المشركون الوثنيون في مكة يؤذونه ويؤذون أصحابه، ولكن لم يصطدم معهم. حتى أن أحدهم جاءه وقال: يا رسول الله، نريد أن ندفع البلاء عن أنفسنا وأن نقاوم وأن نحارب هؤلاء الذين يؤذوننا ويؤذون أهلنا ويؤذون أبناءنا، فقال [صلى الله عليه وسلم]:

«لم أُؤمر بذلك»

عرض عليه أهل المدينة عندما كانوا في بيعة العقبة أن يحملوا حملًا على أهل مكة بعد أكثر من عشر سنوات ويزيد، لكنه قال:

«ما أُمرت بذلك، إني رسول الله ولينصرني الله، حتى تسير الظعينة -يعني المسافرة- من مكة إلى صنعاء» وفي رواية «من مكة إلى الحيرة لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها»

يبشر بأن هذه الأماكن ستصير آمنة، ولكن بأسلوب التعايش السلمي، وليس بأسلوب الصدام والقتال والدم أبدًا، بل بالأخلاق الحسنة وبطيب الطعام وبالدعاء وبتزكية النفس.

النموذج الثاني: هجرة الصحابة إلى الحبشة والعيش في بلد غير مسلم

قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»

ذهب كثير من الصحابة نحو الثمانين في هجرات متتالية إلى الحبشة، فوجدوا ملكًا لا يُظلم عنده أحد. هو [النجاشي] ليس مسلمًا حينئذ والبلد ليست مسلمة، لكنها تؤمن بشيء من حرية الأديان، وتؤمن بأن الإسلام لا يأمر بالأذية ولا بالضرر، وافقوا أن يعيشوا في أوساطهم.

فهذا هو النموذج الثاني: كيف يعيش المسلم في بلد غير مسلم إلا أنه لا يحارب الإسلام بل يعطي المسلمين حقوقهم؟ فقه كبير نأخذه من حياة الصحابة في الحبشة. بعضهم حتى بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ظل في الحبشة إلى أن مات، وأغلب هؤلاء المسلمين الذين يعيشون في الحبشة التي تسمى إثيوبيا الآن هم من أولاد هؤلاء الصحابة.

النموذج الثالث: وثيقة المدينة وتعايش النبي ﷺ مع مجتمع متعدد الأديان

هاجر النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أغلقت مكة أبوابها، هاجر إلى المدينة. وفي المدينة وجد مجتمعًا متعددًا؛ وجد فيه اليهود، ووجد فيه المشركين، ووجد فيه المسلمين، بل كانت هناك طائفة حيرى سُميت بطائفة المنافقين، يُظهرون ما لا يُبطنون، ويتحركون سرًا فيما هو محقق لمقاصدهم ومصالحهم، إلا أنهم يُعلنون في الظاهر الإسلام.

وجد النبي صلى الله عليه وسلم هذه التركيبة فعاش عهده الأول في المدينة وأنشأ لهم دستورًا ووثيقةً سُميت بـوثيقة المدينة، وهي أول دستور تعرفه البشرية في الدول التي تتعدد فيها المذاهب وتتعدد فيها الأديان وتتعدد فيها الطوائف إلى آخره.

النموذج الرابع: المدينة بعد خلوها من غير المسلمين والقضاء العادل

ثم بعد ذلك عاش [النبي ﷺ] في المدينة أخيرًا وقد خلت من قبائل يهود، وذلك بعد ارتكابهم جرائم تصل إلى حد الخيانة العظمى في وقت الحرب. وبالرغم من ذلك فقد طُبق عليهم القضاء وكان قضاءً عادلًا، كان قضاءً فريدًا لم يحدث إلى يومنا الحالي، وهو أن المتهم يختار قاضيه، فخيّرهم في قضاتهم: اختر من شئت من القضاة وهو الذي يحكم معك وفيكَ.

خَلَتِ المدينة وأسلم باقي أهلها وكُشِفَ حال المنافقين، وأصبحت خالية تمامًا إلا من المسلمين. كيف يعيش الإنسان في دولة إسلامية ليس فيها سوى المسلمين؟ هذا هو النموذج الرابع [من نماذج التعايش في السيرة النبوية].

ملخص النماذج الأربعة للتعايش وتطبيقها في كل مكان في العالم

نماذج أربعة تركها لنا [رسول الله ﷺ] نعيش من خلالها في أي مكان في العالم إلى يوم القيامة:

  1. في بلد تكره الإسلام والمسلمين وتحاربهم.
  2. أو في بلد لا تكره الإسلام ولكنها ليست مسلمة.
  3. أو في بلد فيها تعدد المذاهب والأديان.
  4. أو في بلد كلها من المسلمين.

هذا أساس لمعرفة كيفية مواقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الناس، مع المجتمع؛ على مستوى الأسرة، على مستوى الأمة، على مستوى المجموع: مجموع العمل، مجموع المسجد، مجموع الطريق، مجموع الجيران.

حق الجار في الإسلام دون تفريق بين مسلم وغير مسلم

انظروا ماذا ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل هذه النواحي. التي يقول في جانب الجيران مثلًا:

قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعان وجاره جوعان وهو يعلم»

لم يقل جاره المسلم أو غير المسلم [بل أطلق اللفظ ليشمل كل جار].

وقال ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني على الجار حتى ظننت أنه سيورثه» [أي سيجعله من الورثة]

معانٍ كثيرة جدًا إذا فهمناها في سنة نبينا من خلال النماذج الأربعة، انفك لنا كثير من الإشكالات التي اصطدم بها المسلمون معتقدين أنهم يحملون الأحكام الأخيرة.

ثبات أحكام الإسلام مع مرونة التعايش في أي مكان بالعالم

نعم، الأحكام هذه للمسلمين لا تتغير؛ الخمر لا تحل، ترك الصلاة لا يجوز، ترك الصيام لا ينبغي ولا يجوز بل هو حرام، وهكذا. ولكن كيف نعيش مع أنفسنا ومع الآخر في أي مكان في العالم؟

هدي النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم يبين لنا بالتفصيل وبدقة وفي كل الجوانب كل هذه الأمور. وكذلك ما تلا النبي صلى الله عليه وسلم من تجربة وتطبيق، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم:

«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»

نأخذ بمناهجهم، نأخذ بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نقف عند زمانه، بل نطبق ما تركه لنا من هدي وما تركه لنا من سنة منيفة، وما تركه لنا صلى الله عليه وسلم من خير حتى نكون على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، والتي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر تفصيلًا بذلك.

ختام اللقاء والسلام من الشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

نلتقي على خير، فإلى لقاء آخر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.