لقاء الجمعة | الهجرة النبوية | أ.د علي جمعة | بتاريخ 15 3 2002
- •الهجرة النبوية ذكرى عظيمة تمثل بداية الدولة الإسلامية، حيث انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بعد ثلاثة عشر عاماً من بداية الإسلام.
- •تأخر هجرة النبي عن أصحابه لأسباب منها رد الودائع لأصحابها وأمله في هداية أهل مكة.
- •للهجرة ثلاثة أنواع: هجرة حرمان كهجرة آدم من الجنة، وهجرة أمان كهجرة موسى من فرعون، وهجرة إيمان كهجرة النبي محمد.
- •حكمة بدء التقويم الهجري من محرم (رغم أن الهجرة وقعت في ربيع الأول) هو اختيار عمر بن الخطاب ليبدأ العام بعد موسم الحج.
- •قام النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لبناء الإنسان والمجتمع.
- •وضع النبي دستوراً للمدينة قائماً على المواطنة والتعددية، شمل مختلف المكونات بما فيها اليهود.
- •الهجرة مستمرة بمعانيها الروحية والأخلاقية، حيث قال النبي: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، و"المهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
- •هجرة العقول اليوم تتطلب عودة للوطن للإسهام في بنائه والنهوض به.
مقدمة لقاء الجمعة والتهنئة بالعام الهجري الجديد وذكرى الهجرة النبوية
مشاهدينا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم معنا في هذا اللقاء الجديد من لقاءات الجمعة. أهلًا مشاهدينا، كل عام وأنتم بخير بمناسبة العام الهجري الجديد.
مشاهدينا الأعزاء، عام جديد وذكرى غالية على نفس كل [مسلم]، هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ذكرى إعزاز دين الإسلام وبداية الدولة الإسلامية.
نلتقي اليوم لنتحاور حول هذه الهجرة وحول معانيها وأسباب وتوقيت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، وأسئلة كثيرة تُطرح.
أسئلة الحلقة حول حكمة توقيت الهجرة ومبرراتها في العصر الحديث
من [أبرز الأسئلة التي تُطرح حول الهجرة النبوية]: ما الحكمة من توقيت هذه الهجرة بعد مرور ثلاثة عشر عامًا؟ لماذا لم يعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعد الفتح؟ هل للهجرة مبررات وأسباب كافية في عصرنا الحديث؟
أعزائي المشاهدين، يسعدنا أن يكون ضيفنا وضيفكم اليوم هو الأستاذ الدكتور علي جمعة، أستاذ أصول الفقه في جامعة الأزهر، ليجيب عن أسئلتكم حول هجرة الرسول إلى المدينة. وكما عوّدتمونا دائمًا فنحن نرحب بكم وبمشاركتكم الهاتفية ومداخلاتكم معنا في لقاء الجمعة عن الهجرة.
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا. أهلًا بك يا سيدي.
تلاوة آية الهجرة من سورة التوبة والتعليق على أنوارها
بدايةً نود أن نبدأ بأن نعيش معكم ومع السادة المشاهدين في كل مكان في أنوار الآية الكريمة. بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]
صدق الله العظيم.
التهنئة بالعام الجديد والدعوة إلى تجديد الحياة والعودة إلى الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.
أولًا، كل عام وأنتم بخير، وهذا في الحقيقة يوم جديد في شهر جديد في عام جديد، وقد منَّ الله علينا بأن جعله يوم عيد؛ فإن يوم الجمعة عيد في السماء، فاليوم في الحقيقة جمع فأوعى، ونبّه المسلمين على أن يبدؤوا حياتهم من جديد.
جدِّد حياتك، وتجديد الحياة في الحقيقة جعل الله له مناسبات ونفحات، وهذه من النفحات التي جعلها الله سبحانه وتعالى من أجل أن يعيد المسلم مع نفسه حساباته ويرجع إلى الله.
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
أهمية المعيشة مع سيرة رسول الله وكلمات الله لا مجرد العلم بها
فهذه [النفحات الربانية] هي [سبيل التجديد]، وما ذكرته الآن أنت [المقدم] في كلمة "نعيش" الحقيقة هي كلمة كبيرة جدًا. كلمة "نعيش مع هذه الآية"، نحن نفتقد المعيشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نحن قد نعلم أقواله وأفعاله وتقريره، لكننا لا نعيش فيها. وإذا عشنا في كلمات الله التامات، وإذا عشنا في أحوال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإننا سوف نستفيد من الروح التي أرسلها الله سبحانه وتعالى لعباده في الأرض ونبّه إليها البشر، وسيصبح الإسلام عند ذلك صالحًا لكل زمان ومكان كما نقول.
الهدف من ذكرى الهجرة استخلاص الدروس وتحويلها إلى برنامج عملي
نحن نريد أن نعيش في هذه الذكرى، لا نريد أن نقف عند أحداثها ولا أن نعلّم الناس ما الذي حدث؛ أغلب الناس يعلمون هذا، ولكن ما دلالات هذه الأحداث وما المراد منها وما يريده الله سبحانه وتعالى أن يبلغه لعباده المؤمنين.
حتى نأخذ منها ونستخلص منها العبر والمواعظ والدروس، ثم لا نقف عند ذلك بل نحوّلها إلى برنامج عملي يتوافق مع حياتنا اليومية في كل وقت وحين. هذا هو أصل المعيشة [مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم].
معنى كلمة الهجرة في لغة العرب ودلالة حروفها على الانتقال والاضطراب
فحتى نعيش مع أنوار هذه الآية ينبغي علينا أن نرجع إلى كلمة الهجرة التي دلت عليها هذه الآية. ما الهجرة؟ لغة العرب لطيفة جدًا، فيها قضية لا يلتفت إليها كثير من الناس وهي أن الحروف كأنها تحمل المعاني، الحروف على مستوى الحرف.
فالهاء والجيم والراء تحمل معنى الانتقال وتحمل معنى الاضطراب وتحمل معنى الظهور. فمثلًا لو غيّرنا في الترتيب: "جهر" يعني علا صوته، فالجهر فيه اضطراب وزيادة وذبذبة زائدة في طبقات الجو. "رهج" تعني اضطربت النار.
غيّرنا الحروف، فبدل "هجر" جعلناها "جهر" وجعلناها "رهج"، تغيرت الحروف، لكن في كل هذه الكلمات لاشتمالها على الهاء والجيم والراء ففيها معنى معين، هذا المعنى كأنه هو روح الكلمة.
الهجرة سنة الأنبياء جميعًا من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم
فالهجرة في الحقيقة إذا ما تأملناها وجدناها:
- أولًا: قد هاجر كل نبي من لدن آدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كل نبي كانت له هجرة.
- ثانيًا: الهجرة قائمة ومستمرة إلى يوم الدين.
- ثالثًا: للهجرة أنواع.
هجرة آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض هجرة حرمان وعمل للعودة
لو تأملنا هجرة آدم مثلًا نجد الله سبحانه وتعالى يأمره بترك الجنة والذهاب إلى الأرض. الجنة دار تشريف والأرض دار تكليف، الجنة دار جزاء والأرض دار عمل، ويُطلب فيها العبادة والعمارة وافعل ولا تفعل بشكل فيه مشقة، لكنه ينتقل من هذه إلى تلك.
هل يمكن أن نسميها هجرة حرمان؟ حيث حرم الله سبحانه وتعالى آدم من الجنة لمعصية ارتكبها ولعهد أوقعه ولم يوفِ به بينه وبين ربه، فنقله من هذه الدار إلى تلك الدار.
الهجرة فيها انتقال، والهجرة أتت من مشكلة، والهجرة فيها عودة؛ لأننا نلاحظ أن آدم قد عمل في الدنيا الأعمال الصالحة حتى يعود إلى الجنة مرة ثانية.
هجرة موسى عليه السلام من مصر إلى مدين هجرة أمان وطلب للهداية
هناك هجرة أخرى لو تأملناها وتدبرناها مع موسى مثلًا لوجدنا أن موسى قد هاجر هجرة أمان وليست هجرة حرمان. فرَّ من فرعون وطغيانه وظلمه وما إلى ذلك.
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [القصص: 21]
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [القصص: 22]
فهو طلب من الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى سواء السبيل، وتوجه إلى مدين وهاجر، لكنه عمل على أن يعود وقد عاد. وآدم عمل على أن يعود وسيعود إن شاء الله كجزاء له هو ومن صلح من أولاده [فـ]يدخلون الجنة.
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هجرة إيمان إلى دار استقبلته ونصرته
هناك هجرة ثالثة وهي هجرة الإيمان وهي هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتقل من دار ظالمة إلى دار أخرى استقبلته واستوعبته، وكانت هي دار الهجرة، وكانت هي المدينة التي فيها من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وعزّروه ونصروه وأيّدوه.
وكان فيها الأنصار الذين أرسل إليهم مصعب بن عمير قبل الهجرة، وأرسل إليهم أبا سلمة قبل الهجرة، قبل هجرته هو صلى الله عليه وسلم.
فهذه الهجرة التي معنا هي هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي من نوع هجرة الإيمان.
أنواع الهجرة الثلاثة: هجرة حرمان وهجرة أمان وهجرة إيمان وخصائصها المشتركة
إذن فمعنا في الهجرة:
- •هجرة حرمان [كهجرة آدم عليه السلام].
- •وهجرة أمان [كهجرة موسى عليه السلام].
- •وهجرة إيمان [كهجرة النبي صلى الله عليه وسلم].
وفي كل من هذه الهجرات انتقال من مكان إلى آخر، ومشكلة ننفر منها، وطلب للعودة.
سؤال من ألمانيا: هل بدأ الإسلام من يوم الهجرة وحكم الهجرة لطلب الرزق
معنا اتصال هاتفي من ألمانيا: ألو، كل عام أنتم بخير وأنت بصحة وسلامة. السلامة، ربنا يُبقينا معكم جميعًا يا أستاذ الشيخ. أهلًا وسهلًا بك، تفضل من فضلك.
هل الإسلام بدأ من يوم الهجرة أم الإسلام بدأ قبل الهجرة؟ نعم، واحد.
aثنان: ما هو حكم الناس الذين مثل أحوالي وأخوال أناس آخرين مصريين يهاجرون من بلد إلى آخر بحثًا عن لقمة العيش، هل هذا جائز أم غير جائز في الإسلام؟ وشكرًا، يعطيكم العافية.
الإسلام بدأ قبل الهجرة بثلاثة عشر عامًا وسبب اختيار الهجرة بداية للتقويم
نعم، الإسلام بدأ قبل الهجرة بثلاثة عشر عامًا، وبعد ثلاثة عشر عامًا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبقي فيها عشرة أعوام، إذن فمدة الوحي ومدة الإسلام ثلاثة وعشرون عامًا.
إذن الإسلام بدأ قبل الهجرة، فلماذا إذن بدأنا السنة الهجرية مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وليس من بداية الإسلام؟ هذا ما ذهب إليه سيدنا عمر ووضعه باعتباره اصطلاحًا؛ لأنهم كانوا أولًا يبدؤون سنواتهم بعام الفيل، يبدؤون سنواتهم بملك كسرى أو قيصر يتولى الحكم، فيقولون هذه السنة الأولى من أنوشروان، هذه السنة العاشرة، هذه السنة العشرون.
قصة اختيار عمر للتقويم الهجري واتفاق الصحابة على شهر محرم بداية للسنة
ولكن لما جاء الإسلام وسأل بعضهم عمر في قضية أنه عليه دين وكان ينبغي عليه أن يعطيه إياه في شعبان، فقال: أي الشعابين؟ شعبان الخاص بأي سنة؟ فهذا دفع سيدنا عمر إلى وضع بداية [للتقويم].
واتفق الصحابة على أن يكون ذلك من الهجرة لا من البعثة ولا من مولد النبي ولا إلى غير ذلك من المواقيت. وكذلك اتفقوا على أن يكون بعد الحج، بعد عودة الناس من الحج، فاتفقوا على أن يكون الأول من محرم بداية السنة، في حين أن الهجرة تمت في ربيع الأول في المحرم [أي أن بداية التقويم من محرم لا من ربيع].
وعلى ذلك فالإسلام بدأ قبل الهجرة بثلاثة عشر عامًا، وهذا هو سبب اختيار المسلمين لهذه الهجرة [بداية للتقويم].
جواز الهجرة لطلب الرزق والعلم مع ضرورة تحرير النية لله تعالى
يجوز السعي في الأرض وطلب الجهاد في سبيل الله، وطلب العلم، وطلب الأرزاق، وصلة الرحم، إلى آخره من الأمور الصحيحة. فأنت إذا انتقلت من بلد إلى بلد، فأرض الله واسعة.
﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [النساء: 100]
سبحانه وتعالى. فالمسلم ينبغي أن يحرر نياته ويجعل كل تصرفاته حتى طلب الرزق وطلب العلم لله.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ومقبولة منه، «وإن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»
فينبغي أن يأخذ الإنسان الثواب ويحصّله ويجمعه ولا يفرط في شيء من ذلك، وأن يجعل النية دائمًا لله خالصة في انتقالاته، بالرغم من أنه يسعى لتحصيل العلم أو لتحصيل الرزق أو لغير ذلك من الأسباب المشروعة.
مبدأ النبي في بناء الساجدين قبل المساجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
أستاذ الدكتور علي جمعة، بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نجد أنه قد آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة تقترب من أخوة الدم، ونحن نريد أن نتفهم السياسة النبوية الكريمة من وراء هذا.
النبي صلى الله عليه وسلم في دينه كله، قبل الهجرة وبعد الهجرة، كان لديه مبدأ نلحظه في السيرة بأكملها: أن بناء الساجدين قبل بناء المساجد. الساجد وهو الإنسان، والمساجد هي البنيان.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا يبدأ ببناء الإنسان، ببناء الساجد.
قال النبي ﷺ: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»
أي إن قضية البنيان في العبادة ليست شرطًا وليست أساسًا.
بناء المسجد النبوي كمؤسسة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار تحت عنوان بناء الإنسان
نعم، وعندما جاء [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة أخذ مقبرة للمشركين واشتراها من أصحابها وحوّلها إلى مسجد، وبنى مؤسسة، أي حوَّل المسجد إلى مؤسسة، ولكن لم يكن البنيان هو الغرض الأساسي، بل كان نقطة انطلاق.
فالنبي صلى الله عليه وسلم تحت هذا العنوان، تحت عنوان بناء الإنسان، تحت عنوان أن الساجد قبل المساجد، آخى بين المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم، من أهلهم، من أموالهم، أي أنه [المهاجر] جاء وحده ليس هناك أي شيء، فآخى بينهم وبين الأنصار إخوةً قد تفوق إخوة الدم.
حقيقة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وأثر الحب والإيمان في قلوبهم
ما الحاصل أمامنا: مهاجر ترك بلاده في سبيل الله وهو رجل فقير، ورجل آخر يتلقاه، ومن شدة إيمانه ينزله ويوافق أن ينزله منزلة الأخ.
إنزال الإنسان الغريب منزلة الأخ مسألة ليست هكذا بالتمني أو بالكلام، هذه مسألة لا بد أن تنبع من القلب. ومعنى هذا أن قلوب أولئك الناس الذين نصروا وآووا وعزّروا وأيّدوا كانت قلوبًا سليمة وكانت قلوبًا مفعمة بالحب؛ لأن هذا الحب هو الذي حرّك تلك الإخوة.
ثلاثة أسس افتقدناها في بناء الإنسان: المعرفة والخوف والحب
هناك ثلاثة أشياء افتقدنا كثيرًا منها في عصرنا الحاضر في بناء الإنسان، حتى نجيب على هذا السؤال ببساطة جدًا، وهي: المعرفة، والخوف، والحب.
الإنسان إذا عرف الحقائق، عرف ربه، عرف معنى النبوة، عرف معنى قضية الإنسان في حياته، وخاف أن تضيع منه هذه المعرفة وخاف ربه، وأحب هذه المعرفة وعاش فيها، فإنه يصدر منه تلك السلوكيات الرائقة الفائقة العالية.
فالذي حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم ربّى الأنصار على المعرفة والخوف والحب، فتلقوا الآخرين وحدث بينهم هذا التآخي.
المهاجرون لم يثقلوا على الأنصار بل طلبوا الأسواق للعمل والتجارة
المهاجرون لم يثقلوا ماديًا على الأنصار، بل سألوهم أن يدلّوهم على الأسواق فتاجروا وعملوا واشتغلوا، ورأوا أنه يكفيهم هذا الود وهذا القبول وهذا الاستعداد.
الذي دفع بعضهم إلى أن يفعل شيئًا يستغربه الناس وينكرونه، وهو صحيح سندًا، لكن الناس لا تفهم لماذا كان هذا: أن أحدهم [من الأنصار] كان عنده زوجتان، فالثلاثة جالسون مع المهاجر القادم، فيقول له: انظر إلى إحدى الزوجتين، أطلّقها لك وتتزوجها.
هذا ذوبان [في الحب]، إذا لم يتصور الإنسان الحب وحجمه الذي كان في قلوب الأربعة [الزوج والزوجتين والمهاجر]؛ لأنه افترض أن المرأة طُلّقت ثم لم ترد هذا، حتى أن المرأة مستعدة أن يطلّقها زوجها وتنتقل إلى ذلك الآخر من شدة حبها في هذه القضية [قضية الإيمان والأخوة].
لو أنه غاب الحب لا نستطيع أن نفهم مثل هذا النص، لو أن الحب موجود والذوبان موجود يُفهم النص على حقيقته.
سؤال من مصر: لماذا نحتفل بالهجرة في محرم وقد وقعت في ربيع الأول
معنا اتصال آخر من مصر، ألو، السلام عليكم. السلام ورحمة الله وبركاته.
لو سمحت، أنا سمعت من حضرتك أن الهجرة جاءت في شهر ربيع، فلماذا نحتفل بها في أول سنة محرم، أول يوم في محرم؟
قلنا إن سيدنا عمر رأى أن الناس عندما يعودون من الحج يكون من المناسب أن يبدؤوا بعد حجهم عامًا جديدًا، ووافقه الصحابة على هذا. لكن من أجل السنة فقط، وشهر محرم يأتي بعد شهر ذي الحجة الذي يتم فيه الحج.
فالناس يعودون من الحج ويستقبلون العام الجديد، سنة جديدة كما أنهم يستقبلون حياة جديدة بعد غفران الذنوب، يستقبلون سنة جديدة في معاملاتهم وأحوالهم وهكذا.
سؤال عن الضحك يوم عرفة وجواب بأنه لا يقلل من الحج ولا يبطله
حسنًا، هل يمكنني أن أسأل سؤالًا لكنه عن الحج؟ يمكن والله، حتى إننا سنسمح بهذا التساؤل، ولكننا عادةً نحب أن نرتبط بموضوع الحلقة، لكن بما أنك معنا على الهاتف، تفضلي.
حسنًا، اتفقنا، أنا قلّما أستطيع التواصل هاتفيًا مع شيخ لأسأله. تفضلي أنتِ معك.
حسنًا، الآن أنا حججت، وعندما وقفت بعرفات، يعني كنا جالسين مع بعضنا هكذا وضحكنا، فهل هذا الضحك يتنافى مع الوقار في يوم عرفة؟ أو هل علينا ذنب أو شيء ما؟
لا، إن شاء الله لا يقلل من ذلك، والله يتقبل منك تمامًا إن شاء الله رب العالمين ويقبل حجتك، والحجة مقبولة إن شاء الله.
شكرًا لاتصالك، شكرًا.
سؤال من إيطاليا عن مسألة تطليق الزوجة للمهاجر وتوضيح أنها لم تكن بأمر نبوي
وأصدقاء الإيمان، أي تساؤلات خاصة بفتاوى لأي موضوع، برنامج دنيا ودين يسعد دائمًا بتلقي أي اتصالات أو فاكسات لهذه التساؤلات.
ومعنا الآن اتصال هاتفي آخر من إيطاليا. ألو أستاذ علي، السلام عليكم. السلام ورحمة الله وبركاته. كل عام وأنتم بخير. وأنتم بصحة وسلامة. أحييكم على هذا البرنامج، شكرًا.
أود أن أسأل فضيلة الدكتور: هنا في بعض الأدبيات الغربية نقرأ أحيانًا عمن لا يتفهمون أن تُطلق امرأة من زوجها لكي يتزوجها رجل آخر. نعم، يعني طبعًا أنتم تعرفون الفلسفة الغربية والفكر الغربي في مثل هذه القضايا.
هل كان ذلك بأوامر من الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هل كان ذلك؟ كيف كان ذلك؟ كيف تترك سيدة زوجها وتتزوج رجلًا آخر، أيًا كانت درجة الحب بين زوجها وأخيه الذي هاجر إليه؟ أرجو التوضيح في مثل هذا، وهذه فرصة لكي نوضح ذلك لك، نبرز وجهنا الديني الإنساني أمام من يمكن أن يكون نقادًا لحضارتنا الإسلامية. شكرًا أستاذي، شكرًا لك، شكرًا جزيلًا.
المؤاخاة لم تكن بأمر النبي بل نبعت من قلوب مفعمة بالحب والرحمة
هو في الحقيقة لم يكن هذا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان من داخل قلوب الجميع. ولكن اختلاف العصور يجعل عدم الفهم هو المقدم.
والحقيقة التي بيننا وبين الغرب ليس في أنه يريد أن يفهم أو لا يفهم؛ لأن الطلاق موجود مثلًا في الشريعة اليهودية ومقر قبل هذا إلى آخر ما هنالك. لكن على كل حال هناك الحب.
هذا معنى عظيم يأتي من الرحمة، فالرحمة هي الأساس. من أجل ذلك نجد ربنا سبحانه وتعالى يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، تقديم الرحمة على الحب مكتوب فيه الكتب.
الحب في الإسلام عطاء وليس شهوة والفرق بين الحب العذري والحب المادي
وأنت إذا ما تأملت هذا عرفت وعشت في كيفية الرد على من لا يدركون معاني الحب عطاء وليس الحب شهوة. إذا كان الحب هو الشهوة فليستغرب من يستغرب، ولكن لما يكون الحب عطاء فليعلم أن الإنسان إذا ما ذاب في حب ربه أعطاه كله.
وإذا عرف أن ذلك التصرف أو ذاك، حتى لو كان في هذا التصرف منح للحياة في ذاتها، أنه يُرضي الله وأنه سيأخذ عليه من الثواب والرضا من الله والقرب منه، فإنه يُبادر إليه.
فقد هذا المعنى أن الحب عطاء وليس الحب عبارة عن شهوة، والخلط بين قضايا الحب وقضايا الجنس وربط هذا بذاك دائمًا، وعدم تصور قضايا الحب العذري والحب النقي، هذا أمر جاء من انحطاط البشرية عن مستوى التلقي.
ذوبان المجتمع المسلم الأول في الحب وقمة الإنسانية في التنازل عن الزوجة
ولكن إذا ما عرفنا معنى الحب الحقيقي فإننا سندرك هذه الحالة، ولنعلم أن هذه قمة الإنسانية، وأنها قضية أن يتنازل إنسان بالطلاق، بعد ذلك تقضي العِدَّة، بعد ذلك يتزوجها الآخر إلى آخره.
إنما هي قضية وصل فيها المجتمع المسلم الأول إلى درجة الذوبان. فإذا لم ندرك كلمة الذوبان ومعناها، فإننا لا نستطيع أن ندرك ما فعلوا، ويبقى علينا أن نعترض وأن نمط شفاهنا في غير موضعها.
تعامل النبي مع القوى داخل يثرب ووضع دستور المدينة مع اليهود
معنا اتصال آخر من المغرب. ألو، يبدو إننا فقدنا الاتصال.
فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم والفئة المهاجرة معه مع القوى الموجودة داخل يثرب وخاصة اليهود؟
النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل يثرب كان الأوس والخزرج قد آمن أغلبهم بالرسالة الجديدة وبالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن اليهود كانوا يمثلون القلة وليس الكثرة في المدينة.
إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبني دولة، وكما قلنا أراد أن يبني إنسانًا قبل أن يبني بنيانًا. فأول ما وضع النظام العام وأول ما وضع من هذا النظام العام وضع دستورًا، وكان الدستور في صورة اتفاقية بينه كرأس للدولة صلى الله عليه وسلم وبين الفئات الموجودة باختلاف أنواعها وأعراقها.
دستور المدينة وإقرار مبدأ المواطنة والتعددية في المجتمع الإسلامي
وهذا الدستور كان مكونًا من واحد وعشرين نقطة، تحدث فيها مع اليهود بصراحة، وأقر فيها مبدأ المواطنة، وأقر فيها أيضًا مبدأ التعددية داخل المجتمع الإسلامي.
فالمجتمع الإسلامي يقبل الآخر، لا يطرده ولا ينفيه ولا يخرجه من حق المواطنة، ويحاسبه حساب المواطن. ومن أجل ذلك وضع هذا الدستور في اتفاقية المدينة، وهو موجود تحت أيدينا إلى يومنا هذا بروايات صحيحة تنتمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت الفلسفة التي بُني عليها هذا الدستور تتمثل في إقرار المواطنة وفي قبول التعددية. إقرار المواطنة فأصبح اليهودي مواطنًا.
خيانة اليهود في غزوة الخندق وحكم الخيانة العظمى في زمن الحرب
والمواطن ماذا عليه يفعل؟ ينبغي عليه أن يكون منتميًا، فإذا خرج عن حد الانتماء فقد ارتكب جريمة في حق النظام العام والآداب، تصل هذه الجريمة في عصرنا الحاضر إلى منزلة الخيانة العظمى.
وهذا الذي حدث مع اليهود في غزوة الخندق. أثناء غزوة الخندق خان اليهود وتعاونوا مع الأعداء أثناء الحرب. تهيأ أن ست مائة جاسوس من وطني يخونون الوطن ويتفقون مع أعداء في زمن الحرب.
يعني هذا بالتشريعات الحديثة ليس فيه إلا الإعدام، ويكاد يكون الإعدام في كل العالم إلا بعض الولايات الأمريكية، إلا أن من خان في زمن الحرب هذا ليس له إلا الإعدام. وقد كان فعلًا، وحكم سعد بن معاذ وقضى بإعدامهم وأُعدموا.
النبي في المدينة قام بثمانين سرية وعدد القتلى لا يتجاوز حوادث المرور في شهر
النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى المدينة وكوَّن الجيش وبدأ في الدفاع عنها ضد الأعداء، قام بثمانين سرية أو تجريدة أو غزوة أو خروج. يعني قد يرسل فقط عشرة أشخاص ليتفقدوا ما حول المدينة، ونعدّها سرية.
وجدنا ثمانين سرية في حياته في المدينة، وقد عاش عشر سنوات، أي مائة وعشرين شهرًا، أي كل شهرين أو كل أربعين يومًا أو خمسين يومًا في سرية. هذا يبين لك مدى الضغط الذي كان يقع عليه من كل مكان وهو يحاول أن يحمي نفسه.
في هذه الثمانين سرية جاهد صلى الله عليه وسلم بنفسه في أربعة وعشرين، وقاتل في سبعة. عدد القتلى في كل هذا ثلاث مائة وستة وخمسون شخصًا على مر عشر سنوات، يعني مثل حوادث المرور في باريس في شهر واحد.
سؤال عن سبب تأخر هجرة النبي وعدم مغادرته مع المسلمين الأوائل
معنا اتصال هاتفي آخر من مصر. ألو، أستاذ عاطف؟ نعم، ألو. جمعة: السلام عليكم ورحمة الله. هو يقول لي: من يعيش مع المسلمين؟ الصوت غير واضح. هو يقول لي: لا يمكنه العيش مع المسلمين - صلى الله عليه وسلم.
نعم، لماذا؟ لماذا لم يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم مع المسلمين الذين سبقوه في الهجرة؟ لماذا لم تكن الهجرة جماعية منذ بداية الدعوة؟
أسباب تأخر هجرة النبي: الودائع وحب الوطن والأمل في هداية أهل مكة
نعم، النبي صلى الله عليه وسلم كان لديه الكثير من الأمور في مكة. بالرغم من كفر من كفر إلا أنهم كانوا لا يأتمنون أحدًا في مكة سوى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يُسمى بالصادق الأمين.
كانت عنده ودائع يريد أن يردها إلى الناس، فهذا مسافر إلى اليمن وهذا مسافر إلى الشام، وهذا ذهب إلى قبيلة بني فلان ليتزوج منها وترك عنده صلى الله عليه وسلم ودائعه. كان يشغله دائمًا أن يرد تلك الودائع. هذه واحدة.
ثانيًا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمل أن يهدي الله أهل مكة؛ لأنه كان يحب وطنه، ولما خرج منه نظر وقال:
قال رسول الله ﷺ: «ألا إنك أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»
وأراد العودة.
عودة النبي يوم فتح مكة وظن الأنصار أنه لن يرجع إلى المدينة
ولما عاد [النبي صلى الله عليه وسلم] في فتح مكة دخل، فظن الأنصار أنه سيعود إلى مكة ولا يعود إلى المدينة مرة ثانية.
القضية كانت أنه صلى الله عليه وسلم، وهكذا في كل هجرة، لا يريد أن يغادر وطنه بهذه الصورة، فينتظر حتى يفتح الله سبحانه وتعالى على أولئك الناس لعلهم يهتدون، وتكون هناك علاقات طيبة ما بين المؤمنين في المدينة والمؤمنين في مكة.
ولكن لم يكن ذلك [في البداية]، ومن أجل ذلك جاءه الإذن بالسفر [بالهجرة] بعد المسلمين [الذين سبقوه].
اتصال من سويسرا وتعليق على مسألة تطليق الزوجة للمهاجر
معنا اتصال آخر من سويسرا. ألو، مدام سامية. أهلًا بكِ، تفضلي حضرتكِ. السلام عليكم، كل عام ونحن طيبون وبخير. مدام سامية افتقدناكِ على مدى الحلقات الماضية على مدى شهور. أحاول بصعوبة الدخول إليكم، بالرغم من أنني ألغي كل الندوات والمؤتمرات التي تكون يوم الجمعة لكي أكون متفرغًا. أهلًا بحضرتك، تفضل.
يا فضيلة الدكتور، لدي تعليق على النقطة التي ذكرتها بخصوص "عندي زوجتان، التي تعجبك أتنازل لك عنها". بما أن هذا لم يرد في القرآن ولم يقره صلى الله عليه وسلم، فلا يجب أن نستخدمه اليوم في هذا القرن من الزمان؛ لأنه يتنافى أولًا مع روح القرآن وهو يتنافى مع روح الإسلام التي أعزت المرأة وعززت من مكانتها.
ولا ننسى إطلاقًا أن هذا كان في أول الهجرة، أي أن الأنصار لم يكونوا قد تعلموا العلم الكافي بعد بالإسلام.
تتمة تعليق المتصلة على ضرورة مراعاة الواقع المعاصر في رواية النصوص
فكون أننا اليوم نروّج لهذا، وهذا أذكر أنه في إحدى الزيارات للقاهرة، حضر صلاة الجمعة واستمع في أحد المراكز الإسلامية إلى الحديث، ورجع متأثرًا جدًا.
لأننا اليوم لابد أن نرى الواقع الذي نعيش فيه وتطوره، ولازم نعرف أن هناك عيون مرصودة تريد أن تمسك على الإسلام أمور وشبهات تُثار حوله. فيجب أن يكون لدينا من الحكمة والدراية ما يمكّننا من تفويت الفرصة عليهم، وألا نستخدم أقوالًا ليس لها أساس في القرآن وليس لها أساس في السنة. وشكرًا جزيلًا.
شكرًا سيدة سامية.
الرد على التعليق: النصوص تُقرأ بعين الحب لا بعين النقد وجيل الصحابة أعلى مشاعر
هل من تعليق آخر على نفس النقطة؟ حسنًا، يعني ما دام الناس لا يدركون معنى الحب فلا يمكن أن يدركوه. هذا يعني أنهم يدركون العقود، يدركون شيئًا ليس من الإنسانية العالية.
يبدو أن جيل الصحابة الكرام أعلى بكثير جدًا في المشاعر الإنسانية منا. لقد أصبحنا الآن محجوبين بترهات وبأوضاع معينة.
الأخت سامية تتحدث عن مسألة ضيقة وأنا أتحدث عن السماء، هي تتحدث عن ضيق الأرض وأنا أتحدث عن رحمة السماء وسعتها.
فضيلة السيد الدكتور علي جمعة، ولكن ربما الاعتراض من السائلة في هذا الاتصال السابق هو عن مدى صلاحية هذا المثال لعصرنا الحالي ولظروف حياتنا المعاصرة.
كيف نقرأ النصوص التاريخية بعين الحب لا بعين النقد والرد
نحن لا نتحدث الآن أصلًا في العصر الحاضر، نحن نتحدث في رواية وردت، وأول ما قمت وقلت لها أنه قد يعترض كثير من الناس عليها، ولكن كيف نقرأ النصوص؟ نقرأها بعين الحب لا نقرأها بعين النقد والرد.
هذا زوجها الذي حضر وسمع لم يتلقَّ [الرواية] بعين الحب، إنما تقبّلها بعين النقد. النقد واسع وكلام كثير، أما الذي يتلقاها بعين الحب:
حسنًا، ماذا تفعلين يا أخت سامية، هناك امرأة أرادت، أي أنها تقول إن إعزاز المرأة - فالمرأة تقول أنني أريد أن أتزوجه. ماذا تفعلين في هذا؟ ماذا تقولين في هذا من الناحية الإنسانية؟ أن امرأة من شدة حبها في الله قالت: أريد أن أتزوج هذا.
الأخوة جاءت من الحب والحب جاء من الرحمة والفرق بين الحب والبيع والشراء
حينئذ، هل سيكون هناك إعزاز للمرأة أم لا يكون ولا ما الوضع؟ يعني كيف سيكون الوضع، هو الرجل يبيع ويشتري في النساء؟ هؤلاء إخوة، والأخوة جاءت من الحب، والحب جاء من الرحمة.
ولكن يبدو أن هذا الكلام تحت عنوان وحدانية الزوجة في الغرب أصبح غير مقبول. ولكن كون شيء غير مقبول شيء، وكوننا نقرأ النصوص ونفهمها وكيف كان أولئك على ذلك القدر العالي من الحب والعطاء والرحمة شيء آخر.
اتصال من السعودية: سؤال عن اختيار أبي بكر رفيقًا للهجرة وتوقيتها
معنا اتصال آخر من السعودية. ألو، السلام عليكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. والله كنت أريد أن أشكرك على برنامجك القيم هذا. شكرًا لحضرتك.
ولدي ملاحظتان وسؤال. تفضل. يعني لماذا لا يأخذ البرنامج صبغة دينية أكثر من ذلك؟ هذه نقطة.
والنقطة الثانية بالنسبة للهجرة، كنت سمعت أنها لم تحدث في وقتنا الحالي [أي في شهر محرم]، وأنها حدثت في شهر ربيع الأول أو ربيع الثاني، وأن التقويم بدأ من عهد سيدنا عمر بن الخطاب، وأنهم اختاروا سنة الهجرة نفسها التي هي بداية التقويم، السنة التي حدثت فيها الهجرة، فهي لم تكن حاليًا لم تحدث الآن، كانت في ربيع الأول أو ربيع الثاني. هذا التعليق الثاني.
وأريد من فضيلة الشيخ أن يعلق عليه. السؤال: عندما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام مع سيدنا أبي بكر، هل كان اختيار سيدنا أبي بكر بناءً على أمر من الله أم كان بناءً على أسباب أخرى فقط؟ وشكرًا.
تأكيد أن الهجرة وقعت في ربيع الأول واختيار محرم كان بعد الحج
شكرًا سيدنا خالد، يعني طبعًا نحن قلنا هذا الكلام يا أخ خالد الآن، لعلك لم تسمع بداية الحلقة. أننا قلنا إنه فعلًا حدث في ربيع ولم يحدث في محرم، وعندما اختار عمر شهر محرم لأنه كان بعد الحج، يعود الناس إلى عام جديد بصفحة جديدة.
مقام الصديقية لأبي بكر وحرصه الشديد على حماية النبي أثناء الهجرة
وقضية سيدنا أبي بكر هو رضي الله عنه قد وصل إلى مقام الصديقية، والصديق هو صديق الحق، من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك.
الصديق هذا كما قلنا في قضية الحب، كان أبو بكر لا يتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا، ولا يمشي أمامه، ولا يتكلم في حضرته قبله.
ولكن في الهجرة كان حريصًا عليه أشدَّ من حرص الأمة على ولدها وهي تخاف عليه. فكان يتقدم رسول الله حتى لا يأتيه أي عارض من أمامه، ثم يتذكر أن ظهره مكشوف فيرجع من خلفه ويجعل رسول الله أمامه، فيأتي عن يمينه، فيأتي عن يساره. نوع من أنواع القلق الذي قد تولّد في قلبه من شدة الحب والحرص.
نزول السكينة على أبي بكر في الغار وقلب النبي المعلق بالعرش دائمًا
فسيدنا أبو بكر لما وصل إلى مرتبة الصديقية كان هو ثاني اثنين إذ هما في الغار. أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه السكينة، وفي تفسير أنه أنزل على أبي بكر السكينة.
فالسكينة التي نزلت على أبي بكر لأن النبي قلبه معلق بالعرش دائمًا، لا يحتاج إلى سكينة تنزل عليه ولا غيره. فلما خاف أبو بكر نزلت السكينة عليه، أما رسول الله فإنه لم يخف أصلًا، بل كان في سكينة دائمة؛ لأن قلبه كان معلقًا دائمًا بعرش الرحمن.
وكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، وحتى في السهو في الصلاة قالوا:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها والسهو من كل قلب غافل لاهِ قد غاب عن كل شيء سره فسها عما سوى الله
فالتعظيم لله.
وصول أبي بكر لمقام الصديقية تحت مقام النبوة مباشرة
فكان صلى الله عليه وسلم مفعمًا بذكر الله لا ينساه أبدًا، قلبه مطمئن وساكن. ولذلك بعضهم حمل الضمير في "عليه" [في قوله تعالى: فأنزل الله سكينته عليه] على سيدنا أبي بكر.
فهذا كان من الأسباب الوجيهة لوصول سيدنا أبي بكر إلى مقام الصديقية التي هي تحت مقام النبوة مباشرة، إلا أنه لا يوحى إليه.
معنى آخر للهجرة: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه وحديث لا هجرة بعد الفتح
نعم سيدي الدكتور علي جمعة، في حديث من الرسول عليه الصلاة والسلام قال:
قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»
نحن نجد في هذا الحديث مضمونًا ومعنى آخر لكلمة الهجرة، أرجو أن تفسره لنا، وهل فعلًا هناك مضامين أخرى غير الانتقال من بلد إلى بلد ونطلق عليها كلمة هجرة؟
فعندما دخل النبي المصطفى الحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم مكة قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»
لا هجرة بعد الفتح، أُغلقت الهجرة، الهجرة بمعناها الذي كان وهو الانتقال من مدينة إلى مدينة أو ما شابه ذلك.
من هاجر شبرًا من الأرض لله كان مهاجرًا وهجرة إبراهيم إلى ربه
لكنه [النبي صلى الله عليه وسلم] قال:
قال رسول الله ﷺ: «من هاجر شبرًا من الأرض» - شبرًا من الأرض -
يعني هذا الشبر شيء غريب، انتقل بقدمه فقط لكنه فعل هذا لله، كان مهاجرًا.
إذن هناك معنى لما يقول: "ولكن جهاد ونية" صالحة في أعمال صالحات، ولما يقول إنه من هاجر ولو شبرًا من الأرض، يكون إذن في معنى آخر للهجرة.
ما المعنى الآخر؟ الهجرة إلى الله. إبراهيم [عليه السلام] آمن به لوط، وقال سيدنا إبراهيم الذي قال، وليس لوط:
﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]
فهو هاجر إلى [الله]. ففي هجرة إلى الله، الهجرة إلى الله باقية إلى يوم القيامة بالنية الصالحة، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه.
هجرة المكان انتهت لكن هجرة الحال باقية والانتقال من الشهوات إلى الطاعات
يجب علينا أن نهجر وأن ننتقل من حال إلى حال. إذن، هجرة المكان انتهت لكن هجرة الحال لم تنتهِ. نريد أن نترقى في أحوالنا وأن نهجر ونترك ما نحن فيه، ولو كان في المنتقل منه رغبة لنا.
عندما ننتقل من شهواتنا، نحن نحب شهواتنا، ولكننا أُمِرنا أن ننتقل من هنا. بعض علماء النفس الحديث مثل فرويد يتكلمون عن النفس الأمارة بالسوء ويصفونها بشكل صحيح في كل ما يقولونه تقريبًا.
نعم، إنها النفس الأمارة بالسوء، ولكننا مأمورون أن نتركها، وهذا ما لم يدركه فرويد. فكل نصائحه تؤكد أننا نظل على النفس الأمارة بالسوء ونبقى عليها.
الهجرة من النفس الأمارة إلى اللوامة إلى الملهمة وتأكيد معنى الهجرة المعنوية
ولكن الأمر ليس كذلك. ينبغي علينا أن ننتقل من النفس الأمارة بالسوء إلى النفس اللوامة فالنفس الملهمة. وعلى ذلك فينبغي علينا أن نهاجر: من النفس الأمارة إلى اللوامة إلى الملهمة.
نهاجر عما نهى الله عنه، نهاجر من حال رديئة إلى حالٍ مرضية، نهاجر، يعني ننتقل. فينبغي علينا أن نؤكد على هذا المعنى من الهجرة.
هجرة العقول ووجوب العودة إلى الأوطان لبنائها وعدم التبرؤ منها
أنا عندي أيضًا، لو سمحتم لي، قضية أخرى وهي هجرة العقول. قبل أن ينتهي البرنامج، الناس الذين ذهبوا إلى أوروبا وأمريكا وهاجروا لطلب العلم أو الرزق أو غير ذلك من الأسباب، عليهم أن يُدركوا أن الهجرة لها عودة، وأنه ينبغي علينا أن نعود إلى أوطاننا لبنائها.
وأنهم إذا ذهبوا وتضلّعوا بالمال والعلم والأوضاع والفهم للعصر الذي نحن فيه، فهذا محسوب عندهم في ميزانهم عند ربهم، فليُكملوه برجوعهم إلى بلادهم حتى يُعمّروها وحتى يُنقذوا أهلها من أي ورطة كانت أو من أي مشكلات يمكن لهم أن يساعدوا فيها.
فمن هاجر ينبغي عليه أن يعود.
حكم من يهاجر ويستخدم علمه للضغط على وطنه الأم فهذا حرام وخيانة
وما هو حكم الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية وحكم الله عز وجل في من يهاجر ويذهب إلى مكان جديد وبعيد عن وطنه أو عن الوطن الأم، فيستفيد منه هذا المكان الجديد وهذا المستقر الجديد في الضغط على الوطن الأم؟ كما يحدث مع الكثير من علماء العالم العربي والإسلام.
كلُّ من يستفيد منه أو يُطوِّر للبشرية حالها فهذا لا بأس به، أما كلُّ من يضغط على وطنه فهذا حرام وهذه خيانة غير مقبولة عند العالمين كلهم.
وهي أن يتبرأ الإنسان من وطنه ويتبرأ من ذاته، وهذا قصور وتقصير ينبغي عليه تجنبه، أن يتوب منهم [من هذه الأفعال]، وينبغي عليه فوق هذه التوبة الذي يستمر في حرمان بلده من العطاء أن يعطيها، فإن الحب عطاء.
لا تعارض بين حديث لا هجرة بعد الفتح وآية ألم تكن أرض الله واسعة
أستاذ الدكتور علي جمعة، ربما أشرتَ في إجابتك السابقة إلى حديث الرسول عليه الصلاة والسلام:
قال رسول الله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»
ولكن نجد أنفسنا أمام نص ديني آخر وهو قول الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]
فهل هذا الحديث يتعارض مع هذه الآية أم أن كلًا منهما ينسخ الآخر؟ وخاصة أنك أشرت بالذات لمسألة هجرة العقول وقلت يجب أن تكون هناك عودة، فهل المقصود هنا أيضًا أن تكون عودة نهائية أم ذهاب وإياب بين الوطن ومكان المهجر؟
لا، هي الآية نزلت في شيء وهذا [الحديث] في شيء آخر، فليس هناك نسخ. النسخ يكون عندما يكون الموضوع واحدًا.
تفسير آية المستضعفين ووجوب الهجرة عمن يستطيع تغيير المنكر أو الزوال عنه
هذه الآية نزلت في الظالمين أنفسهم:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 97]
هو يتحدث عن صنف آخر من البشر ارتضى أن لا ينتقل من وطنه حتى ولو كان في وطنه معصية وطغيان وفسق وفساد في الأرض وتخلّق بغير الحق.
قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها. ثم بعد ذلك بآية قال:
﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [النساء: 100]
بعدها بآية يعني يقول له أنه نعم لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.
استثناء المستضعفين من وجوب الهجرة ووجوب تغيير المنكر أو الزوال عنه
فإذا هي الآية تتحدث عن أولئك المستضعفين من الرجال والنساء. ألا المستضعفين، ما هي الآية التي تركناها؟
﴿إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]
يعني أولئك الذين يستطيعون تغيير المنكر إما بأن يزيلوه أو أن يُزالوا عنه. إما أن يزيلوه وإما أن يتركوا هذا [المكان]، عليهم أن يفعلوا هذا من تغيير المنكر.
قصة قاتل المائة نفس والهجرة من أرض السوء إلى أرض الصلاح
أحكي لك قصة رواها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن:
روى النبي ﷺ فيمن كان قبلنا: «أن رجلًا قد قتل تسعة وتسعين نفسًا، فذهب إلى أحد العباد وقال له: هل لي من توبة؟ قال: لا، تسعة وتسعين نفسًا، يعني لا ليس لك توبة. فقتله، فأكمل به المائة»
وندم مرة ثانية، فذهب إلى عالم وقال له: هل لي من توبة؟ قال: نعم، من الذي يمنعك من التوبة إلى الله؟ قال له: خلاص، تبتُ على يديك وربنا يقبل توبتي.
قالوا: لا، إنك في أرض سوء، ناس تركوك تقتل تسعة وتسعين من دون أن يضربوا على يديك أو يقبضوا عليك أو يقتلوك. فأنت في أرض سوء، هؤلاء أناس إما عندهم جبن وإما عندهم تسيّب وإما عندهم فساد، وثمة شيء خاطئ في المكان الذي أنت فيه. اذهب إلى قرية بني فلان فإن فيها أقوامًا يعبدون الله.
موت التائب في الطريق ورحمة الله به كرمز للزوال عن مكان المعصية
فأخذ بعضه [متاعه] وذهب وهو في الطريق مات. فجاءت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختلفون حول أخذ هذا الرجل إلى الجنة أم إلى النار. لقد تاب وهاجر.
فقاسوا المسافة، فأوحى الله إليهم أن يقيسوا بين موطن الفساد وبين موطن القرية الأخرى. فقاست الملائكة، فباعد الله بين هذا وقرّب إلى هذا، وجعلهم يأخذونه إلى الرحمة.
هذه [القصة] هي تعطينا رمزًا لشيء مهم وهو الزوال عن مكان المعصية.
سؤال من دبي عن معنى الفرار إلى الله كنوع من الهجرة المتجددة
معنا اتصال آخر من دبي. ألو، السلام عليكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الله يبارك فيكم، كيف حالكم؟ بخير، شكرًا، وحضرتك بخير؟ تفضل.
يا فضيلة الشيخ الله يجزيكم الخير، لدي سؤال بسيط. اليوم خطيب الجمعة قال إن الهجرة:
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]
فقال إن هذه الهجرة تعني معنىً متجددًا، فهذه من دقائق التفسير أم فعلًا هل هناك معنى للهجرة بهذا المعنى الذي وصفه الشيخ؟ والله يجزيكم خيرًا ويجزي شيخنا أيضًا خيرًا عند الله أفضل الجزاء. وإن شاء الله في العام القادم وأنتم بألف ألف خير وعافية.
نعم، هو خطيبك على حق، وهذه الأمور التي قلنا في بداية البرنامج أنه ينبغي أن نعيش فيها. ولذلك فالاستمرار جزء منها لا يتجزأ، والفرار إلى الله سبحانه وتعالى نوع من أنواع الهجرة بدون شك، والهجرة نوع من أنواع الفرار إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]
الرد على مزاعم اليهود بتشبيه احتلال فلسطين بالهجرة النبوية
نعم سيدنا الدكتور علي جمعة، لدينا تساؤل فيما يخص مزاعم اليهود بأن اغتصابهم واحتلالهم لأرض فلسطين هو هجرة منهم من أراضيهم التي وجدوا فيها العذاب والتعذيب، وهو يشبه هجرة المسلمين من مكة إلى يثرب.
على كل حال، اليهود كاذبون عبر العصور، وكلامهم هذا هو كذب مثل كذبهم الذي يكذبونه على العالم وعلى أنفسهم في كل وقت وحين.
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت لأقوام ذابوا حبًا فيه حتى أن هذا الحب لا يتصوره كثير من المسلمين. الفلسطينيون أحبوهم [اليهود] حبًا كهذا؟! هم ذهبوا إلى بلاد أهلها يلعنونهم ويحاربونهم بالسلاح ويجمعون الأرض كلها والعرب كلها من أجل قتالهم في سنة ثمانية وأربعين [1948م].
الفرق الجوهري بين هجرة النبي إلى المدينة واحتلال اليهود لفلسطين
من الذي يعني أين المشابهة؟ هذه مدينة استقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ذلك الحب غير المتصور الذي يؤلم بعض الناس عندما يسمعونه من شدة علوه ورقيه وعدم إدراكهم له.
ما هذا؟ هذا الحال موجود هناك في فلسطين وهم يلعنونهم ويحاربونهم ويستشهد أحدهم فيفجر نفسه فيهم لله من غيظهم وفسادهم في الأرض.
أين المشابهة؟ المشابهة تكون ولو في وجه واحد. النبي صلى الله عليه وسلم لا ادّعى أنه ذهب إلى أرضه، ولا ادّعى أنه قد تملّكها، ولا ادّعى [ذلك]. وعندما جاء ليشتري المسجد اشتراه بالنقود، ولم يُجلِ أهلها كما أجلوا الفلسطينيين، ولم يقتل، ولم يُبِد الناس الإبادة هذه التي أبادوها، ولم يفتح لهم محاكم التفتيش، ولم يفعل معهم كل ما فعل اليهود مع العرب في فلسطين.
فأين المشابهة؟ وكيف تكون؟
الفلسطينيون هاجروا فرارًا وخوفًا واليهود بقاؤهم بحبل من الناس فقط
هاجر الناس [الفلسطينيون] فرارًا خوفًا على أعراضهم، تركوا أموالهم خوفًا على حياتهم، تركوا أموالهم خوفًا على كرامتهم.
اليهود في الحقيقة أفسدوا في الأرض أمام العالمين، وبقاؤهم إنما هو بحبل من الناس فقط، يعني بتأييد من الناس ممن يريد أن تبقى هذه الشوكة في هذه المنطقة من أجل عدم وحدة المسلمين والعرب، ومن أجل إهدار طاقتهم، ومن أجل أن تظل هذه المناطق استهلاكًا لأسواقهم، ومن أجل أن نبقى على هذا الحال الذي نحن عليه الآن من فرقة وعدم وحدة.
ختام اللقاء وشكر المشاهدين والضيف الدكتور علي جمعة
مشاهدينا في كل مكان، في نهاية هذا اللقاء نشكركم مشاهدينا على حسن المتابعة وعلى مشاركتكم من خلال هذه الاتصالات والأسئلة والآراء التي تثري هذا الحوار.
كما نشكر ضيفنا وضيفكم الأستاذ الدكتور علي جمعة أستاذ أصول الفقه بجامعات الأزهر. شكرًا، كل عام وأنتم بخير. حضرتك بخير.
أعزائي المشاهدين، شكرًا لكم على حسن متابعتكم، وعلى أمل لقائكم إن شاء الله في الأسبوع القادم ولقاء جديد من لقاءات الجمعة. وحتى هذه اللحظة، لكم سلام الله ورحمته وبركاته.
