لقاء مفتوح مع أ.د. علي جمعة والحبيب عمر بن حفيظ | ماليزيا | 25-5-2023
- •داء العصر هو غياب الأدب والأخلاق في الاختلاف، وسببه ترك الأمور الصغيرة حتى تستفحل.
- •التقوى تتطلب تجنب الذنوب صغيرها وكبيرها، كالماشي في أرض الشوك يحذر ما يرى.
- •النصيحة وسيلة علاج مهمة، لكن هناك فرق بين النصيحة والفضيحة.
- •يجب البدء بالنفس ثم الأهل ثم المجتمع، والعودة إلى دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •إخلاص النية ركن أساسي للإصلاح، والابتعاد عما لا يعني المرء.
- •وسائل التواصل الاجتماعي سببت انتشار الكلام بغير علم وتداول الشائعات.
- •الأربعون النووية تحوي النصائح الأساسية التي نحتاجها في حياتنا.
- •اغتنام الفرص وشكر النعم من أسباب زيادتها.
- •التفريق بين الولاء والمودة (للمؤمنين فقط) وبين البر والقسط وحسن الجوار (للجميع).
- •الإحسان حتى للمسيء منهج رباني جاء به الأنبياء والمرسلون.
سؤال عن داء غياب الأدب والأخلاق عند الاختلاف بين السياسيين والعلماء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فخامة رئيس الوزراء وقبلتنا الدكتور علي، وحبيب عمر، ذكرتم قبل قليل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن»
واعتقد هذا الحديث قادم في محله. مما يؤسفنا حقًّا اليوم بين السياسيين، وحتى بين العلماء، وحتى بين السياسيين الذين يصفون أنفسهم بأنهم من العلماء، هو غياب الأدب والأخلاق حين الاختلاف. هذا مما يؤسفنا حقًّا، واعتقد هذا هو الداء، داء العصر.
فما هو الدواء لهذا الداء؟ بارك الله فيكم إن شاء الله.
قصة عمر بن الخطاب مع أُبيّ بن كعب في تعريف التقوى وشعر ابن المعتز
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذهب إلى أُبيّ بن كعب ليسأله عن التقوى، فقال له [أُبيّ]: يا أمير المؤمنين، هل سرتَ في وادٍ فيه شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا فعلت؟ قال: شمّرتُ عن ثيابي وحذرتُ ما أرى من الشوك. قال: هذه هي التقوى.
وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فصاغه شعرًا:
خلِّ الذنوبَ كبيرَها وصغيرَها ذاك التُّقى، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذرُ ما يرى، لا تحقرنَّ صغيرةً إنّ الجبالَ من الحصى.
سبب استفحال قلة الأدب هو ترك النصيحة والأمر بالمعروف في حينه
سبب ما نشكو منه هو أننا نترك الأمر حتى يستفحل؛ فإذا صدر الأمر الصغير من قلة الأدب تركناه. لو أننا نبّهنا وعلّمنا — وإنما بُعثتُ معلّمًا — لو أننا قمنا بالنصيحة وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر في حينه، واتخذنا كلام ابن المعتز دستورًا لنا: لا تحقرنَّ صغيرةً، إنّ الجبالَ من الحصى، لما واجهتنا جبالُ قلة الأدب وقلة الديانة.
إذن هناك مسؤولية عليَّ، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا: ابدأ بنفسك ثم بمن يليك.
اتهام النفس عند رؤية المشكلات والبدء بإصلاحها من الداخل
عندما ترى مشكلة أن المسؤول الفلاني ليس على ما ينبغي أن يكون، حاول أن تتّهم نفسك أن هناك شيئًا ما جعل اللهَ يسلّط هذا [البلاء] عليك. هذه النظرة ليست تهرّبًا من الواقع، بل هي محاولة لعلاج الواقع.
فهيّا بنا نبدأ: ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، ثم بمن يليك. السبب في هذا [الذي نعانيه] أننا تركنا الأمر حتى استفحل وكبُر وعظُم حتى شكونا منه وشكا منه الناس.
الدعوة إلى الرجوع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفرق بين النصيحة والفضيحة
إذن هيّا بنا نرجع إلى دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح في دين الله. النصح في دين الله، هناك فرق بين النصيحة والفضيحة، وقد ألّف ابن رجب فيها [رسالة] الفرق بين النصيحة والتعيير.
هناك شروط للنصيحة نطبّقها:
- •بأن تكون برفق.
- •بأن تكون في البداية، في بداية التغيير.
- •بأن تكون في مقدورنا.
- •بأن يكون النصح لا يؤدي إلى حال أسوأ لنا.
وهكذا شروط موجودة ذكرها العلماء للنصيحة الشرعية المرعية.
أجر العامل في زمن الفتن وأهمية المداومة على العمل الصالح
فهذا هو ما ألهمنا الله به للإجابة على هذا السؤال، وهو سؤال منتشر في العالم كله؛ لأن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر خير ولا عصرًا تتنزّل فيه الرحمات هكذا. نحن نحاول، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أجرُ العامل فيهم كأجر خمسين منكم. قالوا: منّا أم منهم يا رسول الله؟ قال: بل منكم؛ فإنكم تجدون عونًا على الخير وهم لا يجدون»
إذن فلنتعامل مع العصر بما هو له. كيف تستمر في العمل؟
قال النبي ﷺ: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ»
فما بالك لو كثُر وكانت عندنا من الهمّة ما نظهر به أمام ربنا سبحانه وتعالى بأننا نريد خيرًا، ولكن الأجر على قدر المشقة.
تأكيد أن إهمال التربية من جذورها أدى إلى استفحال قلة الأدب في الأمة
بارك الله فيك، جزى الله الشيخ علي خير الجزاء، وما ذكره فيه الغنية التامة والكفاية. فنؤكد ما قال: أننا عندما أهملنا الأمور من بداياتها وجذورها كبُرت واستفحلت علينا.
أهملنا التربية في الديار والأسر، أهملنا تربية الناشئة الصغار، أهملنا تربية السمع والبصر منذ بداية نشأة الناشئ منّا. فسحنا المجال لأن يسمعوا وأن يبصروا ما يُبعدهم عن حقائق التقوى وحقائق الأدب مع الله سبحانه وتعالى.
وحينئذ أيضًا يضيع الأدب مع الخلق، ومن لم يتأدّب مع الخالق كيف يُحسن الأدب مع المخلوقين؟
أثر إهمال التزكية والانبهار بالثقافات المادية على ضياع القيم والفضائل
بهذا الإهمال والإضاعة لأسس التربية وللتزكية التي سمعنا الحديث عنها، وفي كلام أيضًا رئيس الوزراء، ما أصاب الأمة من كلامهم الذي انحصر في الاقتصاد وانحصر في التطور المادي مع نسيان الفضائل، مع نسيان القيم، مع نسيان المقصود الأعلى من خلق الإنسان على ظهر هذه الأرض وخلافته عن الله جلّ جلاله.
تأثّرنا بثقافات كفّار وثقافات منقطعين عن الله تبارك وتعالى، وجعلناهم كأنهم أئمة وكأنهم قدوة، وما هم إلا مخلوقون بشر مثلنا، لا تميّز لهم حتى في عالم المادة إلا بما استعملوا من الأسباب، وهي أسباب يستعملها البرّ والفاجر، ومن قام بحقّها وصل إلى النتيجة منها، ولكنها ليست هي الغاية.
المقصود الأكبر من الخلق وحقائق السعادة ونتائج التقدم المادي بلا قيم
ما المقصود الأكبر من الخلق والوجود؟ وكيف يكون نجاح الإنسان وحقائق سعادته؟ ولذا تجدون أيضًا اليوم في العالم ما وصلت إليه من النتائج، وهم يدّعون ما يدّعون من التقدم، إلا أنه أدّى إلى هذه الحروب [ونهب] ثروات الناس وأموالهم، بعد أن نهبوا من الناس ديانتهم ومُثُلهم العليا.
على أنه في عالم الأرض من العجل من يستجيب لرفع لواء القيم أو راية القيم ليعيش الناس بالقسط كما ذكر الله تبارك وتعالى، إذا حُمل هذا الميزان ليقوم الناس بالقسط، الناس مسلمهم وكافرهم.
مواجهة الواقع بالعمل المستطاع والمداومة عليه مع التوكل على الله
وكما أشار الشيخ علي حفظه الله تبارك وتعالى، كثيرًا ما الواقع يصادفنا ويصادمنا بأشياء كثيرة لا نتوقعها، وكثير من الأشياء لا نستطيع أن ننجزها على الوجه الأكمل، ولكن لا عذر لنا في عمل المستطاع وفي المواصلة.
كما ذُكر أن:
قال النبي ﷺ: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّت»
فبذلك تحصل النتائج بمعونة الله تعالى من فوق.
﴿مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]
وقائل هذا [يوسف عليه السلام] قد دخل السجن وتعرّض للظلم من إخوانه، ثم بعد ذلك كانت نهايته الكبيرة التي أشاد الله بها في القرآن:
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]
جزاكم الله خيرًا كثيرًا.
النصيحة الأولى: إخلاص النية لله كأساس لكل عمل صالح
ليس هناك نصيحة إلا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا وتركنا عليها، واهتمّ علماء الإسلام بها وجعلوها في صدر كتبهم.
النصيحة الأولى ما أخرجه البخاري في صدر صحيحه:
قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»
فحرّر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النيات. فالنصيحة الأولى للأمراء وللعلماء أن يُخلصوا النية لله:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
إخلاص النية يضع الإنسان على الطريق الصحيح ويحميه من الضلال البعيد
إخلاص النية سوف يضعنا على الطريق الصحيح، وسوف يضعنا على الاتجاه الصحيح؛ لأنه في بعض الأحيان نكون على طريق خاطئ، نذهب إلى الجنوب ونحن نريد أن نذهب إلى الشمال، وهنا نبتعد عن هدفنا حتى نصل إلى ما حذّر الله منه في قوله:
﴿فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: 3]
لأننا نبتعد عن هدفنا الذي بيده [سبحانه] أن يوفّقنا أن نأخذ قطار الشمال إذا ما أردنا الشمال، وقطار الجنوب إذا ما أردنا الجنوب. هو الله، لا بدّ من إخلاص النية.
النصيحة الثانية: ترك ما لا يعني الإنسان وخطورة وسائل التواصل الاجتماعي
والنصيحة الثانية:
قال النبي ﷺ: «من حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه»
وهذا أصبح شبه مستحيل مع شبابنا بعد سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي وشيوعها وإغراق الناس بها. عاد الناس يتكلمون فيما لا يعرفون، والله نهانا عن هذا وقال:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
وهذه مصيبة وبلية ابتُلي بها العالم، وليس المسلمون فقط. العالم ابتُلي بهذا البلاء الذي يجعل الإنسان يهرف بما لا يعرف.
خطورة اتباع الشائعات وحديث كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع
مصيبة عظيمة لم نجنِ ثمارها بعد، وسيجني ثمارها — إن تُركت على هذا الوضع — أبناؤنا وأحفادنا وأحفاد أحفادنا. مصيبة كبرى.
أخرج مسلم في مقدمة صحيحه كأداة ومفتاح وباب لكل شيء:
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»
وفي رواية:
«كفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكل ما سمع»
فأصبح الناس الآن يتّبعون الشائعات ويتّبعون ما يسمعون من غير توثيق ومن غير تأكّد، حتى اختلّ النظام وظنّ الناس في بعضهم سوءًا. وهذه أمرنا الله بعكسها، أمرنا الله بغيرها، فتنبّه فإنه يُشكل على كثير من الناس.
النصيحة الثالثة: الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
النصيحة الثالثة:
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الدينُ النصيحة، الدينُ النصيحة»
لمن؟ لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم.
النصيحة الرابعة: الصمت وحفظ اللسان وخطورة كثرة الكلام
النصيحة الرابعة هي ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم به من الصمت، وأن الكلمة تملكها فإذا تكلّمت بها ملكتك.
كان الإمام الشافعي يقول: لم أُقسم بالله لا صادقًا ولا كاذبًا. الكلام كثُر فأصبحنا ظاهرة صوتية، في حين أن الله يرضى عنّا عندما نكون متحققين بهذا الذي ندعو إليه من الأخلاق والقيم.
أهمية الأربعين النووية كجامعة للنصائح الأساسية التي تحتاجها الأمة
الإمام النووي لمّا رأى الشافعي يقول أن الإسلام بُني على ثلاثة أحاديث، والبيهقي قال أنهم أربعة أحاديث، والحليمي قال خمسة أحاديث، جُمعت هذه الأحاديث في الأربعين النووية.
وهو مما يجب علينا أن نُشيعه في أبنائنا وفي أنفسنا؛ لأن تلك الأحاديث هي النصائح التي نحتاجها، وكأن الله نوّر قلب الإمام النووي ليرى حالنا في عصرنا واحتياجنا من المسؤولين والسياسيين والأمراء والعلماء لهذه الأحاديث الأساسية.
عليكم بالأربعين النووية، والله المستعان. ونشكر لكم حسن استماعكم، شكرًا حبيب عمر.
النصح بحسن الاستماع والاتباع واغتنام النعم التي هيأها الله لماليزيا
نؤكد على هذه النصائح الغالية القيمة ونقول: ننصح بحسن الاستماع والاتباع لتحصل لنا البشارة في قول الرحمن:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُٓ﴾ [الزمر: 17-18]
ننصحكم بهذا وبأن تغتنموا الفرصة التي أنتم فيها خلال أعمارنا القصيرة التي تمرّ. الله تعالى قد هيّأ لنا في هذا العالم، وهيّأ لكم في بلدكم وفي نظامكم وفي إمكانياتكم وقدراتكم ما لم يُهيّئ لكثير من المسلمين في كثير من بلاد المسلمين.
وهذه نعمة إن شُكرت زادت وأوصلت إلى خيرات كبيرة، وإن جُحدت وأُضيعت ذهبت وتفلّتت من الناس:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]
وشكرها بالعمل بهذه النصائح التي سمعناها من الشيخ علي.
القيام بالواجبات على إخلاص النية وإخراج أثر التربية إلى المجتمع
وقيامنا بمهمّاتنا وواجباتنا على إخلاص النية وقصد وجه الله في أنفسنا وفي أهلينا وأولادنا ومواطن التربية، سواء كانت مدارس أو مساجد، بل خروج أثر التربية إلى الأسواق وإلى محلّات اللغو واللهو.
فكم فيها من أشخاص إذا وصلت إليهم النصيحة التي أوصانا بها الشيخ علي بأسلوب مناسب ولَيِّن، يتأثرون ويتحوّلون من عنصر ضارّ وفاسد في المجتمع إلى عنصر نافع وصالح في المجتمع.
ختام النصيحة بتفقد أحوال الضعفاء والفقراء ورحمتهم لتنزل رحمة الله
ثم أختم النصيحة بـتفقّد أحوال أهل الضعف والفقر والحاجة والمسكنة والاضطرار؛ فهم الذين إذا رُحِموا رحم القديرُ الغفّارُ سبحانه وتعالى الخلقَ، وهم الذين إذا أُهمل شأنهم في منعهم مما يحتاجون إليه والتقصير في تفقّد أحوالهم، فلجؤوا إلى الربّ وسألوه أن يُنزل النِّقَم على من حال بينهم وبين ما يجب لهم من الرأفة والرحمة وإعطاء الحقوق وفسح المجال لكي يُنجَدوا بما يُستطاع.
الدعاء لماليزيا والمسلمين واغتنام الفرصة لحمل الخير بنورانية الوحي
أخذ الله بالأيدي وأصلح ماليزيا وأهل ماليزيا والمسلمين في شرق آسيا وجميع قارة آسيا وفي جميع قارات الأرض في طولها وعرضها. الحمد لله على ما هيّأ لكم من سبيل.
اغتنموا الفرصة التي أنتم فيها، أخذ الله بأيديكم وأجرى على أيديكم الخير الكثير؛ فإنكم أمام شرف خلط سعيكم في الحياة وسياستكم وقيامكم بحقّ العلم بنورانية الوحي الرباني والبلاغ النبوي، ولا أصلح للخلق من ذلك: مؤمنهم وكافرهم، وصغيرهم وكبيرهم.
التفريق بين الولاء والمودة وبين البر والقسط وحسن الجوار مع غير المسلمين
ونقول: نفرّق بين الولاء والمودة وبين البرّ والقسط وحسن الجوار. فالولاء والمودة لا يجوز أن تكون إلا لله وللمؤمنين من عباد الله، وأولهم الأنبياء والمرسلون، ثم المقرّبون والصالحون، ثم عموم المؤمنين.
أما البرّ والقسط فواجب للكلّ، ويجب أن يُعطى للجميع، وقد أُمرنا به. وقال الله:
﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]
وقال:
﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: 9]
حسن الإحسان منهج رباني جاء به الأنبياء وتجلى في معاملة أسرى بدر
أما حسن الجوار والإحسان حتى إلى من أساء فمنهج رباني رحماني جاء به الأنبياء والمرسلون إلى سيدهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم.
ولقد استحيا أسرى بدر من حسن إحسان الصحابة إليهم؛ استحيوا وهم مشركون من أنهم خُصّوا بأطيب الطعام الذي يُجعل في أيدي الصحابة، عندما سمعوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الأسرى.
فكم من فرق بين الإحسان وبين الولاء!
دعاء ختامي لماليزيا بالتوفيق لحمل الخير وترجمة منهج الله في صلاح العباد والبلاد
أقام الله لكم في بلدكم أسسًا في الصدق معه لتكون مقدّمة في الزمن الذي نعيش فيه لحسن الصلة بالله وترجمة منهجه في صلاح أمر العباد والبلاد وحمل الخير للقريب والبعيد.
أجرى الله على أيديكم الخير وحماكم من كل شرّ وغَيْر، والحمد لله ربّ العالمين.
