لماذا أنا مسلم؟ | خطبة جمعة بتاريخ 2008 06 13 | أ.د علي جمعة
- •بدأ النص بحمد الله والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بتقوى الله.
- •عرض المتحدث سؤالاً وُجه إليه عن سر حب المسلمين لدينهم ونبيهم وقرآنهم رغم محاولات صدهم عن دينهم.
- •أجاب المتحدث بأن سبب حب المسلمين لنبيهم هو ما علمهم إياه من الصدق والعدل والرحمة وإكرام الإنسان.
- •أشار إلى أن النبي علمهم القوة والدفاع عن النفس والجهاد في سبيل الله.
- •وضح أن المسلمين يزدادون إيماناً كلما أثيرت الشبهات حول دينهم.
- •بين فضل الإسلام وتميزه بكونه نسقاً مفتوحاً لا يشترط في معتنقيه نسباً أو عرقاً أو جنساً.
- •سأل محاوره عن سبب عدم إسلامه، فسكت الرجل.
- •ختم بالدعاء والصلاة على النبي وسؤال الله الثبات على الحق والهداية والنصر.
خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي
إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه ونبيُّه وحبيبُه، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ للأمةِ وجاهدَ في سبيلِ الله حتى أتاهُ اليقين.
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ في الأولين، وصلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ في كلِّ وقتٍ وحين، وصلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ في الملأِ الأعلى وفي العالمين، وعلى آلهِ الأطهارِ وأصحابهِ الأخيارِ وأتباعهِ الأبرارِ إلى يومِ الدين.
الآيات القرآنية في التقوى والاستقامة وخطبة أما بعد
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أما بعد، فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وإنَّ خيرَ الهديِ هديُ سيدِنا محمدٍ رسولِ الله، وإنَّ شرَّ الأمورِ محدثاتُها، فكلُّ محدثةٍ بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالةٍ في النار.
انتشار الإسلام في الأرض وتحقق نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم
فيا أيها المسلمون، بعدَ هذه السنينِ الطويلةِ والقرونِ المتتاليةِ تنظرُ إلى المسلمين فتراهم قد دخلوا في كلِّ بيتٍ من وَبَرٍ أو حَجَر. وصدقَ اللهُ رسولَه وصدَّقَه لمَّا قال:
قال رسول الله ﷺ: «زُوِيَت لي الأرضُ ورأيتُ الإسلامَ يدخلُ في كلِّ ما زُوِيَ لي»
نعم، لو رأيتَ العالمَ وقد زُوِيَ من مكة، ورأيتَ الأندلسَ في الغرب، ورأيتَ ماليزيا وإندونيسيا في الشرق، وكانت هذه هي الزاويةُ التي رآها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهي تمثلُ الآنَ المحورَ الإسلامي.
دخلَها الإسلامُ وانتشرَ من فردٍ واحدٍ لكنَّه مؤيَّدٌ من ربِّه صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
فهدى اللهُ سبحانه وتعالى إليه من يشاء.
سؤال غير المسلم عن سر حب المسلمين لدينهم ونبيهم
جلسَ معي متحدثٌ يتحدثُ وسألني سؤالًا قديمًا جديدًا، وأجبتُه بإجابةٍ واسعة، ثم سألتُه بعدَ ذلك سؤالًا فلم يُجِب عنه بشيء.
سألني: ما هذا الحبُّ الفيَّاضُ الذي تحبُّون به دينَكم ونبيَّكم وقرآنَكم؟ هذا حبٌّ لم نرَه في أتباعِ أديانٍ كثيرةٍ في الأرض.
ما هذا الحبُّ الفيَّاضُ الذي نرى الدموعَ في عيونِكم عندما يُذكَرُ محمدُ بنُ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم؟ أسُحِرَ هذا؟
ماذا فعلَ فيكم ذلك الرجلُ حتى فشلَت كلُّ الخططِ عبرَ القرونِ لإبادتِكم أو لإخراجِكم من دينِكم أفواجًا كما دخلتُم فيه أفواجًا؟
عرض الشهوات والمغريات على المسلمين دون أن يتزحزحوا عن دينهم
ما هذه الحالةُ الغريبة وقد عرضنا عليكم كلَّ الشهواتِ والمغرياتِ، وعرضنا عليكم المالَ والجاهَ وقوةَ العلمِ والتفكيرِ المنطقيِّ في ظاهره، فإذا بكم لا تتزحزحون عن دينِكم ولو بقوةِ السلاح، ولو بالإبادةِ الجماعية، ولو باحتلالٍ لبلادِكم، ولو أريناكم شيئًا من الظلمِ أو شيئًا من العدل، ولو أسمَينا الاحتلالَ استعمارًا.
إنني أريدُ أن أفهمَ؛ لأنَّ هذه ظاهرةٌ عجيبةٌ فريدة لا تكرارَ لها عندنا.
لماذا أنتم تحبُّون الإسلامَ ونبيَّ الإسلامِ بهذه الطريقة؟
الرد على الاستهزاء بالنبي وبيان ما تركه من وصايا الصدق والعدل
قلتُ له: كلَّما استهزأتُم بنبيِّ الإسلامِ كلَّما ازددنا فيه حبًّا؛ لأنكم تكذبون وهو كان يُسمَّى بالصادقِ الأمين، وتركَنا على المحجَّةِ البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلا هالك.
وممَّا تركَنا عليه أنَّ الصدقَ منجاة ولو ظننتَ فيه هلاكَك، وممَّا تركَنا عليه أن نقولَ قولَ الحقِّ ولو على أنفسِنا.
وممَّا تركَنا عليه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
وممَّا تركَنا عليه ألَّا نظلمَ أحدًا من خلقِه ولو كان من غيرِنا.
وصايا النبي في الرحمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وممَّا تركَنا عليه:
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمُهم الرحمنُ تبارك وتعالى، ارحموا مَن في الأرضِ يرحمْكم مَن في السماء»
وممَّا تركَنا عليه أنه دخلَت امرأةٌ النارَ في هِرَّة حبسَتها، لا هي أطعمَتها ولا هي تركَتها تأكلُ من خَشاشِ الأرض.
وممَّا تركَنا عليه أنَّ امرأةً بَغِيًّا من بني إسرائيلَ أدخلَها اللهُ الجنةَ لأنها سقَت كلبًا كان عطشانًا.
وممَّا تركَنا عليه أن نأمرَ بالمعروفِ وأن ننهى عن المنكرِ وأن لا نخافَ الناس، وأنَّ أنا وشهيدُ حقٍّ عندَ سلطانٍ جائرٍ كهاتين في الجنة.
وصايا النبي في القوة والعبادة والعمل بالنيات الخالصة لله
وممَّا تركَنا عليه أنَّ المؤمنَ القويَّ خيرٌ من المؤمنِ الضعيف وفي كلٍّ خير.
وممَّا تركَنا عليه أنه أمرَنا بالصلاةِ والزكاةِ والحجِّ وصيامِ رمضان، وأمرَنا بكلِّ ذلك لوجهِ الله وقال:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمالُ بالنيَّات وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى»
تركَ فينا إنسانًا هو ابنُ آدم وقال:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
تركَ فينا إنسانًا يشعرُ بإنسانيَّتِه وقال:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
وصف النبي بمكارم الأخلاق والرفق وبيان حقيقة الإسلام
وقال [رسول الله ﷺ]:
«إنما بُعِثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق»
وربُّه وصفَه فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وقال [رسول الله ﷺ]:
«يا عائشةُ، إنَّ الرِّفقَ ما دخلَ في شيءٍ إلا زانَه، وما نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَه»
هذا هو رسولُ الله الذي نحبُّه، وهذا هو الإسلامُ الذي ندينُ به.
وكلَّما أثرتُم شبهاتٍ حولَ القرآنِ أو حولَ نبيِّ الرحمنِ أو حولَ فقهِ الإسلامِ أو حولَ تاريخِ المسلمين، كلَّما كذَّبَكم الواقعُ ورأينا هذه الشبهاتِ تزيدُ من إيمانِنا والحمدُ لله ربِّ العالمين.
تأييد الله للمسلمين بالعلم والعدل والآيات القرآنية الداعية إلى البحث
سلَّطَ اللهُ سبحانه وتعالى ألسنتَكم علينا حتى نزدادَ إيمانًا ويقينًا، وكلَّما بحثنا ونحن أهلُ علمٍ وأهلُ عدل، وهو الذي أمرَنا فقال:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
قال رسول الله ﷺ: «من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا يسَّرَ اللهُ له طريقًا إلى الجنة»
المسلمون أهل عدل وإنصاف حتى مع المخالفين ودعوة المظلوم
ونحن أهلُ عدلٍ أُمِرنا بالعدلِ والإنصاف، لا بالكذبِ والظلمِ والاعتساف، حتى إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دلَّنا على أنَّ دعوةَ المظلومِ ولو كان كافرًا ليس بينها وبينَ اللهِ حجاب.
هكذا رأينا رسولَ الإسلام، ورأينا فوقَ ذلك أنَّ اللهَ قد أيَّدَه، قال له:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
فحفظَه. وقال له:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
فمازلنا وإلى يومِنا هذا وكلُّ الناسِ ترى في هذا النبيِّ المثالَ الأتمّ.
النبي الأسوة الحسنة وتجسيد الرحمة للعالمين والرد على شبهة القتال
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
رأيناه تجسيدًا للرحمة:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
ما الذي فعلَه سيدُ الخلق؟ قال [المتحدث]: ألم يقاتلِ الناس؟
قلتُ له: ومتى قاتلَ الناس؟ أين بدرٌ على الخريطة؟ إنها بجوارِ المدينة. أين أُحُد؟ أُحُدٌ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه، يسيرُ عليه النبيُّ روحةً وغدوةً وهو من جبالِ المدينة. أين الخندق؟ إنه خندقٌ حولَ المدينة. وهكذا، ألم ترَ أنهم هم الذين جاءوا لقتلِه وقتالِه وقتلِ أصحابه؟
حب المسلمين للنبي لأنه علمهم القوة والدفاع والجهاد في سبيل الله
هكذا أحببنا رسولَ الله؛ لأنه علَّمَنا القوةَ وعلَّمَنا الدفاعَ عن النفس، وعلَّمَنا أن تكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا حتى تكونَ كلمةُ الكفارِ والمفسدين هي السفلى.
وعلَّمَنا الجهادَ في سبيلِ الله والذي تحرِّفونه بكلِّ ما لديكم، حتى بعدَ ذلك ما صرَّحَت به وزيرةُ الخارجيةِ الأمريكية في الشهرِ الماضي إلا أن تستعملَ كلمةَ الجهاد في غيرِ ما هو له، وإنها كلمةٌ شريفة.
بعدما قد غسلتُم عقولَ الناسِ وصددتُم عن سبيلِ الله، وصوَّرتُم المسلمين بأنهم يعبدون الوثنَ لأنهم يسجدون بإزاءِ الكعبةِ قبلةً لهم، تلتفُّ عليها قلوبُهم وهي محلُّ نظرِ الله.
سر إسلام المسلمين واستجابة الدعاء عند الكعبة وتوحد القلوب
أتعرفُ لماذا نحن مسلمون؟ لأننا ذهبنا إلى هذا الذي تدَّعون [أنه وثن]، ودعَونا اللهَ عنده فاستجاب.
وها هنا تُسكَبُ العَبَرات؛ لأننا عندما ننظرُ إليها [الكعبة] نرى فيها المهابةَ والجلالة؛ لأنَّ قلوبَنا جميعًا تتعلقُ بها فتتوحَّدُ قلوبُ الأمة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
أتدري أنَّ سافلًا من السَّفَلة ومن سَفَلةِ القومِ يتكلمُ عن الحجِّ ويقولُ إنَّ فيه اختلاطًا بين الرجالِ والنساءِ وينتقصُ ذلك؟
آية عظيمة في الحج لم يحدث فيها تحرش جنسي عبر التاريخ
فإذا بنا نتنبَّهُ إلى آيةٍ من آياتِ الله سبحانه وتعالى ليس لها مثيلٌ في العالمِ عبرَ التاريخ: أنَّ أحدًا من الرجالِ ولا من النساءِ قد اشتكى من تحرُّشٍ جنسيٍّ بين الطرفين عبرَ التاريخ.
أليس هذا من آياتِ الله؟ لم يخطُر ببالي أنا شخصيًّا شيءٌ من هذا، ولكن لمَّا اعترضَ السافلُ عليه نبَّهَني.
أنا واعظٌ أُرشِدُ الناس، يأتيني الشبابُ ويشكو مشكلاتِه، ليس هناك شخصٌ واحدٌ لا لي ولا لغيري شكا من هذه الشكوى. جلالُ الكعبةِ يأخذُ بالألبابِ وبالعقول، حتى أنه لم تحدُث ولو حادثةٌ واحدةٌ عبرَ التاريخِ من هذا الصنف.
فيه آياتٌ بيِّنات، مقامُ إبراهيم.
دعوة المسلمين لمزيد من البحث عن الحق في مواجهة الشبهات والافتراءات
قلتُ له: زيدوا، زيدوا في الافتراء، زيدوا في المشكلاتِ والشبهات؛ فإنَّ ذلك يقوِّي إيمانَنا؛ لأننا نبحثُ عن الحقِّ وعن الصدقِ وعن الواقع، ونطلبُ البرهان.
ولا نجدُ في أنفسِنا ولا في الواقعِ إلا ضدَّ كلِّ ما تذكرونه.
نحن نحبُّ القرآنَ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصفَه فكان كما وصفَه: أنه لا تنتهي عجائبُه ولا يَخلَقُ من كثرةِ الرَّدِّ، كثرةِ الرَّدِّ، فوجدناه كذلك.
تأييد الله لنبيه بحفظ القرآن والشريعة وتكثير الأمة عبر القرون
نحن نرى تأييدًا من ربِّنا لنبيِّه: حفظَ قرآنَه، وحافظَ على أهلِ بيتِه، وحافظَ على قبرِه الشريفِ ظاهرًا دونَ الأنبياءِ جميعًا، وحافظَ على شريعتِه، وأكثرَ من أمَّتِه.
وكان من الممكنِ أن تزولَ هذه العصابةُ كما كان يدعو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بدر:
«ربِّ إن تُهلِك هذه الجماعة، هذه العُصبةَ الكريمة»
كان من الممكنِ أن تفنى وتذهبَ ويبقى الإسلامُ دينًا أو حركةً في التاريخِ لا وجودَ لها. والآنَ المسلمون أكثرُ من مليارٍ وثلاثمائةِ مليون، أيَّدَه اللهُ وأعلى ذِكرَه.
حفظ الله للنبي من العبادة فلم يُعبد محمد بن عبد الله قط
ولم يُعبَد عبدٌ [من دون الله بسبب الغلو في النبي ﷺ]؛ المسلمون فضَّلوا الحاكمَ بأمرِ الله [الفاطمي]، وعبدَ المسلمون [الذين] فضَّلوا عليَّ بنَ أبي طالب في فرقةِ السبائيةِ وهلكَت، وعبدَ المسلمون [الذين] فضَّلوا بهاءَ الله في فرقةِ البهائية.
ولم يعبُد أحدٌ من المسلمين ولو كان واحدًا محمدَ بنَ عبدِ الله؛ لأنه وقفَ فقال:
قال رسول الله ﷺ: «اللهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد»
أليس هذا تأييدًا له من ربِّه لا يملكُه أحد؟
المسلمون الأمة الوحيدة التي جعلت المماليك حكامًا واحترمت المرأة
أتعرفُ لماذا أنا مسلم؟ لأننا نحن الأمةُ الوحيدةُ التي امتلكَت المماليكَ فجعلَتهم حكَّامًا لها لمَّا كانوا أقدرَ الناسِ على الدفاعِ وعلى قيادةِ الأمور.
فهل جعلتُم أو جعلَت أمةٌ عبيدَها حكَّامًا لها؟
لأننا احترمنا المرأة حتى إنَّ المرأةَ لم تكن لها قضيةٌ كما كانت عندكم.
أتدري أننا في شرقِنا وغربِنا لم نفتح محاكمَ للتفتيش تفتِّشُ عن الأفكارِ والمذاهب، بالرغمِ من أنَّ العلماءَ قد كفَّروا ابنَ الراوَنديِّ الكافرَ لأنه قال وعاد، ولم يُقبَض عليه أحدٌ ويحقِّق معه ويعذِّبَه كما حدثَ في محاكمِ التفتيش.
نظافة تاريخ المسلمين من الاستعمار وأسباب ازدياد اليقين بالإسلام
تاريخُنا نظيفٌ من الاستعمار، لم نذهب بمواردِ البلادِ إلى الحجازِ ونجعلَها جنةً ونتركَ البلادَ خاويةً على عروشِها، لم نفعل ذلك كلَّه.
هل تعلمُ لماذا؟ أنا مسلمٌ لأنني كلَّما قرأتُ القرآنَ ازددتُ يقينًا، وكلَّما قرأتُ السيرةَ ازددتُ حبًّا، وكلَّما رأيتُ أحوالَ العالمِ وقارنتُها بما أمرَ به المصطفى ونهى، وجدتُ أنَّ ذلك الرجلَ إنما هو حبيبُ الرحمن، إنما هو سيدُ ولدِ عدنان، إنما هو سيدُ هذه الأكوان.
رأيتُه الأسوةَ الحسنةَ صلى الله عليه وسلم، فأحببتُه وازددتُ حبًّا.
سؤال المتحدث لماذا لست مسلمًا والإسلام نسق مفتوح لكل إنسان
والرجلُ ساكت. قلتُ له: أتى دورُ سؤالي:
لماذا أنتَ لستَ مسلمًا؟ إنَّ الإسلامَ نسقٌ مفتوح، لم يشترط في أن تكونَ مسلمًا نسبًا ولا عِرقًا ولا جنسًا ولا حسبًا ولا غنىً ولا علمًا ولا أيَّ شيء. أنتَ إنسان، ادخلِ الإسلامَ من غيرِ شروط، سواءٌ أكنتَ أبيضَ أو أسود.
فلماذا أنت لستَ بمسلم؟ فسكت.
فقلتُ: لأنهم قد صدُّوك وصدُّوا عن سبيلِ الله، فويلٌ لمن يصدُّ عن سبيلِ الله.
دعاء ختامي وطلب الرضا من الله تعالى
ادعوا ربَّكم: يا ربَّ اللهِ رضَّاني فبُح بما تبغيه، اللهُ وسطَ رُعب. آمين.
الخطبة الثانية والشهادة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
الحمدُ لله والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ الله وآلهِ وصحبِه ومن والاه، حمدًا يوافي نِعَمَه ويكافئُ مزيدَه.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه، صدقَ وعدَه ونصرَ عبدَه وأعزَّ جندَه وهزمَ الأحزابَ وحدَه. وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم.
فاللهمَّ صلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابه صلاةً وسلامًا تليقُ به عندك يا أرحمَ الراحمين.
الدعاء للنبي بخير الجزاء والحشر تحت لوائه والشرب من حوضه
وجازِهِ عنَّا خيرَ ما جازيتَ نبيًّا عن أمَّتِه، واحشُرنا تحتَ لوائهِ يومَ القيامة، ومتِّعنا بالشُّربِ من يدِه الشريفةِ شربةَ ماءٍ لا نظمأُ بعدها أبدًا، وأوردنا على حوضِه.
اللهمَّ يا ربَّنا انفعنا به في الدنيا والآخرة، فأقِمنا على سُنَّتِه وأمِتنا على مِلَّتِه، وابعثنا تحتَ لوائهِ على شريعتِه، ومتِّعنا بالنظرِ إلى وجهِكَ الكريمِ في جنةِ الخُلدِ يا أرحمَ الراحمين.
يا ربِّ آتِهِ الوسيلةَ والفضيلةَ والدرجةَ العاليةَ الرفيعة، وابعثهُ المقامَ المحمودَ الذي وعدتَه، إنك لا تُخلِفُ الميعاد.
إشهاد الله وملائكته على حب المسلمين لله ولنبيه وكتابه وشريعته
يا ربِّ نُشهِدُك ونُشهِدُ حملةَ عرشِك وملائكةَ غيبِك أننا نحبُّك، وأننا نحبُّ نبيَّك، وأننا نحبُّ أولياءَك، وأننا نحبُّ كتابَك، وأننا نحبُّ شريعتَك.
يا ربِّ أقِمنا في الحقِّ وأقِمِ الحقَّ بنا، وأخرِجِ الدنيا من قلوبِنا واجعلها في أيدينا، واجعلنا ممن رضيتَ عنهم برضاك.
وافتح علينا فتوحَ العارفين بك، وافتح علينا من خزائنِ فضلِك ورحمتِك ما تُثبِّتُ به الإيمانَ في قلوبِنا يا ربّ.
الدعاء بالعصمة من الخطأ والمغفرة والرحمة وحسن العبادة
يا ربِّ حالُنا لا يخفى عليك، وعلمُ كلِّ شيءٍ بيديك، فامنُن علينا برضاك واعصِمنا، فلا يعصِمُ من الخطأِ إلا أنت. اعصِمنا من الخطأِ والزَّلَلِ والخطيئةِ يا أرحمَ الراحمين، ما علِمنا منها وما لم نعلم.
فاللهمَّ اغفر وارحم وتجاوز عمَّا تعلم، إنك أنتَ الأعزُّ الأكرم.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
وأدخِلنا الجنةَ مع الأبرار، وأعِنَّا على ذكرِك وشكرِك وحسنِ عبادتِك.
الدعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب وحجة لنا لا علينا
واجعلِ القرآنَ الكريمَ ربيعَ قلوبِنا وجلاءَ همِّنا وحزنِنا، واجعلهُ حجةً لنا ولا تجعلهُ حجةً علينا. علِّمنا منه ما ينفعُنا وانفعنا بما علَّمتَنا، وانصُرنا بالحقِّ وانصُرِ الحقَّ بنا.
اللهمَّ يا ربَّ العالمين بلِّغ بنا دينَك كما تريد، وأقِمنا يا ربَّ العالمين حيثما تريد، وأعِنَّا يا ربَّ العالمين فيما أقمتَنا فيه.
اللهمَّ يا ربَّ العالمين باعِد بيننا وبين خطايانا كما باعدتَ بين المشرقِ والمغرب.
الدعاء بالنجاة من النار والفتن وبالرخاء للبلاد والعباد
ونجِّنا يا ربَّ العالمين من النارِ ومن الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطن، ونعوذُ بك من الإحَنِ والمِحَن يا ربَّ العالمين.
اللهمَّ اجعل هذا البلدَ رخاءً سخاءً وجنِّبهُ ويلاتِ الغلاءِ والوباءِ يا ربَّ العالمين.
رُدَّنا ردًّا جميلًا إليك، فلا حولَ ولا قوةَ إلا بك. اللهمَّ لا حولَ ولا قوةَ إلا بك. اللهمَّ لا حولَ ولا قوةَ إلا بك.
لا سهلَ إلا ما جعلتَه سهلًا، فسهِّل علينا أمورَنا يا ربَّ العالمين.
الدعاء الختامي بالمغفرة وقضاء الحوائج وإقامة الصلاة
أنجِح أولادَنا واغفر ذنوبَنا واستُر عيوبَنا، واقضِ حوائجَنا وحوائجَ المسلمين، وارحم والدِينا ومشايخَنا وأصحابَ الحقوقِ علينا يا ربَّ العالمين.
اللهمَّ يا ربَّ العالمين اجعل جمعَنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرُّقَنا من بعدِه تفرُّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا. كُن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيَّنا وميِّتَنا، وحاضرَنا وغائبَنا يا ربَّ العالمين.
وصلِّ اللهمَّ على سيدِنا محمدٍ وآلهِ وصحبهِ وسلِّم.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
