ما دخل العنف في شيء إلا شانه | نور الحق | حـ 7 | أ.د علي جمعة
- •تدور المحاورة بين الإمام علي جمعة ومقدم البرنامج حول الرحمة في الإسلام مقابل العنف الذي يدعيه البعض.
- •افتتح الله كتابه بالبسملة "بسم الله الرحمن الرحيم" ليؤكد أن الرحمة منهج حياة في الإسلام.
- •وصف النبي ﷺ نفسه بأنه "رحمة مهداة" مما يجعل الرحمة أصلاً في الدين.
- •الحديث الذي يبدأ به المحدثون علمهم هو "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
- •لله صفات جلال وجمال وكمال، وعلى المسلم أن يتخلق بصفات الجمال ويتعلق بصفات الجلال ويتحقق بصفات الكمال.
- •النبي ﷺ علّم أمته الرفق والحلم كما في قصة رده على اليهود عندما قالوا له "السام عليك".
- •العنف الذي يشيع في المجتمع سببه الجهل بالقرآن والسنة والتاريخ الإسلامي.
- •الرفق قوة وليس ضعفاً، وهو ما يسميه العقلاء "القوة الناعمة" التي توصل إلى المقصود.
- •من يستبدل الرفق بالعنف يترك القوة إلى الضعف، ويترك ما يثاب عليه إلى ما لا يثاب عليه.
مقدمة البرنامج وسؤال المذيع عن العنف والرحمة في الدين الإسلامي
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي مصر، أهلًا ومرحبًا بكم، أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بك يا سيدنا.
نحن يا مولانا في الزمن المعاصر أناس كثيرون يتعرضون لخفافيش الظلام والأقوال التي كما يقولون تلعب في أدمغة الناس. بدأ الناس الآن في زماننا يا مولانا يقولون إن الإنسان عندما يكون رحيمًا عافيًا عن الناس أو يعفو عن الناس معناه أنه ضعيف، فبدؤوا يقولون يجب نأخذ حقنا بقوة ذراعنا.
هل العنف والشدة مطلوب في الدين أم الرحمة والعفو هي المطلوبة في الدين؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]
سيد الخلق أرسله رحمة للعالمين.
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
هذه الرحمة ليست دعوة فحسب، بل وليست أمرًا ونهيًا وحكمًا، هذه الرحمة مفهوم ومنهج حياة، مفهوم ومنهج حياة جميل.
البسملة أول خطاب الله للبشر والنبي رحمة مهداة
ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى في أول خطابه للبشر يسمعونه، أول ما يسمعون: بسم الله الرحمن الرحيم، ما شاء الله.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إنما أنا رحمة مُهداة»
المُهداة أي هدية، والهدية لا بد أن تكون نافعة، لا بد أن تكون مرغوبًا فيها، لا بد أن تكون تُدخل الفرحة في قلوب الناس.
قال رسول الله ﷺ: «تهادوا تحابوا»
الهدية تسبب الحب بين الناس، ولذلك فسيدنا رسول الله يُدخل الحب في قلوب الخلق. الذين يعرفون رسول الله يحبه أبو جهل، كان يحبه أبو لهب.
محبة أبي لهب للنبي وقصة ميلاده الشريف صلى الله عليه وسلم
كان يحبه أبو لهب، أول ما سمع من ثويبة أنه رُزق أخوه عبد الله، عبد الله الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى، أعتقها [أي أعتق ثويبة] لوجه الله.
أبو لهب لما عرف أن آمنة جاء ميعاد ميلادها الشريف أرسل إليها ثويبة، وعبد المطلب أرسل الشفاء، نعم أم عثمان بن أبي العاص، أسلموا بعد ذلك.
ونعم، عندها نعم أم أيمن بركة، نعم. وأصبحن هؤلاء هن النساء اللواتي حضرن مع آمنة في الميلاد الشريف عليه الصلاة والسلام.
الحديث المسلسل بالأولية وأهمية حديث الراحمون يرحمهم الرحمن
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام قال حديثًا عجيبًا غريبًا جعله المحدثون أول حديث في الرواية، أي هذا الشيخ وهو جالس يُدرّس علم الحديث يجب أن يبدأ بهذا الحديث، ولذلك سُمّي المسلسل بالأولية.
المسلسل بالأولية مسلسل يعني أن في صفة في الرواة جمعتهم، يعني مثلًا المسلسل بالحسن يقول لك: حدثني شيخي وكان حسن الخط، قال حدثني شيخي وكان حسن الهندام، قال حدثني شيخي وكان حسن الوجه، قال حدثني وكان حسن المجلس، قال حدثني شيخي وكان حسن الطيب، حسن الطباع.
قال حدثني الشيخ، يجب أن يروا جانب الحسن، والحديث في النهاية يقول لك: أحسن الحسن الخُلُق الحسن، ما شاء الله.
حديث الراحمون يرحمهم الرحمن ورواياته المختلفة
فالحديث المسلسل بالأولية كل شيخ يقول وهو يرويه: وكان أول حديث يحدثني إياه شيخي، ولذلك سُمّي المسلسل بالأولية. ما هذا الحديث الذي اختاره المسلمون ليكون أول حديث يدخل ذهن الطالب؟
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء»
وفي رواية: «يرحمُكم من في السماء». الرواية الأولى الميم عليها سكون «يرحمْكم من في السماء» كأن فيها شرطًا؛ إذا رحمتم الذين في الأرض ربنا سيرحمكم، ومعناها إذا لم ترحموا الذين في الأرض ربنا لن يرحمكم، فيها تهديد قليلًا.
الذي بالضم «يرحمُكم من في السماء» الميم مضموم، يصبح كأنه يدعو: يا رب ارحمهم! ارحموا من في الأرض، انتهى الكلام، يا رب ارحمهم! يا رب، ما شاء الله. فسواء هكذا أو هكذا، معنيان سائران جيدان.
البسملة وعلاقتها بصفات الجمال والجلال والكمال لله تعالى
ولكن انظر كيف الحديث المسلسل بالأولية ينقله الشيخ إلى ذهن الطالب. نقول لمشايخنا: ما هي الحكاية المتعلقة بالبسملة؟ هذه أول شيء كنا ندرسه: بسم الله الرحمن الرحيم. ماذا يعني أول شيء نقوله بسم الله الرحمن الرحيم؟ نعم.
وفي حديث حتى في أبي داود:
«كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»
نعم، وإن كان الأصح منه:
«كل أمر لا يُبدأ فيه بذكر الله» أو «بحمد الله فهو أبتر»
لكن لا بأس بذلك. البسملة لها ماذا؟ نقولها في بداية الأكل والشرب واليوم، أي شيء له أهمية نقول بسم الله الرحمن الرحيم، ما شاء الله! بسم الله الرحمن الرحيم، ما هذه الحكاية الخاصة بها؟
صفات الله بين الجمال والجلال والكمال وأثرها في البسملة
بسم الله وانتهى؟ لا، بل إن الله سبحانه وتعالى له صفات جلال وله صفات كمال وله صفات جمال، جميل: جلال وكمال وجمال، آه ما شاء الله.
الجمال: رحمن، رحيم، عفو، رؤوف، غفور، شكور، جمال، هذا صبور، شيء جميل هكذا.
هو الجلال: منتقم، الجبار، متكبر، العظيم، القوي، المتين، يعني هاهنا تحس فيها الهيبة، القهار، نعم.
هكذا هو الكمال: هو الأول الآخر، الظاهر الباطن، القابض الباسط، المعز المذل، السميع البصير، الحكيم، وهكذا.
معنى الأسماء الثنائية لله تعالى ودلالتها على الكمال المطلق
ما معنى ذلك؟ ما معنى هذه الثنائيات؟ ما معناها؟ الأول الآخر يعني أنه كل شيء، يعني سبحانه وتعالى هو الأول وهو الآخر، يعني هو قبل الكون وهو معه وهو بعد الكون. الظاهر الباطن يعني كل شيء لا يخفى عليه خافية.
القابض الباسط، الخافض الرافع، يعني الأمر بيده، هو الذي يأخذ وهو الذي يرفع، وهو يعز من يشاء ويذل من يشاء، فهو المعز المذل، ونعم بالله.
ولذلك الأسماء الثنائية هذه بعض الناس من الجهلة يعترضون عليها، يقولون لك: كيف الضار؟ كيف المذل؟ نعم، كيف المذل؟ لا، هو الضار النافع صحيح، معًا مع بعضهم البعض، ومُعز مُذل، نعم؛ لأن هذا هو الكمال، يعني هو بيده الضر وبيده النفع سبحانه وتعالى، بيده خلق الخير وخلق الشر، كل شيء بيده سبحانه وتعالى.
لماذا اختار الله الرحمن الرحيم في البسملة دون صفات الجلال
فإذا نحن هنا في كمال، يبقى جلال وطيب. كان يمكن أن يقول [الله سبحانه وتعالى في البسملة] وانتهى الأمر، كان بإمكانه أن يقول: بسم الله الرحمن المنتقم، فتكون واحدة من صفات الجمال وواحدة من صفات الجلال حتى يخاف الإنسان، أي أن ذلك يخوّف الله به عباده.
﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]
أبدًا، حسنًا ألم يكن بإمكانه أن يقول: المنتقم الجبار؟ بسم الله المنتقم الجبار، القوي المتين، حتى يخاف الناس؟ تخجل حقًا، سبحان الله!
كان بإمكاننا أن نقول ذلك حينها: بسم الله القوي المتين. لو كان ربنا قال ذلك وجعلها فاتحة كتاب وفاتحة كل السور، لكنا قلنا: رب نبي يتجلى بجلاله على عباده حتى يعني يتقوه، نعم.
اختيار الله صفتي الرحمن الرحيم تأكيد على أن الجمال هو الأصل في خطاب الله
ولكن لم يفعل ذلك جل جلاله، فيبقى إذن كلام الناس هذا كلام فاسد. هو يقول: بسم الله الرحمن، وسكت؟ أبدًا! كذلك ما شاء الله، هذا أيضًا يقول: لو أردت أن آتي بصفة أخرى أيضًا رحمة، وهذه فائدة التكرار، أو بعض الناس يظنونه تكرارًا، هو ليس تكرارًا، هذا تأكيد.
بسم الله الرحمن، نعم، يقول لك: نعم ما هو رحمن، صحيح، لكنه يعني ماذا؟ أخفى انتقامه وجبروته؟ لا، هو في الثانية [أي الصفة الثانية] كان ممكن يكون الجلال، صحيح، ذهب جالبًا جمال.
معنى الكلام أن الله جعلنا وخاطبنا جمال في جمال، ما شاء الله، جمال في جمال في جمال. أما حكاية الجلال هذه ليس لنا بها شأن.
التخلق بالجمال والتعلق بالجلال والتحقق بالكمال في أسماء الله
ربنا جميل، ربنا يلطف، ما لنا نحن! هو ربنا لطيف، ربنا الرحيم الرحمن، ربنا عفو غفور. هذا أملنا فيه هكذا، رجاؤنا فيه هكذا.
أما أنا فما شأني بأن يكون [جبارًا منتقمًا]، أي ما لي علاقة، أنا الذي لي علاقة بأن يكون جميلًا وأن يكون حبيبًا وأن يكون رحيمًا وأن يكون رحمن.
ولذلك كان السلف يقولون: تخلقوا بأخلاق الله. فقال لك: فلنتخلق بماذا؟ بالجمال. فليكن فيها تخلق، لا ينبغي إذن بالكمال [أي لا ينبغي التخلق بصفات الكمال المطلقة]، لا ينبغي أن أقول أنا متكبر لأن الله متكبر.
ما قال له إذن: تخلق بالجمال، وتعلق بالجلال، وتحقق بالكمال، ما شاء الله!
شرح مفهوم التخلق والتعلق والتحقق وتطبيقه في التعامل مع الناس
يكون في إذن التخلق والتعلق والتحقق. لكي يحفظوها كانوا هم يعملون شيئًا من أنواع التخلق والتعلق والتحقق، يجعلونها سجعًا هكذا سجعًا لكي تُحفظ، ما شاء الله: التخلق بالجمال، أجل، والتعلق بالجلال، والتحقق بالكمال، ما شاء الله.
يعني أؤمن أن ربنا كامل [تحقق]، تعلق بصفات جلاله [أي أعلم أن الله جبار منتقم فأخشاه]. عندما يأتي أحد يظلمك لا تظلمه، أحد يعنف عليك لا تعنف معه، ويا رب! وهو ربنا سبحانه وتعالى يقيك شره، يبعده عنك ويبعد أذيته عنك.
فالدين كذلك [يأمر بالرفق والتعلق بالله لا بالعنف].
قصة اليهود الذين قالوا السام عليك وتعليم النبي الرفق لعائشة
ولذلك بعض اليهود كذلك كانوا يأتون من أوضاع لم تكن مرضية، كان الله يغضب عليهم، فيأتون [يقولون]: السام عليك يا محمد، لا حول ولا قوة إلا بالله! يأكلونها [أي يُخفونها] كذلك كي لا يأخذ باله، وهم بدلًا من أن يقولوا السلام عليكم يقولون [السام عليك]، إن السام في اللغة معناه الهلاك أو الموت أو نحو ذلك.
فالسيدة عائشة غير مصدقة، غير مصدقة أن أحدًا يصل به الأمر من الفجور إلى أن يقول هذا لأخيه في الوطن، حتى ولو لم يكن هناك ما يدعو إلى أن تقول له ذلك، يعني أنك لا تصدق أنه رسول الله، فما الداعي لقلة الحياء؟!
صحيح، فالسيدة عائشة قالت: بل عليك السام والهلاك!
حديث النبي عن الرفق وأنه ما دخل في شيء إلا زانه
سيدنا النبي عليه السلام ضحك، وقال لها:
«يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، ما شاء الله، وما نُزع من شيء إلا شانه، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العَنف»
كلاهما صحيح في اللغة: عُنف وعَنف. إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، يعني ربنا لا يعطي على العنف لكن يعطي على الرفق، عليه الصلاة والسلام.
قالت [السيدة عائشة]: ألم تسمع يا رسول الله ما قالوا؟ قال: بلى سمعت، ولكن قولي لهم: وعليكم. إذا كان قد قالها السلام فبها ونعمت، إذا كان قال السام فإنها مردودة عليه، وعليك مثل الذي أنت قلتِ فعليكِ، وأنا أمري لله.
الصدر الواسع والخلق الكريم للنبي في التعامل مع المسيئين
لقد أصبح صحيحًا [أي ما قاله النبي ﷺ من الرد بالرفق]. انظر إلى الصدر الواسع، انظر إلى الخلق الكريم! وما هذا؟ قائد هذا، زعيم هذا، قائد جيوش، صحيح.
يعني يمكن أن يُمسك هذا الجار [أي اليهودي المسيء] بإشارة من إصبعه الشريف عليه الصلاة والسلام فيتقطع، فيقطعوه مثلًا، لكن لا، ما قطعوه، صحيح.
وهذا ليس ابتغاء إيمانه مثلًا، فهذا اليهودي لم يؤمن، يعني سأقول ابتغاء أن [يدخل في] إيمانه كما فعل مع ثقيف صلى الله عليه وسلم، إنما سيدنا يعلمنا عليه الصلاة والسلام، يعلمنا كيف نكون إنسانًا وكيف نصبر على الناس.
تأكيد المذيع على تعليم النبي الرفق والرحمة والانتقال إلى الفاصل
[المذيع]: هذه فلنعرف يا مولانا، سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام يعلمنا ماذا؟ في الرفق والرحمة وليس في العنف والشدة كما يقول الناس. ولكن بعد الفاصل بعد إذن فضيلتكم، فاصل نعود إليكم، فابقوا معنا يا نور الحق.
نور لي طريقي، أرى الطريق والمسار يظهر.
سؤال المذيع عن أسباب انتشار العنف والثأر في المجتمع الإسلامي
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
يا مولانا، قبل أن نخرج للفاصل فضيلتكم قلتم لنا الحديث الشريف عندما جاء اليهودي وقال لسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام: السام عليك، والنبي عامله بمنتهى الرفق كما قال لسيدتنا عائشة: ما دخل الرفق في شيء إلا زانه.
فما الذي جعل مجتمعنا الإسلامي الآن يتبنى العنف ويقول يجب أن آخذ حقي بذراعي؟ وأننا لو تسامحنا، كان قديمًا عندما كنا صغارًا نقول: الله يسامحك إذا ما آذانا أحد. الآن يجب أن آخذ حقي بذراعي، وموضوع الثأر المنتشر في مجتمعنا يا سيدي من أين جاء؟
[الشيخ]: من الجهل، فرقة الجهل، نعم أجل.
الجهل بالقرآن والسنة والتاريخ سبب انتشار العنف في المجتمع
هذا أمر بسيط جدًا: من جهلت القرآن وجهلت السنة وجهلت تاريخ المسلمين وجهلت الواقع وجهلت المكون الأساسي للعقل المسلم، جهلت كل هذا ولذلك فعلت هذا [أي لجأت إلى العنف].
من الجهل! سيدنا رسولنا، ربنا يقول ماذا عليه الصلاة والسلام جل جلاله:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
نعم، طيب، كيف إذن إذا كان قد أُرسل في زمن معين؟ نعم، الناس الذين جاءوا قبله جميعًا كيف يكون رحمة لهم؟
النبي رحمة لكل بني آدم من آدم إلى نهاية الدنيا وحديث الشفاعة
حسنًا، والله الناس الذين بعد ذلك يمكن أن يروا شيئًا من رحمته، أن رحمته بأنهم يتبعونه، بأنهم كذلك. ولكن الناس الذين قبله؟ نعم.
قالوا: لستم منتبهين! هذا ربنا جعل هذا النبي رحمة لكل فرد من بني آدم منذ آدم إلى نهاية مطاف الدنيا، ما شاء الله، وقرار انتهائها بأمر الله سبحانه وتعالى، ونعم بالله.
كيف؟ قالوا: في يوم القيامة يشفع للخلائق كلهم، آه! حديث الشفاعة هو حديث الشفاعة الذي ينكره بعضهم؛ لأنهم لا يرون الصورة كاملة، يظنون أنه سيؤدي إلى تراخي الأمة.
التوازن بين الرجاء في الشفاعة والعمل الصالح وعدم التراخي
فما هو إلا أوامر أخرى تقول لك: لا تتراخَ، وفي أوامر أخرى تقول لك:
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]
فإن أقوامًا يقولون: نحن نحسن الظن بالله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، وإلى آخره.
قال رسول الله ﷺ: «ولا يكون أحدكم إمّعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، بل وطّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا أنفسكم»
يعني عليه الصلاة والسلام وأحاديث كثيرة وآيات كثيرة تقول المعنى الذي أنت تخاف منه هذا، نعم.
إنكار الشفاعة يؤدي إلى غياب الرحمة وظهور العنف في المجتمع
ولكن تنكر الشفاعة فتنتبه إلى أن الرحمة لم تعد عامة، فتنتبه إلى أن الرحمة لم تعد مكونًا من مكونات العقل المسلم، فيظهر لنا العنف وأخذ حقي بيدي.
وأخذ [حقي بيدي يعني]: أنا لست ضعيفًا لألجأ للقانون، خذ ثأرك من جارك! نعم، هذا كلام الجاهلين، صحيح، هذا كلام الجاهلين.
[يقولون]: الأول القتل أنفى للقتل، وخذ ثأرك من جارك! لا يصلح، الذي يطوله أخذه، يعني الذي يطوله أخذه كما يفعلون الآن يا مولانا: يعلم القاتل ويقتل غيره! هذا عبارة عن فعل الجاهلية الأولى، نعم، التي أظلم وأطغى، يا ستار!
سؤال المذيع عن تفصيل أنواع الجهل المؤدي إلى العنف
[المذيع]: فإذا كانت الإجابة على هذا هي أننا وصلنا إلى هذا الحد من الجهل، صحيح، فالجهل بماذا؟ جهل، إجابة موجزة يا مولانا.
[الشيخ]: الجهل بالقرآن وبالسنة وبالتاريخ وبالفقه الإسلامي والتشريع وبالتاريخ الإسلامي وبالواقع المعيش، هذا فعلًا هذا واقعنا.
الرفق قوة ناعمة وليس ضعفًا ومصداق حديث النبي في واقعنا المعاصر
الرفق ما دخل في شيء إلا زيّنه، وما نُزع من شيء إلا شانه، صحيح. الآن يقول هكذا مصداقًا لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام، بالرغم من كل هذا الهَتَر والحمق في استعمال العنف، بالرغم من كل هذا الهَتَر في استعمال [العنف]، الهذر يعني الحمق في اللغة العربية.
بالرغم من كل هذا إلا أن الرفق ما زال لا يدخل في شيء في عصرنا الحاضر إلا زانه، ولم يُنزع من شيء إلا شانه.
يا جماعة، نحن أصحاب دعوة إلى الله، جميل، والدعوة إلى الله تستلزم الرحمة والرفق، صحيح.
من يتبنى العنف يخسر نفسه وحقه وأمته
أما الذي يظن نفسه أنه سيأخذ حقه بيده وأن العنف هو الأساس وهو المقدم، فهذه عقيدة الجاهلية، سوف يضيع بها نفسه وحقه، والأنكت والأمرّ من ذلك وأمته، لا حول ولا قوة إلا بالله!
يعني هذا يرتكب جريمة ليس في حق نفسه فقط، بل في حق نفسه وفي حق من حوله.
الرفق قوة حقيقية وليس ضعفًا وغير المسلمين عرفوا قيمة القوة الناعمة
ما الذي يدفع هؤلاء بعد جهلهم بالكتاب والسنة إلى تبني العنف؟ أقول إن الذي يدفعهم لذلك أنهم جهلوا فوائد الرفق وظنوه ضعفًا، وظنوه ضعفًا، وهذا من الجهل أيضًا، وظنوه ضعفًا.
وأنا أوجه إليهم كلمة حكيم من الحكماء: إنه مجرب في الحياة أن الرفق قوة، صحيح. حتى إن غير المسلمين في العالم عرفوا قيمة هذا الرفق وعرفوا قوته، فذهبوا يسمونه القوة الناعمة، القوة الناعمة، جميلة!
القوة، هذا ليس [كلام] الحكماء [فقط]، هذا العقلاء، نعم. فالعاقل خصيم نفسه، العاقل يتأمل حقائق الأمور ووقائع الأمور، واقع الأمر ما هو في ذاته: إن الرفق قوة ناعمة في رفق، نعم، لكن هذا ليس ضعفًا، هذا قوة، صحيح. ما أريده آخذه لكن بلا عنف.
القوة الناعمة توصل إلى الهدف والصدام ليس الحل الوحيد
كيف؟ أنه الرفق هذا شيء لطيف، شيء خفيف، شيء رقيق، يعني تستعمل فيه هكذا النعومة. قال: فماذا؟ ألا تكون القوة ناعمة؟ أيلزم أن تكون القوة جارحة وخشنة؟
القوة هي التي توصلك إلى المقصود، إلى هدفك، والرفق يوصلك إلى هدفك، إذن هو القوة، هي القوة الناعمة، صحيح جميلة.
قضية القوة الناعمة هذه قضية لا بد أن تُفهم، قضية غير مفهومة: كيف تكون قوة وكيف تكون ناعمة؟ لا بد لنا من أن ندرك أن الصدام ليس هو الحل الوحيد.
من يستبدل الرفق بالعنف يترك القوة إلى الضعف والثواب إلى العقاب
أنا أقول له: يا من تعتقد هذه العقيدة [عقيدة العنف]، أنت تذهب منها يأسًا وهربًا ولست تذهب إليها قصدًا وطلبًا، جميل ما شاء الله.
والهرب والطلب هذه المرة ذكرناها في حلقة سابقة، وهي أيضًا هنا: يا من تستبدل بالرفق العنف والصدام، أنا أوجه إليك حقيقة أنك تترك القوة إلى الضعف، والصلابة والمتانة إلى الهشاشة.
وأنت تترك ما يُثاب عليه الإنسان إلى ما لا يُثاب عليه الإنسان، وأنت تترك القوة التي توصلك إلى الحق وتوصلك إلى هدفك وتوصلك إلى حقك وتوصلك إلى مرادك، وتأخذ شيئًا إن حصلت به على بعض الحق لا تحصل به على كله، إذا نجح في مرة يسقط في مرات.
وجوب طاعة الرسول في الرفق وختام الحلقة بالدعاء والتوديع
ثم إنما يترتب عليه بعد ذلك لهو البلاء المبين. أطع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجعل هذه الطاعة لله، تجد أثرها في حياتك، ربنا يفتح عليك.
[المذيع]: يا مولانا ويزيدك علمًا وينفعنا بعلمك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا العلم وعلى هذا الوقت الذي يقضيه معنا في برنامجنا نور الحق.
على وعد باللقاء إن شاء الله قادمة من برنامجكم نور الحق، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
