ما معنى أن الدعاء يرد القضاء وأنهما يتصرعان في السماء؟ | أ.د علي جمعة
- •خلق الله القلم وأمره أن يكتب ما سيكون، فكتب كل ما سيحدث في الخلق إلى قيام الساعة في الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا الملائكة المطهرون.
- •هذا الكتاب يحتوي تفاصيل حياة كل إنسان من ولادته حتى وفاته، وهو قدر مكتوب تطلع عليه الملائكة في الملأ الأعلى.
- •قسم العلماء هذا القدر المكتوب إلى نوعين: القضاء المبرم والقضاء المعلق.
- •القضاء المبرم هو أمر نهائي بات لا يتغير ولا ينفع معه دعاء أو أي شيء آخر.
- •القضاء المعلق قابل للتغيير بإرادة الله، ومن وسائل تغييره الدعاء وصلة الرحم وفعل الخير.
- •في القضاء المعلق، يمحو الله ويثبت ما يشاء، كما في قوله: "وينسأ له في أجله" لمن يصل رحمه.
- •الدعاء قد يرد القضاء المعلق إذا استجاب الله له، ولكنه لا يرد القضاء المبرم.
- •علم الغيب المطلق يختص به الله وحده، ولا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب.
سؤال هل الدعاء يرد القضاء وبيان أن الله كتب كل شيء في الكتاب المكنون
سؤال يقول: هل الدعاء يرد القضاء؟
الله سبحانه وتعالى أول ما خلق، خلق القلم وقال له: اكتب ما يكون. ما هو [القلم] لم يزل مخلوقًا الآن؛ إنه قال له: اكتب ما يكون. لا يوجد زمن عند الله، فكتب القلم ما سوف يكون في كتابٍ سُمِّيَ بالكتاب المكنون.
﴿لَّا يَمَسُّهُٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]
الذين هم الملائكة، وهذا الكتاب فيه كل ما سيحدث في هذا الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أصلًا فيه كل شيء.
كل إنسان له ملف مكتوب فيه قدره من الميلاد إلى الممات
ومن ضمن الأشياء [المكتوبة في الكتاب المكنون] أن حضرتك معمول لك ملف: ستُولد متى؟ وماذا سيحدث لك؟ ومتى ستموت؟ قدرٌ مكتوبٌ تطّلع عليه الملائكة، موجودٌ في الملأ الأعلى، فوق في الحضرة القدسية.
فالكتاب الذي موجود في الحضرة القدسية التي تطّلع عليه الملائكة، يعني أنك [لو] اطلعت هكذا على الغيب بهذا الشكل، اطلعت على الغيب، والله علّام الغيوب. هناك أشياء لا يعلمها إلا الله.
تقسيم القضاء إلى نوعين القضاء المبرم والقضاء المعلق
فمن علمه وفضله وقدرته وقوته وحكمته، جعل [الله سبحانه وتعالى] المعلومات التي في الكتاب على نوعين:
نوعًا يُسمّى المبرم، أي انتهى الأمر؛ لا ينفع معه دعاء، ولا ينفع معه نظر، ولا ينفع معه أي شيء. هذا هو الذي سيكون، هذا يسمّونه العلماء ماذا؟ القضاء المبرم.
المبرم يعني نهائي. المحكمة خاصتنا اسمها ماذا؟ محكمة النقض والإبرام، يعني إما أن تنقض الحكم أو تُبرمه. تُبرمه يعني ماذا؟ يعني تُنهيه، تجعله حكمًا نهائيًّا باتًّا. فسمّوها النقض أي النفي والإلغاء والشطب عليه، والإبرام يعني أجازه وأيّده وأكّده.
هكذا يكون هذا القضاء المبرم أي القضاء المؤكد، والثاني القضاء المعلّق. فيكون هناك قضاء مبرم وقضاء معلّق. معلّق على ماذا؟ على إرادة الله.
مثال على القضاء المعلق وكيف يتغير الأجل بالدعاء
فالملك يرى في الكتاب أنك ستموت في الوقت الفلاني، في الأول من شهر محرم. فأنت دعوت: يا ربّ مُدَّ في عمري حتى أُخرج الولد من المدارس، أي أن حُججنا هذه [عند الله]، والولد فقط! يعني هكذا قُم، ليمدّ الله في عمرك ويُغيّر الموجود في الكتاب.
وبدلًا من واحد محرم سنة ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين، يجعلها واحد محرم سنة ألف وخمسمائة، ليس لنا دخل [في ذلك]. يبقى هذا قضاء معلّق.
الدليل على تغيير القضاء المعلق بالدعاء وصلة الرحم والمحو والإثبات
والدليل أنه [القضاء المعلّق] يتغير بماذا؟ أحد وسائل التغيير الدعاء. عندما سيدنا النبي ﷺ يتحدث عن صلة الرحم فيقول:
قال النبي ﷺ: «وَيُنْسَأُ لَهُ فِي أَجَلِهِ»
عندما يكون شخص مشهور هكذا بصلة الأرحام، يقوم ربنا بتغيير أجله، يُعطيه أجلًا زائدًا قليلًا، يُنسأ له في أجله. كيف؟ أليس الأجل مكتوبًا؟ مكتوب قطعًا، لكن عندما أنت اشتغلت بالوالدين وصلة الأرحام، سيقوم ربنا سبحانه وتعالى بالمحو والإثبات.
﴿يَمْحُوا ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [الرعد: 39]
فربنا يمحو ويُثبت في مجال القضاء المعلّق. فالقضاء المعلّق يشطبه ويضع مكانه القضاء الجديد، بناءً على فعلك للخير، وبناءً على دعائك أو دعاء الصالحين لك. أتفهم كيف يكون إذن؟
خلاصة الإجابة الدعاء قد يرد القضاء المعلق ولا يرد القضاء المبرم
الإجابة على: هل الدعاء يرد القضاء؟
نقول: إن الدعاء يرد القضاء المعلّق. لا، نريد أن نُحسّنها قليلًا العبارة: الدعاء قد يرد القضاء المعلّق إذا استجاب الله له، ولا يرد القضاء المبرم (المقفول).
المبرم هذا انتهى، حتى الملك لو افترضنا هكذا في أذهاننا، يعني تخيّلات هكذا: ملكٌ نزل وقال لك: على فكرة أنا أحبك، هذا وأنت ستموت في واحد محرم، ويأتي واحد محرم فلا تجد نفسك قد مُتّ! الله هو الملك، أليس كذلك؟
الله وحده المستقل بعلم الغيب المطلق لا نبي مرسل ولا ملك مقرب
لا، الملك قرأ ما هو موجود [في الكتاب]، لكنه ليس له شأن [بتغييره]. الملك عندما قرأ ما هو موجود لا يعرف ما في نفس الله سبحانه وتعالى، أليس كذلك؟
إذن من الذي يستقل بعلم الغيب مطلقًا؟ الله لا ربّ سواه، ولا نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب. يقول العلماء هكذا: لا نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب.
فيكون الأمر أن الله سبحانه وتعالى وهو القاهر فوق عباده، يعني هو الوحيد الذي يعرف هذه الحكاية كلها.
