مجلس الجمعة | 27 - 12 - 2019 | مسجد فاضل | أ.د علي جمعة

مجلس الجمعة | 27 - 12 - 2019 | مسجد فاضل | أ.د علي جمعة - مجلس الجمعة
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. نعيش هذه اللحظات في رحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عسى أن يُحسب هذا المجلس في ميزان حسناتنا يوم القيامة من مجالس العلم الشريف، الذي تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة وتتنزل فيه السكينة ويذكرنا الله سبحانه وتعالى في ملأ عنده. ونسأله سبحانه
أن ينفعنا بسيدنا رسول الله في الدنيا والآخرة، باتباع شريعته والموت على ملته. وأن يبعثنا تحت لوائه يوم القيامة، نشرب من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً. وأن يجازيه عنا خير ما جازى نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه، اللهم آمين. يسأل سائل فيقول: شرحتم لنا أن الله لم يكن ليعذب حتى يبعث رسولاً، قال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا" ‎[الإسراء: ١٥]، وقلتم لو أن الله لم ينهَ عن السرقة مثلاً، لم يحاسب عليها أحد. واستشكل
عندي، لو أن غير المؤمن الذي لم تبلغه الرسالة ظلم وقتل وسعى في الأرض فساداً، ألا يكون له حساب زائد على الذي لم يؤذِ أحداً؟ وقد ورد أن الحيوانات لها قصاص فيما بينها يوم القيامة. أليس في الإنسان فطرة يعرف بها الخير والشر؟ المقصود هو أن الأفعال البشرية ما الذي يترتب عليها من ثواب وما الذي يترتب عليها من عقاب وما الذي لا يترتب عليها من ثواب أو عقاب، فالفعل البشري هو
الذي يوصف بالحكم، والحكم الرباني إما أن يكون طلباً أو أن يكون تخييراً. فإن كان طلباً فإما أن يطلب منك الفعل أو أن يترك منك الترك، وإما أن يكون ذلك الأمر للفعل جزماً أو من غير جزم وإما إن يكون ذلك النهي جزماً أو من غير جزم، وإما أن يكون تخييراً فيكون مباحاً لا يدخل في نطاق الطلب إلا بالنية، أن توجه نيتك بالمباح لوجه الله تعالى فتُحسب لك في الترك وفي الفعل يُحسب
لك الثواب. فالأفعال توصف بإحدى هذه الخمسة: الحرام، والمكروه، والواجب، والمندوب، والمباح، ولا يخرج فعل الإنسان عن هذه الأوصاف التي هي أحكام رب العباد للعباد. أتى بها الوحي فأمر ونهى وأباح وأتاح. أفعالنا بين هذه الخمسة لا يزيد. فما الحرام؟ أن تظلم الناس حرام، سيترتب عليه عقاب. أن تقتل النفس التي حرم
الله إلا بالحق حرام، يترتب عليها عقاب. أن تسعى في الأرض فساداً حرام، يترتب عليها عقاب. ولكن هذا الإنسان لم يبلغه الوحي، من الذي يقول إن القتل حرام؟ من الذي يقول إن الفساد حرام؟ من الذي يقول إن الكذب حرام أو إن الزنا حرام أو إن السرقة حرام؟ الله. وما معنى حرام؟ أن هذا الفعل سيترتب عليه عقاب من الله. العقل البشري،
هل وحده قبل رسالة الله وقبل وحي الله يصف هذه الأفعال بأنها ممنوعة أي حرام؟ لا يستطيع أن يصف هذه الأفعال لأن العقل البشري في الأصل لا يعرف معنى العقاب. إن العقل البشري المجرد لا يتخيل يوم القيامة، لا يتخيل الجنة والنار، هو أصلاً لا يعرف أن هناك جنة ونار، إن الذي أخبرنا أن هناك جنة وناراً، ليس أننا ذهبنا في رحلة سياحية ودخلنا الجنة وشاهدنا النار وعدنا ثم قلنا ماذا يا للهول! هذا شيء آخر، لم يحدث هكذا. ما حدث هو أن الأنبياء قد
أخبرتنا عن الله سبحانه وتعالى، أن هناك جنة وأن هناك ناراً. من غير طريق الأنبياء، عقلي لا يستطيع إدراك ذلك. أن الله قد خلقنا على الأرض وانتهى الأمر وتركنا هكذا نفعل ما نريده بعقولنا. فعندما أقتل أو أًقتل، والقوي يغلب الضعيف، فيكون اللي تكسبه إلعبٌه [أي: اغتنم الفرص المتاحة]. ويأتي شخص مثل "نيتشه" [فيلسوف وناقد ثقافي ألماني]، ويخبرك بنظرية السوبرمان، أي أن القوي يضرب الضعيف، هذا ما كان سيحدث بدون الله. فما
أدراني إن كنت لن أستعمل قوتي فيما يُغضب الله أو فيما لا يُغضبه؟ ربما لا يُغضبه. ربما هو منحني القوة لأفتري على الناس، وربما جعل هذا الشخص يغضبني لأقتله. من الذي قال لي إن قتلي لمن أغضبني هذا حرام؟ ربنا. إذن، إذا استبعدنا مسألة الألوهية، تصبح الحياة سوداء وتصبح معضلة مغرية، لا حل لها ولا فائدة منها. الحياة بدون الله لا معنى لها بل تكون مصيبة عظيمة. وحينها عليك أن تقول:
"يا للهول!"، فما الذي نفعله هنا إذن؟ افعل ما تريد؟ إذن ستكون مصيبة عظيمة. ولذلك "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا" [الإسراء: ١٥] وهذه قمة من قمم الرحمة. فالعقل البشري لا يستطيع أن يدرك نظرية الحساب والعقاب والثواب بنفسه، بل لا بد أن يسمع الوحي وأن يؤمن بالرسل، فأرسلهم الله وبعثهم بما بمثله يؤمن الناس من خوارق للعادات ومعجزات تجعل الناس تقول هذا شخص غير عادي.
ولذلك أنا أصدقه فيما يقول. فقالوا لنا هذه الأشياء حرام ومعها مكروه، وهذه الأشياء واجبة ومعها مندوب. وسألته: حسناً، أكل الملوخية؟ قال لي: مباح. حسناً، والبطاطس؟ مباح. حسناً، أحب الفاكهة الفلانية، مباح كل الأعمال بعد ذلك، مباح. في حين أن الحرام تجده عشرة أو عشرين أمراً. لا تسرق، لا تزنِ، لا تكذب، لا تقتل، لا تشهد الزور، لا تؤذِ الناس، لا تفسد. إنك لو عددتهم لن يبلغوا عشرين. صلِّ، صم، زكِّ، حج، اذكر، ادعُ،
اعمل، اسعَ. عشرون هم أيضاً. تزوج بالطريقة الفلانية، لا تتزوج وبالطريقة الفلانية طلّق وبالطريقة العلانية لا تطلق وبالطريقة الفلانية وهكذا. تَعُدُّهم فلا تجدهم عشرين أيضاً، وأصبحت بقية أفعالنا، كأنها مباحة. أصبحت الأفعال كلها مباحة لا ثواب ولا عقاب. إذن لقد ترك لنا مساحة كبيرة افعل و لا تفعل. السؤال هو: هل العقل البشري ليس فيه فطرة كي يعرف بها الصحيح من الخطأ وحده؟ لا، لا يعرف. ولو تركناه بمفرده، ستحدث مصائب. والفعل الواحد
يختلف فيه البشر. لقد وجدنا دولا، يقولون إن المخدرات لا يوجد أفضل منها ويوزعونها مجاناً. وفي دول أخرىن، يقولون لا، هذه حرام، هذه تُذهب العقل، هذه تسبب الإدمان، إنها تجعل الإنسان غير مسيطر على أفعاله فيرتكب مخالفات وجريمة. فهناك أشخاص يقولون: "اشرب الخمر، فلِمَ خلقه الله إذن؟"، وهناك آخرون يقولون: "الخمر حرام، ومن يشرب الخمر يفقد عقله ويتصرف تصرفات غير صحيحة". ثم جاء الأطباء ليقولوا إنه يدمر الكبد أيضاً، أي ضرر فوق ضرر، فمنعوها سنة تسعة وعشرين
في أمريكا. إنها حرام. الخمر محرم قانوناً. فغضب منتجو العنب لأنهم يصنعون الخمر والنبيذ من العنب، ومنتجو التفاح غضبوا بسبب الشامبانيا، ومنتجو البصل غضبوا لأن الويسكي يُصنع من البصل. فماذا فعلوا؟ ضغطوا على الحكومة فألغت القانون. نعم، ولكن من يشرب الخمر، تحدث له حالة تُسمى "الفيل الأزرق"، يجلس هكذا ثم يتخيل أن هناك فيلاً قد خرج من الحائط، بسبب الإدمان. إن هذا ضلال، فالخمر في ديننا نجسة، وبالإضافة إلى كونها نجسة
فإنها تسبب الإدمان وتؤدي إلى الهلوسة ورؤية أشياء غير حقيقية. إنهم أناس عقلاء وصلوا إلى القمر وذهبوا إلى المريخ و غيره، ومع ذلك، "سكران طينة" [أي: تشبيه السكران بالطين في عدم حركته ووقوعه على الأرض]. نعم، إذن أنا سأقول هذا خطأ، وأنت ستقول هذا صواب. في الدول الإسكندنافية، أصبحت المخدرات مقبولة. في بلجيكا وهولندا وما شابهها وإنجلترا وألمانيا وفرنسا، الدعارة حلال، لكن في أمريكا حتى يومنا هذا، الدعارة محرمة. في تركيا، الدعارة تحقق أكبر دخل يُسدد له ضرائب.
فالسيدة التي تدير الدعارة في تركيا، تسدد أعلى ضرائب في البلاد، فتحصل على الجوائز. الله، هل هذه دار الخلافة؟ (يضحك الشيخ تعجبا) إذاً شيء تضحك منه الثكلى وتسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع. الأقرع يشيب مما نحن فيه هذا! فأي عقلٍ بشريٍ وأي عقلٍ حيوانيٍ؟ الذي يقول حلالاً وحراماً، الله. هو من يقول ذلك عن طريق الرسل، "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً". غير ذلك لا يوجد، العقل لا يتوصل أصلاً. الأشاعرة قالوا ولا الإيمان بالله،
عندما إكتًشفت أستراليا، دخلنا فوجدنا ما يُسمى بالسكان الأصليين. فسألنا السكان الأصليين في أستراليا، قلنا: "يا جماعة، ماذا تعبدون؟" قالوا: "لا نعبد شيئاً". فقلنا لهم: "ألا يوجد إله مثلاً؟" قالوا: "لا، لا نعرفه". "هل تعبدون صنماً؟" "لا". "حجراً؟" "لا". "شجرة؟". لا، بل هل تعبدون معنى؟ هل تعبدون نهراً مثلاً؟ هل تعبدون بقرة؟ هل تعبدون أي شيء؟ لا. مطلقاً هكذا؟ قالوا: أبداً، ولا نعرف ما تقولونه
هذا. إذان، هل هناك بشرا، ها نحن نبحث في البشرية، في الأصل لا يعرفون أي شيء. نعرف سألناهم: إذن، من الذي صنع الشمس والقمر؟ من الذي صنع الشمس والقمر والسماء هذه وكل هذا؟ قالوا: والله ما خطرت على بال أحد هذه الحكاية. ألم تفكر أبدا من أوجد كل هذا؟ قال: وما شأني أنا؟ ها هو عقل بشري. آخر امرأة ماتت في تسمانيا، تسمانيا هذه جزيرة بجانب أستراليا، ماتت عام ألف وثمانمائة وثلاثين وكانت من السكان الأصليين، وكانت آخر واحدة، لم يعد هناك سكان أصليون. ولكن عندما دخلنا وتحدثنا مع الناس، لم تكن لديهم فكرة كهذه. حسناً،
هؤلاء لم يأتهم رسول ولا ذهب إليهم نبي، فعلى أي شيء سيحاسبهم ربنا إذن؟ فهو الذي خلقهم وهو الذي جعلهم هكذا، إذاً هؤلاء لا حساب عليهم، وذلك من رحمة الله. إن الحيوانات تتخاصم مع بعضها يوم القيامة أو تطلب القصاص، "حتى يُستَوفى للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". بمهنى أنَّ هناك ماعز لها قرنان، نطحتْ ماعز ليس لها قرون، سواءٌ كانت قرونها صغيرة أو غير موجودة، فيأتي الاثنان ويقفان في الحساب. نعم، لأن هذا ليس فيه عقل وترتيب وتكليف، فهو ليس مكلفاً، أما الآخر فهو مكلف أصلاً. السؤال: هل سيستوي يوم
القيامة من لم يظلم من غير المؤمنين مع من ظلم من غير المؤمنين؟ ربنا قال "وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" [الكهف: ٤٩] الذي ظلم لن يُحاسب على ظلمه، والذي لم يظلم وكما قال تعالى: "إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ" [التوبة: ١٢٠] فيكون هذا أحسن فيأخذ شيئًا آخر. سيدخلان الجنة، لأنه ليس هناك تكليف. و عندما يدخلون الجنة "لن يدخل الجنة أحد بعمله إنما برحمة الله". فإن ربنا رحم غير المؤمنين هذين، وأدخلهما الجنة، واختيارهما لأماكن الجنة
بأعمالهما. فيأتي الرجل الذي لم يظلم فيقول: "يا رب، أنا كنت أُطعم الطعام، وكنت أساعد المسكين، وكنت أكف شري عن الناس"، فيقول له: "أنت الذي تختار"، فيختار أي قطعة في الجنة، "ترد الروح" [أي: تعيد البهجة و السعادة للروح من شدة جمالها الأخاذ]. شيء جميل. الآخر يقول له: لا يا ربي، ذاك الشاب الذي ظلم وقتل وأفسد، أريد القطعة التي أخذها هذا الرجل، فتلك هي المشكلة. لقد كان ظالماً في الدنيا. فيقول له: لا، ليس لك حق، اختر لنفسك قطعة ثانية في الجنة، هذه قد حُجزت بالفعل. إذن، التفاضل في الجنة والدرجات في الجنة، تكون طبقاً للأعمال. وهنا هذا عمله أسود
وذاك عمله أبيض، والأبيض يتفوق على الأسود. هذه هي الحكاية، ولا تقلق ولا تخف، بمعنى نم وارتح، سيأتيك النجاح. وليس هذا ما يُقلق، لماذا الذي يت على هو مؤمناً والذي ليس بمؤمن والذي ظلم والذي عمل. التفت يا أخي إلى نفسك، زِد في الذكر قليلاً، زِد في العلم، زِد في الخير، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. لا يهمك. ما الأسلوب الأمثل لتجنب التخبط والالتباس الذي يطرأ علينا من حين لآخر بسبب كثرة الفرق والمذاهب والطوائف والفتاوى لنمشي على نهج مستقيم؟ سأقولها لك في كلمة واحدة فقط: السهولة. كان مشايخنا يقولون لنا إذا
رزقك الله السهولة فقد رزقك نعمة كبيرة جداً. السهولة في أي شيء؟ السهولة في كل شيء. "فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا *‏ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا‎" ‎[الشرح ٥-٦]. "إنما بُعثت بالحنيفية السمحاء". السهولة، حين تذهب للوضوء، فتتوضأ بسهولة، أن تتطهر فتتطهر بسهولة. هكذا، فمن نعم الله على الإنسان، أن يعيش سهلا. ولقد قالوا "تيك إت إيزي يا عزيزي" ومعناها بالعربي [أي: خذ أمورك بسهولة يا عزيزي]، أي لا تُعقِّد الأمور ولا تتشدد. ما هذا التشدد؟ إنك لستَ سهلا يا عزيزي. خذها
ببساطة. ما الذي يحدث؟ كان سيدنا عمر يمشي مرة ومعه جماعة، وكان أحدهم في الطابق الثاني أو في الشرفة، فهم لم يكونوا يبالغون في البناء. هو إما طابق أرضي أو أول شرفة. نزلت منها مياه، يبدو أن هناك من ينشر غسيلاً أو شيئاً ما، فذهب هذا الشخص ونظر هكذا وقال: "هل هذه المياه طاهرة أم نجسة؟" فالتفت سيدنا عمر وقال: "بالله لا تجيبوا هذا المتنطع"، أرجوكم
لا تجيبوه، ما دمت غير متأكد أنها نجسة، فهي طاهرة. كانت النساء قديماً، يرخين ملابسهن على الأرض بمقدار ثلاثين سنتيمتراً تقريباً، هكذا كانت الموضة حينها. فقالوا للنبي، لأن هذه المرأة عندما تمشي في الطريق، فإن ذيل ثوبها أو فستانها يرخى على الأرض ويُنغمس في تراب الأرض، فمن الممكن أن تصيبه نجاسة لأن الطريق ليس نظيفاً ونحن غير متأكدون من نظافته مائة في المائة، فقال شيئاً غريباً جداً، استخدمه العلماء في حياتهم كلها.
قال: "يُطهره ما بعده". "يُطهره ما بعده". قليل من التراب بعد النجاسة يُطهر ما أصابها من النجاسة. حسناً، افترض أنني ذهبت إلى نوعية البيت، انظر إلى أسئلة سورة البقرة، افترض أني ذهبت إلى البيت وعندما نزعت الفستان وبحثت ووجدت به شيئاً هكذا. ما هذا يا أبنائي! إن الله سبحانه وتعالى أسمى أول سورة وأكبر سورة التي تتصدر القرآن الكريم "البقرة". لماذا لم يسمها "التوحيد"؟ ولماذا لم يسمها "الخلق" مع أن فيها قصة آدم؟ ولماذا لم يسمها "التشريع" رغم أنها مليئة بالأحكام؟ لقد أسماها "البقرة"،
فهذا يعني أنه أراد أن يلفت نظر سيادتك، إلى أن هذا الدين مدخله وبابه قصة البقرة هذه. وقصة البقرة هذه هي أمر إلهي موجه للمكلفين: "اذبحوا بقرة". ماذا نفعل؟ نذهب ونحضر أي بقرة ونذبحها وانتهى الأمر. لا يقال، "أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ* قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانُۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ * قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ‎" [البقرة ٦٧-٦٨-٦٩-٧٠]
هذه الأسئلة فهي التي نسميها الآن "بالحنشصة". [أي: التعقيد والمجادلة]. احفظوا هذه الكلمة لأنها غريبة بعض الشيء، فهو لم يطبق المبدأ الذي قلنا عليه "خُذها بسهولة يا عزيزي"، بقرة واذبحها وانتهى الأمر، وستكون مستجيباً نعم، وفي رضا الله. إذن، كل هذه الضجة ناتجة من الإلحاح، من المجادلة، من كثرة الكلام، من الأسئلة المتتالية، من التدقيق في المسائل. يسألني سؤالاً، ثم يسأل شخصاً آخر نفس السؤال، ويسأل شخصاً آخر، وفي كل مرة. السؤال
مختلف على نفس الشيء، هذا يقول له حلال وهذا يقول له حرام، يقول له اتركها والآخر يقول له نعم، لا مانع، وبالتالي يقول: "أنا مشتت". لماذا تلومني عندما ترتبك؟ أنت الذي أربكت نفسك. أنت فقط تذهب وتسأل نصف سؤال إذا كان هناك داعٍ للسؤال "لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" [المائدة: ١٠١]. لقد أمر الله عز وجل بعدم السؤال. وأعطانا قصة البقرة هذه، لأن الديانة تقوم عليها، العلاقة التي بينك وبين الله تقوم على سورة البقرة. إذا لم تكن فاهماً فعليك أن تفهم هذه الجملة باللغة الإنجليزية "تيك إت إيزي يا عزيزي" [أي: خذها ببساطة يا عزيزي]. وها هو الكلام بالعربية والإنجليزية. إذا كنت
لا تفهم، فلا داعي للحنشصة [ أي: للتعقيد]. لا أفهم معنى "حنشصة"، أي "حليطة" حسناً، أنا لا أفهم معنى "حليطة"، أي التشدد؟ أي التنطع؟ لا أفهم معنى "تنطع". هلا تتحدث معنا هكذا، لأن الشباب يحبون الكلام السهل البسيط. حسناً، ماذا أقول لك؟ لقد تحدثت معك بالإنجليزية والعربية، وقلت لك تعامل مع الأمر ببساطة ويسر فلقد قلت لك، إنه أمر واضح يا أخي، أي أتجاهل يعني؟ تجاهل، أأضحك على نفسي؟ لا، أنت هكذا تضحك على نفسك حينما تُدخل نفسك في الالتباس، وتُدخل نفسك في غير هداية الله، هكذا أنت تضحك على نفسك. لكن حينها عندما تأخذ الأمور كما أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصحابة الكرام، الذين
كانوا يعيشون حياتهم والدين جزء من الحياة، لن يحدث لك ما تشكو منه. إذاً فلندع هذا التدقيق الخانق ولن تحدث أبداً هذه البلبلة، فالدين يسر "ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه". "اتركوني ما تركتكم"، يقول سائل: أنا أعلم أن الله له آيات في القرآن الكريم كلها مرتبطة بعضها ببعض. بشكل أو بآخر وكنت أود أن أعرف سياق قوله تعالى: "يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ" [البقرة: ١٨٩]
أريد أن أعرف علاقة الأهلة بعادة الجاهلية في أن يأتوا الحرم من ظهره. هناك في اللغة ما يسمى بالحقيقة. وهناك ما يسمى بالمجاز وهناك ما يسمى بالكناية وهناك ما يسمى بالمثال. طبائع اللغة هكذا، من خصائصها الحقيقة ومن خصائصها المجاز. فعندما تقول: رأيت أسداً في حديقة الحيوان بعد العصر يأكل
وجبته، فعلاً هم يقدمون بعد العصر وجبة، فالعامل يقدمها للأسد بعد العصر، ومن يحب أن يتفرج على الأسد وهو يأكل، يمكن أن يزور جنينة الحيوانات هذه أو حديقة الحيوان بعد العصر، وهناك أناس يحبون ذلك ويرون فيه آية من آيات الله سبحانه وتعالى. وكان من هؤلاء شيخ مشايخنا الشيخ "محمد أمين البغدادي"، فقد كان يحب أن يذهب أسبوعياً لزيارة الحديقة بعد العصر لكي يشاهد الأسد وهو يأكل، لأن الأسد وهو يأكل فيه معانٍ تستطيع أن تقول فيها بعد ذلك سبحان الله، ما هذا! سبحان الخالق،
سبحان الرزاق. الأسد محبوس ويسوق الله له رزقه وهو في حالته الجسدية القوية، ونسميه ملك الغابة وما إلى ذلك. أسد، ولكن وضعه، أنه محبوس، مسكين يستحق الرحمة. لكن وضعه مسكين يستحق الرحمة. إذاً هي مسألة تحتاج إلى التأمل والتدبر! رأيت أسدًا، مُنكرًا هنا، لأن أي أسدٍ بمعنى أنه لا يعرف اسمه ولا يعرف شكله، يأكل في حديقة الحيوانات
بعد العصر وجبته. فهذا يسمونه حقيقة لأنه فعلاً رأى أسدًا، الحيوان المفترس. أما عندما تقول في المناظرة التي جرت بين فلان وعلان من المفكرين، كان المفكر الفلاني أسداً. نعم، هذا ليس الأسد المفترس، بل أسداً هنا معناه الأقوى. ها هو مجاز، استعمل اللفظ في غير ما وُضع له. رأيت أسداً يجادل عن الفكر المستقيم أمام نظرائه. نعم، هذا أسد آخر، ليس الأسد ذي اللبدة الصفراء
إن ذلك بينما كنت جالسًا في غرفة الضيوف، قفز إلي شخص من النافذة، فقلت له: "يا أخي، أتوا البيوت من أبوابها". هذه العبارة التي قلتها حقيقية، لأنه لم يرضَ أن يدخل من الباب، بل قفز من النافذة. أما متى تكون مجازًا؟ مجاز، لو أنني أخادعك و أتحايل عليك، وأنت اكتشفت هذه
المخادعة، فقلت لي: يا أخي، لا تأتوا البيوت من ظهورها، لِمَ لا تأتي مباشرة هكذا وأتوا البيوت من أبوابها؟ إذن هذا مجازاً. هل التعبير هنا هكذا مجاز أم حقيقي؟ لا، هذا مجاز ليس له علاقة بأنهم كانوا يستنكرون من يدخل من النافذة بدلاً من أن يدخل من الباب أو ما شابه ذلك. هذا تعبير مجازي في اللغة. التعبير المجازي هذا يُسمى في الإنجليزية "expression" أي تعبير مجازي، وليس معناه حقيقياً، فليس المقصود أن هناك باباً ونافذة وأنني سأترك الباب، فهذا سيكون معنى حقيقياً. لكن ما ورد هنا هو مجاز كناية عن عدم اللف والدوران، أي أن تضع
الأمور في نصابها. بمعنى تجنب المخادعة، وكن مباشراً، كن شفافاً. كل هذه العبارات نستخدمها لذات المعنى نفسه. كن شفافاً يا أخي، أي قل الصراحة، قل الراحة هكذا. الصراحة راحة، الصراحة راحة، أي هي هي هكذا، حسناً. أتوا يريدون اختبار محمد. يا محمد! نعم. لماذا تظهر الأهلة على شكل خط هكذا؟ الهلال خط هكذا في أول يوم في الشهر العربي القمري، ثم ينتفخ قليلاً حتى
يصبح نصفاً، ثم يصبح دائرة كاملة هكذا نسميه البدر، بدر التمام. ماذا يعني؟ تعني كامل هكذا، هو بدر التمام. إنسانة فتانة بدر الدجى منها خجل. إذا بدر التمام هذا جميل. لماذا يحدث هكذا؟ وأيضاً الأغرب من ذلك يا محمد، أنه بعدما يكتمل بدراً، يبدأ بالنقصان حتى يصبح خطاً من الناحية الأخرى، ثم يغيب فيصبح القمر. "محاقاً" أي أسود لا نستطيع رؤيته. "يسألونك عن الأهلة"، هذا ما
يُسمّى أسلوب الحكيم. هم يسألون عن ماذا؟ عن ظاهرة فلكية لها ما يفسرها من حركة الأفلاك. حسناً، هل القرآن عندما نزل، نزل ليعلمنا الكيمياء والفيزياء؟ لا، إذن لأي غرض؟ "هدى للمتقين". قال ذلك في أول "ذذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة: ٢]‏ ، أي إنه من أجل الهداية. فأسلوب الحكيم هو أن تكون عالما ما غرض السؤال. فسر لنا يا محمد طبيعياً أو فيزيائياً ظاهرة تغير الهلال
إلى الربع ثم البدر ثم تناقصه حتى يصير هلالاً مرة أخرى، لماذا يحدث ذلك؟ ما السبب؟ السبب هو أن القمر يدور حول الأرض وأن الأرض تدور حول الشمس وأن القمر يستمد نوره من الشمس فإذا حجزته الأرض في خلفيتها عن الشمس تمت هذه الظاهرة وهي ظاهرة تطور الهلال من هلال فربع فبدر فربع فهلال مرة أخرى، إذن، سبب هذا دوران الأفلاك، ودوران الأفلاك هذا ينشأ عنه الأشهر و فصول السنة.
ينشأ عنه محرّم وصفر وربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان وهكذا. حسناً، يسألونك عن الأهلة، ما الغرض؟ الغرض أنك تتكلم علماً حسياً فتملأ القرآن بهذا العلم الحسي، فيصعب على الناس أن تصل إلى الهداية. فربنا عالم لأن هذا الكلام كله كان من أسلوب اليهود مع المشركين، فقال له: يسألونك عن. الأهلة، خذ الإجابة إذن. إجابة مفاجئة، إجابة ليس
لها علاقة بالحقائق التي ذكرتها. هو لا يريدها لأنه سيملي علي: هل القمر يدور أم الشمس التي تدور أم الأرض التي تدور أم الشمس التي لا تدور؟ هكذا هو الأمر. "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"، إذن، سينتج عن دوران الأفلاك، الأزمان. وسينتج عن الأزمان، تنظيم العبادة ومواقيت للناس. تأتي لتقول لي: أين الدين؟ فأقول لك: في أول الشهر. متى أول الشهر؟ اليوم أول الشهر، فتأتي لتأخذ أموالك اليوم.
إذن، مواقيت للناس والحج. والحج لدينا يبدأ في شهور الحج، والحج أشهره معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة حتى العاشر من شهر ذي الحجة حتى وقفة عرفات، بذلك تكون أركان الحج قد انتهت، ولكن الطواف يستمر إلى آخر الحج. يمكن أن يكون إلي آخر الحج . اذن هي مواقيت للعمارة وللعبادة. هذه المواقيت إجابة على السؤال. لا، يجب الإجابة على السؤال. الإجابة على السؤال هي دوران
الأفلاك، والذي ينتج من دوران الأفلاك هو مواقيت للناس والحج. حسناً، هذا ما يسمونه أسلوب الحكيم، أن تسأل من أجل الوصول إلى معلومة فيتجاوزها المجيب إلى ما يترتب على هذه المعلومة. المواقيت تترتب على ماذا؟ على دوران الأفلاك. فنحن لدينا الزمن نقيسه بأمرين: إما الشمس أو القمر. الشمس نسميها السنة الشمسية، ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع، والثانية نسميها السنة القمرية تختلف إما ثلاثمائة وثلاثة وخمسين يوماً، أو ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً، أو ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوماً في دورة ثمانية. كل هذا أدركناه من الرصد لمئات وآلاف السنين،
فعرفنا هذه الأحداث. حسناً، ماذا يلزم من دوران الأفلاك؟ المواقيت. ولماذا صُنعت هذه المواقيت؟ سأربطها بمصالح الناس (الخلق). ومصالح الحق يعني أنني أخرجته من غرضه الذي كان غرضاً غير لائق، فيه نوع من أنواع السخرية. وبعد ذلك قال: لماذا لا تأتي مباشرة، لماذا لا تكون صريحاً بدلاً من هذا الأسلوب؟ أنت لست صريحاً وتلف وتدور، لماذا؟ هذه هي الحكاية. "ولا تأتوا البيوت
من ظهورها واتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله"، أستتحايلون بهذه الطريقة، إذن ذلك مجازًا، والمجاز هذا هو مجاز معتبر. وهذا المجاز المعتبر أوصلنا إلى ما يسمى بأسلوب الحكيم. وأسلوب الحكيم هو أن تجيب على ما يترتب على الإجابة المرادة، وأنك تركتها من أجل الوصول إلى ما هو أنفع للسامع السائل وللسامعين من بعده. هذا هو أسلوب الحكيم: شخص يسأل: ما دورنا كأفراد في مواجهة الفكر المتطرف والجماعات المتشددة بجانب دور الدولة؟ التربية والتعليم. علّموا
أولادكم حب رسول الله، هذه هي مقاومة التطرف. علّموهم حب رسول الله هذا الإنسان الكامل الرباني الذي دعا إلى السلام والإسلام، والذي دعا إلى الحب والإخاء، والذي أمر ببر الوالدين ولو كانا على الشرك وبإكرام الضيف ولو كان مشركاً وبإكرام الجار ولو كان مشركاً. هذا الإنسان الذي ترى فيما أنزله الله سبحانه وتعالى عليه، وجعل الله هذا ركناً من أركان الصلاة نكررها: "الحمد لله رب العالمين". ما هذا؟ "بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ‎*‏ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ‎[الفاتحة ١: ٢]
اليهود عندهم صلاة فيأتون ويقولون ماذا أولاً؟ الحمد لله الذي خلقتني ذكراً لله، حسناً، وماذا تفعل المرأة؟ شيء غريب! المرأة ماذا تفعل هذا، إنها ورطة. جلسوا إذن، ماذا يحضرون لها تأليفاً، لكن النص هكذا، نعم، لا، هناك فرق. الحمد لله رب العالمين، وعندما جاء، انظر الفرق بين كلام الله وكلام البشر. في النهاية ماذا قال؟ "غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ " [الفاتحة: ٧]
حسناً، هذا يتحدث عن صفات شخص ضال وشخص مغضوب عليه. من عرف الحق وحاد عنه فهو مغضوب عليه، ومن لم يعرف الحق أصلاً ولم يبحث عنه واستسهل الأمر فهو ضال. تجد المفسر يقول لك: المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى، حسناً، ولكن أنت قد أغضبت اليهود والنصارى هكذا من الله. فاليهودي يقول لك: أنا لست كذلك، والنصراني يقول لك: أنا لست كذلك، أنت سببتني هكذا. فهؤلاء الشباب الذين يترجمون معاني القرآن قاموا بحذف "الضالين" و"المغضوب عليهم" وكتبوا ماذا؟ "يهود ونصارى". ثم أخذوا الترجمة وأعطوها لبوش هدية.
أأنت أحضرته المركز الإسلامي لكي تهينه؟ ومن أول الأمر؟ بالمناسبة، الله تعالى لم يقل هكذا، وهذا هو الفرق بين فهم البشر وثقافتهم وانحصارهم في زمانهم أو في مشاكلهم، وبين النص الإلهي. إنها حقيقة مذهلة، أن تقرأ القرآن أو أن تنحصر في تفسير للقرآن لم يذكره القرآن نفسه. فالقرآن لم يقل هكذا، لم يقل يهود ونصارى هذه فاتحة ستقولها بصوت عالٍ بالميكروفون، ليس لدينا نحن الأسرار هذه التي لن أستطيع أن أقولها لأحد، بل
أستطيع ولكن ليس مكتوباً فيها هكذا، هذا عبارة عن انحراف ويؤدي بك إلى مشاكل عجيبة، تجلس بعد ذلك لتحل فيها. نعم صحيح، في زمن من الأزمان قالوا هكذا، لكن ربنا لم يقل هكذا. قال غير المغضوب عليهم، كل خلق الله وإلى يومنا هذا لو قلت لهم أنا لا أحب المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق ويحيدون عنه بالرغم من معرفتهم يقولون ونحن أيضاً هذا شيء إنساني عام. أنا لا أحب الضالين الذين لا يعرفون الحق ويسيرون بكل إهمال بهذه الطريقة قال
ونحن أيضاً أي الياباني والإنجليزي والأمريكي والجنوب إفريقي، كل العالم. إذاً هذا هو الفرق بين كلام الله وكلام البشر. كلام الله لا تستطيع أن تجد له مثيلاً هكذا، لا تستطيع أن تمسك عليه مثل هذه المآخذ. أما كلام البشر فنعم، يمكن أن تفعل ذلك. فإذا كان دورنا كأفراد في مواجهة التطرف هو أن تعلم. أبناءك حب رسول الله الذي يجعلهم يرون فيه الإنسان الكامل، فإذا رأوا فيه ذلك كانوا عصيين على كل إرهاب وكل تطرف وكل انحراف في الفكر. هذه العملية
سهلة في الكلام لكنها صعبة في التطبيق، تحتاج إلى عمل وعمل كثير وكبير ومستمر، وهذه قضية أمة. دائماً توضحون أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، فكيف أبدأ في اللغة؟ وكيف يكون الفكر؟ اللغة، هي ملكة ولكنها أيضًا في جانب من جوانبها معلومات، فنستسهل كثيرًا قضية المعلومات، ولكن تربية الملكة هي أولى من تربية المعلومات. كيف تُربى
المعلومات أو كيف نجمع المعلومات؟ الحقيقة في المائة سنة الماضية بذل الناس جهودًا عظيمة جدًا بذلوها لتعليم اللغة العربية ولتسهيلها. ألَّف المؤلفون مؤلفات لا حصر لها في النحو وفي البلاغة وفي الأدب وفي الشعر. ألَّفوا كيف تتذوق العربية، كيف تتعلم العربية من ناحية المفردة ومن ناحية الجملة ومن ناحية الصياغة والأسلوب
ومن ناحية المعنى وتمام المعنى. ألَّفوا كتباً لا قوة إلا بالله، لو بدأنا في هذه الكتب وعملنا قائمة. وبدأنا واحدة تلو الأخرى أو حاولنا أن نعلم أنفسنا بدلاً من الثرثرة التي تحدث على وسائل التواصل الاجتماعي. توجد الآن أفلام وأشياء في اللغة العربية تجعلك تحب اللغة العربية. تأتي الملكة من الشعر، والشعر ديوان العرب. اقرأ شعراً كثيراً، اقرأ شعر "أحمد شوقي" و"حافظ إبراهيم"، اقرأ شعراً للشعراء المحدثين، اقرأ شعراً. إن قرأت الشعر كثيراً سيحدث لك فتح من عند الله في لغة العرب.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.