محاضرة السنن الإلهية في القرآن الكريم | أ.د. #علي_جمعة
- •السنن الإلهية هي القوانين والطرائق الثابتة التي سنها الله في الكون والمجتمعات والنفس البشرية ولا تتغير بتغير الزمان والمكان.
- •عرّف العلماء السنة بأنها الطريقة المعتادة والسيرة المتبعة، وقد وردت لفظة "سنة" في القرآن سبع عشرة مرة.
- •السنن الإلهية تنقسم إلى أنواع: كونية، ونفسية، واجتماعية، وتاريخية، وتنقسم أيضاً إلى سنن نصية مذكورة صراحة وسنن مستنبطة.
- •يمكن تصنيف السنن إلى: سنن كلية وجزئية، قطعية وظنية، ظاهرة وخفية، عامة وخاصة، إيجابية وسلبية ومحايدة.
- •من السنن النفسية: النكران، الاستزادة، الهلع، العجلة، الاستغناء، والقابلية للفجور والتقوى.
- •من السنن الاجتماعية: التعارف، التكامل، التداول، الاستخلاف، التمكين، والتغيير.
- •نحتاج إلى استقلال علم السنن الإلهية كعلم قائم بذاته لفهم الواقع وتغييره للأفضل.
- •لاستنباط السنن من القرآن ضوابط منها: النص الصريح بلفظ السنة، ورود فعل الله متعلقاً بوصف محيط، وورود الفعل في سياق الحديث عن الأمم السابقة.
مقدمة اللقاء والتعريف بموضوع السنن الإلهية في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. وكل عام وأنتم بخير، وجمعنا الله سبحانه وتعالى وإياكم في الدنيا والآخرة على الخير.
وفي هذا اللقاء الكريم وتحت هذا العنوان في سنن إلهية في القرآن الكريم، وهو موضوع قد نبّه عليه كثير من العلماء قديمًا وحديثًا، ولكنه لم يحظَ باستقلالٍ في البحث حتى يصير علمًا كما صيَّر المسلمون معلوماتٍ كثيرةً علومًا.
الحاجة الماسة لاستقلال علم السنن الإلهية في عصرنا الحالي
ونحن في أحوج وأمس الحاجة في عصرنا هذا، وقد تضافرت فيه الأحداث وكثرت، وأصبح نمط الحياة أسرع وأكثر تعقيدًا. نحن في حاجة إلى أن يستقل علمٌ من العلوم بدراسة جانب من القرآن الكريم يكون عونًا للمسلمين على أن تنطلق رؤاهم الكلية من كتاب ربهم ومن عقيدتهم في الكون والإنسان والحياة.
وسنستعرض معًا قضية السنن لا لاستيفائها، بل لإثارة الفكر حولها ولإحداث مناقشات تصل في النهاية إلى ما فيه صالح للمسلمين.
تعريف السنة لغةً عند ابن منظور والمبادئ العشرة لتأسيس العلوم
في هذا العصر، ابن منظور في [لسان العرب] يعرّف السنة فيقول: تعني السيرة حسنة كانت أو قبيحة. هذا نص كلام ابن منظور.
وقديمًا كانوا دائمًا يحددون الحادّة والموضوعة والواضعة والنسبة والحكم والفصل إلى آخر ما أسماه العلماء من المبادئ العشرة، ووضعوها في نظم فقالوا: من رام فنًّا فليقدم أولًا، علمًا بحدِّه وموضوع ثِلَة، وواضع ونسبة وما استمد منه وفضله، وحكم معتمد ووزن وما أفاد والمسائل، فتلك عشر للمنى وسائل، وبعض فيها على بعض اقتصر، ومن يكن يدري جميعها انتصر.
منهج العلماء في إنشاء العلوم وتعريفها بالملكات والمسائل والقواعد
وكانوا كلما خاضوا في علم من العلوم أو أرادوا أن ينشئوا علمًا من العلوم راعوا هذه العشرة [المبادئ العشرة] حتى تتكون مسائل مبنية على طوائف تُنشئ ملكة في نفس الإنسان.
ومن هنا عرفوا العلوم بإحدى تلك المداخل الثلاث: بالملكات، أو بالمسائل، أو بالقواعد الناشئة عن إدراك تلك المسائل.
تعريف السنة عند ابن الأثير وحديث سنوا بهم سنة أهل الكتاب
يقول ابن الأثير في [النهاية في غريب الحديث]: الأصل في هذا اللفظ (السنة) يعني الطريقة والسيرة.
وفي حديث عن مجوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
قال النبي ﷺ: «سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب»
أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم.
تعريف ابن تيمية للسنة الإلهية وأمر الله بالاعتبار بسنن الأولين
يعرّفها ابن تيمية وقد أدرك طرفًا من السنن الإلهية في القرآن الكريم فيقول: والسنة هي العادة التي تتضمن أن يُفعل في الثاني مثل ما فُعل بنظيره في الأول.
ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار وقال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [يوسف: 111]
تعريف الشيخ رشيد رضا للسنن وتشبيه العرب لها بالماء المصبوب
وعند الشيخ رشيد رضا في [المنار] يقول: السنن جمع سنة، وهي الطريقة المعتقدة والسيرة المتبعة أو المثال المتبع. وقيل إنها من قولهم سنَّ الماء إذا والى صبّه.
فشبّهت العرب الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب؛ فإنه لتوالي أجزائه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد.
تعريف الأصفهاني للسنة وآيات ثبات سنن الله وعدم تبديلها
وإذا رجعنا إلى الأصفهاني في [مفردات غريب القرآن] نجده يقول: السنن جمع سنة، وسنة الوجه طريقته، وسنة الله تعالى قد تُقال بطريق حكمته وطريق طاعته، نحو:
﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23]
وفي فاطر:
﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]
فتنبّه أن فروع الشرائع وإن اختلفت صورها، فإن المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل، وهو تطهير النفس للوصول إلى ثواب الله تعالى وإلى جواره.
ورود لفظة السنة في القرآن ومعناها كقوانين ثابتة في البشر والوجود
جاءت لفظة سنة بحرفيتها دون اشتقاقاتها في القرآن سبع عشرة مرة، وهي تُستخدم في القرآن عادةً بمعنى ما بيّن الله للإنسانية من طرق واتجاهات عاشتها ومرت بها الأمم السابقة.
فكأن الله سبحانه وتعالى جعلها قوانين ثابتة في البشر والوجود كله دون أن تتغير هذه القوانين أو تتبدل.
خلاصة تعريف السنن الإلهية والعلاقة بين كتاب الله المنظور والمسطور
ونستخلص من هذا كله أن السنن هي القوانين الإلهية الحاكمة في الواقع، ومن ثم فدراسة الواقع ضرورية أيضًا لفهم السنن الإلهية. لا تعارض بينها، بل هي وجهان لعملة واحدة، وبإدراكهما تتم القراءتان لكتاب الله المنظور [الكون] مع كتاب الله المسطور [القرآن].
إن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين، وهذه معرفة ضرورية وتعد من الواجبات الدينية؛ لأنها تبصّرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة.
أثر إغفال فقه السنن الإلهية على واقع المسلمين ومشكلة الإنسان المسلم
إن إغفالها [السنن الإلهية] وعدم فقهها في ميدان الدراسات الحضارية في واقع المسلمين الحالي قد أدى إلى ضياع خطوات كثيرة بذلها مفكرون ومرجعيون إسلاميون عظام، وذهب الكثير منها سدى في ظل المشكلات المتراكمة.
والتي يظهر أنها مشكلة واحدة وهي مشكلة الإنسان المسلم صاحب المنهج، الفقيه بصنع الحضارة، الخبير بربط عناصر الكون الطبيعية بطاقاته المرتبطة بالحياة الاجتماعية التي تخدم الإنسان.
رؤية الشيخ محمد صالح عرجون لمشكلة الإنسان المسلم وفقه التحضر
نقل من كتاب الشيخ محمد صالح هرمون الذي سماه [سنن الله في المجتمع من خلال القرآن]، وكأنه يضع يده على مشكلة من مشكلات المسلمين، وهي مشكلة الإنسان المسلم الذي ينبغي أن يكون صاحب المنهج، وينبغي أن يكون فقيهًا بسنن التحضّر، خبيرًا بربط عناصر الكون الطبيعية وطاقاته المعنوية في الحياة الاجتماعية لخدمة الإنسان.
هذا الكلام قد قيل منذ أكثر من أربعين سنة.
دعوة الشيخ محمد عبده للاعتبار بسنن الله في الخلق واستشهاده بالقرآن
وهناك ما هو سابق عليه يذكره الشيخ محمد عبده فيقول: فمما جاء في الكتاب العزيز مقررًا لهذا الأصل، وهو الاعتبار بسنن الله في الخلق:
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: 77]
﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: 9]
تصريح محمد عبده بأن لله في الأمم سننًا لا تتغير وتسمى قوانين
وهكذا يقول [محمد عبده] في هذا: يصرّح الكتاب أن لله في الأمم والأكوان سننًا لا تتغير، والسنن هي الطرائق الثابتة التي تجري عليها الشؤون وعلى حسبها تكون الآثار، وهي التي تُسمى شرائع أو نواميس، ويُعبّر عنها قوم بالقوانين.
ما لنا باختلاف العبارات الذي ينادي به الكُتّاب أن نظام الجمعية البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل.
وجوب النظر في أصول النظام الإلهي لتحقيق السعادة وتجنب الشقاء
وعلى من يرجو السعادة في هذا الاجتماع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليها أعماله ويبني عليها سيرته وما يأخذ به نفسه. فإن غفل عن ذلك غافل فلا ينتظر إلا الشقاء، وإن ارتفع إلى الصالحين نسبه أو اتصل بالمقربين سببه.
فمهما بحث الناظر وفكّر وكشف وقرّر أتى لنا بأحكام تلك السنن، فهو يجري مع طبيعة الدين، وطبيعة الدين لا تتجافى عنه ولا تنكر منه. فلماذا إذن تسامحها معه؟
دفاع محمد عبده عن مشروعية جعل السنن الإلهية علمًا مستقلًا مدونًا
وفي موضع آخر يصرّح [محمد عبده] بهذا العلم الذي نشير إليه بطريقة مباشرة، بل ويدافع عن مشروعيته، فيقول في تفسير قوله تعالى:
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]
إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا توجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه.
وجوب قيام قوم من الأمة ببيان سنن الله كما فعلوا في سائر العلوم
فيجب على الأمة في مجموعها، وهذا يبين أن المسألة ليست مسألة مؤسسة ولا أفراد، إنما هي قضية أمة أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيّنها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده، كالتوحيد والأصول والفقه.
تقدم حضارة المسلمين بتوليد العلوم وتراجعها بعد القرون الأربعة الأولى
لقد كانت حضارة المسلمين متقدمة يوم أن كانوا يولّدون العلوم وينشئونها إنشاءً بخدمة النص ويجعلونه محورًا لحضارتهم. على أنه بعد القرون الأربعة الأولى سئم هذا التوليد أو نام، أو أقول إنه قد مات.
فعضد الدين الآيجي حاول أن يضع علم الوضع وكان من أهل القرن السابع الهجري، وهو وإن كان مستفيدًا من علوم العربية إلا أنه قد استقل باستقلالية عن باقي العلوم.
تأكيد محمد عبده على أهمية علم السنن والرد على من يحتج بعدم تدوين الصحابة له
ويقول محمد عبده: والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلّنا على أخذه من أحوال الأمم إذ أرانا وأمرنا أن نسير في الأرض لأجل استجلائها ومعرفة حقيقتها.
ولا يُحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها؛ فإن الصحابة لم يدوّنوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وُضعت لها الأصول والقواعد وفُرّعت منها الفروع والمسائل.
اهتداء الصحابة بالسنن الإلهية بفضل تجاربهم وذكائهم وفطنتهم
وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها. يعني أنهم بما لهم من معرفة بأحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها، وبما مُنحوا من الذكاء والفطنة وقوة الاستنباط، كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها.
وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل أنفع من العلم النظري المحض، وكذلك كانت علومهم كلها.
الحاجة إلى تدوين علم السنن الإلهية وتسميته بما يناسب
ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما، كانت محتاجة أيضًا إلى تدوين هذا العلم [علم السنن الإلهية]. ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية، سمِّه بما شئت فلا حرج في التسمية.
الفرق بين العلم المضبوط والفكر الحر ومراحل تحول الفكر إلى علم
وهذا أيضًا ضابط أراه يمكن أن نفرق به بين العلم وبين الفكر في اصطلاح خاص، وهو أن العلم ينبغي أن يكون مضبوطًا قابلًا للتكرار يمكن أن ندرسه في الجامعات ومجالس الدرس، على أن الفكر ينبغي أن يكون منطلقًا حرًّا من هذه المصطلحات والتعريفات والقواعد.
ومن هنا فنحن في مرحلة الفكر ينبغي أن يفهم بعضنا بعضًا؛ لأنه لم تولد بعض المصطلحات ولم توضع بمعانٍ محددة، بل هي فكرة يحاول المفكر أن يستوردها وأن يثبتها.
آلية تحول الفكر إلى علم مدون وضرورة تغذية العلم بالفكر المتجدد
ثم بعد ذلك تجلس الجماعة العلمية وتحاول أن تجعل لها [للفكرة] ضبطًا وأن تضع بها مصطلحًا وتسير بعد ذلك عليه، فيتحول الفكر إلى علم.
فلا بد علينا من أن نُرجع الفكرة مرة أخرى لتُغذي العلم وتُطور طرق نقله ومضمونه، كما كان في القرون الأولى، وكما هو الحال في كل الأمم التي تحترم نفسها.
مرجع كلام محمد عبده وجهود بعض الدارسين في تأليف مؤلفات عن السنن
يكمل [محمد عبده] فيقول: سمِّ بما شئت فلا حرج في التسمية. هذا الكلام نجده في الأعمال الكاملة للشيخ [محمد عبده] في المجلد الخامس في صفحة خمسة وتسعين.
قام بعض الدارسين بالكلام عن السنن وألّفوا بعض المؤلفات البسيطة التي لا تناسب مع هذا الزمن الطويل من عصر ابن تيمية إلى يومنا هذا، أو من تنبيه محمد عبده إلى يومنا هذا، أو حتى بالمحاولات [محمد الصادق عرجون] إلى يومنا هذا.
أبرز المؤلفات والرسائل العلمية في موضوع السنن الإلهية
لأننا لم نجد [إلا قليلًا]، سؤال وتساؤل الدكتور عبد الكريم زيدان وقد ألّف [السنن الإلهية]، وعمر أحمد عمر [السنن الإلهية في النفس البشرية]، والشيخ عبد الله الدريدي المغربي [أزخار هلاك الأمم وسنن الله في القوم المجرمين والمنحرفين]، والأستاذ جودت سعيد في مجموعة [حتى يغيروا ما بأنفسهم].
والأستاذ محمد هيشور من الجزائر في رسالة للماجستير لم تُنشر بعد أسماها [سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها]، والأستاذ فايد صالح الخطيف في رسالة للماجستير لم تنشر بعد [عوامل فساد الأمم كما تصورها سورة الأعراف]، بالإضافة إلى كتاب [سنن الله في المجتمع الإسلامي من خلال القرآن] للشيخ محمد الصادق عرجون رحمه الله تعالى.
تأكيد ابن تيمية على ثبات السنن الإلهية ووجوب الاعتبار بأحوال الأمم السابقة
يقول ابن تيمية أيضًا في هذا المجال: وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن السنة لا تتبدّل ولا تتحول في غير موضع، ولهذا أمر سبحانه بالاعتبار فقال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [يوسف: 111]
والاعتبار أن يُقرن الشيء بمثله، فيُعلم أن حكمه مثل حكمه، وأن من عمل مثل أعمالهم [أي الأمم السابقة] جُوزي مثل جزائهم؛ ليحذر أن يعمل مثل أعمال الكفار، وليرغب في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء.
إخبار الله أن سنته لن تُبدَّل ولن تتحول وملاطفة المحاضر للحضور
قال تعالى:
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]
والمقصود أن الله أخبر أن سنته لن تُبدَّل ولن تتحول.
لعلي لا أكون سببًا في نومكم في هذا الملتقى الكريم، إن النوم شيء سارّ [بسبب] الصيام الصيام، وحان الأوان لأنه يُمكن أن يكون في الجوارح عرض. نعم نعم، لا، والنوم أيضًا مستحق الآن؛ لأنه يُريح الجسد وهو من السنن الكونية، فليس من المعيب أن ينام الإنسان في هذه الحالة فهو مباح.
محاولة مبدئية لبناء علم السنن واستناده إلى علوم النص وعلوم الواقع
نحاول أن ننتقل إلى محاولة مبدئية لبناء علم ننقذ به الهمم بالتأمل والتدبر في القرآن واستقراء السنن.
كل علم له استمداد، ويمكن أن نجعل استناد علم السنن من علوم كثيرة تتعلق بالنص، فعلم أصول الفقه وعلم التفسير ومقدماته إلى آخره، وعلوم أيضًا تتعلق بالواقع. وهذا العلم الذي يتعلق بالواقع موجود عندنا الآن: مجموعة من العلوم الاجتماعية والإنسانية التي سجلت مسائل لوصف هذا الواقع.
مفهوم المسألة العلمية عند أهل المنطق والفرق بين الموضوع والمحمول
والمسألة عندهم [أهل العلم] هي الجملة المفيدة مكونة من مبتدأ وخبر. أهل المنطق في البلاد السورية يقولون موضوع ومحمول، وسُمي موضوعًا لأننا نضعه أمامنا ثم نحمل عليه الخبر. الشجرة مثمرة: الشجرة موضوعة ومثمرة هذه محمولة.
مسائل علم الاجتماع ومسائل علم النفس لا بأس أن ننقل موضوعاتها كلها، ولكن كيف نحمل عليها ونُخبر عنها؟
الغرب له طريقة في التفكير وطريقة منضبطة لها قواعدها ومناهجها وأساليبها وأدواتها، يستطيع أن يُخبر عن هذه الموضوعات بمحمولات فتتكون جمل مفيدة التي تكون مسائل كل علم من العلوم.
إنشاء أدوات ومناهج إسلامية لدراسة الواقع من خلال السنن القرآنية
ونحن نريد من خلال أحكامنا الشرعية، ومن خلال عقائدنا عن الإنسان والكون والحياة، ومن خلال المقاصد، وأيضًا من خلال وصف الله لكونه - ونحن نصدق أنه من عند الله هذا الوصف وأنه صادق ومطابق للواقع - نريد أن نعمل من خلال هذه السنن حتى ننشئ تلك الأدوات والمناهج حتى نتوصل بها إلى المسائل المكونة لتلك العلوم الاجتماعية.
فالأمر إذن له طرفان، ونريد أن نذكر كلًّا من الطرفين معًا؛ لأننا قد تأخرنا.
تأخر المسلمين في دراسة السنن وعظمة القرآن الذي لا تنتهي عجائبه
وأخبرتنا الدراسات أن تبدأ منذ القرن الماضي ولكننا تأخرنا إلى نهايات القرن العشرين.
القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد ولا يبلى، بل هو دائمًا جديد ودائمًا يعطي.
سنة الاتساق في القرآن مقابل فكرة الصراع في الفكر الغربي
بالتأمل المبدئي فيه [القرآن] وجدنا أنه يتحدث عن الكون وكأنه مبني على سنة الاتساق، في حين أننا من قراءاتنا عن فكر الغرب وكأنه يستنبط ويستبطن الصراع في تصوره للكون.
هذا الصراع بين الإنسان وبين الآلهة في الفكر الإغريقي والذي انتقل إلى كل تعريفات العلوم الاجتماعية والإنسانية تقريبًا. في علم الإدارة هي إدارة الصراع في المؤسسة لمصلحتها، في علم السياسة نجد كلمة الصراع، وفي علم الاجتماع نجد كلمة الصراع. وهكذا كان الصراع فكرة كلية وقانونًا يسعى إليه الكون [في نظرهم].
سنن بديلة عن الصراع في التصور الإسلامي كالتسخير والاتساق والتكامل
وهناك كثير من الأمور لا يمكن تفسيرها إلا إذا كان الأصل في هذا الكون في أذهانهم هو الصراع. في حين أننا نجد سننًا أخرى: لدينا سنة التوجيه، سنة الزوجية، لدينا سنة التكامل، سنة التكوين، والتداول سنة، والتعارض سنة، والتكوين سنة، والتسخير سنة.
الكون كله مسخّر، الكون كله يسبّح، الكون كله يسكن، الكون كله متسق، باطنه مع بعضه في طريق عبادة الله سبحانه وتعالى. فكرة أخرى غير فكرة الصراع، وفكرة أخرى غير فكرة النزاع.
الصراع في التصور الإسلامي مؤقت يؤول إلى وفاق لا إلى تكريس
نعم، هناك صراع لكنه صراع مؤقت، صراعٌ يريد أن يؤول إلى وفاق، يريد أن ننهيه لا أن نكرّسه.
تقسيم السنن الإلهية إلى كونية ونفسية واجتماعية وتاريخية
فابتداءً وبعد تأمل في كتاب الله، قلنا إن السنن الإلهية يمكن أن تُقسم إلى:
- كونية تتعلق بالكون.
- نفسية تتعلق بالنفس البشرية.
- اجتماعية تتعلق بالاجتماع البشري.
- تاريخية تتعلق بحركة الزمان.
منهج الفريق البحثي في استنباط السنن والتفريق بين النصية والمستنبطة
وجدنا ونحن نقرأ هذه السنن - فريق بحثي يحاول كل منا أن يقرأ القرآن منفردًا وأن يستنبط منه ما يمكن أن نطلق عليه بهذه القوانين الكلية - أن هناك سننًا نصية ذُكرت في القرآن بنفسها، وأن هناك سننًا مستنبطة يمكن أن نستنبطها من الكلام ذات النص.
التفريق بين السنن الكلية والجزئية والقطعية والظنية
وجدنا أن هناك سننًا كلية وأن هناك سننًا جزئية: قوانين عامة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وهناك قوانين خاصة بطوائف معينة أو بأنواع معينة أو بأحوال معينة.
هناك سنن لم نختلف جميعًا فيها وكأنها قطعية، وسنن أخرى اختلف فيها النظر وكأنها ظنية.
التفريق بين السنن الظاهرة والخفية والعامة والخاصة
رأينا أن هناك سننًا ظاهرة لكل أحد لا ينكرها مسلم ولا غير مسلم، وأن هناك سننًا خفية تحتاج إلى مزيد من التأمل وتحتاج إلى إدراك معين حتى يصل إليها.
وجدنا أن هناك سننًا عامة وأن هناك سننًا خاصة.
التفريق بين ماهية السنن وأفرادها وضرورة الانتقال من الجزئيات إلى الكليات
وحاولنا أن ندرك ماهية السنن وأن نفرق بين ماهية الشيء وبين أفراده. وكل المؤلفات التي ذكرتها على قلتها كانت تتحدث عن أفراد السنن لا عن ما هي السنن التي يمكن أن نتوصل إليها عن طريق الأفراد.
وفي التجريب وعملية التجريب هذه عملية تحتاج إلى شرح طويل، لكنه مفهوم بالكلية أننا ننتقل من الجزئيات إلى الكليات.
التفريق بين السنن وبين المقاصد والقواعد والقيم والمبادئ العامة
أيضًا فرّقنا فروقًا واضحة بين أمور قد تشتبه على بعض الناس أنها من السنن:
- •مثل المقاصد العامة.
- •مثل القواعد التفصيلية.
- •مثل القيم كالعدل مثلًا والإحسان والجمال؛ هذه قيم وليست سننًا.
- •مثل المبادئ العامة.
عندما يُقرر القرآن أن المسؤولية فردية وأن:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
أو العلم بالمؤاخذة:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
أو السعي:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]
أو الأثر الرجعي للقوانين [إلا ما قد سلف]، وهي قواعد كلها يستفيد منها أهل العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولكنها ليست من السنن، بل يمكن أن نطلق عليها المبادئ العامة.
الفرق بين السنن الإلهية والحقائق الإيمانية وتحديد المراد بالسنن
والفرق بين السنة والوعد والوعيد أو الحقائق الإيمانية:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
هذه ليست من السنن بل هي من الحقائق الإيمانية.
وبذلك استطعنا أن نحدد ما المراد بالسنن: تلك القوانين التي ستجري علينا جميعًا مؤمنين أو غير مؤمنين.
الاعتراف بأن تعريف السنن لم يكتمل بعد والحاجة إلى مناقشات أوسع
لم نعرف في السنن بعد تعريفًا جامعًا مانعًا سوى ما ذكرناه بأن المسألة في بدايتها وتحتاج إلى أذهان كثيرة تناقش وتُدلي وتتفاعل معًا.
أمثلة على السنن النفسية: سنة النكران وطبيعة الإنسان في الجحود
فلو صرنا في نوع أمثلة للتقسيم الأول الذي قسمناه إلى سنن نفسية واجتماعية وتاريخية وكونية، فنقول إننا قد وجدنا مثل سنة أطلقنا عليها سنة النكران:
﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6]
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ [يونس: 12]
وهكذا في مجموعة آيات كثيرة:
﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: 83]
إلى آخر هذه الآيات التي تبين طبيعة الإنسان كإنسان أن فيه صفة اسمها النكران.
كيفية توظيف سنة النكران في فهم الواقع ومعالجة النفس البشرية
نريد أن نتخذها [سنة النكران] حيثما نتأمل في الواقع ونحاول أن نجني تأملنا في الواقع من خلال هذا القرآن، في معالجتنا للنفس البشرية، وفي محاولتنا للتربية، وفي محاولتنا لإقرار المفاهيم الاجتماعية، وكيف نتغلب على هذه السنن السلبية.
لأننا وجدنا أيضًا سننًا سلبية وسننًا محايدة وسننًا إيجابية، لكنها سنة باعتبار أنها موجودة في الخلق وفي جميع الناس.
سنة الاستزادة وسنة القنوط وسنة الهلع في النفس البشرية
وجدنا سنة أخرى أسميناها الاستزادة، ولا بأس من أن نسميها أي شيء، لكن هناك مفهوم معين أسميناه الاستزادة:
﴿لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الفرقان: 27-28]
سنة القنوط:
﴿وَإِذَا أَذَاقَ اللَّهُ النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الروم: 36]
﴿وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49]
سنة الهلع:
﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21]
سنة الفزع إلى الله عند الشدائد وسنة التعجل في طبيعة الإنسان
﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [الأنعام: 40]
إلى آخر الآية.
﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: 8]
سنة أسميناها سنة التعجل:
﴿خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُورِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: 37]
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: 20]
﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]
وهكذا.
سنة الاستغناء والطغيان وعلاقة الترف بفساد الأمم وهلاكها
سنة الاستغناء كما جاء الطغيان:
﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ * أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ [العلق: 6-7]
﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الشورى: 27]
﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16]
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ كَـٰفِرُونَ﴾ [سبأ: 34]
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 45-46]
سنة القابلية للخير والشر في النفس البشرية وإمكانية بناء منظومة علمية
سنة القابلية:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ [الشمس: 7-8]
﴿إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]
فهو قابل للأمرين، طبيعته التي خلقه الله بها كذلك.
من الممكن أن تكون هذه ضوابط يُصنع منها منظومة يمكن بها أن تكون منطلقًا لعلم يتأمل السنن في القرآن ويتعامل معه ليستنبط وقائع، أو ليستنبط خلق الله سبحانه وتعالى ويُسقط هذا الخلق على الواقع بغية الوصول إلى تغيير هذا الواقع إلى الأحسن دائمًا بما يتوافق ويتلاءم مع سنن الله في كونه.
أمثلة على سنن كونية واجتماعية: التيسير والمقابلة والإخفاء
سنة التيسير، سنة المقابلة:
﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]
سنة الإخفاء:
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُٓ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: 31]
هل هذه سنة أو ليست بسنة؟ محل للفكر والنظر بل والخلاف.
وهكذا نريد أن ننشئ شيئًا نعود به إلى تدبر القرآن وإلى تدبر السنة أيضًا؛ لأن هذا موجود في القرآن فقط ولا يكتمل إلا بالمصدر الثاني من مصادر التشريع [السنة النبوية]، لكنه كان لا بد علينا أن نبدأ فبدأنا بقطعي الثبوت الذي وصل إلينا دون تحريف والحمد لله رب العالمين.
سنة الزيادة في القرآن بين السلبية والإيجابية والمحايدة
سنة الزيادة: القرآن يتحدث عن سنة الزيادة وهذه الزيادة قد تكون سلبية وقد تكون إيجابية وقد تكون محايدة:
﴿يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ [فاطر: 1]
﴿فَهُوَ يَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأعراف: 182-183]
وهكذا:
﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ﴾ [يونس: 9]
هناك زيادة في الخير وزيادة في الشر، وهناك زيادة مطلقة:
﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]
أمثلة على السنن الاجتماعية: التعارف والتكامل وارتباط المبدأ بالقوة
أمثلة للسنن الاجتماعية:
التعارف:
﴿وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا﴾ [الحجرات: 13]
التكامل:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ [الحجرات: 13]
ارتباط المبدأ بالقوة:
﴿خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145]
نعم هنا في تكليف، ولكن فيها سنة مقررة أن ذلك التكليف إنما نشأ من مجال معين.
ضوابط استنباط السنن الإلهية من القرآن الكريم
سأحاول أن أترك هذا لأن الوقت قد انتهى، ولكن أظن أنني قد ألقيت ما أردت أن أتحدث حوله، وسأترك هذه المحاضرة للدكتور فتحي لعله أن يطلع عليها وأن يستفيد منها كانت بها فائدة.
بعد ذلك حاولنا، وأيضًا هذه المحاولة ما زالت في بداياتها، وضع ضوابط لاستنباط السنة وكيفية استخراجها. فمثلًا على سبيل المثال أن الإخبار بلفظ السنة وليس بمشتقاتها صراحةً يجعلنا نلتفت إلى أن في هذه الآيات سنة:
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: 77]
ضوابط إضافية لاستنباط السنن من ورود أفعال الله مع أوصاف معينة
وورود فعل الله مع تعلقه بوصف معين:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُٓ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21]
فعل من أفعال الله تعلق بوصف فجاء بـسنة التقدير.
﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19]
فعل من أفعال الله فهي سنة التوازن.
ورود فعل الله مع تعليل:
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنعام: 165]
سنة التفاوت.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 13]
سنة التعارف.
ضوابط استنباط سنن الدفاع والاستخلاف والتمكين والسببية والتغيير
ورود فعل الله تعالى في سياق جملة الشرط وترتب الجزاء على الفعل أو امتناعه بسبب فعل:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]
سنة الدفاع.
ورد فعل الله تعالى في سياق الحديث عن الأمم السابقة في معرض تقويمهم أو الاعتبار بهم:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6]
سنة الاستخلاف والتمكين إلى آخره.
﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]
لتحقيق نتيجة معينة أو تعليق حكم الله على سبب أو شرط:
﴿وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ أَهْلَكْنَـٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: 59]
السنة السببية:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
سنة التغيير.
الضوابط الستة للسنن وخصوصية السنن النفسية في ورودها كأوصاف وحقائق
هذه الضوابط الستة وجدناها في السنن الكونية والاجتماعية والتاريخية. أما السنن النفسية فغالبًا ما تأتي على هيئة حقيقة أو وصف مرتبطة بموصوفها:
﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]
﴿خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37]
﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: 19]
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9]
إلى آخر هذه الآيات البينات التي تدل على سنن نفسية، برابط آخر غير تلك التي تدل على كونية أو اجتماعية أو تاريخية.
خاتمة المحاضرة ودعوة الأساتذة لتبني علم السنن في الجامعات والمؤلفات
هذه الضوابط ترجمناها بها من الجمع بين النصوص ومن الفهم النيّر ومن استخدام النصوص القرآنية ومن أيضًا تدبر الواقع في كثير من الأحوال.
هذا وقد انتهى الوقت بمجمل ما أردت أن أذكره لحضراتكم، عسى أن يجد اهتمامًا ويدفع الأساتذة لتبني هذا الموضوع في الجامعات في رسائل الماجستير والدكتوراه وفي مؤلفاتهم وأفكارهم.
يعودون مرة أخرى إلى القرآن يتدبرون، لا باستخراج السنن فقط، بل لبيان كيف نستفيد من السنن أيضًا، وكيف نفعّلها، وكيف ننشئ منها منظومة، وكيف نولّد من تلك المنظومة مناهج للعلوم، وكيف تصبح تلك المنظومة هي الإطار المرجعي لمسائل العلوم الاجتماعية والإنسانية.
وفقنا الله وإياكم، وبارك الله فيكم.
