محاضرة السنن الإلهية في القرآن الكريم | أ.د. #علي_جمعة

محاضرة السنن الإلهية في القرآن الكريم | أ.د. #علي_جمعة - ندوات ومحاضرات
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه . وكل عام وأنتم بخير، وجمعنا الله سبحانه وتعالى وإياكم في الدنيا والآخرة على الخير. وفي هذا اللقاء الكريم وتحت هذا العنوان في سنن إلهية في القرآن الكريم، وهو موضوع قد نبه عليه كثير من العلماء. قديماً وحديثاً، ولكنه لم يحظَ باستقلالٍ في البحث حتى يصير علماً كما صيَّر المسلمون معلوماتٍ كثيرةً علوماً.
ونحن في أحوج وأمس الحاجة في عصرنا هذا، وقد تضافرت فيه الأحداث وكثرت، وأصبح نمط الحياة أسرع وأكثر تعقيداً. نحن في حاجة إلى أن يستقل علمٌ من العلوم بدراسة. جانب من القرآن الكريم يكون عوناً للمسلمين على أن تنطلق رؤاهم الكلية من كتاب ربهم ومن عقيدتهم فى الكون والانسان والحياة . وسنستعرض معا قضية السنن لا لاستيفائها بل لاثارة الفكر حولها ولاحداث مناقشات تصل فى النهاية الى ما فيه صالح للمسلمين
رؤاهم الكلية من كتاب ربهم في هذا العصر. ابن منظور في لسان العرب يعرّف السنة فيقول: تعني السيرة حسنة كانت أو قبيحة. هذا نص كلام ابن منظور، وقديماً كانوا دائماً يحددون الحادة والموضوعة والواضعة والنسبة والحكم والفصل إلى آخر
ما... أسماه العلماء من المبادئ العشرة ووضعوها في نظم فقالوا: "من رام فناً فليقدم أولاً علماً بحدِّه وموضوع ثلة وواضع ونسبة وما استمد منه وفضله وحكم معتمد ووزن وما أفاد والمسائل، فتلك عشر للمنى وسائل، وبعض فيها على بعض اقتصر، ومن يكن يدري جميعها انتصر"، وكانوا كلما خاضوا في علم من... العلوم أو أرادوا أن ينشئوا علماً من العلوم راعوا هذه العشرة حتى تتكون مسائل مبنية على طوائف تنشئ ملكة في نفس الإنسان، ومن هنا عرفوا العلوم بإحدى تلك المداخل الثلاث: بالملكات،
أو بالمسائل، أو بالقواعد الناشئة عن إدراك تلك المسائل. يقول ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: الأصل في هذا اللفظ (السنة) يعني الطريقة والسيرة، وفي حديث عن مجوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم. يعرفها ابن تيمية وقد أدرك طرفاً من السنن الإلهية في القرآن الكريم فيقول: "والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل". في الثاني
مثل ما فعل بنظيره في الأول، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار وقال: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب". وعند الشيخ رشيد رضا في المنار يقول: "السنن جمع سنة، وهي الطريقة المعتقدة والسيرة المتبعة أو المثال المتبع، وقيل إنها من قولهم سنَّ الماء إذا والى صبه، فشبهت العرب الطريقة". المستقيمة بالماء المصبوب فإنه لتواني أجزائه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد، وإذا رجعنا إلى الأصفهاني في مفردات غريب
القرآن نجده يقول: السنن جمع سنة، وسنة الوجه طريقته، وسنة الله تعالى قد تقال بطريق حكمته وطريق طاعته نحو "سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة". الله تبديلاً، وفي فاطر: "ولن تجد لسنة الله تحويلاً". فتنبه أن فروع الشرائع وإن اختلفت صورها، فإن المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل، وهو تطهير النفس للوصول إلى ثواب الله تعالى وإلى جواره. جاءت لفظة "سنة" بحرفيتها دون اشتقاقاتها في القرآن سبع عشرة
مرة، وهي تُستخدم في القرآن عادةً. بمعنى ما بيّن الله للإنسانية من طرق واتجاهات عاشتها ومرت بها الأمم السابقة، فكأن الله سبحانه وتعالى جعلها قوانين ثابتة في البشر والوجود كله دون أن تتغير هذه القوانين أو تتبدل. ونستخلص من هذا كله أن السنن هي القوانين الإلهية الحاكمة في الواقع، ومن ثم فدراسة الواقع ضرورية أيضاً لفهم السنن الإلهية لا تعارض بينها، بل هي وجهان لعملة واحدة، وبإدراكهما تتم القراءتان لكتاب الله المنظور مع كتاب الله المسطور.
إن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين، وهذه معرفة ضرورية وتعد من الواجبات الدينية لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة. إن إغفالها وعدم فقهها في ميدان الدراسات الحضارية... في واقع المسلمين الحالي قد أدى إلى ضياع خطوات كثيرة بذلها مفكرون ومرجعيون إسلاميون عظام، وذهب الكثير منها سدى في ظل المشكلات المتراكمة، والتي يظهر أنها مشكلة واحدة وهي مشكلة الإنسان المسلم صاحب المنهج الفقيه بصنع الحضارة، الخبير بربط عناصر الكون الطبيعية بطاقاته المرتبطة بالحياة الاجتماعية
التي تخدم الإنسان. نقل من كتاب الشيخ محمد صالح هرمون الذي سماه "سنن الله في المجتمع من خلال القرآن"، وكأنه يضع يده على مشكلة من مشكلات المسلمين، وهي مشكلة الإنسان المسلم الذي ينبغي أن يكون صاحب المنهج، وينبغي أن يكون فقيهاً بسنن التحضر , خبيراً بربط عناصر الكون الطبيعية وطاقاته المعنوية في الحياة الاجتماعية لخدمة. الإنسان هذا الكلام قد قيل منذ أكثر من أربعين سنة، وهناك ما هو سابق عليه يذكره الشيخ محمد عبده
فيقول: "فمما جاء في الكتاب العزيز مقرراً لهذا الأصل، وهو الاعتبار بسنن الله في الخلق: ﴿قد خلت من قبلكم سنن ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا﴾". قبلك من رسلنا ولا تجد بسنتنا تحويلاً، فهل ينظرون إلا سنة الأولين؟ فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً. أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ وهكذا يقول في هذا يصرح الكتاب أن لله في الأمم والأكوان سنناً لا تتغير، والسنن هي الطرائق. الثالثة التي تجري عليها الشؤون وعلى حسبها
تكون الآثار، وهي التي تُسمى شرائع أون ومين، ويُعبر عنها قوم بالقوانين. ما لنا باختلاف العبارات الذي ينادي به الكُتّاب أن نظام الجمعية البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل، وعلى من يرجو السعادة في هذا الاجتماع أن ينظر. في أصول هذا النظام حتى يرد إليها أعماله ويبني عليها سيرته وما يأخذ به نفسه، فإن غفل عن ذلك غافل فلا ينتظر إلا الشقاء، وإن ارتفع إلى الصالحين نسبه أو اتصل بالمقربين سببه. فمهما بحث الناظر وفكر وكشف وقرر أتى لنا بأحكام تلك السنن فهو يجري مع طبيعة الدين وطبيعة. الدين لا
تتجافى عنه ولا تنكر منه، فلماذا إذن تسامحها معه؟ وفي موضع آخر يصرح بهذا العلم الذي نشير إليه بطريقة مباشرة، بل ويدافع عن مشروعيته، فيقول في تفسير قوله تعالى: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" في آل عمران، إن إرشاد الله إيانا. إلى أن له في خُلطته سننًا توجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها، وهذا يبين أن المسألة ليست مسألة مؤسسة ولا أفراد، إنما هي قضية أمة أن يكون فيها قوم يبينون
لها سنن الله. في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيانها العلماء بالتفصيل عملاً بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه . لقد كانت حضارة المسلمين متقدمة يوم أن كانوا يولدون العلوم وينشئونها إنشاءً بخدمة النص ويجعلونه محوراً لحضارتهم. على أنه بعد القرون الأربعة الأولى سئم هذا التوليد. أو نام أو أقول إنه قد مات، فعضد الدين الآيجي حاول أن يضع علمً الوضع وكان من أهل القرن السابع الهجري، وهو وإن كان مستفيدًا من علوم العربية إلا أنه قد استقل باستقلالية
عن باقي العلوم. ويقول محمد عبده: والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه. في مواضع كثيرة وقد دلنا على أخذه من أحوال الأمم إذ أرانا وأمرنا أن نسير في الأرض لأجل استجلائها ومعرفة حقيقتها، ولا يُحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها، فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وُضعت لها الأصول والقواعد وفُرّعت منها الفروع والمسائل، وإنني لا أشك. في كوْن الصحابة كانوا مهتدين بهذه السُّنن وعالمين بمراد الله من ذكرها يعني أنهم بما لهم من معرفة بأحوال القبائل العربية و الشعوب
القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها، وبما مُنِحوا من الذكاء والفطنة وقوة الاستنباط، كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم. للأمم التي استولوا عليها وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل أنفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها. ولما اختلفت حالة العصر اختلافاً احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما، كانت محتاجة أيضاً إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم. الاستماع أو علم السياسة الدينية سمِّه بما شئت فلا حرج في التسمية، وهذا أيضاً ضابط
أراه يمكن أن نفرق به بين العلم وبين الفكر في اصطلاح خاص، وهو أن العلم ينبغي أن يكون مضبوطاً قابلاً للتكرار يمكن أن ندرسه في الجامعات ومجالس الدرس، على أن الفكر ينبغي أن يكون منطلقاً. حراً من هذه المصطلحات والتعريفات والقواعد، ومن هنا فنحن في مرحلة الفكر ينبغي أن يفهم بعضنا بعضاً لأنه لم تولد بعض المصطلحات ولم توضع بمعانٍ محددة، بل هي فكرة يحاول المفكر أن يستوردها وأن يثبتها، ثم بعد ذلك تجلس الجماعة العلمية وتحاول أن تجعل لها ضبطاً وأن تضع. بها مصطلحًا وتسير بعد ذلك عليه فيتحول
الفكر إلى علم، فلا بد علينا من أن نُرجِع الفكرة مرة أخرى لتُغذي العلم وتُطور طرق نقله ومضمونه كما كان في القرون الأولى، وكما هو الحال في كل الأمم التي تحترم نفسها. يكمل فيقول: سم بما شئت فلا حرج في التسمية هذا الكلام. نجده في الأعمال الكاملة للشيخ التمام في المجلد الخامس
في صفحة خمسة وتسعين قام بعض الدارسين بالكلام عن السنن , و ألفوا بعض المؤلفات البسيطة التى لا تناسب مع هذا الزمن الطويل من عصر ابن تيمية إلى يومنا هذا، أو من تنبيه محمد عبدون إلى يومنا هذا، أو حتى بالمحاولات محمد الصادق عبده إلى يومنا هذا، لأننا لم نجد سؤال وتساؤل الدكتور عبد الكريم زيدان. وقد ألَّف السنن الإلهية وعُمَر أحمد عمر "السنن الإلهية في النفس البشرية" والشيخ عبد الله التريدي المغربي "أزخار هلاك الأمم وسنن الله في القوم المجرمين والمنحرفين" والأستاذ جودت سعيد في مجموعة "حتى يغيروا ما بأنفسهم" والأستاذ
محمد هيشور من الجزائر في رسالة للماجستير لم تُنشر بعد أسماها "سنن القرآن في" قيام الحضارات وسقوطها، والأستاذ فايد صالح الخطيف في رسالة للماجستير لم تنشر بعد، عوامل فساد الأمم كما تصورها سورة الأعراف، بالإضافة إلى كتاب سنن الله في المجتمع الإسلامي من خلال القرآن للشيخ محمد الصادق عرجون رحمه الله تعالى. يقول ابن تيمية أيضاً في هذا المجال: وقد بين الله سبحانه وتعالى أن السنة... لا تتبذل ولا تتحول في غير موضع، ولهذا أمر سبحانه بالاعتبار فقال: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب". والاعتبار أن يكرم الشيء بمثله، فيعلم أن حكمه
مثل حكمه، وأن من عمل مثل أعمالهم أي الأمم السابقة جوزي مثل جزائهم، ليحذر أن يعمل مثل أعمال الكفار، وليرغب في أن... يعملُ مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء. قال تعالى: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". والمقصود أن الله أخبر أن سنته لن تُبدَّل ولن تتحول. لعلي لا أكون سبباً في نومكم في هذا الملتقي الكريم، إن النوم شيء سار. الصيام الصيام، وحان الأوان لأنه... يُمكن أن يكون في الجوارح عرض، نعم
نعم، لا، والنوم أيضاً مستحقاً الآن لأنه يُريح الجسد وهو من السنن الكونية فليس من المعيب أن ينام الإنسان في هذه الحالة. فهو مباح. نحاول أن ننتقل إلى محاولة مبدئية لبناء علم ننقذ به الهمم بالتأمل والتدبر في القرآن واستقراء السُنَن كل علم له استنبات ويمكن أن نجعل استناد علم السنن من علوم كثيرة تتعلق بالنص، فعلم أصول الفقه وعلم التفسير ومقدماته إلى
آخره، وعلوم أيضاً تتعلق بالواقع. وهذا العلم الذي يتعلق بالواقع موجود عندنا الأن مجموعة من العلوم الاجتماعية والإنسانية التي سجلت مسائل لوصف هذا الواقع، والمسألة عندهم هي الجملة المفيدة مكونة من مبتدأ وخبر. أهل المنطق في البلاد السورية يقولون موضوع ومحمول، وسُمي موضوعاً لأننا نضعه أمامنا ثم نحمل عليه الخبر. "الشجرة مثمرة"، الشجرة موضوعة ومثمرة هذه محمولة. مسائل علم الاجتماع ومسائل علم النفس لا بأس أن ننقل موضوعاتها كلها، ولكن
كيف نحمل عليها ونخبر عنها؟ الغرب له طريقة في التفكير. وطريقة منضبطة لها قواعدها ومناهجها وأساليبها وأدواتها، يستطيع أن يُخبر عن هذه الموضوعات بمحمولات فتتكون جمل مفيدة التي تكون مسائل كل علم من العلوم. ونحن نريد من خلال أحكامنا الشرعية، ومن خلال عقائدنا عن الإنسان والكون والحياة، ومن خلال المقاصد، وأيضاً من خلال وصف الله لكونه، ونحن نصدق أنه من عند الله هذا الوصف وأنه صادق ومطابق للواقع، نريد أن نعمل من خلال هذه السنن حتى ننشئ تلك الأدوات، والمناهج حتى نتوصل بها الى المسائل المكونة لتلك العلوم الاجتماعية .فالامر اذا له طرفان ونريد ان نذكر كل من الطريفين معا لاننا قد تاخرنا وأخبرتنا
الدراسات أن تبدأ منذ القرن الماضي ولكننا تأخرنا إلى نهايات القرن العشرين. القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد ولا يبلى، بل هو دائماً جديد ودائماً يعطي. بالتأمل المبدئي فيه وجدنا أنه يتحدث عن الكون وكأنه مبني على سنة الاتساق، في حين أننا من
قراءاتنا عن فكر الغرب وكأنه يستنبط ويستبطن الصراع في تصوره للكون. هذا الصراع بين الإنسان وبين الآلهة في الفكر الإغريقي والذي انتقل إلى كل تعريفات العلوم الاجتماعية والإنسانية تقريباً في عين الإدارة هي. إدارة الصراع في المؤسسة لمصلحتها في علم السياسة نجد كلمة الصراع، وفي علم الاجتماع نجد كلمة الصراع، وهكذا كان الصراع فكرة كلية وقانونًا يسعى إليه الكون، وهناك كثير من الأمور لا يمكن تفسيرها إلا إذا كان الأصل في هذا الكون في أذهانهم هو الصراع، في حين أننا نجد سننًا
أخرى. لدينا سنن أخرى سنه التوجية, سنه الزوجية لدينا سنه التكامل سنة التكوين , والتداول سنة، والتعارض سنة، والتكوين سنة، والتسخير سنة. الكون كله مسخّر، الكون كله يسبح، الكون كله يسكن، الكون كله متسق، باطنه مع بعضه في طريق عبادة الله سبحانه وتعالى. فكرة أخرى غير فكرة الصراع، وفكرة أخرى غير فكرة النزاع. نعم، هناك صراع لكنه صراع مؤثر. صراعٌ يريد أن يؤول إلى وفاق . يريد أن ننهيه لا أن نكرّسه. فابتداءً وبعد تأمل في كتاب الله، قلنا إن السنن الإلهية يمكن أن تُقسم
إلى كونية تتعلق بالكون , و الى نفسية تتعلق بالنفس البشرية، وإلى اجتماعية تتعلق بالاجتماع البشري، وإلى تاريخية تتعلق بحركة الزمان. وجدنا ونحن نقرأ هذه السنن فريق بحثي يحاول كل منا. أن يقرأ القرآن منفرداً وأن يستنبط منه ما يمكن أن نطلق عليه بهذه القوانين كلية، أن هناك سنناً نصية ذُكرت في القرآن بنفسها، وأن هناك سنناً مستنبطة يمكن أن نستنبطها من الكلام ذات النص. وجدنا أن هناك سنناً
كلية وأن هناك سنناً جزئية، قوانين عامة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان. الأحوال والأشخاص، وهناك قوانين خاصة بطوائف معينة أو بأنواع معينة أو بأحوال معينة. هناك سنن لم نختلف جميعاً فيها وكأنها قطعية، وسنن أخرى اختلف فيها النظر وكأنها ظنية. رأينا أن هناك سنناً ظاهرة لكل أحد لا ينكرها مسلم ولا غير مسلم، وأن هناك سنناً خفية تحتاج إلى مزيد من التأمل وتحتاج إلى... إدراك معين حتى يصل إليها، وجدنا أن هناك سنناً
عامة وأن هناك سنناً خاصة، وحاولنا أن ندرك ماهية السنن وأن نفرق بين ماهية الشيء وبين أفراده. وكل المؤلفات التي ذكرتها على قلتها كانت تتحدث عن أفراد السنن. لا عن ما هي السنن التي يمكن أن نتوصل إليها عن طريق الأفراد في... التجريب وعملية التجنيب هذه عملية تحتاج إلى شرح طويل لكنه مفهوم بالكلية أننا ننتقل من الجزئيات إلى الكليات. أيضاً فرقنا فروقاً واضحة بين أمور
قد تشتبه على بعض الناس أنها من السنن مثل المقاصد العامة، مثل القواعد التفصيلية، مثل القيم كالعدل مثلاً، والإحسان، والجمال. هذه قيم وليست سنناً مثل المبادئ العامة , عندما يُقرر القرآن أن المسؤولية فردية وأن "لا تزر وازرة وزر أخرى"، أو العلم بالمؤاخذة "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً"، أو السعي وأن "ليس للإنسان إلا ما سعى"، أو الأثر الرجعي للقوانين "إلا ما قد سلف"، وهي قواعد كلها يستفيد منها
أهل العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولكنها ليست من السنن. بل يمكن أن نطلق عليها المبادئ العامة والفرق بين السنة والوعد والوعيد أو الحقائق الإيمانية إن الله على كل شيء قدير وقال ربكم ادعوني أستجب لكم هذه ليست من السنن بل هي من الحقائق الإيمانية وبذلك استطعنا أن نحدد ما المراد بالسنن تلك القوانين التي ستجري علينا جميعاً مؤمنين أو غير مؤمنين، لم نعرف في السنن بعد تعريفاً جامعاً مانعاً سوى ما ذكرناه بأن المسألة في بدايتها وتحتاج إلى أذهان كثيرة
تناقش وتدلي وتتفاعل معاً. فلو صرنا في نوع أمثلة للتقسيم الأول الذي قسمناه إلى سنن نفسية واجتماعية وتاريخية وكونية، فنقول إننا قد وجدنا مثل سنة أطلقنا عليها سنة النكران . إن الإنسان لربه لكنود فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر. المثل وهكذا في مجموعة آيات كثيرة: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه" إلى آخر هذه الآيات التي تبين طبيعة الإنسان كإنسان أن فيه صفة اسمها النكران، نريد أن نتخذها
حيثما نتأمل في الواقع ونحاول. أن نجني تأملنا في الواقع من خلال هذا القرآن في معالجتنا للنفس البشرية، وفي محاولتنا للتربية، وفي محاولتنا لإقرار المفاهيم الاجتماعية، وكيف نتغلب على هذه السنن السلبية، لأننا وجدنا أيضاً سنناً سلبية وسنناً محايدة وسنناً إيجابية، لكنها سنة باعتبار أنها موجودة في الخلق وفي جميع الناس. وجدنا سنة أخرى أسميناها... الاستزادة، ولا بأس من أن نسميها أي شيء، لكن هناك مفهوم معين أسميناه الاستزادة. لا يسأم الإنسان من دعاء الخير، ولولا
ما عضَّ الظالم على يديه يقول: "يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا . سنة القنوط وإذا أذاق الله الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصبهم... مصيبة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون وإن مسه الشر فيئوس قنوط. سنة أسميناها سنة الهلع. إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً و إذا مسه الخير منوعا . قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين إلى آخر الآية. وإذا
مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه. ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل . سنه أسمينها سنه التعجل خُلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون كلا بل تحبون العاجلة وكان الإنسان عجولاً وهكذا سنة الاستغناء كما جاء الطغيان "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى". ولو بسط الله رزق العباد لبغوا في الأرض. وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون.
إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم. سنة القابلية ونفس ما سوها فألهمها فجورها وتقواها. إنا هديناه. السبيل إما شاكراً وإما كفوراً، فهو قابل للأمرين، طبيعته التي خلقه الله بها كذلك. من الممكن أن تكون هذه ضوابط يُصنع منها منظومة يمكن بها أن تكون منطلقاً لعلم يتأمل السنن في القرآن ويتعامل معه ليستنبط وقائع، أو ليستنبط خلق الله سبحانه وتعالى ويُسقط هذا الخلق على الواقع بغية
الوصول. إلى تغيير هذا الواقع إلى الأحسن دائمًا بما يتوافق ويتلاءم مع سنن الله في كونه: سنة التيسير، سنة المقابلة "فبدَّل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا يكسبون"، سنة الإخفاء "فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن". هل هذه سنة أو ليست بسنة؟ محل للفكر والنظر بل والخلاف، وهكذا نريد أن ننشئ شيئاً نعود به إلى تدبر القرآن وإلى تدبر السنة أيضا لأن هذا موجود في القرآن فقط ولا يكتمل إلا بالمصدر الثاني من مصادر التشريع، لكنه كان
لا بد علينا أن نبدأ فبدأنا بقطعي الثبوت الذي وصل إلينا دون تحريف والحمد لله رب العالمين سنة الزيادة القرآن يتحدث عن سنة الزيادة وهذه الزيادة قد تكون سلبية وقد تكون إيجابية وقد تكون محايدة. يزيد في الخلق ما يشاء. فهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأُملي لهم إن كيدي متين، وهكذا يهديهم ربهم بإيمانهم. هناك زيادة في الخير والزيادة في الشر وهناك زيادة مطلقة والسماء بنيناها بأيد وانا لموسعون أمثلة للسنن الاجتماعية والتعارف, وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، التكامل. يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، ارتباط المبدأ بالقوة، خذوا ما آتيناكم بقوة، فخذها بقوة وأمر.
قومك يأخذوها بأحسنها. نعم هنا في تكليف، ولكن فيها سنة مقررة أن ذلك التكليف إنما نشأ من مجال معين. سأحاول أن أترك هذا لأن الوقت قد انتهى، ولكن أظن أنني قد ألقيت ما أردت أن أتحدث حوله، وسأترك هذه المحاضرة للدكتور فتحي لعله أن يطلع عليها وأن يستفيد منها. كانت بها فائدة بعد ذلك. حاولنا، وأيضاً هذه المحاولة ما زالت في بداياتها، وضع ضوابط لاستنباط السنة وكيفية استخراجها. فمثلاً
على سبيل المثال أن الإخبار بلفظ السنة وليس بمشتقاتها صراحةً يجعلنا نلتفت إلى أن في هذه الآيات سنة: "سنة من أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً" وورود فعل... الله مع تعلقه بوصف معين وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله فعلاً من أفعال الله إلا بقدر معلوم تعلق بوصف فجاء بسنة التقدير وأنبتنا فعل من أفعال الله فيها من كل شيء موزون فهي سنة التوازن ورود فعل الله مع تعليم ورفع ضعفكم فوق بعض الدرجات ليبلغكم فيما أتاكم سنة التفاوت يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتتعارفوا. سنة
التعارف ورود فعل الله تعالى في السياق جملة الشر وترتب الجزاء على الفعل أو امتناعه بسبب فعل، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض. سنة الدفاع ورد فعل الله تعالى في سياق الحديث. عن الأمم السابقة في معرض تقويمهم أو الاعتبار بهم ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون سنة الاستخلاف والتمكين إلى آخره فتلك الأيام نداولها بين الناس لتحقيق نتيجة معينة أو تعليق حكم الله على سبب أو شرط، وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا. السنة السببية: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. سنة التغيير، هذه
الضوابط الستة وجدناها في السنن الكونية والاجتماعية والتاريخية. أما السنن النفسية فغالباً ما تأتي على هيئة حقيقة أو وصف مرتبطة بموصوفها، وكان الإنسان عجولاً وخُلق الإنسان. من عَجِلَ إلى آخره، إن الإنسان خُلِقَ هلوعاً، وإنه لحب الخير لشديد، وتحبون المال حباً جماً، ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور. إلى آخر هذه الآيات البينات التي تدل على سنن نفسية، برابط أخر غير تلك التي تدل على كونية أو اجتماعية أو تاريخية . هذه الضوابط ترجمناها. بها من الجمع بين النصوص
ومن الفهم النيّر ومن استخدام النصوص القرآنية ومن أيضاً تدبر الواقع في كثير من الأحوال. هذا وقد انتهى الوقت بمجمل ما أردت أن أذكره لحضراتكم، عسى أن يجد اهتماماً ويدفع الأساتذة لتبني هذا الموضوع في الجامعات في رسائل الماجستير والدكتوراه وفي مؤلفاتهم. وأفكرهم يعودون مرة أخرى إلى القرآن يتدبرون، لا باستخراج السنن فقط، بل لبيان كيف نستفيد من السنن أيضاً، وكيف نفعلها، وكيف ننشئ منها منظومة، وكيف نولد من تلك
المنظومة مناهج للعلوم، وكيف تصبح تلك المنظومة هي الإطار المرجعي لمسائل العلوم الاجتماعية والإنسانية. وفقنا الله وإياكم، وبارك الله فيكم حسناً.