محاضرة بعنوان " التجربة المصرية" | أ.د علي جمعة
- •استعرض المتحدث قصة القانون المصري، حيث بدأت عندما أراد الخديوي إسماعيل الاستقلال عن الدولة العثمانية ورفض المجلة العدلية الحنفية التي أصدرها السلطان.
- •تم تشكيل لجنة من علماء المذاهب الأربعة لتشريع مصري، ولكن اختلافاتهم أدت إلى تكليف محمد مجدي باشا بترجمة القانون الفرنسي ومقارنته بالفقه المالكي بواسطة الشيخ مخلوف المنياوي.
- •قام محمد قدري باشا بإعداد كتب قانونية مبنية على الفقه الحنفي، وكتب مقارنات بين القانون الفرنسي والفقه الإسلامي.
- •عند إصدار القانون المدني المصري نص على أن أي حق مقرر في الشريعة الإسلامية لا يُنقض بموجب هذا القانون.
- •أوضح أن القوانين المصرية لم تخرج عن الشريعة الإسلامية، وأن إيقاف الحدود كان للشبهة وليس إنكاراً لها.
- •يرى أن التجربة المصرية قامت على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة دون التخلي عن الهوية الإسلامية.
- •شدد على أن المشكلة تكمن في القراءة المتحيزة للتاريخ وليس في مخالفة الشريعة.
مقدمة المحاضرة والتعريف بالكتيب المبني على عشر سنوات من البحث والتوثيق
أولًا، شكرًا لهذه الدعوة الكريمة، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن ما عرضه عليّ الأستاذ المهندس وائل برهان هو أن أتحدث عن الكتيب الذي نُشر، وكان في أصله مجموعة من المقالات في جريدة الأهرام، نحو التجربة المصرية. الذي دفعني لكتابة هذا بعد عمل استمر أكثر من عشر سنوات في إخراج المستندات التي بُني عليها هذا الكتاب أو هذه المقالات.
يعني أنني عملت أولًا عشر سنوات أخرجت خلالها جميع المستندات التي تحت يدي، وبعد أن أخرجت هذه المستندات التي وصل عدد مجلداتها إلى اثني عشر مجلدًا، كتبت المقالات لكي عندما أتحدث تكون هناك مستندات موجودة يمكن الرجوع إليها والمناقشة حولها.
الدافع وراء البحث: حركة الإرهاب ومقولة الخروج من دين الله أفواجاً
فإن الذي حركني منذ هذا التاريخ الذي أصبح تاريخًا بعيدًا نسبيًا - لأنه أصبح الآن أكثر من خمسة عشر سنة أو يزيد - هو الحركة التي قادها الإرهابيون في العالم. والحركة التي قادها الإرهابيون في العالم كان منشؤها الأول هو أننا خرجنا من دين الله أفواجًا، وأصبحت وكأن هذه حقيقةٌ تتناقلها الألسنة.
وساعد في هذا القراءةُ المتحيزة - أو التي أصفها بأنها متحيزة - لمجموعة من الأحداث. هذه القراءة المتحيزة لا أتهم أصحابها بسوء القصد، أنا مختلف معهم فقط في هذه القراءة. فبدايةً، أنا لست في خصام ولا مواجهة مع أحد ممن يقرأ هذه القراءة.
قراءة بديلة للأحداث تعطي مذاقاً آخر للمشاركة الحضارية دون ترك الهوية
عدد القارئين لهذه الأحداث بصورة معينة تؤدي إلى النتيجة التي وصلوا إليها يكاد يكون كثيرًا جدًا، ويكاد يكون اتفاقًا. وأنا أقرأ قراءة أخرى هي أقرب عندي في عقلي وفي نفسيتي حتى للواقع المعيشي الذي نعيشه، فهي لا تعارضه.
وهذه القراءة تعطي مذاقًا آخر لكيفية أن يعيش الإنسان المصري العصر الحديث، مذاقًا آخر لكيفية أن يكون مشاركًا في بناء الحضارة الإنسانية، مذاقًا آخر لأن يكون - دون أن يترك هويته، دون أن يترك دينه، دون أن يترك وطنه - أن يكون عنصرًا فاعلًا في هذا العالم.
نظرية الدوائر المتداخلة ورفض الثنائية بين الإسلام والوطن
مبنيٌ ذلك على عدم الصدام وليس على نظرية الصدام، مبنيٌ هذا على نظرية الدوائر المتداخلة التي لا ينقض بعضها بعضًا، بل يؤيد ويؤكد بعضها بعضًا. فعندما تكون الدوائر متداخلة وليست متقاطعة، فإننا عندما نضع أيدينا في الدائرة الداخلية فنحن نضع أيدينا في كل الدوائر.
فليس هناك ابتداءً فرض للصراع والخصام والمنازعة حتى تكون هناك ثنائية مقيتة رأيناها - أو رأيتها - في أحد الأخبار في البرلمان: أن أحدهم قال "الإسلام أولًا"، فقام آخر أمامه وقال "بل مصر أولًا". وليس أصلًا هناك هذه الثنائية التي تجعل الإسلام أولًا أو التي تجعل مصر أولًا.
إمكانية التوافق بين الإسلام والوطن دون ثنائية مقيتة
فيمكن لمن أراد أن يفعل الاثنين من غير هذه المقابلة. يمكن إذا كانت هناك نيات حسنة للتعايش أن نكون جميعًا في بوتقة واحدة وفي توجه واحد. يمكن هذا وليست هناك ثنائية.
على فكرة، الثنائية هي فكرة أيضًا مطروحة، لكن قد يكون لها مشكلات أكثر من المشكلات التي تنشأ من التوافق. هذا في الأساس - وهو كلام مجمل لا يغني عن التفصيل - هو الذي دفعني إلى بحث هذه القضية: هل فعلًا خرجنا من دين الله أفواجًا؟ وكيف هذا؟
مقولة الحكم بالقانون الفرنسي والتناقض مع واقع مصر الإسلامي
آلاف الكتّاب وكأنها قضية مسلّم بها يقولون إننا نحكم بالقانون الفرنسي، إننا تركنا الشريعة، إننا في قانون وضعي يخالف هذه الشريعة مخالفة تامة، وأننا على مشارف الكفر إن لم نكن قد كفرنا فعلًا. ويستعملون الآيات في منتهى البساطة:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
﴿فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]
﴿فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]
ويستشهدون بهذا ويركبونه علينا ويحدث تناقض: كيف هذا ونحن نعيش في مجتمع دستوره يقول إننا دولة إسلامية، خطابه السياسي يقول إننا دولة إسلامية؟
مظاهر إسلامية مصر في الدستور والعلاقات الدولية والتعايش الوطني
ووضعنا في علاقتنا الدولية ونحن في منظمة المؤتمر الإسلامي وفي قيادة العالم الإسلامي، جمهور الناس فيه من المسلمين، والتعايش الوطني مقرّ فيما بين عناصر الأمة - المسلمين والأقباط - في شكل واحد لا ليس هناك فيه تعارض؛ لا تعارض من المسلم على المسيحية ولا تعارض من المسيحي على الإسلام في أن يكونا معًا في وطن واحد.
القضاء يسير على هذا المنوال، والعمق التاريخي والمظاهر الحضارية: فما زلنا نحتفل برمضان احتفالًا خاصًا له مذاقه الخاص، وما زلنا نسمع الأذان في كل مكان وكذا إلى آخره. يعني الحقيقة أنه يحدث تناقض ما بين كوننا كفارًا أم مسلمين، أم ما هي القضية؟
قصة وزير العدل الذي لم يعرف أن مصر دولة إسلامية دستورياً
وفي مرة كنت أتحدث مع أحد وزراء دولة من الدول - وزير العدل - فقلت له: لا يخفى على شريف علمكم أن الدستور في مصر ينص على أنها دولة إسلامية، وفي مادته الثانية أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي أو الرئيسي للتشريع.
فانتفض من مكانه وقال: لا، هذا يخفى على شريف علمي! يعني ماذا؟ كأنه يسخر مني. يعني أنا أقول له: لا يخفى على شريف علمكم، قال: لا يخفى على شريف علمي؟ أنا لم أسمع هكذا قط! أنا الذي أعرفها أن مصر هذه دولة علمانية وليست دولة موصوفة أصلًا بالإسلام.
تعجبت لأنه في لقاءات كثيرة بين وزراء العدل، وتعجبت كيف تصل التعمية إلى هذا القدر، لدرجة أن المواد الأولى والثانية والثالثة في الدستور المصري غير معروفة لوزير العدل!
الإصرار على مقولة الخروج من دين الله وقصة الطفل مع الحجاج بن يوسف
كل هذا من الإصرار المستمر من قِبَل جهات كثيرة على أننا قد خرجنا من دين الله أفواجًا.
أتذكر وأنا صغير وهم يتحدثون عن أن طفلًا من الأطفال كان يكلم الحجاج بن يوسف الثقفي، فقال له الحجاج: هل تحفظ شيئًا من القرآن؟ قال: بل القرآن يحفظني. قال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم. قال: اتلُ. قال:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: 1-3]
قال له: يدخلون أم يخرجون؟ قال له: هذا كان في أيام النبي يدخلون، أما في أيامك أنت فيخرجون.
المفاجأة عند دراسة الحالة القانونية المصرية في القرن التاسع عشر
تذكرت هذا وأنا أمام هذه الظاهرة العجيبة الغريبة. وعلى كل حال، كنت ممن - بحكم الثقافة العامة والكتب التي لا نهاية لها التي تقول هذا الكلام - ولكن فوجئت وأنا أدرس الحالة القضائية المصرية والحالة القانونية المصرية في القرن التاسع عشر كجزء من بعض دراساتي، أن هناك قصة هي هذه القصة التي سأتلوها عليكم في هذا المجمع المبارك.
ولننظر ما الذي يحدث وكيف تصل بنا الأمور إلى هذه التعميات.
الرجوع إلى مضابط البرلمان والقوانين واكتشاف أنها قراءة وليست حقائق مطلقة
وأخذ البحث يشتد معي إلى أن رجعت إلى مضابط البرلمان المصري، وإلى بعض القوانين المهمة، وإلى مضابط مجالس النظار وإلى آخره، حتى أتأكد مما توصلت إليه. وأنا في عجب وما زلت في عجب إلى الآن.
ولكن عندما تتبعت بعد ذلك الأمر أيضًا فيمن كتب في هذا، وجدت أنها قراءةٌ وليست حقائق؛ بمعنى أن الحقائق موجودة، لكن كيف أقرأها وأصل بها إلى النتائج. وأنا أدّعي أن الذي قرأته بقراءتي هو الأجدى للمصريين والأجدى للحالة العالمية، والأجدى أن نقرأ وهكذا من أجل ألّا تكون هناك فجوات وألّا تكون هناك تعرّضات في حياتنا.
القراءة البديلة تدفع إلى التنمية والوحدة الوطنية والمساهمة العالمية
وهذا يدفعنا إلى التنمية ويدفعنا إلى مزيدٍ من التعاون، وإلى مزيد من الوحدة الوطنية، وإلى مزيد من المساهمة العالمية، وإلى رؤية ذات أمل وليست رؤية مختزلة ولا تعميات تصل بنا إلى التبعية وإلى سلب خصائص هذه التجربة المباركة القوية.
التي يجب - في ظني - على الجميع أن يتبعها بعد إدراكها وبعد معرفة عناصرها.
الخديوي إسماعيل وحلمه بالاستقلال عن تركيا وقصة زيارة لندن
وجدت الآتي: كان عندنا واحد اسمه الخديوي إسماعيل، من أمل حياته أن ينفصل عن تركيا، وهذا كان في حياته أمرًا مهمًا للغاية بذل فيه كل غالٍ ورخيص.
أتذكر وأنا في زيارتي للندن أنهم حكوا لي قصة أن الخديوي إسماعيل جاء في زيارة للملك حينئذ بعد السلطان عبد العزيز - سلطان تركيا - وعومل [السلطان عبد العزيز] معاملة رؤساء الدول فأنزلوه في جناح خاص في القصر.
ولما جاء الخديوي إسماعيل طلب منهم أن ينزل في ذات الجناح، فقالوا له: لا، أنت لست رئيس دولة، أنت رئيس ولاية أو إيالة أو نحو ذلك، أنت خديوي. فقال لهم: أنا أريد أن أنزل في هذا الجناح ولو بالمال، أعطي مالًا لإنجلترا للملك أو أي أحد لأنزل هنا، حتى يساوي رأسه برأس عبد العزيز.
إسماعيل يسعى لمساواة مكانته بالسلطان العثماني واستقلال مصر
عندما جاء السلطان عبد العزيز إلى مصر، فتح له [إسماعيل] شارع مخصوص الذي هو شارع عبد العزيز حاليًا. شارع عبد العزيز هذا أول من مشى فيه بالعربة هو السلطان عبد العزيز، وأعطى له من الهدايا ما يجعله يخاطبه خطاب الند للند.
وحاول مع السلطان عبد العزيز. هذه لمحة مهمة جدًا في القصة التي معنا اليوم: إسماعيل يريد أن يستقل بمصر، يريد أن يجعل رأسه برأس الخليفة أو السلطان أو الحاكم التركي، وأن يجعل مصر مستقلة ذات سيادة هي والسودان تابعة لولايته.
إسماعيل يكمل مشروع جده محمد علي في بناء مصر الحديثة ومؤسساتها
فوجئ إسماعيل وهو ينشئ البلد على نظام ما فعله جده محمد علي باشا. ما هو إسماعيل هذا؟ إنه ابن إبراهيم ابن محمد علي. فإسماعيل يكمل إنشاء البلد.
ومن إنشاء البلد: قضية التشريع، وقضية العدالة التي لا بد أن تكون في صورة معينة، وقضية الديمقراطية التي تحتاج إلى مجلس نواب وبرلمان ومجلس شيوخ وهكذا، وقضية الفصل بين السلطات الثلاثة، وقضية تحويل الدولة إلى مؤسسة.
حاول إسماعيل كل ذلك استمرارًا لقضية التصنيع وقضية الإصلاح الزراعي الذي قام به محمد علي، وقضية الإصلاح الإداري وقضية كذا وكذا فيما يسمى مصر الحديثة.
أزمة المجلة العدلية العثمانية وحرج الخديوي إسماعيل في التعامل معها
إسماعيل فوجئ بحرج لأن السلطان العثماني أصدر ما يسمى بـالمجلة العدلية. والمجلة العدلية صدرت سنة ألف ومائتين اثنين وتسعين هجرية، وهي عبارة عن تقنين للفقه الحنفي استعمل فيه السلطان لجنة، وهذه اللجنة ممثِّل فيها علماء الشام ولم يُمثَّل فيها علماء مصر؛ لأن السلطان كان متوجسًا خيفةً من إسماعيل ومما يفعله في مصر.
وصدرت المجلة حتى تكون قانونًا عامًا منضبطًا بمواد يرجع إليها القاضي مباشرة، دون أن يرجع إلى كتب الفقه ودون أن يرجع إلى ما سواها، بل تكون قانونًا حاكمًا لكل الولايات العثمانية.
معضلة إسماعيل: تطبيق المجلة يعني التبعية ورفضها يعني الفراغ القانوني
ماذا يفعل إسماعيل إن طبّق المجلة العدلية؟ وضع نفسه مرة أخرى تحت نطاق العثمانلية. وإذا رفض المجلة العدلية، لم يتطور كما يريد. كما أنه ماذا سيأتي به؟ أي بماذا سيحكم؟ فسيكون هناك فراغ.
وهذا الفراغ سيستمر القضاء على ما كان عليه من أن القاضي مجتهد يفعل ما يشاء من غير قوانين، إنما هو مقيد بصورة عامة بالشرع. والشرع هنا يتمثل في كتب الفقه، وكتب الفقه يمكن له أن يكون بالمذهب الحنفي، فإذا بك تذهب إلى المذهب الحنفي فترى ثلاثة أقوال وأربعة أقوال وخمسة أقوال.
تدهور القضاء وتدخل المحاكم الأجنبية وأزمة المحاكم الأهلية
والقاضي يحكم كما يشاء لأن القاضي أصلًا كان ينبغي أن يكون مجتهدًا، لكنه حتى لو لم يكن مجتهدًا فإنه سيؤدي ذلك إلى تمكين القاضي أكثر من اللازم إن صح التعبير.
فإذا عرفنا بالإضافة إلى هذا أن القضاء كان قد تدهور من الناحية الفنية ومن الناحية الخلقية ومن ناحية التقوى، عرفنا أن المسألة أصبحت في منتهى الخطورة. فإذا أُضيف إلى ذلك أن هناك محاكم أجنبية بدأت تتدخل في مصر مع الأزمة المالية التي توجد، ازداد الأمر خطورة.
وعرفنا أنه إذا سيكون هناك نظامان: نظام المحاكم المختلطة ونظام المحاكم الأهلية، وإذا بالمحاكم الأهلية غير قادرة ولا كفء وليس لها قانون تحكم به، فهذه مشكلة جدًا لشخص يريد تطوير بلاده ويريد الاستقلال ببلاده من السيطرة العثمانية.
الموقف التاريخي لإسماعيل وعدم الحكم عليه بالخطأ أو الصواب
ونحن لا نتكلم هنا عما إذا كان هذا [الاستقلال عن العثمانيين] خطأً أو صوابًا، خيرًا لمصر أو لم يكن خيرًا لمصر. كل هذه الأشياء ليست تحت القراءة الآن، فهذه لها أساتذتها الذين يختلفون سويًا في تقويمها وفي قراءتها. هذا ليس شأننا.
إنما هكذا الرجل [الخديوي إسماعيل] إذا كان في أزمة قوية. حسنًا، لنبدأ بالمنطق وحبًا في مصر: هذه [مصر] تسير بماذا؟ قالوا له: تسير بالمذهب الحنفي، تسير بالشريعة الإسلامية. قال: حسنًا، ائتوا لي بعلماء الشريعة.
اجتماع علماء المذاهب واقتراح المذهب المالكي وعلاقته بالقانون الفرنسي
يحكي رشيد رضا في المنار أن علي أفندي ابن رفاعة رافع الطهطاوي قد أخبره أن أباه رفاعة الطهطاوي أخبره، يذكر أنه رفاعة ذهب وجمع له علماء المذاهب الأربعة. وعلى فكرة، هم لم يكونوا علماء مذاهب أربعة، إلا أن الحنابلة كانوا غير ممثلين أو قليلين جدًا، فليس لهم تمثيل يُذكر.
فكان محمد علي منذ زمن قد أعطى اثنين من الحنفية وواحدًا من الشافعية وواحدًا من المالكية، وأنهم جاؤوا في حضرة [الخديوي] وأنهم عرضوا عليهم المشكلة. فواحد منهم قال له: حسنًا، هذه عملية سهلة، نحكم بالمذهب المالكي. والمذهب المالكي هذا فيه مميزات، وهذه المميزات هي أنه انتشر في العالم عن طريق الأندلس ودخل فكوّن قانون لويس.
العلاقة بين الفقه المالكي وقانون نابليون والجدل حول المذهب الأنسب لمصر
وقانون لويس هذا أخذه نابليون وعمل به كود نابليون الأول وكود نابليون الثاني، وظهرت بناءً على ذلك مجموعة ألف وثمانمائة وعشرة الفرنسية. ولذلك أنت عندما تترجم القانون الفرنسي مثلًا ستجده موافقًا للفقه المالكي.
فالشافعي قال له: لكن المالكية ليست منتشرة عندنا، هي منتشرة هناك في المغرب. ولكي تُعطي مصر رونقًا تستقل به من الأتراك، وفي نفس الوقت يكون لها مذاق مصري، اجعلها شافعية ودع عنك هذا المالكية ودعك من الحنفية.
فالحنفية قال له: يا إخواننا، أنتم ستقعون في ورطة! هكذا كل القضاة الذين لدينا حنفيون ومتربون على المذهب الحنفي ومتدربون عليه، فإذا خرجتم إلى المذهب الشافعي أو المالكي، فلن تجدوا قضاة واعين بعمق لهذه المذاهب لأنهم لم يدرسوها ولم يتربوا عليها.
إشكالية البقاء على المذهب الحنفي وارتباطه بالعثمانيين والمجلة العدلية
الله يحفظكم، لا تفعلوا هكذا، دعونا نكون حنفيين. حسنًا، فالحنفية تنتمي إلى العثمانيين، وبذلك لا يوجد مبرر لعدم اعتمادك المجلة [العدلية]. خذ المجلة فهي جاهزة.
وبدأوا في عرض وجهات النظر، يتصايحون أمام حضرة الخديوي، إلى أن شعر الخديوي المسكين بالصداع وقال لهم: اخرج يا أيها الفتى، أنت وهو خارجًا! أنا لا أريد أي واحد منكم أن يبقى هنا لديه. وطردهم جميعًا الأربعة.
وبينما هم في الخارج، ما زالوا يتناقشون: ماذا سنفعل؟ حنفي أم شافعي أم مالكي أم ما الأمر؟
اقتراح ترجمة القانون الفرنسي والاستعانة بمجدي باشا والشيخ مخلوف المنياوي
وأنا أقول: هذه قراءة، هذا مكتوب بشيء من هذا القبيل. وأسأل نفسي: يا ترى هو هذا خروج عن الشريعة أم أن هؤلاء الناس كانوا يفكرون ماذا يفعلون في الوضع الذي نحن فيه الآن؟ من حقهم أن يتناقشوا وأن يقول كل واحد رأيه وحجته وما يؤول إليه الأمر.
من ضمن الآراء التي اقتُرحت كان شخص اسمه محمد مجدي باشا. هذا محمد مجدي باشا من الجماعة [الذين] ذهب محمد علي إلى باريس ليتعلموا، وعندما عادوا كان منهم شاعر، وكان شعره مقررًا على المناهج الدراسية لدينا في الثلاثينيات ونحو ذلك، وكان له شعر جيد.
فكرة ترجمة القانون الفرنسي باعتباره بضاعتنا ردت إلينا ودور الشيخ مخلوف المنياوي
يعني مجدي باشا قال له: والله يا مولانا، الرجل الذي هنا ألمح هذه اللمحة بأن تلك بضاعتنا ردت إلينا، قد يكون في ذلك منفذ. أنا أترجم لك القانون الفرنسي.
فقال له: حسنًا سيدي، رفعه سيدي، ترجم قانون فرنسي. فقال له: حاضر. قال له: طيب وأنا ما الذي يُعرّفني بالقانون الفرنسي هذا كما تقولون أو تتخيلون أنه مأخوذ من الفقه المالكي؟
قالوا: لدينا شخص ممتاز جدًا في هذا المجال اسمه الشيخ مخلوف المنياوي، مفتي الصعيد وساكن في المنيا. والمنيا هذه اسمها منية بن خصيب لأن بن خصيب نزل فيها وأقام منية - يعني شيئًا ما على أمنيته التي أرادها - فسميت المنيا.
فالشيخ مخلوف المنياوي هذا عالم كبير، فما رأيك أن نشركه معنا؟ قال لهم: أشركوه.
آلية العمل بين مجدي باشا ورفاعة الطهطاوي ومخلوف المنياوي في المقارنات التشريعية
فأصبح رفاعة يأخذ الملزمة المترجمة من مجدي باشا، ومجدي باشا يعطيها لرفاعة فيصححها من ناحية اللغة ويضبطها وما إلى ذلك، ثم يدفعها إلى مخلوف المنياوي.
ومخلوف المنياوي ينظر إليها ويقارن ويقول: والله، ما هي المواضع الموافقة وما هي المواضع المخالفة بين هذا المذكور في القانون الفرنسي والفقه المالكي.
وبناءً عليه أخذ في كل حين يكتب الموافقات والمخالفات. عمل مجلدين أتقنهما وبيّضهما وسماهما المقارنات التشريعية. مَن هذا؟ إنه مخلوف المنياوي.
وفي الوقت الذي أنهى فيه مجدي باشا الترجمة، كان مخلوف المنياوي قد أنهى المقارنة.
نفي الخديوي إسماعيل ودور محمد قدري باشا في التشريع المصري
كان صاحبنا الخديوي إسماعيل قد أُخذ وغادر ونُفي. طبعًا نُفي إلى إسطنبول وانتهى الأمر، ثم جاء ابنه توفيق وتولى الحكم، وجاء الإنجليز واحتلوا البلاد.
في هذا الوقت الإسماعيلي كان وزير - ناظر الحقانية [وزير العدل] - قدري باشا. من هو محمد قدري باشا؟ إنه رجل تركي حنفي درس في باريس، يعرف الفرنسية والعربية والتركية وهذه الأمور. محمد قدري باشا فقيه ولكنه متعلم في السوربون.
عندما وجد الحال هكذا، اغتاظ من أن إسماعيل باشا أمر رفاعة باشا - الذي كان حينها بيك ولم يكن باشا، بك نعم، رفاعة باشا الطهطاوي فيما بعد - رفاعة هذا هو الذي ترجم وما إلى ذلك.
قدري باشا يرفض ترجمة القانون الفرنسي ويقرر إنجاز مجلة مصرية في ستة أشهر
لكن الرجل محمد قدري باشا قال: لا، هناك خطورة في أن نأخذ الأمر هكذا. ماذا تفعل إذن؟ قال: أنا بسرعة سأعمل لكم مجلة. الجماعة الشوام والجماعة الأتراك الذين استغرقوا فيها سنوات، أنا أُنجزها لكم في ستة أشهر.
ستة أشهر استطاع قدري باشا أن يُنهي أربعة كتب:
- الكتاب الأول: معرفة أحوال الإنسان
- الكتاب الثاني: العدل والإنصاف في الأوقاف
- الكتاب الثالث: الأحوال الشخصية في أربعة مجلدات
- الكتاب الرابع: المقارنات التشريعية قارن فيها بين القانون الفرنسي - دون ترجمة لأنه يُتقن اللغة الفرنسية جيدًا - والفقه الحنفي.
مقارنتان تشريعيتان: مخلوف المنياوي بين الفرنسي والمالكي وقدري باشا بين الفرنسي والحنفي
وأصبح لدينا اثنتان من المقارنات التشريعية: واحدة بين القانون الفرنسي والفقه المالكي لمخلوف المنياوي، والأخرى لقدري باشا بين القانون الفرنسي والفقه الحنفي. هذه في مجلدين وتلك في مجلدين.
عندما ذهب مخلوف المنياوي إلى القصر ليسلّم النتاج، سألوه: من أنت؟ فقال لهم: أنا الشيخ مخلوف المنياوي. فسألوه: ماذا تعمل؟ أنا كنت أعمل. قالوا له: أقول لك ماذا، تشعر أن عقولنا لا تعرف مخلوفًا ولا تعرف مقارنات ولا تعرف شيئًا! الرجل الذي كان يفعل هكذا اتنفى في إسطنبول، ونحن الآن في عهد جديد.
ضياع المقارنات التشريعية في دار الكتب واكتشافها وطباعتها بعد عقود
فذهب [مخلوف المنياوي] حاملًا أغراضه إلى دار الكتب التي تخص علي مبارك باشا، والآخر [قدري باشا] أخذ أغراضه إلى دار الكتب. وظلت محبوسة في دار الكتب ولا أحد يعرف شيئًا ولا أحد ذهب لزيارتهم ولا أي شيء.
وأدّعي أن مجموعتنا هي التي ذهبت وعرفت مكانهم وأحضرناهم وطبعناهم. إذن، طبعنا مجلدين لمخلوف المنياوي، وطبعنا أربعة مجلدات أحوال شخصية لقدري باشا. العدل والإنصاف الذي كان قد طُبع من قبل وقمنا بطبعه مجددًا. طبع الإنسان قبل ذلك وترجم إلى الفرنسية، وطبعت الطبعة الفرنسية، وأعدنا طبعه ومقارنات نقارنها.
عبد الله بن حسين التيدي ومقارناته التشريعية المستقلة بين الفقه المالكي والفرنسي
الرجل الذي هو قدري باشا أصدر مجلدين، وأصبحنا الآن نملك كم مجلد؟ عشرة مجلدات.
وبعد ذلك وجدنا شخصًا - وهذا بالمناسبة ذُكر في الهامش سنة ست وأربعين وسبع وأربعين - اسمه عبد الله بن حسين التيدي. عبد الله من طبقة مشايخنا، كان زميلًا للشيخ محمد أبو النور زهير الذي هو شيخي أنا، وكان زميلًا للشيخ عبد السميع إمام الذي هو شيخي أنا.
عبد الله بن حسين التيدي هذا هو أيضًا ذهب إلى فرنسا ودرس في السوربون وعاد واغتاظ. اغتاظ ممن؟ اغتاظ من السنهوري باشا.
التيدي يؤلف مقارنات تشريعية جديدة مثبتاً أن الفقه المالكي يغني عن الفرنسي
السنهوري باشا أيضًا ذهب فرنسا وأخذ الدكتوراه الخاصة به وما إلى آخره، وجاء السنهوري باشا وكانت له وجهة نظر سنراها الآن. لكن الآخر [التيدي] كان يريد ألا نفعل ذلك، وجاءت وجهة نظر أخرى أننا نتمسك بالفقه كما هو.
فذهب وألف أربعة مجلدات اسمها المقارنات التشريعية - ثانية غير المقارنات الأولى - نعم، وقارن فيها بين الفقه المالكي والفرنسي، وهو يعرف الفرنسية جيدًا فلم يأخذ منه وقتًا. وطُبع هذا سنة ثمانية وأربعين، قبل أن يصدر القانون بسنة.
القانون المدني والقانون الجنائي صدرا في التاسع من سبتمبر سنة تسعة وأربعين. هذا الرجل طبعهما سنة ثمانية وأربعين، وهو لم يرَ مجهود مخلوف المنياوي ولا يعلم عنه شيئًا، ولم يرَ مقارنات قدري باشا ولم يعلم عنها شيئًا. هذا شيء من عند نفسه، هكذا فكرة طرأت له.
خلاصة القراءة: مصر لم تخرج من هويتها وعلماؤها بذلوا الكثير لإقرار الهوية
ولذلك يختلف [عمل التيدي] تمامًا عن المقارنات [السابقة]، ويثبت فيها أنه: يا جماعة، لماذا ستترجمون الفرنسية؟ إن الفقه المالكي يغنينا لأنه هو الأصل. هي نفس الفكرة ولكن بعكسها.
أقول في قراءتي لهذه الأحداث أن هذا البلد لم يخرج من هويته ولم يقلد أحدًا، وإنما بذل علماؤه الشيء الكثير في إقرار هذه الهوية وفي المشاركة العالمية أيضًا.
وهذا هو معنى التجربة المصرية: كيف لا تتخلى عن أصولك، وكيف تعيش في الوقت نفسه عصرك دون أن تضطر إلى التخلي عن أصولك أو ترك لغتك أو ترك دينك أو تترك هكذا. هذا ليس ضروريًا حتى تدخل في المعاصرة.
قدري باشا يكتب القانون المصري بالفرنسية ثم يترجمه إلى العربية
هذا الذي أسميه التجربة المصرية، إذا فُهِمَت بدقة وثانيًا ودراسة جزئية للأشياء. قدري باشا نذهب إذن لمجلس النظار: مورس عليه وعلى مجلس النظار ضغوط كثيرة خارجية وداخلية أنه لا يمكن أن تتركوا الأمر هكذا من غير تشريع.
فأمسك بالقلم وكتب من عند نفسه قانونًا لمصر باللغة الفرنسية. وهنا تأتي الحاجة إلى التحليل: طيب، أنت رجل عربي وحنفي، لماذا تكتب بالفرنسية؟ لأن هناك لجنة يريدون الاستعانة بها والاستفادة من خبرتها في صياغة القانون.
قال لهم: هذه سهلة، خذوها، هذا هو القانون. وذهب منهيًا إياه باللغة الفرنسية.
اللجنة الفرنسية تشهد بجودة القانون والتشابه مع كود نابليون مع الاختلاف
عندما أمسكوا هذا الذي خطّه قدري باشا بقلمه، اللجنة الخاصة بالقانون - التي منهم فرنسيون - قالوا له: نعم، هذا القانون من ناحية الصياغة ومن ناحية الشمول ومن ناحية الدقة جميل وجيد.
بعد ذلك الدارسون قارنوا بين ما كتبه قدري باشا وبين مجموعة ألف وثمانمائة وعشرة - كود نابليون أول وكود نابليون ثاني - فوجدوهم متشابهين. التشابه [موجود] ولكن ليس [تطابقًا].
هم بعد ذلك ترجم قدري باشا ما كتبه إلى العربية، وصدر به القانون المسمى بالقانون الأهلي حينئذ.
القانون الأهلي ترجمة لما خطه قدري باشا وليس ترجمة لقانون نابليون
ولما صدر القانون سنة ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين، كان ترجمة لما خطه قدري باشا وليس ترجمة لقانون نابليون الأول والثاني.
الذي هو ترجمة لقانون نابليون الأول والثاني قام به مجدي باشا وطُبع في المطابع الأميرية بإشراف رفاعة الطهطاوي، وهو في مجلدين وهو موجود عندي في مكتبتي.
وهو يختلف عن القانون الأهلي الذي أصدره قدري باشا من عند نفسه، يختلف زيادةً ونقصانًا وصياغةً وما إلى ذلك. ويؤكد أنه إسلامي المقارنات التشريعية الخاصة بمخلوف المنياوي.
أول بند في القانون الأهلي: أي حق مقرر في الشريعة لا يجوز نقضه
وأول بند في هذا القانون: أي حق مقرر في الشريعة الإسلامية لا يجوز نقضه بموجب هذا القانون. عبارة عجيبة غريبة صدر بها القانون! هذا القانون لا يستطيع أن يسلب أي حق قد تقرر بالشريعة الإسلامية.
وظلت هذه العبارة موجودة من سنة ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين إلى سنة ألف وتسعمائة وثمانية.
إعادة صياغة القانون سنة 1908 وحذف عبارة عدم التعارض بعد ربع قرن دون شكوى واحدة
وفي سنة ألف وتسعمائة وثمانية أُعيد النظر في صياغة القانون الأهلي. ونرجع للبرلمان ومضابطه، ومكتوب فيها أنه لما مضى على إصدار القانون ربع قرن (خمسة وعشرين سنة) ولم تتلقَ الإدارة ولا شكوى واحدة خلال هذه الخمسة والعشرين سنة في تعارض هذا القانون مع الشريعة الإسلامية.
فقد رأينا أن هذا التنبيه لا حاجة إلينا فيه، حيثُ أنه ثبت عمليًا أنه ليس له تعارض مع أي حق مقرر ومحفوظ في الشريعة الإسلامية. فأصبح هذا كنظام عام لا يخالف الشريعة الإسلامية.
وهذا الفكر نفسه هو الذي أنشأ المحكمة الدستورية العليا فيما بعد، التي تراقب دستورية القوانين، التي منها ألا تخالف الشريعة الإسلامية التي هي مظهر رئيسي للتشريع في مصر.
عوامل اللبس التي أكدت المفهوم الخاطئ بأن مصر تتبع النظام اللاتيني
ظلت الأقلام تطالب بأن هذا لا يكفي. مجهودات مخلوف المنياوي لم تكن علنية ولا يدركها أحد، ولم يشر إليها أي باحث. وظل المفهوم العام في بدايات القرن أن مصر تتبع النظام اللاتيني في التقويم.
لبس على هذا وأكده أن قدري باشا كتبه بالفرنسية أولًا. لبس على هذا وأكّد أنها حذفت منه عبارة عدم التعارض مع أي حق مقرر في الشريعة. لبس على هذا وأيده النظام القضائي المقسم إلى أهلي وشرعي ومختلط وكذا.
لبس على هذا وأكدته القراءة التي أصفها بأنها قراءة متحيزة - لا أقصد أصحابها لأن أصحابها كلهم والحمد لله من المخلصين - التي رأت أن إنشاء مدرسة الإدارة والألسن إنما هو نوع من أنواع الخروج من الشريعة.
مدرسة الإدارة والألسن: أول مادة فيها كانت الشريعة الإسلامية
إسماعيل أنشأ مدرسة اسمها الإدارة والألسن، وأحضر فيها - هي الإدارة معناها إدارة البلد يعني - وإدارة البلد لا بد أن ندرس فيها القوانين، والألسن لكي يعرف كيف يتصل مع العالم الخارجي.
فظنوا أن هذه الإدارة إنما أنشأت للخروج من الشريعة. والعجب العجيب أنّ أول مادة كانت مادة أساسية وهي عمود ما يُدرس في الإدارة: الشريعة الإسلامية!
طيب، كيف يكون أولها الشريعة الإسلامية، وكيف يكون أننا نريد أن نخرج عن الشريعة الإسلامية؟ هذا فيه قراءة أراها متحيزة.
ظهور السنهوري باشا ومشروعه لصياغة قانون مصري عالمي من ستة عشر تشريعاً
بعد ذلك ونداء مستمر للخروج من النظام اللاتيني، ظهر عبد الرزاق باشا السنهوري وهو عائد من باريس بدكتوراته التي تحدث فيها عن فكرة الخلافة وانهيارها والبديل عنها. طيب أنت لماذا تسعى للبديل عنها؟ لأن الرجل مسلم منتمٍ إلى الإسلام، وسنرى في حياته كيف خدم الإسلام.
جاء وعنده مرارة وقال: يا جماعة، أولًا لا بد علينا من التشريع المصري أن يكون تشريعًا عالميًا. ثانيًا، إلا ما يخرج من نطاق الشريعة الإسلامية. هذا يحتاج أن يستفيد من كل حكمة يجدها، فإن الحكمة ضالة المؤمن.
وعلى ذلك فأنا سأصوغه من ستة عشر تشريعًا: التشريع الهندي، والإنجليزي، والألماني، والفرنسي، والبلجيكي - خاصة الجانب الدستوري - والأمريكي، وكذا إلى آخره. ستة عشر تشريعًا نص عليهم في الوسيط في شرح القانون المدني.
السنهوري ينتقد الحالة الفقهية ويدعو للاجتهاد مع تقرير الشيخ محمد عبده عن القضاء
يا جماعة، الحالة الفقهية التي لدينا حالة لا يُسكت عليها، نريد مجتهدين، نريد مدربين.
طبعًا حينها في عام ألف وتسعمائة وخمسة كان هناك الشيخ محمد عبده والشيخ سليمان العبد، وذهبوا وأعدوا تقريرًا عن القضاء. والتقرير منشور، ويقولون إن هذا لا يرضي الله ولا يرضي المؤمنين ولا يرضي الكافرين ولا يَرضى أحدٌ على وجه الأرض الحالة المزرية التي وصل إليها القضاء المصري.
وبعد ذلك، وبعد وفاة محمد عبده بمدة عشرين سنة، فإن القضاء الشرعي ومدرسة القضاء الشرعي نادوا من سنة ثمانية حتى سنة ثمانية وأربعين - أي لمدة أربعين سنة - وهم ينادون بأن يكون هناك قانون أصلي لا يُكتب باللغة ويترجم من الفرنسية وما يُضاف وينجز ولا يُقارن. قانون هكذا تأصيلي أصلي ليس ملفقًا ولا مدبلجًا ولا غير ذلك.
صدور القانون المدني والجنائي سنة 1949 بفكرة القانون المصري العالمي
وهذا الذي قام به هذه الجماعة من العلماء الكبار: صبري أبو علم وأحمد أمين وحشمت أبو ستيت وعبد الرزاق السنهوري، وكانوا جميعهم ملء السمع والبصر.
ووضع عبد الرزاق السنهوري القانون المدني، ووَضَعَ القانونَ الجنائيَّ أحمدُ أمين ومعه صبري أبو علم ومعه لجنة. وصدر في سنة تسعٍ وأربعين بفكرة أن:
- هذا هو القانون المصري
- أنه قادر على أن يضع قدمه بين التشريعات العالمية
- أنه لا يخرج عن الشريعة الإسلامية
الاتهامات الموجهة للقانون: إباحة الربا وإسقاط الحدود وموقف السنهوري
هذه الكلمة [لا يخرج عن الشريعة] أصبحت بهتت وأخذت في الضعف والتلاشي. رقم ثلاثة: هذه بدعوى أن القانون المدني يشتمل على إجازة الربا؛ لأنه يقول إنه في المديونية نأخذ خمسة في المائة عندما تتأخر عني في مديونيتك، فأقوم أنا برفع عليك قضية بالدين وقضية أخرى بالفوائد، لكن بشرط ألا تزيد عن خمسة في المائة. فيكون هذا ربا ويكون أنت استحللت الربا.
رقم اثنان: أن القانون الجنائي خالٍ من الحدود، والقانون المدني أباح الربا.
عمل ذلك قلقًا عند إباحة الربا، قلقًا شديدًا عند السنهوري باشا، فقال: أنا لم أبح الربا وأنا ما زلت مسلمًا. يعني أن الإسلام حرم الربا، لكن هذا ليس ربا.
السنهوري يشرح موقفه من الربا ويؤلف مصادر الحق في ستة مجلدات
وبدأ يفهم الناس أن الذي كتبه في القانون ليس ربا. وجهة نظر اتفقت معها أو اختلفت معه، لن أكفره. هو يقول لي هذا ليس ربا، وكوني أقول له لا أنا مختلف معك وهذا ربا، فهذه قضية. وقضية أن أكفره وأتهمه باستحلال الربا فهذه قضية أخرى.
فألف ست مجلدات اسمها مصادر الحق، نبه فيها إلى أن الربا الذي يراه محرمًا والذي هو ربا القرآن هو ربا الجاهلية - ربا الأضعاف المضاعفة - وأن توماس أكوينوس (توما الأكويني) قديس الكاثوليك في عام ألف ومئتين وخمسين فرّق بين الفائدة (الانترست) والربا (اليوجري).
اليوجري هو الربا، والربا محرم في كل الأديان وكل النظم أيضًا.
التفريق بين الفائدة والربا عند السنهوري وعناصر الإنتاج الأربعة
أما الانتريست [الفائدة] فهي أجر، مثل أجر الأرض التي هي من عناصر الإنتاج. وهذا أجر رأس المال، وفيه أجر للمدير الذي هو المهية [الراتب]، وفيه أجر لدوران المال وهو الربح.
عناصر الإنتاج: الأرض والعمل ورأس المال والتنظيم، كانوا يدرسونها هكذا قديمًا - لا أعرف الآن أصبحوا كم بند - وكل واحد له عائد. والفائدة هي العائد وليست الربا المحرم.
وجهة نظر بدأها توما الأكويني ووجدتها بعد سبعمائة وخمسين سنة - أي سبعمائة سنة - أخذها منه عبد الرزاق السنهوري ووضعها في القانون. بناءً على هذا، القضية هي قضية التكفير والتجربة المصرية.
البرلمان المصري يوقف الحدود بسبب الشبهة قياساً على فعل عمر بن الخطاب
عندما نذهب إلى البرلمان نجد أنهم لم ينصوا على الحدود لأن العصر عصر شبهة.
قال رسول الله ﷺ: «ادرءوا الحدود بالشبهات»
ولا يوجد قاضٍ مجتهد ولا توجد الشهود العدول، ولفقدان شرط عدم الشبهة وشيوع هذا في المجتمع، أوقفنا الحدود كما أوقف عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] الحدود.
إذن فهذا ليس إنكارًا للحدود بل هو إيقاف للحدود. وتونسي هذا وبهت مع ما بهت، وأصبح القانون المصري متهمًا إلى أن دفع بعض المخلصين إلى أن ينشئوا قانونًا آخر يدّعون أنه من الشريعة الإسلامية، فكرّسوا مفهوم أن هذا الموجود ليس من الشريعة الإسلامية وأنه ضد الشريعة الإسلامية.
اختلاف العلماء حول القانون بين محمد عبده والظواهري ورشيد رضا دون تكفير
الإمام محمد عبده كان يرى أن هذا من الشريعة الإسلامية. الشيخ الظواهري شيخ الجامع كان يرى بعد ذلك - وهو من تلاميذ محمد عبده - يرى أنه ليس من الشريعة الإسلامية.
حسنًا، هذه وجهات نظر، لكن التكفير لا. رشيد رضا وقف مع محمد عبده. ولسن على الأحمدي الظواهري، الأحمدي الظواهري في مذكراته كما ذكر ابنه لسن على محمد عبده.
حسنًا، ليس في ذلك شيء. نأخذ ونعطي ونقول وكذا، وهذا خطأ. لكن التكفير لا. يصح التشويش على التجربة [المصرية].
تجارب الدول الأخرى في تطبيق الحدود: باكستان وإيران والسودان مقارنة بمصر
بعد ذلك ماذا حدث؟ الذي حدث عندنا الآن شيء في السودان، وشيء في إيران، وشيء في باكستان، وشيء في السعودية، وأمر في مصر يتعلق بهذه القضية.
باكستان وضعوها في القانون، وبعد أن وضعوها في القانون أوقفوها. قالوا إن القاضي لا يحكم بها: الذي يسرق تُقطع يده، لكن القاضي لا يحكم بها. حسنًا، وما هذا؟ لماذا أصبح هكذا؟ مجرد بركة، يعني شيء للبركة أن تُقطع يده!
إيران فعلوا الأعجب من ذلك: وضعوها في القانون وقالوا توقف للمواءمة الدولية - أي حتى لا يتحدث الناس عنا سوءًا ويقولوا إننا نقطع أيدي الناس. يعني هذا موقف عجيب وذاك موقف أكثر غرابة!
في السودان أهملوها كأنها نص منسي، فهناك بعض القوانين هكذا في بعض البلاد تُنسى.
مصر كانت أشجع وأكثر تأصيلاً في إيقاف الحدود بناءً على سابقة عمر
أما مصر فكانت أشجع وأكثر تأصيلًا. قالت إن العصر عصر شبهة، والحاكم اختار إيقاف الحد، وله في السلف الصالح عمدة وأصل.
حسنًا، ما رأيك أن مصر هي أقوى شيء في الموجود حاليًا؟ قال لك: لا، ولكن السعودية تقطع اليد. حسنًا، قد يناسب هذا مجتمعهم، وقد يتبين عند التفتيش أنه من الأفضل أنهم كانوا يأخذون بالموقف المصري.
بالموقف المصري في يوم من الأيام تتغير الدنيا، لكن عندما يأخذ بموقف مصري يخرج من دين الله أفواجًا؟! من الذي أعطى هذا الانطباع؟ من الذي جعل التجربة المصرية تُظهر بهذا الغموض الذي يجعلها غير قابلة للتطبيق مرة أخرى وأنها خطيئة؟ من الذي قال إنها خطيئة؟
استقرار المفهوم الخاطئ واتخاذه متكأً للفرقة بين الأمة
كلام طويل في هذا. تاريخ ما حدث في هذا، ولكن استقر عند الناس وتمسك كل برأيه إلى أننا نَحكُم بقانون وضعي حاد يُخالف الشريعة عن رضا منا. وشاع هذا وذاع واتُّخِذ متكأً للفرقة بين الأمة.
هذه وجهة نظري. أرجو ألا يُكفِّرني أحد بها ويقول لي أنت هكذا. أي لا رضيتُ الشامي لا يهمني المغربي. أنا لا أريد أرض شامي ولا مغربي، أنا أريد أن أقرأ أو أدرب الذهن على قراءة صحيحة للأحداث الموجودة.
الحقائق التاريخية موجودة والخلاف في كيفية قراءتها: اجتهاد أم خبث؟
كون أن مخلوف المنياوي له مجلدان فهذه حقيقة، وكون أن قدري باشا فعل وفعل فهذه حقيقة، وكون أنه في سنة ثمانية حدث كذا وفي سنة تسعة وأربعين حدث حقيقة. كون أنهم قالوا هكذا في النظارة وقالوا هكذا في البرلمان وقالوا هذه حقيقة.
اقرأ الآن كما تقرأ وتقول: الأصل أنه كان هناك خبث، الأصل أنه كانت هناك خطة، الأصل أنه كان كذا إلى آخره. أو تقول: هذا كان فيه اجتهاد، كانت هناك محاولة.
يؤكد الاجتهاد والمحاولة أن السنهوري باشا دعا إلى الاجتهاد فلم يجبه أحد.
السنهوري يؤسس معهد الدراسات العربية لتخريج المجتهدين مع عزام باشا
فذهب [السنهوري] إلى عزام باشا وقال له - كان رئيس الجامعة العربية عبد الرحمن باشا عزام - يا عبد الرحمن باشا، نريد أن نؤسس معهدًا يُخرِّج لنا مجتهدين.
فأسسوا معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، الذي ما زال يعمل حتى الآن في حي جاردن سيتي. وأنشأوا له مكتبة له فيها من الكتب ما لا يوجد في دار الكتب المصرية ولا في الأزهرية، وهو يعمل حتى يومنا هذا.
وقد بدأ يدرس فيه الكبار مثل عبد المنعم الصدّ رحمه الله، ومثل الشيخ علي الخفيف رحمه الله، ومثل فلان وعلان رحمه الله. وصدرت كتب هي من أهم الكتب التي كان لها في العرض والتحليل والمناقشة وبناء النفسية والعقلية الاجتهادية.
خلاصة المحاضرة: قراءة أقل خطورة تفتح باب الأمل وتدعو إلى فقه جديد
الكلام كثير، ولكن هذه محاولة للقراءة لا أفرضها على أحد، ولكني أدّعي أنها أقل خطورة من قراءات كثيرة تذهب بنا إلى مكان غير واقعي، مكان يجعلنا أكثر انفصالًا عن مجتمعنا وأكثر قلقًا، مكان يجعلنا أكثر حزنًا وكآبة.
من هذه القراءة التي تفتح باب الأمل، التي تدعو النفس إلى فقهٍ وإدراكٍ واعٍ جديد. وهذا قد يكون هو الذي لفت انتباه المهندس وائل لنتحدث سويًا حول هذا الأمر. شكرًا لحسن استماعكم.
الدعاء والمساعدات والرأي العام تجاه العدوان على غزة وأصل القضية هو الاحتلال
هناك عدة أسئلة تتعلق بالحرب القائمة الآن في غزة. فالحقيقة أنني أبدأ بالصلاة، فندعو في صلاتنا في شيء يُسمى القنوت للنازلة، والقنوت للنازلة مدته شهر، ونحن ما زال هذا العدوان مستمرًا منذ أسبوعين تقريبًا، ولا يزال أمامنا أسبوعان للقنوت. وهذا القنوت في رأيي أن له أثرًا كبيرًا حتى في شحذ الهمم وفي استجابة الدعاء وهكذا فنحن ندعو له.
وثانيًا، نستخدم كل وسيلة نستطيع أن نفعلها. والحمد لله فُتِحت المعابر ودخلت المساعدات، حتى الآن خمسون طبيبًا مصريًا هؤلاء الخمسون طبيبًا مصريًا معرضون للقتل وإلى الشهادة. كل حسب ما استطاع وعمله، فندعو الله أن يرجعوا بالسلامة وأن يؤدوا مهمتهم هناك وغير ذلك.
النقطة الثالثة: أن كل المعونات التي نرسلها سواء عن طريق الجهات الدولية أو عن طريق الهلال الأحمر وغير ذلك كلها في ميزان الحسنات.
قضية غزة ليست الأصل بل الأصل هو احتلال الأرض وفقاً للقانون الدولي
إنشاء الرأي العام، لكنني أقول إن ليست قضية غزة وليست مصيبة غزة الآن هي الأصل. لا تنسينا أن هناك احتلالًا للأرض. احتلال الأرض هو الأساس، هو الذي جعل كل تصرفات أهل غزة إنما هي كفاح مسلح طبقًا لاتفاقية جنيفا الأولى والثانية والثالثة والرابعة.
فيأتي هو يقص هذا الجزء ويقول هؤلاء يضربونني. حسنًا، ألست محتلًا؟ فلتتفضل وتسلم الناس أرضها لكي ننتهي من هذه القصة.
وإذا سلمتهم أرضي هل سأكون آمنًا؟ أنت غير راضٍ أن تضع جدولًا ولم تضع في حياتك جدولًا، وعندما تضع جدولًا جزئيًا لا تنفذه. لماذا نضحك على بعضنا؟
العدوان الإسرائيلي في سياق الاحتلال وفشل نموذج الإبادة التاريخي
الذي يحدث الآن في الظاهر أمام العالم أنه عبارة عن عدوان وإرهاب من المساكين أهل غزة على آلة الحرب الإسرائيلية. لماذا؟ لأنهم يضربوننا بستين صاروخًا. نعم، ولكنك محتل! أنت لا تدرك أنك محتل. أنسيت أن قرارات الأمم المتحدة كلها تصفك بأنك محتل.
حماس تتحدث الآن ليس عن حدود ثمانية وأربعين، ولن نلقي إسرائيل في البحر، إنها تتحدث الآن عن حدود سبعة وستين. فهم يريدون أن يجعلوها لا الأسبوعان الماضيان. الله طيب، والتاريخ كله هذا ما من أحد سيقبل بهذا.
ضع حضرتك إذا أحببت أن تكون، لكنها استراتيجية واضحة كانت في القديم أن نهلك هذا الشعب: النموذج الأسترالي في إهلاك شعب تسمانيا، والنموذج الأمريكي في إهلاك الهنود الحمر، والنموذج التاريخي الإسباني في التهجير وربط التغيير بالدين وإبادة الآخرين في محاكم التفتيش. هو نموذج لم يستطيعوا تطبيقه هنا.
صمود أهل غزة ورفضهم الاستسلام والعودة إلى أصل القضية وهو الاحتلال
كان من المفترض أن ننتهي في دير ياسين وفي خان يونس فتنكسر. هذه هي الفكرة القديمة للاستعباد: الغالب يستعبد المغلوب، يعمل عنده خادمًا. لم يرضوا أن يعملوا عندهم خدمًا، ولم يرضوا أن يسكتوا. هذا أمر غريب جدًا!
إذن، أنتم ظلمة. الله، نحن لسنا قادرين عليكم أن نبيدكم. لماذا أنتم عنيدون؟ لماذا لديكم عناد؟ لماذا لا تستسلمون وانتهى الأمر؟ غير راضين أن يستسلموا.
ماذا عن العودة إلى الأصل وهو الاحتلال؟ أنا أرى أن قضية غزة على ما فيها من مآسٍ وبكاء نبكي فيه بالليل والنهار لإخواننا في غزة، ليست هي الأصل. لا ننسَ، فلو أخذنا غزة فقط هكذا، فإننا نرجو وقف إطلاق النار من الطرفين والتهدئة والجلوس إلى المفاوضات.
التفريق بين الموقف العملي والقضية الأصلية: هؤلاء مستعمرون والقانون الدولي يجيز المقاومة
نعم، هذا صحيح. هذا من الناحية العملية، لكن ليس من ناحية القضية. من ناحية القضية، هؤلاء مستعمرون وهؤلاء محتلون، وتجيز كل القوانين الدولية أن يضرب المُحتَل المستعمَر.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المنافقون: 4]
الدعاء والمساعدات والرأي العام وتنوير المسألة بالقضية هو هذا الذي في طاقتنا الآن.
هل انتهى باب الاجتهاد؟ لا، الاجتهاد مفتوح ما دام الواقع يتغير
هيا، عندي مجموعة [من الأسئلة]. حسنًا، لماذا لا تحضرهم جميعًا هكذا بالصلاة على النبي؟ حسنًا، تفضل. وما هذا الموجود هناك؟ هذه غزة. هذه أسئلة متكررة. هات أرنيها. هيا، ضع، بسم الله.
هيا، يقول [السائل] أن الاجتهاد انتهى. لا، لم ينتهِ. الاجتهاد ليس له باب حتى يُغلق، لكن في عصورٍ ماضية لم نكن في حاجة إلى اجتهاد جديد لأن الواقع لم يتغير.
الشيخ الباجوري لكي يصل إلى الإسكندرية ليزور أقاربه أو يؤدي واجب عزاء، مثل عمر بن الخطاب لو فعل هكذا في هذا العصر. فإن الشيخ الباجوري هذا كان قد توفي سنة ألف ومائتين وثمانية وخمسين هجريًا (ألف وثمانمائة وخمسين ميلادي)، ألف ومائتان وسبعة وسبعين هجري. بينه وبين عمر ألف ومائتان، هو سبعة وسبعين. ما رأيك أنها واحدة؟
تغير الواقع يستوجب اجتهاداً جديداً: مثال المواصلات والاتصالات الحديثة
بعد ذلك أذهب أنا إلى الإسكندرية وأعزي وأعود، وزوجتي لا تعرف. لماذا؟ لأنه توجد اتصالات ومواصلات وتقنيات حديثة مكنت الأمر من ذلك.
تغير الواقع فنحتاج إلى اجتهاد جديد في هذا ببساطة.
المقاطعة يجب أن تكون من الدول لا من الأفراد لتكون ذات أثر حقيقي
الرد على هذا: ما رأيكم في المقاطعة؟ هل لها أثر حقيقي؟ أنا أرى أن المقاطعة لا بد أن تكون من الحكومات والدول لكي يكون لها أثر حقيقي.
أنا اليوم عندما أقول إنني أريد مقاطعة ماكدونالدز الذي لدينا، كيف أقاطعه؟ هذا ملك أبنائي، هذا ملكي وليس ملك الذين هناك. بيبسي هذه خاصتنا نحن، كيف سأقاطعها؟
فالعملية ليست هكذا. من يريد أن يعمل مقاطعة، يجب أن تكون مقاطعة من الدولة. لا تدخل هذه المسألة أصلًا. لكن ماذا سنفعل نحن؟ حسنًا، هذه منتجاتنا. فهذه عملية عاطفية، لكن لا بد أن تكون - إذا أردناها - أن تكون من جهة الدول وليس من جهة الأفراد.
التشريعات الحالية لا تخالف الشريعة مخالفة جسيمة وشهادة حسن الهضيبي
التشريعات الحالية لا يوجد بها ما يخالف الشريعة مخالفة جسيمة. القانون المدني كان يحكم به حسن الهضيبي [المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين].
وفي محكمة الثورة عندما قبضوا عليه في قضية الإخوان قالوا له: أنت مستشار، كيف تحكم بغير ما أنزل الله؟ فقال لهم: من الذي قال لكم أن هذا غير ما أنزل الله؟ هذا الكلام محكمة الثورة.
الموجودة حاليًا لا تخالف الشريعة إلا على سبيل الاجتهاد. فما هي المخالفة الجسيمة؟ لا، ليس هناك مخالفة جسيمة، ولكن ربما هذا القانون يخالف رأيي أنا واجتهادي الشخصي، وأقول إنه باطل وغير شرعي. والذي يضعه يقول لي: لا، إنه ليس باطلًا وهو شرعي.
اختلفوا مع بعضهم على حد هذا الاجتهاد وليس على حد المناطاة بالكفر.
هل القانون المصري الحالي مطابق للشريعة الإسلامية بوجه من الوجوه؟
هل معنى كلامكم أن القانون الحالي المحكوم به في مصر مطابق للشريعة الإسلامية بوجه من الوجوه؟
نعم، مطابق للشريعة الإسلامية طبقًا لوجهة النظر التي لم تخرج عن الشريعة، والتي تقول أنه يجيز إيقاف الحدود وأن هذا إيقاف وليس إنكارًا، أن هذه الفائدة الصغيرة ليست ربا إلى آخره.
وأنا مختلف معها مذهبيًا. أنا لا أقول مذهبي، بل أقول إن هذا الجزء مخالف لأن الدليل القائم في الكتاب والسنة يقول كذا وكذا. فيعود هو ليرد عليّ. لو عقدنا مناظرة بيني وبين السنهوري باشا سيكون الحق لي [أو] له حججه وأنا لي حججي.
التجربة المصرية تقوم على حرية الفكر والثراء الاجتهادي دون تكفير
وهذه هي حرية الفكر، وهذا هو الثراء الذي ينبغي أن يكون. وهذه هي التجربة المصرية التي ينبغي علينا أن نستمع ونأخذ ونعمل فيها، وهكذا من غير تفسيق ولا تكفير ولا اتهام بالخيانة ولا اتهام بالعمالة ولا اتهام بأشياء لا طعم لها.
على أحد الوجوه، أجل، على أحد الاجتهادات. نعم.
تطور قانون الأحوال الشخصية من المذهب الحنفي إلى الأخذ من عدة مذاهب
أغلب الشريعة مبنية على المصلحة. كان قديمًا القانون مأخوذًا من المذهب الحنفي فقط، فجاء الشيخ المراغي وقال: يا جماعة، لدي مقترح أن نطور قانون الأحوال الشخصية وأن نأخذه من مجموعة من المذاهب وليس من المذهب الحنفي فقط.
وجاء شخص اسمه أحمد بك إبراهيم، هذا أحمد عَمِل مشروعًا أيضًا. فرد عليهم أحد يُدعى الشيخ طه الديناري وفسَّقهم هما الاثنين! وقال لهم: على فكرة يا شيخ الأزهر - الذي هو الشيخ المراغي - وعلى فكرة يا علامة الزمان يا وحيد عصرك - الذي هو الشيخ أحمد بك إبراهيم، وكان من كبار العلماء - أنتما فسقتما!
سبب التفسيق كان الخروج من المذهب الحنفي وليس مخالفة الشريعة
جلست لمدة شهر كي أفهم فقط لماذا يقول لهم أنتم فاسقون. وفوجئت فصُدمت أن هؤلاء الناس لم تلتزم بالفقه الحنفي فأصبحوا فسقة!
وألّفت في هذا الأمر كتب كثيرة عن كيفية التلفيق بين المذاهب، وكيف لا تكونون على أصل واحد. أنتم أصحاب هوى، أنتم أصحاب مصلحة، أنتم وهكذا. لم تأتِ ولم تمر سهلة هكذا.
الآن مجمع البحوث ودار الإفتاء وما أدري ماذا من المؤسسات تفتي بالفقه الوسيع. عندما وجدت مصالح الناس متعطلة، وعندما وجدت أن الفقه الوسيع - وهل أخذنا من ديانة أخرى من شرق آسيا؟ - هو كلام الأئمة أنفسهم، والموافق ليس للمقاصد والمصالح والمآلات فحسب، بل والموافق للنصوص أيضًا. وهكذا.
قضية الخلع في الإسلام: الأصل من السنة النبوية وليس من اجتهاد الأئمة الأربعة
عندما جئنا في قضية الخلع: ما هم الأئمة الأربعة؟ الرجل يطلب منها ما يريده الله، كده خلاص ألغيناه. مرة أخرى هي تريد أن تخلعه، فقال لها: حسنًا، أعطيني مليون جنيه. قالت: ليس معي.
فجئنا في القانون وقلنا: تدفع له أولًا لا تأخذ مؤخر الصداق، وما كتبوه في مقدم الصداق فقط. فقال أحدهم: لكنكم بهذا مخالفون للأربعة! قلت له: اطمئن، فنحن بهذا مخالفون للفقه الإسلامي كله، اطمئن.
فقالوا: من أين تأتون بهذا؟ قلت له: من سيدنا رسول الله ﷺ.
قال رسول الله ﷺ لامرأة ثابت بن قيس: «رُدِّي عليه الحديقة وطلقها تطليقة»
قالت: يا رسول الله، أرد عليه الحديقة وأزيد؟ ضجرت منه كثيرًا، انتهى الأمر معه تمامًا، وزِد عليه أيضًا، لكن خلّصني من هذه القضية.
تفاصيل حديث الخلع: النبي يرفض الزيادة على رد الحديقة حماية للعدل
وفي بداية العرض كانت تقول له: يا رسول الله، إني أكره الكفر بعد الإيمان، أي إذا لم تُبعِد هذا الرجل من أمامي فسوف أكفر. أصبح الأمر مستعصيًا ولا حل له.
فقال [النبي ﷺ]: لا، لا، ولكن يمكنك أن تخلعيه، لكن رُدِّي عليه الحديقة. الآن، فليس كل فترة يتزوج امرأة وتأخذ منه أمواله وتتركه هو على البلاط وهي تزداد ثراءً وتجعلها العدل.
قال رسول الله ﷺ: «رُدِّي عليه الحديقة وطلقها تطليقة»
قالت: أرد الحديقة وأزيد؟ قال: أما الزيادة فلا. كيف يتكلم هكذا وهو سيد المرسلين؟ قال: أما الزيادة فلا.
فهل أنا آتي وأتحدث [من عندي]؟ الأصل أن الإمام الشافعي قال، والإمام مالك قال. إنما طه الديناري فسّق المشايخ، وعُرِف التفسيق وسببه أنه خرج من المذهب الحنفي. هذا الكلام غير سديد.
مشاريع تعديل الدستور المصري وقوانين الشريعة: ما لها وما عليها
ما رأيكم في المشاريع القانونية التي تقدم بها بعض المجتهدين بشأن تعديل الدستور المصري، حيث الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وتم غلق وعدم العمل بها؟
هذه القوانين وضعها أستاذنا الدكتور صوفي أبو طالب ولها ما لها وعليها ما عليها. وأنا عندي نسخة كاملة منها قرأتها من أولها إلى آخرها، وهي لا تخرج إلا في بعض المواد عن الحاصل الآن.
وهذه المواد هي مسألة الحدود ومسألة أنه أزال كلمة الفوائد التي هي مختلف عليها، وبقية الموضوع ها نحن لم نفعل شيئًا وسيظل الأمر هكذا. أتريد التغيير أم تريد الإزالة أم تريد التقديم أم تريد التأخير؟ توجد طرق دستورية نصل بها إلى هذا من خلال مجلس الشعب.
حكم القرض البنكي لتحسين السكن: جائز إذا توسطت السلعة بين البائع والمشتري
حسنًا، يقول السائل: سمعت أن أخذ قرض من بنك بغرض تحسين مستوى السكن ليس حرامًا، هل هذا صحيح؟
القضية أنه ما دام البنك سيشتري لك مكانًا بمائة ويبيعه لك بمائة وخمسة فهذا حلال؛ لتوسط السلعة التي هي الشقة [بين البائع والمشتري].
كيف نبني إيجابياً على القراءة غير المتحيزة للتجربة المصرية وحفظ الهوية
يقول السائل: كيف يؤثر هذا على فقدان الهوية المصرية وبالأخص على نسيج المجتمع المصري الأصيل؟ كيف نبني إيجابيًا على هذه القراءة غير المتحيزة في مجال العمل المدني؟
متحيزة Biased بحرف الزاي أخت الراء يا إخواننا.
قصة الرجل صاحب الكشك: الموروث الإسلامي في المجتمع المصري وشهامة ابن البلد
عندما آتي في رمضان أجد هناك شيء موروث. ذات مرة كان لدينا - رحمه الله - رجل يملك كشكًا على رأس الشارع يبيع فيه الحلويات وما شابه، وكذلك الجرائد وأشياء مثل ذلك.
وهذا الرجل كان - رحمه الله - من تجار المخدرات، أي تجار التجزئة. وكان - رحمه الله - نعم، وكان - سبحان الله - كان شهمًا وفيه روح ابن البلد المصري.
أنا لدي ثلاث بنات، فعند عودتهن في سيارة أجرة أو نحوها، فهو يرقمهم أي يتابعهن عن بعد، ويرى أنها ليس معها فكة [فئة نقود صغيرة]، قدمت للسائق النقود وليس معه فكة المتبقي لهن من النقود، فيسارع ويحاسب سائق الأجرة شهامةً منه. فكرة بنت حتتي [ابنة منطقتي]، أنه لا أحد يضايقها ولو تحدث إليها أحد ستصبح مصيبة كبيرة. ابنة منطقتي، وهو لم يكن يصلي ولا يصوم.
قصة الرجل الذي يفطر في رمضان لكنه يضرب ابنته لأنها أكلت قبل المدفع
وأنا في المسجد تفاجأتُ به مرة فدخل، وبدأ يلوم إمام المسجد أو الرجل الذي يقيم الشعائر لأنه لم يأتِ بالأمس ليقرأ على المتوفى رحمه الله، وكيف ذلك وهو ابن منطقتنا؟ وقد قلت لك تعالَ، وكنت سأعطي المال الذي تريده. وظل يشتمه بما يناسبه.
هذا الرجل رأيته وهو يدخن، ولم تكن قد صدرت بعد فتوى أن الدخان لا يفطر - هذا منذ ثلاثين سنة - الرجل يدخن ومفطر في رمضان. فعندما يجدني قادمًا يقوم بإخفاء السيجارة لكي لا أعرف أنه مفطر في رمضان، رغم وضوح الدخان من حوله!
الدخان واضح عليه. جاء ليضع صينية البطاطس باللحم وأنا داخل قبل الإفطار، سأصعد إلى بيتنا. فالبنت ابنته الصغيرة التي لا يجب عليها الصيام، مدت يدها وأخذت قطعة بطاطس وأكلتها، فضربها وقال لها: لم يُدق المدفع بعد!
رمضان قهره: معنى حضاري واجتماعي عميق عن الموروث الإسلامي في مصر
فتعجبت من هذا التناقض، وذهبت لأسأل شيخي وقلت له: الرجل فعل كذا وكذا، رجل يفطر ويضرب الفتاة التي ليس عليها صيام لأنها أخذت قطعة بطاطس من الصينية وأكلتها.
فقال لي كلمة ظلت معي سنتين طويلتين وأنا أحاول فهمها. قال لي شيخي: رمضان قهره. الإجابة فقط كانت "رمضان قهره".
ماذا يعني رمضان قهره؟ وجلست أفهم فيها لمدة خمسة وعشرين سنة بعدما قال لي الشيخ، وكل فترة تتضح لي معانٍ حضارية واجتماعية (سوسيولوجية) أي موجودة في القاموس، ومعانٍ إنسانية. وجدت أن المقصود أن رمضان الموروث قهره، أصبح ذهنه مرتبطًا [بأن] الأكل في وقت المغرب، وهذا يسبب له لذة وجمالًا وحلاوة بالرغم من أنه مفطر أصلًا، لكنه لا يريد أن يترك هذه اللذة أنه ينتظر المدفع.
الهوية المصرية: مجموعة من العلماء والمفكرين وبناة الحضارة لا أناس فاشلون
مصر فيها خير. هذا يسألني عن الهوية المصرية. لو أننا عرفنا أن مصر هي مجموعة من العلماء والمفكرين وبناة الحضارة ومعمّري الأرض ومن نجحوا في التعامل مع العصر ومع الحياة، هذه هي هويتنا.
لو أننا قلنا أننا أناس فاشلون لا نساوي شيئًا في مقياس الأمم، ولماذا نجلس نخدع أنفسنا؟ فكل الناس أفضل منا. نحن أناس لدينا قذارة ولدينا تفكك ولدينا مشاكل كثيرة، ثم نجلس نذكر أسوأ ما فينا.
الحقيقة أنني أقول: أن ذلك مثل شخص عندما يجد الماسة على شكل عين قط أو عين الهر في القمامة، فيجلس يصف في القمامة وهو غير قادر على حمل الجوهرة ووضعها تحت الصنبور لفترة بسيطة هكذا، وأن يضع عليها قطعة منشفة، ثم يضعها على تاج مصر.
الأزمة الحقيقية: شتم أنفسنا وتضييع تجاربنا بدلاً من إنارتها للعالمين
هذه هي الأزمة التي أنا واقع فيها. ما أسوأ أن نشتم أنفسنا وأن نضيع تجاربنا، وبدلًا من أن ننيرها أمام الناس حتى تكون هداية للعالمين، نجعلها أسفل سافلين من كل جهة.
مرة من جهة شرق البحر المتوسط والأحمر، ومرة من جهة غرب الصحراء الليبية، ومرة من جهة الشمال، ومرة من جهة الجنوب. أقول أن هذا نوع من أنواع العدوان - مقصودًا كان أم غير مقصود - على الهوية.
تصدير الغاز لإسرائيل: كل شخص سيُسأل عن مسؤوليته يوم القيامة
يقول السائل: ما رأي حضرتك في تصدير الغاز لإسرائيل من مصر، وهل هي وسيلة ضغط على إسرائيل؟
هم يقولون هكذا، يقولون إنها وسيلة ضغط على إسرائيل، وليس لدينا وسيلة غيرها. الله أعلم، كل شخص سيُسأل عن مسؤوليته يوم القيامة.
قضية غزة أصلها الاحتلال ويجب بناء الاستراتيجية على هذا الأساس
سائل يسأل عن غزة: هل ولاؤنا الأول للوطن، وماذا قدمنا مما أعطانا الله لبلدنا أم ديننا؟
إذا أمسكنا القضية من الأول فهي حكاية تتعلق بالاحتلال. لا بد أن ننكر الاحتلال وأن نعيد الأوراق مرة ثانية، ونرى الاحتلال، وأن نبني استراتيجيتنا على هذا الاحتلال. هذا هو الذي نتكلم فيه ولن نمل.
لأنه أي توصيف آخر سنكون في متاهة. هل حماس متخاصمة مع فتح أم لا؟ هو لا أعرف ماذا، متخاصم مع ماذا؟ وما شأني أنا بهذه القصة! هذا شعب يُذبَّح، والأصل في ذلك هو الاحتلال.
الفرق بين الهدية والرشوة في الفقه الإسلامي
سائل: ما حكم الهدية (الرشوة)؟
لا، الهدية غير الرشوة. وقد ألَّف عبد الغني النابلسي كتابًا ماتعًا أسماه "تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية".
لأنني عندما تأتيني بعض الأجندات من هنا ومن هناك في بداية السنة، أحيانًا يرسلون أشياء صغيرة لنضعها على المكتب أو مقلمة أو ما شابه. هذه هدية. والحقيقة أنه ليس بيني وبين هذه المؤسسات المرسلة أي مصلحة أكل بها أموال الناس، فليست رشوة. والواقع أنه ليس بيني وبينه إلا عادة التبادل، وكذلك هو كاتب اسمه على هذه الأشياء التي أضعها فهذا إعلان له وهو لمصلحته وليس لمصلحتي، وهذا عكس الرشوة.
الرشوة هي البرطيل الذي يُعطى لأكل أموال الناس بالباطل وقصة قفص البرتقال
أما الرشوة فهي البرطيل الذي يُعطى لذي السلطان حتى يأكل به أموال الناس بالباطل. هذه قضية أخرى. لا بد أن يكون هناك خصم، لماذا يجب عليّ أن آكل حقه عن طريق هذه الرشوة إن آجلًا أم عاجلًا؟
أي لو كنت أرسل قفصًا من البرتقال من المزرعة للقاضي طوال عمري أفعل هذا، وبعد ذلك حدثت بيني وبينه قضية، أو كان ما يزال في كلية الحقوق فكنت أرسل لأبيه، ثم أصبح قاضيًا فذهبت وأرسلت له قفصين. وأرسلت القفصين بعد أن صار لي مصلحة عنده.
إذن القفص الأول عادة، والثاني هدية، والثاني قلة أدب.
تحدث الشيخ عبد الغني النابلسي بتفاصيل كثيرة أوضحت أن المسألة ليست هكذا.
هل أفتى الشيخ محمد عبده بجواز الاعتصام السلمي للعمال؟
ويقول السائل: إن الكتاب الذي يخص وزارة التنمية يريدون اختصاره. وهو ما أخذه الدكتور أحمد درويش وعمل به هذا الكتاب الذي هو [تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية]. فأنت تريد أيضًا أن يُختصر إلى واحدة فقط.
سائل: هل أفتى الشيخ محمد عبده بأن الاعتصام السلمي للعمال يجوز؟
الشيخ محمد عبده من ناحية إفتاؤه وفي دار الإفتاء صدر منه تسعمائة وأربع وأربعين فتوى في مدى ست سنوات، ليس فيها شيء عن الاعتصام السلمي.
لكن الشيخ محمد عبده كان له جانب آخر - لأن المهندس وائل قال وجه، أنا أحب أن أقول جانب أكثر من وجه، لأن الذي له وجهان هذا - بعيدًا عنك - سيء - له جانب آخر وهو أنه كان كاتبًا، بل كان رئيس تحرير الوقائع المصرية، وكان يكتب أيضًا في المنار لتلميذه رشيد رضا.
التفريق بين محمد عبده الكاتب ومحمد عبده المفتي
فبعض الناس دائمًا يخلطون بين محمد عبده الكاتب ومحمد عبده المفتي. أثناء الكتابة في عصف ذهني ليس ضروريًا أن يكون فتوى.
فمحمد عبده، من تجاربه وسفره وما إلى ذلك، ربما له وجهة نظر يعرضها، وهذا ليس نوعًا من أنواع الإفتاء.
فتاوى محمد عبده كانت قصيرة فأثارت الجدل وتلميذه عبد المجيد سليم وسّعها
السائل: أحداث غزة الحزينة؟ أنا حزين.
السائل: متى يأتي الوقت الذي يستطيع فيه الدعاة أن يجتهدوا دون خشية تكفير بعضهم البعض؟
الدعاة هو الدعاة لا يجتهدون، ولكن العلماء هم الذين يجتهدون.
ويكمل السائل: وأن الشيخ محمد عبده كان متعب مع عصره وكان يصدر فتاوى مثيرة للجدل؟
هو في الحقيقة، يقول الشيخ عبد المجيد سليم - وكان من تلامذة محمد عبده وتولى الإفتاء أكثر من سبعة عشر عامًا - كان الشيخ محمد عبده في طريقة إفتائه سببًا في هذا الجدل؛ لأنه كان يُفتي بكلمة واحدة مختصرة، ففتواه قصيرة فكانت تُثير الجدل.
وقال الشيخ عبد المجيد سليم عن نفسه: كنت آخذ الفتوى فأوسعها وأُدلِّل عليها وأناقش فيها وأُبيِّن وجهة النظر، فلا يعترض عليها أحد.
منهج الإفتاء: النقل من الكتب وإبراز مجهودات السلف لطمأنة القلوب
أي أن الشيخ [محمد عبده] لم يكن لديه وقت، وكانت طريقته متعبة قليلًا للذهنية الموجودة. الذهنية الموجودة تريد النقل من الكتب، لم يكن ينقل من الكتب. بينما الشيخ عبد المجيد سليم كان ينقل من الكتب، فكانت الفتاوى تخرج هي، لكن هذا بعد أن قال ماذا؟ قال ابن عابدين في الحاشية، قال في المبسوط السرخسي، قال فلان. فيقال هذا صحيح. فكان يفعل هكذا الشيخ عبد المجيد سليم.
أنا أخذت هذه الكلمة من الشيخ عبد المجيد سليم، وكل الفتاوى أجريت لها أبحاثًا في ثلاثين ورقة وأربعين ورقة. الفتوى تكون ثلاث ورقات أو أربع ورقات، أعمل لها بحثًا كاملًا لأجل كل فتوى. الذي يريد أن يتوسع، والفتوى نفسها تحتوي على هذه النقول لكي يفهموا أن هذا الكلام ليس فقط اجتهادنا.
نسبة الفضل للسابقين ومنهج إبراز ثراء الأمة الفقهي
بل إنه قد وافق اجتهادنا اجتهاد السابقين، وأن هذه الأمة أمة ثرية ولديها كلام كثير جميل والناس ليست ملتفتة إليه.
فبدلًا من نسبة الفضل لنفسي في أغلب الأحيان، أنسبه إلى ذويه، وفي نفس الوقت تطمئن القلوب، وفي نفس الوقت هو منهج للتفكير وإبراز لمجهودات السلف السابقين.
مقولة رأيت في بلاد الأجانب إسلاماً بلا مسلمين: لم تثبت عن محمد عبده
السائل: رأيت في بلاد الأجانب مسلمين بلا إسلام ورأيت في مصر إسلامًا بلا مسلمين. ماذا يمكن أن نفعل حتى ننشر السلوك الإسلامي الراقي وكي يعلم الجميع أن الدين معاملة وسلوكيات وليس مجرد كلمات؟
طبعًا هذه العبارة منسوبة إلى الشيخ محمد عبده، ولقد بحثنا عنها كثيرًا فلم نجدها. وبحث عنها الدكتور عمارة، وبحث عنها المؤلفون في محمد عبده فلم يجدوها أبدًا، لا في المجلات ولا في الكتب ولا في غير ذلك إلى آخره.
ولعل جلستنا هذه تكون أحد أنواع هذا الذي نريده من أن نكون سويًا جميعًا مع بعضنا.
كتاب العدل والإنصاف في الأوقاف لقدري باشا وليس لمخلوف المنياوي
السائل: ذكرتم أحد المجلدات وأظنها من الشيخ مخلوف المنياوي عن الأوقاف؟
لا، ليس الشيخ مخلوف، بل الشيخ قدري باشا، محمد قدري باشا.
ويكمل السائل: هل كان هذا قانونًا للأوقاف؟
حاول أن يعرضه على الحكومة ليكون قانونًا، ولكن الأمر لم يمهله.
ضعف التجربة المصرية يأتي من جهل الناس بها لا من افتقارها للطبيعة
السائل: هل ترى فضيلتكم أن ضعف التجربة المصرية يأتي من رؤية الآخرين لها أم لافتقارها الطبيعة؟
تأتي من جهل الناس. تحت أيدينا كنز ونحن غير راضين بأن نُخرجه فقط.
حديث افتراق الأمة ضعيف والاجتهادات الفقهية لا علاقة لها به
السائل: قال الرسول ما معناه: سوف تنقسم أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة. هل كل الاجتهادات التي تحدثت عنها تنافي هذا الحديث؟
الأصح أن تكون سبعين، وذلك لأنها مجرورة بـ"على".
أولًا، هذا الحديث ضعَّفه الأئمة تمامًا، فلنترك الاستدلال به. بينما بشَّرنا النبي ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى أن تأتي الساعة»
وعلى كل حال، فإن الاجتهادات والمذاهب تبلغ خمسة وثمانين مذهبًا، والآراء في مليون ومائتي فرع فقهي لا علاقة لها بهذا الكلام.
مصر دولة إسلامية وليست علمانية والرد على الساعين وراء الفتنة الطائفية
السائل: تم إيضاح أن القانون مبني على الشريعة الإسلامية وليس على القانون الفرنسي، فإلى الآن مصر دولة إسلامية ليست علمانية. فما الرد على الساعين وراء الفتنة الطائفية أن ظلم العمل بالقانون الإسلامي ووجوب إيجاد قانون مدني عالمي؟
هو في الحقيقة يعني أن كثيرًا جدًا من إخواننا المسيحيين يؤيدون ما يجري في مصر الآن. والطائفة لا تريد، هو رأي أيضًا وموجود عند المسلمين.
أنا كنت أشاهد أمس برنامجًا وفيه شخص مسلم اسمه محمد - أجاركم الله - وقد أحضر، كي نعرف فقط حكاية مسلم ومسيحي وما شابه، شخصًا مسيحيًا. والشخصان يعملان في مجال الموسيقى. فالمسيحي يقول له: انظر، هذا اللحن جميل جدًا. فيرد الشخص المسلم: كيف تقول أنه جميل؟ كيف يعني؟ قال له: هذا جميل، أنت لم تنتبه أنه كان ينبغي أن يكون غربيًا هكذا؟
أصبحت القضية الآن قضية هوية وتغريب وليست قضية حداثة. هما اثنان يتحدثان في الموسيقى. فلنتحدث إذن في [الأمر]: فواحد وطني وهو مسيحي، والآخر متغرب وهو مسلم. فالقضية ليست هكذا.
المشكلة ليست في مطابقة القانون للشرع بل في عدم تطبيق العدل
السائل: أعتقد أن المشكلة تكمن غالبًا في القانون، فالناس يفكرون أن في القانون أصله ونسبته تطبيق:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42]
وهم أولئك الذين يعدلون.
ما رأي فضيلتكم في أن ما يثير الناس ليس مطابقة القانون للشرع، ولكن هو عدم تطبيقه أصلًا؟
حسنًا، ليكن هذا. لكننا نتحدث عن نقطة أخرى وهي أن كثيرًا من الناس يفتحون ملفًا آخر غير ملف العدل ووجوب تطبيقه. والعدل هو أساس الملك، وإذا كنا لا نعدل فلا بد علينا جميعًا أن ندعو إلى العدل.
هذه قضية ثانية، فالدعوة إلى العدل هذه دعوة أساسية ليست فقط مشروعة بل هي أصلية، ولا لنا كمصريين إلا بالعدل. وإنما نحن نقول شيئًا آخر: يقول إن هناك أناسًا ينتقدوننا ويقولون هذا صحيح أم خطأ؟ هذا ملف وذاك ملف.
غياب معيار قياس الأخلاق وضرورة تكاتف الإعلام والتعليم لإحداثه
السائل: عدم وجود معيار قياس حقيقي للأخلاق في المجتمع المصري؟
صحيح، وهذا أصبح شأنًا لا بد عليه أن يتواءم ويتكاتف فيه الإعلام مع التعليم مع كل الجهات في:
- أولًا: إحداث هذا القياس
- ثانيًا: الدعوة إلى الالتزام بها
وهذا يزداد صعوبة كل يوم مع الأقمار الصناعية والقنوات المفتوحة والأخلاق العالمية الأمريكية التي تريد أن تنفلت الأمور.
أكثر الأسئلة تكراراً: الزواج والطلاق، وأصعبها: تصدير الغاز لإسرائيل
سائل: ما السؤال الذي يتكرر عليكم بصورة دائمة؟
والله الزواج والطلاق. قلت لي على الطلاق، طلقت أم لم تطلق؟
السائل: ما السؤال الذي يُطلب دراسة كبيرة قبل الإجابة عليه؟
تصدير الغاز لإسرائيل.
السائل: ما السؤال الذي تحب أن يسأله أحد إليكم؟
كيف نذكر ربنا؟ أنا أعرف أنك درويش.
لماذا لا يُمثَّل الإسلام في الإعلام العالمي برموز محترمة بدلاً من المتطرفين؟
السائل: لماذا لا يُمثَّل الإسلام في وسائل الإعلام العالمية برموز محترمة مثل حضرتكم حتى يظهر المعنى الحقيقي للإسلام؟
والله هذه خطة. عندما أذهب إلى لندن ولم أظهر في التلفزيون ويظهر "أبو هوك" هذا الذي اسمه أبو حمزة المصري، تكون خطة. عندما تنتقل صلاة الجمعة من مسجد أبو حمزة المصري الإرهابي المجرم ولا يسمعون كلام الشيخ الغزالي، تكون خطة.
وهذا الكلام قلناه لسايمونز، وقلنا للبارونة سايمونز وزيرة الشؤون الخارجية، قلناه لكل الناس الذين اتصلنا بهم في باريس وفي لندن وفي أماكن أخرى: اتقوا الله في أنفسكم، أنتم الذين تؤدون إلى الإرهاب. لكن هناك أجندات أخرى.
سؤال عن البورصة ومحاضرة تغير فكر عشرين سنة في أربعين دقيقة
سائل: شخص يسألني عن البورصة؟
الذي فعلته هذا حلال، ويمكنك استخدام الأموال التي حصلت عليها.
سائل: محاضرة في أربعين دقيقة تغير فكر ما حصل لنا في عشرين سنة؟
والله هكذا. أنا اطمأننت على نفسي أنني استطعت أن أرسل الرسالة التي أريد أن أرسلها.
الدعاء الختامي: اللهم انصر أهل غزة واشرح صدورنا واجمع كلمتنا
فاللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، واجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت.
اللهم اشرح صدورنا واجمع كلمتنا وانصر أهل غزة على عدوهم يا أرحم الراحمين. اللهم ارفع أيدي الأمم عنا ومكنّا في الأرض، وأعنا على عبادتك حسن العبادة، وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والعدل والنهي عن المنكر والظلم.
اللهم يا ربنا آمين. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
